islamaumaroc

مع اللغة.-7-

  محمد ابن تاويت

235 العدد

العلم والمعرفة :
لكلا الإسمين تعلق خاص، فالأول يتعلق بالتصديق، والثاني يتعلق بالتصور، وقد احتار العلماء أنفسهم في تعريف العلم، فاضطر بعضهم إلى كونه "معرفة المعلوم".
وهذا التعريف يمزج بين المدلولين، إذا العلم معرفة، والمعرفة قد تتسلط على المفردات، بل هذا هو الأصل فيها، لكن المعرفة في التعريف، خاصة بالمعلوم، والمعلوم لا يكون إلا مركبا من الموضوع والمحمول.
سوى هذا فإن الدور يلوح في هذا التعريف، فالمعلوم لا يتصور إلا بعد العلم. وقد أجيب عن هذا بأن المقصود من "المعلوم" جوهره المجرد عن عرضه، الذي هو الصفة.

هكذا قيل وهو غير وجيه، وفيه تداخل، إن أردنا التفريق بينهما، وهو واجب، وإن واجهنا في القرءان ما يحل محل الآخر، عند النظرة الأولى، ولكن عند التفحص نجد الفرق بينهما، وعلى هل فالله يوصف بالعلم ولا يوصف بالمعرفة لارتباطها بالشم، أصل معناها من الاشتقاق. ولهذا فتعليم آدم الأسماء ليس من البساطة التي نفهمها من ذلك، حتى يكون التعليم تعريفا(1).
ومما قاله الفلاسفة فيه، نظرية أفلاطون، الذي قال بعلم المثل في الجميع. فالعلم عنده تفكر وتذكر. وإليه يشير ابن سينا في قصيدته التي تدعي أن الروح كانت عالمة وهي طليقة، فلما أحلت بالجسد، حبست وحجبها عن معلومها، في عالمها العلوي، كما يقول أفلاطون. وبالرياضات الروحانية تتلخص شيئا فشيئا، فتتذكر كذلك، إلى أن تعود إلى عالمها، فيقول :
هبطت إليك من المحل الأرفع                ورقــاء ذات تعــزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف                 وهــي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما                 كرهـت فراقك وهي ذات تفجع
أنفت وما أنست فلما واصلت                  ألفـــت مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهودا بالحمى                   ومنــازلا بفراقها لم تقنـــع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها                  من ميـم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت                  بين المعالــم والطلول الخضع
تبكــي إذا ذكرت عهودا بالحمـى               بمدامــع تهمـــي ولما تقلـع
وتظــل ساجعـة على الدمن التي               درســـت بتكرار الرياح الأربع
إذا عاقهــا الشرك الكثيف وصدها              نقـص عن الأوج الفسيح المربع
حتى إذا قــرب المسير من الحمى              ودنـا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدتــه مفارقــة لكـل مخلف عنهــا            حليف الترب غير مشيع
هجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت             ما ليـــس يدرك بالعيون الهجع
وغـدت تغـرد فوق ذروة شاهق                 والعلــم يرفع كـل من لم يرفع
فلأي شــيء أهبطت من شامخ                 عال إلى قعر الحضيض الأوضع
إن كــان أهبطها الإلــه لحكمة                 طويــت عن الفذ اللبيب الأروع
فهبوطها إن كان ضربــة لازب                لتكــون سامعــة بما لم تسمع
وتعـــود عالمة بكل خفيـة                     في العالميــن فخرقها لم يرقع
وهي التي قطع الزمان طريقها               حتى لقــد غربت بغير المطلع
فكأنهــا بــرق تألق بالحمى                    ثم انطـــوى فكأنـه لم يلمع
أنعـم برد جواب ما أنا فاحص               عنهــا فنار العلم ذات تشعشع

