islamaumaroc

موطأ علي بن زياد

  محمد صلاح الدين المستاوي

235 العدد

موطأ على بن زياد كتاب من نفائس المخطوطات في الفقه الإسلامي، ظل رهين الخزانات الخاصة لا يرى النور، ولا يتعرف على ما فيه المهتمون بالفقه الإسلامي عامة والمالكي بصفة خاصة إلى أن اتجهت إليه عناية فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر فقدمه ودرسه دراسة عميقة ونشرته في طبعة أولى الدار التونسية للنشر سنة 1978، ثم توالت طبعاته بعد ذلك في الشرق العربي بواسطة دار الغرب الإسلامي، فطبعته طبعة ثانية سنة 1980 ونفذت، وطبعة ثالثة سنة 1981 ونفذت، وطبعة رابعة سنة 1982، ولن تكون الأخيرة، إذ الإقبال على هذا الكتاب الهام يزداد يوما بعد آخر وتحرص على اقتنائه كل المؤسسات التعليمية والجامعية والإسلامية.
وأهمية هذا الكتاب ( موطأ بن زياد ) متأتية من أن موطأ الإمام مالك بن أنس هو أول كتاب دون في العربية بعد كتاب الله القرءان الكريم، فقد دون قبل كتب الصحاح المشهورة كالبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والنسائي. وروايات الموطأ عن الإمام مالك كثيرة تجاوزت الستين رواية، في كل رواية اختلاف وزيادة مثرية عن الرواية الأخرى.
ولقد ظلت روايتا يحيى بن يحيى الليثي المصمودي ومحمد بن الحسن الشيباني هما كل ما تصل إليه أيدي القراء من روايات الموطأ. وفى السنوات الأخيرة ظهرت في تونس قطعة من رواية القعنبى وهى رواية ذات قيمة وأهمية فأضافت إلى الروايتين رواية ثالثة. ثم أخرج فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر رواية على بن زياد الإفريقي، ولهذه الرواية خصائص ومميزات تذكر في هذه العجالة بعضها تاركين لاهتمام القارئ التوجه إلى هذه الرواية بنفسه ليرى أهميتها وقيمة الجهد العلمي الذي بذله في سبيل إخراجها فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر.
تقارب صفحات الكتاب الثلاثمائة من الحجم المتوسط، تحتل القطعة المحققة الحيز الواقع بين صفحتي 119 و 226، ويبدأ كتاب رواية ابن زياد بباب الضحايا ثم العقيقة ثم الزكاة... وينتهي بباب الصيد والذبائح.
وقد تتبع الشيخ الشاذلي هذه الأبواب فربط بين كل باب بما يقابله في الرواية التي تعد إلى اليوم الرواية الأوسع والشامل وهي رواية يحيى بن يحيى الليثي وبين أن كان هناك اختلاف بين الروايتين وشرح الكلمات الغامضة والمصطلحات الدقيقة بالعودة إلى الكتب المعتمدة في المذهب المالكي مشيرا بدقة إلى الأجزاء والصفحات، ونبه المحقق إلى ما لم يرد في رواية يحيى واختصت به رواية ابن زياد. وهكذا فعل مع كل حديث وقول لأحد الصحابة أو التابعين أو رأي من آراء مالك، وذلك بالعودة إلى خليل وشروحه والرسالة وشروحها والموطأ وشروحه ما كان من ذلك مطبوعا وما لم يطبع إلى اليوم، وبذلك جاءت تعليقات الشيخ على موطأ علي بن زياد ربطا لأصوله بفروعها في الفقه المالكي، ولم ينس الشيخ رواة أحاديث الموطأ وأعلامه فعرف بهم بإيجاز غير مخل، مشيرا دائما إلى مواضع التراجم من الكتب التي اعتمدها.
