islamaumaroc

خطاب العرش.

  الحسن الثاني

235 العدد

تضمن خطاب العرش الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله يوم 3 مارس بمناسبة الذكرى 23 لجلوس جلالته على عرش أجداده المنعمين توجيها بالغ القيمة تناول مختلف أوجه الحياة الاجتماعية والروحية والاقتصادية والسياسية ببلادنا. وفيما يخص الجانب الديني أكد الخطاب السامي على وجوب التمسك بالهوية الثقافية والروحية لبلادنا وشعبنا، وقد رسم جلالة الملك أعز الله أمره الملامح الرئيسية لسياسة المرحلة القادمة من مراحل التطور الحثيث الذي نقطعها جميعا وراء جلالة الملك المعظم قائد المسيرة ورائد النهضة.
وننشر فيما يلي النص الكامل لخطاب العرش.
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
نخاطبك حينا بعد حين طوال كل عام، ونتحدث إليك أحاديث متعددة تختلف محاورها ومواضيعها باختلاف ما يطرأ من ظروف ويجد من ملابسات، وقد جرت عادتنا أن نطلعك من خلال هذه الأحاديث على آرائنا ووجهات قصدنا، وندلك على ما نؤثره بعد التأمل والتفكير بالاختيار والتفضيل من الأعمال والممارسات والأسباب والوسائل.

وفي أثناء مخاطبتنا إياك لانالك مصارحة وتوجيها وإرشادا مبتغين لك ما يبتغيه الأب لأبنائه ومتوخين بنصحنا لك وتسديد مسالكك ومسعاك أن تفوز بالحسنى وتنال خير  الدارين، نخاطبك شعبي العزيز هذه المخاطبة ونتجه إليك هذا الاتجاه حتى إذا أشرقت طلعة عيدك وعيدنا هذا وأهلت ذكرى جلوسنا على عرش أسلافنا الميامين شاع في حديثنا إليك ما نتقاسمه نحن وأنت من فرح وابتهاج وما يمتلئ به قلبنا وقلبك من حمد لله وشكر على نعمة لقائنا المتجدد وتواصلنا المستديم وتوافقنا الثابت المكين على مر الأحقاب والقرون.
وخطابنا في هذا اليوم المبارك الميمون إن كان يتصف بهذه الصفة ويمتاز بهذه الميزة فانه يمتاز كذلك بأنه لا يقتصر على مضمار واحد ولا يتقيد بموضوع منفرد وإنما يلج أبوابا كثيرة، ويحول في ميادين مختلفة لحرصنا لا على الاستقصاء والإحصاء وإنما على الوقوف ولو قليلا عند أجلى وأبرز ما تضمنه حصيلة عام كامل من الأعمال التي تيسرت بتأييد الله وتأييدك وظفرت بلادنا من وراء إنجازها بأظهر المنافع وأوفر المكاسب.
وسنجري في اتجاهنا إليك اليوم على عادتنا فى الاستعراض والتذكير والنصح والتوجيه متوخين ما نتوخاه باستمرار من دلالتك على أنبل الأغراض والمقاصد وأسلم الطرق وأنجع الوسائل.
شعبي العزيز :
إن عيدنا الوطني الذي نحتفل به اليوم ليس عيد ذكرى جلوسنا على عرش أسلافا المقدسين فحسب وإنما هو عيد نحيي باحتفالنا له أصدق وأخلص تحية لك القيم السامية الثابتة المستقرة في أعماق كياننا ونخلد ذكريات وأمجاد تلاحقت عن امتداد ماضينا وتألقت صفحاتها في عرض تاريخنا الطويل، فإذا نحن صرفنا النظر عن حقب هذا التاريخ البعيدة وقصرنا رؤيتنا على مطالعة وتصفح حقبه القريبة وجدنا أن بلادنا امتدت إليها خلال القرن الماضي أطماع الطامعين وتصدى لها الاستعمار وهو في أوج الصولة وغلواء المد والاندفاع وصولة الشره والنهم والتجأ لبلوغ أغراض السيطرة والهيمنة إلى منكر الوسائل وتذرع للمصادرة والاستقصاء بمرذول الذرائع، وما لبث بما والاه من دسائس وخداع وزاوله من ترغيب وترهيب واستثاره من شغب واضطراب أن تيسر له مطلب إنهاك السلطة المركزية وإنزافها، فتم له حينئذ ما أراد واستدار على البلاد نطاق مشيئته وسلطانه وخيل الله وهو مزهو بهذا النفوذ الواسع وهذا الجاه العريض أن كلمته ستظل مسموعة وأن حرية تصرفه هيهات أن تحدها حدود، ولكن الله سبحانه وتعالى تدارك هذا البلد بجميل وعظيم فضله وصانه مما كاد أن يصيبه من أذى ويحيق به من شر ذلك أن الله قيض لوطننا في ظرف عسير ملكا خاض هو وشعبه معركة ضارية من أجل الحرية والاستقلال بإقدام كبير وبطولة نادرة، وهذا الملك هو جلالة محمد الخامس رضي الله عنه.