المفتاح :
في بعض اللغات كالفارسية، والتركية، يستعملون فيه الكلمة اليونانية "كليد" بمعنى "المغلاق"، والحقيقة  أن مهمة المفتاح في الأساس، هي التغليق، فالأصل في الباب مثلا، الفتح، فإذا أريد تغليقها احتيج إلى هذا "المغلاق"، الذي تسميه العربية "المفتاح". ذلك أن الآلة لها مهمتان، التفتيح والتغليق، والثاني يأتي بعد الأول أساسا ولا يأتي ذلك الأول بعد هذا الثاني، إلا من باب رجع القهقرى، وإعادة الحال إلى ما كانت عليه. لقد "غلقت الأبواب" بعد أن كانت مفتحة، والله "يمسك السماء أن تقع" ثم "إن يوم الفصل كان ميقاتا يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء". مرة أخرى، بعد أن أمسكت مع الأرض "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده". وواضح هنا أن أداة "أن" نافية، وفي حيز هذا النفي، جاءت "من" زائدة كما قالت:
وزيد في نفي وشبهة فجر نكرة كما لباغ من مفر ولعل الكلمة اليونانية "كليد" هي الموجودة في الانجليزية key "كيي" (2) وفي الفرنسية  "كلي" ويستغرب في الاسبانية وجود كلمة "يابى". ولكن إذا نظر إلى التطور الذي حدث في هذه الكلمة، فإنه يدرك أنها مثل الانجليزية، والفرنسية في هذا الأخذ، ذلك أن هذه الكلمة تطورت عن "كلافي" هكذا Clave  (وهي في الايطالية Chiaci)، وفي هذه الاسبانية نطق حرف V بالباء. وقد كنا نسمع في الثلاثينيات المعلمين الإسبان، بالمدرسة التي تسمى الآن مدرسة سيدي السعيدي بتطوان، أن هذا الحرف في لا ينطق في الاسبانية إلا باء مثل B تماما. وكانت ملكة إسبانيا لذلك العهد ينطق اسمها "بيكتوريا" BICTORIA. أما الآن فقد صاروا لا يجدن غضاضة، بل يوجبون نطق هذا الحرف V كما ينطق في غيرها من اللغات الأوربية، عدا الألمانية التي تنطقها فاء. وهذا عجيب في نطق حرف V فالإسبانية كانت توجب نطقه باء والألمانية توجب نطقه فاء.
وأغرب منه أن حرف الفاء F في أداة الإضافة خاصة، بالإنجليزية OF، ينطق V هذه الكلمة كانت أول كلمة فهمتها في صباي، وكانت مكتوبة في إعلان ملصق بأحد أبواب الدكاكين اليهودية. ولما حكيت هذا في السبعينيات لأستاذي المرحوم الدكتور حسن إبراهيم حسن، وكان أستاذ بكلية الرباط، لم يفهم المقصود من هذه الكلمة، وقد نطقت حسب القاعدة التي اتبعت منا تماما، مما اضطرني إلى النطق بها فاء، ففهم المقصود، معترضا على النطق السالف المذكور.
هذا وإن الغالب في الإقليد أو المقليد العربي، كونه معربا عن اليونانية، ولهذا فقول الله : "له مقاليد السماوات والأرض" معناه "مفاتيح السماوات" أو مغاليقها - كما سلف - وليس معناه كما قال المفسرون "كنوزها" أو خزائنها، استيناسا بقوله : "وإن من شي، إلا عندنا خزائنه" فإن كان القصد الكنوز، كما قالوا، فإنما هو من قبيل اللزوم.
وعلى كل حال، فما استروحنا إليه، على سبيل الاستطراد، لا يعد فضولا، ونحن نتنقل في رياض القول، ونقطف من أزهاره ووروده، إذ المعرفة على بساطتها، فاكهة لا تمل، ويستحسن أن ينال منها في أصنافها وألوانها، ومختلف أطايبها، لأنه سبيل العلم، ودرج لمعراجه، ومرقاة لأوجه، وما العلم إلا انتقال من البسيط إلى المركب، ومن المطلق إلى المعقد أو المقيد.