وإن ما يتكرر كثيرا في هذا التحقيق الشامل والدقيق هو المقارنات التي اتخذ لها الشيخ الشاذلي جداول تبين وجه الاختلاف حتى في الألفاظ المستعملة، لقد أفاض المحقق على رواية الموطأ من علمه الغزير وتمكنه القوي من الفقه المالكي وامتلاكه لناصيته ما جعل تحقيقه كتابا مستقلا ودراسة مستفيضة لا غنى للقارئ عنها، بل أجل خدمة يقدمها  مالكي من المتأخرين لأصل المالكية الأول الموطأ، إن تحقيق رواية علي بن زياد ربطت الأصول المالكية القديمة كالموطأ والمدونة والعتيبة والواضحة بالرسالة وشروحها، وخليل وشروحه، وبقية كتب المتأخرين. وما كان لهذا العمل الجليل أن يتحقق على غير يدي الشيخ الشاذلي النيفر شيخ المالكية في شمال إفريقيا.
وقد قدم الشيخ النيفر تحقيقه بدراسة شغلت الصفحات ( من 7 إلى 112) في هذا الحيز درس المحقق منبت المذهب المالكي فذكر السند الإفريقي للمذهب المالكي وهو سند متصل إلى الإمام مالك متقدم في الزمن ثم تتبع نمو المذهب وانتشاره ذاكرا مشاهير أعلامه في إفريقية والمغرب والأندلس وأهم تآليفهم يقول الشيخ الشاذلي (.. استحقت إفريقية أن تكون المنبت الثاني للمذهب المالكي)، (فالبذرتان الأوليان هما موطأ ابن زياد ثم مدونة سحنون). ثم تحدث المحقق فعد موطأ ابن زياد أول تأليف إفريقي وبين قيمة ابن زياد ومنهجه الفقهي، ثم عقد فصلا طويلا عنون له بالتعريف بابن زياد وموطئه ودرس فيه العلم في تونس فعرف أول من نشر العلم في تونس وهو خالد بن أبي عمران، وذكر تلقيه عن التابعين وتتبع حياة هذا العلم وبين قيمته العلمية وتلاميذه في القيروان وتونس ومؤلفاته واعتبره مؤسس المدرسة التونسية، وفي رأي أن حياة ابن أبى عمران كان يجدر أن تختص بالتأليف ليعرفه الناس ويتصل السند العلمي بتونس.
ثم عرف بعلي بن زياد صاحب الرواية فذكر أصله، فإذا هو من العجم، وتتبع المحقق كل كتب التراجم فكادت تعاريفها به لا تختلف، وقد انتقل إلى تونس من طرابلس في الصبا وتلقى عن ابن عمران سالف الذكر ثم انتقل إلى الشرق فأخذ عن أعلامه وذكر المحقق مشايخه الكثيرين والذين منهم الليث ابن سعد، وتحدث الشيخ عن مدرسته وذكر رسوخ قدمه وسعة عمله واطلاعه، وتميز فقد قيل فيه (وهو معلم سحنون الفقه) وتوسع الشيخ في هذا الباب، ثم ذكر مؤلفاته ووفاته التي كانت سنة 183 هـ.
ودرس الشيخ الشاذلي موطأ علي بن زياد في ما يزيد عن الخمسين صفحة تناولت هذه الدراسة حياة الإمام مالك وقيمته العلمية، والموطأ وأهميته وتعدد رواياته وعددها، وذكر الرواة الأفارقة فذكر موطأ أسد وموطأ خلف وموطأ عيسى التونسي وموطأ ابن زياد التونسي وبين اختلاف الموطأت ونسخة ابن زياد ودرس مختلف أبواب القطعة المحققة من رواية على بن زياد ثم بين نسبة هذه القطعة إلى علي بن زياد ومنهجه في التحقيق مصحوبة بصفحتين من المخطوط.
هذه صورة سريعة لعمل تونسي معاصر يرفع الرأس، يحق لنا أن نفخر به ونزين معارضنا به ونقدمه لأشقائنا في الجامعات والمعاهد والكليات مساهمة جليلة من هذه الديار في خدمة الثقافة الإسلامية أداها مشكورا مبرورا فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر، تلقفتها أيدي الأشقاء بلهف شديد زادهم الاطلاع عليها إكبارا لتونس ولابن تونس ومفخرتها العلمية الشيخ محمد الشاذلي النيفر أمد الله في أنفاسه حتى يواصل وبأقصى السرعة ما حدثنا عنه من مشاريع علمية في مجال التحقيق والدراسة أثناء كل لقاء معه في بيته العامر أو في قاعة الدرس في شعبة الفقه والسياسة الشرعية بالدراسات العليا في الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here