ولقد عانى هو وشعبه لتحقيق هذا المطمح  النبيل ضروب البطش والاضطهاد وألوان الامتحان والابتلاء، ولم تصرفه الشدائد عن قصده، ولم تفت المكاره ولا التضحيات في تصميمه وعزمه، فلما اقترف الاستعمار جريمة إبعاده وإبعاد أسرته عن  الديار والأوطان تلقى رحمه الله هو وأسرته هذا التصرف الجائر وهذا التحكم الشنيع تلقى ذلك بالصبر وبالشجاعة واطمئنان المؤمن بعدالة مطلبه ونصر الله لحقه، ولم يخلد إلى الراحة في منفاه السحيق بل ظل يواصل الجهاد ويقود المعركة التي استمر مريرها إلى أن كلل الله ثورة الملك والشعب بأكاليل الفوز والانتصار وأتاب النضال والكفاح والصبر والمصابرة والآلام والتضحيات بالابلاء من داء الاستعمار والاحتلال وبالحصول على الحرية والاستقلال، وعلى هذا النحو استطاعت الدولة أن تستعيد كرامتها وتسترد سيادتها وتستأنف مسيرتها الطلقة المتحررة بنفس جديد وشباب عتيد، ومنذ اللحظة التي تم فيها الانبعاث وبلادنا مصروفة العزيمة والجهود إلى جميع الميادين، مهتمة شديدة الاهتمام بقضايا الحاضر وقضايا المستقبل لا تنفك تبذل الرعاية الدائبة الساهرة للشؤون السياسية على تعددها، والشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على اختلافها وتشعبها، فكافأ الله الدأب المشترك بين الملك والشعب وظهرت أثار التكاثف الذي تنطلق منه الأعمال والتناصر الذي  ترتكز عليه المساعي متمثلة في مكاسب جزيلة توافرت في كل مجال.
وهكذا كتب الله النجاح الباهر لمسعى عملاق اتحدت فيه الرغائب والإرادات اتحادا وثيقا تيسر به التئام الشمل واجتماع الإخوة والأقرباء بعد انفصال طال أحقابا وأحقابا، ذلك هو مسيرتنا الخضراء المؤزرة التي استعدنا بها الصحراء وقطعنا بها شوطا بعيدا في طريق استكمال وحدتنا الترابية، وهكذا أيضا استطعنا أن نقيم نظام الملكية الدستورية وننشئ المؤسسات الواردة في الدستور ونوطد دعائم الديمقراطية التي نتشارك نحن وأنت في الإيمان الراسخ بها والحرص الشديد على أن تسير بخطى ثابتة قويمة لا يعوقها عائق ولا يعتري سلامتها اعتلال، وها هي بلادك التي تعتز بالتقاء الرئاسات والزعامات فوق أرضها للتشاور والتداول في قضية العرب والمسلمين وتبرم في رحابها المواثيق المؤكدة وتتخذ القرارات المصيرية تضطلع محترمة مقصودة الجانب بالأوراد المشهودة في هذه الظروف المثقلة بالمعضلات والحافلة بالتحديات، وبلادك التي تعني عناية فائقة بقضايا العالم أجمع تعير بالغ اهتمامها بصورة خاصة لقضايا العالم الإفريقي والعالم العربي والعالم الإسلامي وتسهم الإسهام الفعال من خلال المشاركة في المؤتمرات الدولية أو من خلال ما تواظب عليه من اتصالات بالملوك والرؤساء والقادة والشخصيات لحي مد أسباب الحلول والتسويات.