ضمائر النصب المنفصلة :
الواقع أن هذه الضمائر مؤلفة من اسمين :  أيا + الضمير.
والدليل على هذا أننا نجدها داخلة على الظاهر، في بعض النصوص العبرية، لكما يقول تادرس يوحنا لبيب الميري في دروسه، وحتى العربية فإننا نجد فيها قول عمر "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب، قال ابن هشام في أضحه : أقام الضمير وهو أيا مقام الظاهر، وهو الأنفس، أي وأنفس الشواب.
إذن، فما أصل "أيا" هذه؟
يرى ابن هشام أيضا، أنها الضمير، أما اللواحق بها فإنما هي حروف تكلم وخطاب وغيبة، وليست من الضمائر في شيء، وذلك مثل كاف الخطاب في الإشارة.
ضمائر الرفع المنفصلة :
فإن هذه تستعمل كذلك في غير الرفع، حيث يؤكد بها الضمير المتصل، وهو في محل جر أو نصب، قال الشاعر : "... إني أنا ألمت" وهذا مطرد في التوكيد.
ومن وقوعها موقع الجر، في غير التوكيد، حديث نعيم بن مسعود :"أن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم" لأن الأصل في كاف التشبيه دخولها على المظاهر أو ما يقوم مقامه في الاستقلال بنفسه. ويتمثل في الضمائر المنفصلة غير المختصة بالنصب، ولهذا فلا يمكن أن يقال "ككم" مثلا متصلا به كاف التشبيه. (بالظاهر أخصص منذ مذ وحتى والكاف".

الحضارة :
تستعمل الألمانية الكلمة Kultur التي معناها الأصلي الحرث، وهي من اللاتينية "كوليري" colere مساوية لكلمة civilisation الإنجليزية وغيرها، متوسعة كلها في مدلولها لتشمل الحضارة في أوسع معانيها، كما استعيرت culture للتهذيب.
وهذا بالضبط ما حصل في هذه الألفاظ بالعربية: الحضارة، العمران، التمدن، إذ الحضارة في أصلها سكنى المدن، وفى الأثر "من بدا جفا" (3) إن لغلظة والجفاوة، مما يجانف الحضارة، التي هي حضور بالمكان، واستقرار فيه ولا تتحقق الحضارة بدون ذلك، وعليه فالحضارة هي سكنى المدن، التي جاء منها المتدن، وهي تشمل، كما يوخذ من مقدمة ابن خلدون "التفنن في الترف وأحكام الصنائع المستعملة في وجوهها ومذاهبها، من المطابخ والملابس والفرش وغيرها".
أما العمران فأصله من عمر الرجل في المكان سكن فيه ثم دل على ما دلت عليه المدنية والحضارة، ونعود إلى التمدن، فهو تشبه بأهل المدن، من تمدن الرجل إذا تخلق بأخلاق سكان المدن، ويصح أن لا يكون هناك تشبيه، بل اتصاف بهذه السكنى مباشرة، وهو على كل حال دال على ما تدل عليه كلمات الحضارة والمدنية والعمران، التي تقابل البداوة من البدو أن الظهور والانكشاف خارجا.
ومهما يكن فإن العربية سلكت مسلك غيرها في هذه الدلالة، وقد انتهت إلى أن منشأ الحضارة الاستقرار أولا وهى قضية لا شك في صحتها، وبها ندرك قدم الحضارة عند أصحابها من سكان النيل ودجلة، وغيرهما من الأنهار الهامة والعاملة في الإنسان بمياهها، التي لا تتأتى الإقامة بدونها أو بعيدا عنها بعدا شاسعا.
والكلمة الألمانية كما أشرنا معناها الأصلي الفلاحة، فهي من الكلمة المذكورة في اللاتينية. وهل يمكن لغير المستقر أن يفلح الأرض؟ إذن فالإقامة من لوازمها، فهي مظهر من مظاهر الاستقرار.
أما الكلمة الإنجليزية وغيرها بباقي اللغات الأوربية، فتساوي العربية تماما فيما تقدم.