شعبي العزيز :
إن غضبنا للكرامة المهيضة والسيادة المغلولة والحقوق المهضومة وإن إباءنا وحفاظنا وحرصنا على الإجادة والإحكام وحبنا للعمل الصالح المثمر وطموحنا المشروع إلى ارتقاء أحسن المستويات وتبوء أعلى الدرجات باقتناء المحامد والمكارم، كل هذه الخصائص والطبائع إن هي الفضائل والشيم والمعاني والقيم التي نحييها حامدين الله نعمتها السابغة، إذ نحيي عيدنا الوطني هذا ونحتفل بها شاكرين معتزين داعين المولى سبحانه أن يبقيها فينا وفي أعقابنا وأعقاب أعقابنا ويجعلها سمه خالدة عالقة بهذا الوطن شائعة في أبنائه ما توالت الأزمان وتلاحقت العصور.
شعبي العزيز :
 تجتاز بلادنا منذ بضع سنين مرحلة عسيرة ناتجة عن أسباب متنوعة عرضناها عليك قبل اليوم  وأطلعناك على ما لها من تأثير في اقتصادنا، وليست الصعاب التي اعترضت وما زالت تعترض سبيلنا بالظاهرة التي خص بها المغرب دون سواه، فقد منيت بها سائر الدول النامية كما منيت بها دول صناعية متقدمة، وعلى رغم ما قاسيناه بسبها وتقاسيه من مضايقة ومعاكسة فقد دأبنا نبذل الجهود مواجهة لها وتخفيفا من حدتها، وسنواصل جهودنا مقاومين مناهضين للمشاكل معتمدين على عون الله وتأييده وعلى ما ركب الله في طبائعنا من قدرة كفاحية.
ونبادر إلى القول أن اهتمامنا بالميادين الاقتصادية والاجتماعية وبالقطاعات المنتجة وبالتشغيل وبالمحافظة على قدرة المواطنين الشرائية سيظل إن شاء الله اهتماما متصلا، ولن نستعرض في خطابنا هذا جميع الأشكال التي برز فيها هذا الاهتمام وإنما سنكتفي بتدبيرين اثنين اتخذناهما تصحيحا لميزانية الدولة وتشجيعا لقطاع نشمله بعناية كبرى موثرين الإيجاز ومحيلين من يرغب في البيانات المفصلة المستقصية على ما تصدره وزارتنا في الإعلام من مستندات ووثائق.
أحد هذين التدبيرين يتعلق بسياسة الصرامة التي سلكناها إزاء ميزانية الدولة، فقد ضغطنا على اعتمادات التسيير بفرعيها قاصدين إلى تحقيق التوازن المطلوب بين المداخيل والنفقات، وإذا كنا ضغطنا من جهة أخرى على اعتمادات التجهيز فإننا راجعنا قائمة الأسبقيات المنصوص عليها في برامج الاستثمار مراجعته مراعية للأهداف المشمولة ببالغ الاهتمام فأخضعنا اختيار المشاريع إلى مقاييس معينة ترتب عليها الإبقاء على المشاريع ذات المردود بالنظر إلى التشغيل واستغلال الثروات الوطنية ونموها وتحسين ميزان الأداءات.
أما التدبير الثاني فإنه يتصل بعالم الفلاحة.
تعلم شعبي العزيز، أن الفلاحة تحتل من عنايتنا واهتمامنا مكانا مرموقا وليس بخاف عليك أن قوة الأمم ولا سيما الأمم النامية تقاس في الظروف الراهنة بقدرتها على تأمين الغذاء في أحسن الأحوال لمجموع المواطنين، ومن أجل هذا يتعين على العالم الفلاحي الذي يحظى بأهمية كبرى في مخططات نمونا أن يكون واعيا للدور المنوط به ومشاركا في المجهود الرامي إلى تحقيق الاكتفاء وبالتالي على تحقيق الاستقلال في مجال التغذية، بيد أن القطاع الفلاحي يعاني منذ سنتين أضرار جسيمة في كثير من جهات مملكتنا بسبب قلة الأمطار وتأخر نزولها، وللتخفيف عن سكان البادية والإنعاش وإنهاض القطاع الفلاحي الذي ينعكس بصورة فعالة على مضمار التشغيل وعلى الإنتاج والميزان التجاري ومالية الدولة اتخذنا عدة قرارات استهدفت الدعم والمساعدة، إلا أنه تبين أن هذه المساندة لم تنشأ عنها جميع الآثار المرجوة لتخفيف مفعول الجفاف العميق وأن الوضع يقتضي اتخاذ إجراءات ذات مدى وأبعاد خليقة بإعانة الفلاحين على تذليل الصعاب الحالية.
ولذا فقد قررنا أن نعفى الدخل الفلاحي من الضرائب وأن يمتد المفعول هذا الإعفاء إلى سنة 2000.
شعبي العزيز :
تتبعت بانتباه وأمل كبيرين مراحل الزيارات التي قمنا بها خلال فصل الخريف الأخير إلى الولايات المتحدة الأمريكية والى أوروبا، لأنك تعلم أن مثل هذه الزيارات لا تدعو إليها عادة الرغبة في الراحة والاستجمام وإنما يعمل على القيام بها ما نبتغيه من السعي الدائم وراء ما يمكن أن يعود على بلادنا وعلى العالم العربي والعالم الإسلامي والعالم الإفريقي من عوائد حسنة في الحال والمآل، وكأن من فضل الله علينا أن كتب لخطانا ومساعينا السداد والتوفيق، فلقد أتاحت لنا زيارتنا للولايات المتحدة الأمريكية الاتصال بصديقنا الكبير فخامة السيد رونالد ريغان رئيس الولايات المتحدة الذي أجربنا معه محادثات تناولت قضايا العالم الراهنة وقضايا الشرق الأوسط، ولقد اتسمت هذه المحادثات كسابقاتها بسمة الصداقة والود وكانت مثمرة وإيجابية على غرار ما سلف بينما وبين الرئيس من مباحثات، وبالإضافة إلى هذا الاتصال فقد تم بيننا وبين كبار المسؤولين في الولايات المتحدة وبعض الشخصيات الأمريكية البارزة لقاءات طبعها الاهتمام المشترك الواسع بمختلف الشؤون والقضايا، وكانت زيارتنا للولايات المتحدة فرصة سمحت لنا بتجديد الصلة بأصدقاء لنا، رؤساء دول وحكومات ووزراء وبإجراء محادثات معهم تبودلت خلالها الآراء وتأكدت بها وتوثقت أواصر التعاون والصداقة.
وانطلاقا لما نوليه لقضية القدس الشريف من اهتمام متواصل فقد اغتنمنا مقامنا بالولايات المتحدة وعقدنا برئاستنا اجتماعا للجنة القدس استعرضنا فيه ما تم في مجال هذه القضية من خطوات وقطع من مراحل وما نأمل أن يتم ويتحقق.
وفي أثناء هذا المقام رحبت بنا الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة فألقينا فيها خطابا تناولنا فيه قضية الشرق الأوسط وقضية صحرائنا، وأكدنا موقفنا من هاتين القضيتين ووجهة نظرنا، وقدمنا جميع الإيضاحات الضرورية الكفيلة بتمهيد وإنارة الطريق إلى الحلول المعقولة العادلة، وقد تلقى خطابنا بارتياح وتقدير جميع الذين يصدرون في أحكامهم عن النزاهة و الإنصاف، ثم – شعبي العزيز - بعد ذلك انتقلنا إلى أوروبا وحللنا بفرنسا بادئ بدء حيث التقينا بصديقنا الكبير فخامة السيد فرانسوا ميتران رئيس الجمهورية الفرنسية وأجرينا معه محادثات دارت حول القضايا الثنائية والقضايا الدولية، وساد هذه المحادثات وفق المعتاد جو التفاهم والود والصداقة.