جهوي :
لقد ورد علينا هذا الضيف، فتلقيناه بالتأهيل والترحاب، وفتحنا له في كل البيوت الأبواب، وكان بحق خفيف الظل، لطيف المعاشرة، فلم يدر بخلدنا البتة، أن نسأله : ممن، ولا من أين ولا إلى أين ؟
ولكن الأيام تطول، والطول لا يرحم أحدا، حتى ولو لم يكن يشعر به، أو يحس بسأم منه، فيأتي السؤال لا محالة، ويؤتى الجواب لا بد، وإن كان يسوء أحيانا، فيكون السؤال من تلك التي تتعلق بالأشياء التي تسوء أن تبد لنا...
وكذلك نقول في هذا "الجهوي" فقد طالت إقامته معززا مكرما، وخالطت محبته اللقوب منا، ومع هذا لم نستطع أن نعفيه من "من" ولا "من أين" أو "كيف"، تلك الأسئلة، التي كانت وما تزال، مفاتيح العلوم، ومكاشيف الحقائق والفنون...
لا شك أن "الجهة" التي نسبنا إليها، قد اقتطعت منها بدايتها، فهي من الوجهة التي قال فيها الله "ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات"، فهذه الوجهة من الوجه الذي قال فيه "قد نرى تقلب وجهك في السماء" فهي في زنتها أخت "القبلة" التي قال فيها كذلك "فلنولينك قبلة ترضاها". وهذه من القبل ضد الدبر، في صريح الحقيقة ولا كناية بها.
إذن فالنسبة إلى "الجهة" التي حذف فاؤها. والصنيع في هذا بعد الحذف، أن ينسب إلى ما تبقى في الكلمة على حاله، بدون زيادة ولا نقصان، لأن المحذوف منه، ليس معتل السلام، كما في "شية" فنقول "موشوى"، بل هو صحيحها، كعدة من الوعد، فنقول "عدي". وبهذه القاعدة، نقول، ونحن نودع "الجهوي" آسفين ولهين : "الجهي"، لا "الجهوي"، لأن الخلاصة تقول في الثنائي ( الذي يوخذ بمفهومه من الشرط ) :
وإن يكن كشية ما ألفا عدم  فجبره وفتح عينه التزم
ولهذا فلا نقول "وجهي" كما قلنا "وشوي" وبالأحرى لا نقول "جهوي" كما نقول "ملهوي"، نقول حسب القاعدة المتبعة "جهي" بالرغم من كوننا - لأول وهلة - ضائقين بهذا الضيف، القلق الحركة، المتلعثم اللسان. ولكنه على كل حال ضيف كريم صادق كليم.
أما "الحنوى" أو الحانوى الوارد في قول الشاعر :
فكيف لنا بالشرب إن لم يكن لنا  دراهيم عنه الحانوي ولا نقد
فإن الكلمة أساسا ليست عربية، بل هي « حانه » التي استبدلت الخاء حاء من "خانه" الفارسية والتي أصلها يدل على البيت مطلقا، ثم صار يطلق كناية على البيت المضاف إلى الدعارة، وما زالت كلمة "كارخانه" في الشرق، تطلق على هذا البيت المضاف إلى العمل "كار" الفارسية، فكان التركيب فيه "بيت العمل"، مكنى في البيت، ومكنى في الممل وهو الذي نستعمل، نفس الاستعمال في عاميتنا، وفي الشلحة كذلك، التي ما زال أهل الجبال، من غير قومها، يستعملون الكلمة في إطلاقها على العمل مجردا فيسأل بعضهم بعضا : "آش كتقي"؟  بمعنى : ماذا تعمل؟ أو ما تصنع؟ أو تفعل؟
ومهما يكن، فقد عاملوا "حانه" معاملة ذات التاء للتأنيث، وأجروا عليها قاعدة :
"وأن تكن تربع ذا ثان سكن
فقبلها واوا وحذفها حسن".
وإن لم تكن في الأصل كذلك تأنيثا، وهذا يعني التعريب الذي يخضع الأجنبي لأوامره، ويلبسه ملابسه، ويهندمه هندامه، بلا تسامح معه.

___________
1 - بالمعنى المحدد في المنطق، ويكون ما ورد في هذا، من قبيل اللفظي، أحد المعرفات الثلاث.
2 - وإن قالوا أنها مأخوذة من CAEY في الإنجليزية القديمة، وأنها تساوي KEI الفريزية، نسبة إلى قبيلة طيطونية، كانت بهولاندا.
3 - ورحم الله والدي ومعلمي، الذي نبهني إلى نكتة الحضارة والبداوة، في الآية الكريمة :"وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو". كما أفادني بأن الأنبياء والرسل لا تبعث إلا من المدن وما يقاربها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here