وحرصا منا على أن تدرك أوروبا كل الإدراك مصالح المغرب ومصالح إفريقيا بأجمعها ويتأكد لديها ما بين هذه المصالح ومصالح أوروبا من تداخل وترابط فقد توجهنا إلى بلجيكا للاتصال بالمشرفين على لجنة الرابطة الأوروبية الاقتصادية، وبعد أن اجتمعنا بصديقنا الكبير صاحب الجلالة الملك بودوان عاهل بلجيكا اجتماع الصديق بصديقه واستقبلنا بعض رجال حكومته تم بيننا وبين رئيس لجنة الرابطة الرئيس تورن الذي تربط بيني وبينه صداقة خاصة، تم لقاء أدلينا خلاله بالبيانات والإيضاحات الضرورية مفسرين ومدافعين عن مصالح المغرب وصالح إفريقيا التي نسعى نحن وصديقتنا المملكة الاسبانية ليكون ارتباطها بأوروبا أوثق وأهوى عن طريق الربط القار.
وهكذا - شعبي للعزيز - جعلنا من رحلاتنا عبر الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مناسبة لشرح قضايا العالم الإفريقي والعالم العربي والعالم الإسلامي وبذل المساندة لها والقيام بالدفاع عنها.
كان لبلادنا - شعبي العزيز - في وسط شهر يناير الماضي شرف احتضان القمة الرابعة للمؤتمر الإسلامي.
ولقد كان من دواعي مسرتنا واعتزازنا أن لبى دعوة المشاركة في أعمال هذا المؤتمر عدد كبير من رؤساء الدول والحكومات ومن القادة والزعماء والشخصيات الدولية السامية، اجتمع هؤلاء القادة والأعلام في مدينة الدار البيضاء وتداولوا في قضايا مصيرية بالنسبة إلى العالم الإسلامي واتخذوا قرارات على جانب عظيم من الأهمية، وسادت مباحثاتهم ومناقشاتهم روح إسلامية عالية، وما كادت أعمالهم تنتهي حتى تحققت الأغراض المقصودة في اجتماعهم وتوثقت بينهم أواصر التضامن وروابط الإخاء التي يدعو إليها ويحض عليها ديننا الإسلامي الحنيف.
ونجح هذا المؤتمر ولله الحمد والشكر، وهو المؤتمر الإسلامي الثاني الذي انعقد فوق أرضنا منذ قمة سنة 1969 نجح بالنظر إلى عدد وزن المشاركين فيه بالنظر إلى القضايا التي طرحت على بساطة وإلى القرارات المتخذة في رحابه والروح التي هيمنت عليه من ابتدائه إلى انتهائه والنظام الذي كفلته بلادك _ شعبي العزيز- لسير جلساته، وها هو ملكك وراعيك وقد قلده المؤتمر مسؤولية الرئاسة الإسلامية يستعين بالله على النهوض بأعبائها ويعتمد على ما عهد فيك من مؤازرة وتأييد.
 شعبي العزيز :
إن الأعمال العظيمة التي حققها جلالة والدنا محمد الخامس رضي الله عنه وأرضاه، وأن ما لاقاه في سبيل إنجاز هذه الأعمال وتحقيقها، وأن التضحيات التي اقتضت ظروفا نضاله أن يبذلها بسخاء كل هذا ماثل لأبصارنا وبصائرنا حاضر في قلوبنا وذاكرتنا، نراه ونشعر به في
 سائر أيام حياتنا باعتزاز وإكبار، وإذا كانت ذكرى والدنا جلالة محمد الخامس طيب الله ثراه تلازم صباحنا ومساءنا فإن روحه في هذا اليوم الذي استخلفنا الله في مثله منذ ثلاثة وعشرين عاما على عرش أجدادنا الأماجد لأقوى حضورا بيننا وأكثر ملازمة لنا ومشاركة.
وإننا إذ نسأل الله العلي القدير في يوم مسرتنا هذه واعتزازنا أن يجازيه أحسن الجزاء وأوفاه على ما قدمه لوطنه وأسداه من الأيادي البيضاء الباقية الخالدة لنتضرع إليه سبحانه أن يغمره بعظيم رحمته وغفرانه ويجلله بجزيل كرمه ورضوانه ويبوئه في دار الخلود فسيح جناته ويلحقه بالذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
شعبي العزيز :
منذ عهد قريب فقد المغرب بوفاة شقيقنا صاحب السمو الملكي الأمير مولاي عبد الله أحد أبنائه الأبرار، وقد كان لانتقاله إلى جوار ربه الوقع الشديد في نفوسنا ونفوس المواطنين.
إن الأمير الذي أسهم إسهاما كبيرا فى حياة البلاد الوطنية واشتهر بين إخوانه المغاربة بسجاياه العديدة ومزاياه لجدير بأن تظل ذكراه حية في الأفئدة والخواطر، ونسأل الله مبتهلين في هذا اليوم المبارك أن يهب له واسع الرحمة والغفران وينعم عليه بالخلود في جنة الرضوان.
شعبي العزيز:
إن احتفالنا بعيد جلوسنا على عرش آبائنا  وأجدادنا الكرام فرصة سعيدة مواتية مغتنمها لنبعث تحياتنا وتحياتك الخالصة إلى قواتنا المسلحة الملكية وقوات الدرك والأمن والقوات المساعدة المرابطة بصحرائنا المتصدية باستمرار للعدوان الذي يتطاول به خصوم وحدتنا الترابية على أرضنا وسيادتنا. وإن قواتنا هذه التي تواجه منذ سنين بقيادتنا غارات المعتدين وتحبط هذه الغارات وتصدها بشجاعة فائقة وببطولة سار بذكرها الركبان لتستحق منك - شعبي العزيز- ومنا كل إشادة وتنويه، وإننا اذ نعرب لها عن عطفنا الأبوي الكبير وعن سابغ رضانا لنوجه إليها باسمنا وباسمك عبارات إكبارك وإكبارنا لما تواليه من بذل وتسترخصه من تضحيات تسمو أحيانا إلى أسمى قمم العطاء. والله المسؤول أن يمد بسنده وعونه قواتنا الواقفة في الصحراء سدا منيعا وحصنا حصينا الذائدة عن ترابنا بتفان واستماتة وهو المسؤول كذلك أن يشمل بكريم رحمته ومغفرته شهداءنا الأبرار ويسكنهم فسبح جناته مع المجاهدين الأخيار.
شعبي العزيز :
الآن وقد أوشكنا أن نفرغ من هذا الخطاب يداخلنا الشعور العميق بأن الجهود التي نصرفها
متظافرين متآزرين ستفضي بنا إن شاء الله في الغد القريب كما أفضت بنا مثيلاتها بالأمس إلى ما نتطلع إليه من أهداف وغايات، ويصاحب شعورنا هذا أمل وطيد مقرون بالاعتقاد أن الله الذي لم يحرمنا طرقه عين من تعزيزه وهدايته سيواصل لنا عوارفه وآلاءه بتذليل العقبات والصعاب التي لا تعترض سبيل القاعدين الخاملين وإنما تنمو وتزدحم في طريق الذين يجدون عاملين متحركين طامحين غير مواكلين ولا متوانين.
وإذا كان نجاحنا ونجاح بلادنا موقوفين على الآصرة الدائمة الوثيقة الموشجة بين قلوبنا الموحدة لرغائبنا وإرادتنا فإنهما موقوفان كذلك على ما يجب أن يطبع أعمالنا من مزايا الجد والتبصر والوعي في كل لحظة من لحظات حياتنا وفي كل ناحية من نواحي تصرفنا.
إن بلدنا الذي تضرب جذوره وأعرافه في أعماق التاريخ بلد متحضر مهذب بحكم تربيته الإسلامية وتجاربه الطويلة وعاداته وتقاليده، ولكي يظل بلدا متحضرا مهذبا يتعين علينا أن نرعى رصيدنا هذا رعاية لا تتساهل ولا تتهاون ونضيف إليه بالاكتساب والاستيعاب من الثراء والغنى ما يناسبه ويلائمه لا ما يعارضه ويناقضه، ثم إننا شعب يتمتع أفراده بالحريات المكفولة له دستوريا وقانونيا ويمارسون هذه الحريات التي أصبحت بفضل كفاح والد الأمة المغربية جلالة محمد الخامس رضوان الله عليه التي أصبحت بفضله وبفضل كفاحنا جميعا مكاسب قارة لا ينازع فيها منازع، وبلادنا التي تعيش في ظل سيادة القانون وتخضع حياتها العامة لنظام الملكية الدستورية منذ اكثر من 20 عاما.
إن بلادنا تؤمن بالديمقراطية كعقيدة وتمارس هذه الديمقراطية على صعيد جميع المؤسسات التي أنشأناها انطلاقا من أحكام الدستور بيد أن هذه الحريات وهذه الديمقراطية إذا نحن أردنا أن تؤدي لمجتمعنا الخدمات الناعمة الضرورية ينبغي أن نصب فيها المدلول الذي يعصمها من الشطط والفوضى والذي يجعل منها عاملا من عوامل النمو، نمو الفرد وثرائه الفكري والروحي.
فالحرية الصالحة هي الحرية التي يبقى معها للأفراد والجماعات الإحساس بالواجب والمسؤوليات والقدرة على الاختيار المستقيم وعلى التمييز والموازنة بين المنافع والمضار، والحرية الصالحة بعد هذا هي الحرية التي لا تضيع معها الشخصية ولا تذوب في غيرها.
وأن أوجب ما يجب علينا نحن الذين تعيش منفتحين على جميع التيارات متلقين بصدر رحب لجميع الحركات الفكرية أن نأخذ ونستقي عن بصيرة وبينة ونحتاط لأنفسنا حتى لا يفلت من يدنا زمام الاختيار السليم وحتى لا تعصف رياح هذه التيارات وهذه الحركات بأنفس ما نملك وهو أصالتنا الثقافية والحضارية. وأصالتنا هذه قوامها كتاب الله العزيز وسنة نبيه الغراء واللغة التي نزل بها الوحي ومذهب أهل السنة والجماعة الذي هو مذهب السماحة والاعتدال والصفاء. وهذه الأصالة التي اتسعت على امتداد أطوارنا وعلى امتداد أطوار تاريخنا المعاصرة ومعايشتها لا تضيق الآن صدرا بالمعاصرة النظيفة بل تتسع لها أيما اتساع وترحب بها أيما ترحيب.
وما دامت أصالتنا الإسلامية التي أينعت في ظلها العلوم والفنون وازدهرت بها وفي أحضانها حضارة يعدها العارفون من أزهى الحضارات وأرقاها هي المعين الذي نستمد منه أبرز وأغلى ما تمتاز به هويتنا وشخصيتنا. فإن علينا أن نجتهد باستمرار تعزيزا لجانبها وتمكينا واكتشافا واكتناها لما تزخر به من أسرار وأخلاق.
إن علينا أيضا أن نؤمن لها باستمرار الأسباب التي تقيها شر التفريط والإهمال وتصونها من كيد الكائدين واعتلاء المعتدين، فإذا انفصمت لا قدر الله في نفوسنا عرى أصالتنا لسبب من أسباب التضاؤل والاضمحلال، وانقطع ما هو موصول بيننا وبينها فإننا سنصبح حينئذ وقد ضاعت الذاكرة واستحالت الملامح وشاه الوجه وصوحت رياض الوجدان كالمنبث لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، إن الحرية - شعبي العزيز -  نعمة كريمة وهبة من الله خولها إيانا لنسخرها بالتمييز والاستبصار لفائدة نمو العقل والنفس ورقي الإنسان، فهي وسيلة من وسائل العلاج وأداة من أدوات الخير، وأخلق بالإنسان أن يستعملها إلا فيما يدرأ عنه المضار ويجلب له المنافع. وأخلق بك  - شعبي العزيز - أن ترعى ما كتب لك الله من عراقة وأصالة وتصون أركان هذه العراقة وهذه الأصالة وتمكن لدعائمها في نفسك وحواليك.
 لقد عاشت بلادك منذ أن تفتحت للإسلام مستظلة بظلال القرءان المجيد والسنة النبوية الشريفة متمسكة بمذهب السنة والجماعة وحققت في هذا الإطار الخصب الثمين ما شاء الله أن تحقق من أعمال جليلات ومكاسب فاخرات.
فإلى الله نتوجه في هذا اليوم الأغر الأيمن الموسوم بالفرح والاستبشار أن يحفظ الآصرة التي تجمعني وإياك ناضرة وثيقة ويديم اعتصامي واعتصامك بحبله المتين وكتابه المبين وسنة نبيه الأمين خير البشر أجمعين أنه بالإجابة قمين.
"فد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من انبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم" صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here