islamaumaroc

فن الوصايا على عهد الأمويين

  علي لغزيوي

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

في كلمة سابقة نشرت على صفحات هذه المجلة الغراء(1)، تناولت بالدراسة فنا أدبيا من أهم فنـون النثر المتصلة بأمـور السياسـة والحرب في الأندلس، مركزا على عهـد الأمويين بصفة خاصة إلى نهاية القـرن الرابع للهجـرة، وفي هذه الكلمة سأتناول فنا نثريـا آخر من هـذا القبيل،  وهو فن الوصايا ، خــلال الفترة المذكورة، وهو فن يعكـس جانبا آخـر من جوانب بلاغـة الحكام ورجـال السياسة في مجال النثر، فضلا عمـا فيه  من مضامين وتجارب ونظرات تسهم إسهامـا هاما في بلورة خيوط ومعالـم الفكر السياسي في الأندلس خـلال هذه الحقبة الهامة في  تاريخ الإسلام ، وفي بيئـة من أهم بيئاته.
ولا أحـد ينكر ما للوصايا من أهمية بالغة، باعتبارهـا وثائق حية خالدة يقدم فيهـا السابق للاحـق خلاصـة تجاربه، ويرسم له السبـل السليمـة  التي يسلكها في حياته وما يعترضه من قضايا ومشكلات.
وقد عرف العرب أنواعا عديدة من الوصايا منذ القديـم، سواء منها الوصيـة الأدبيـة أم الاجتماعية، أم السياسية، وقد  توافـر لهذا الفن  مجالـه ودواعيـه في الأندلس أيضا، ففي المجـال السياسي وهـو المجال الذي يهمنـا بالدرجـة الأولى في هـذا البحث، اتخذ الحكـام ورجال السياسـة في  الأندلس فن الوصية وسيلة لتوجيـه النصح لولاة عهدهـم وخلفائهم، يرسمون لهم فيهـا النهج السياسي الذي يجـب اتباعه.
وممن اشتهـر من الموصيـن ف يعهد الأمويين بالأندلس حسب ما بأيدينا من نماذج:
ـ الأمير الحكم بن هشام المعروف بالحكم الربضي(2) ( 180هـ ـ 206هـ).
ـ ابنه الأمير عبد الرحمان بن الحكم المعروف بعبد الرحمان الأوسط، أو الثاني (206هـ ـ 238هـ).
ـ الحاجب المنصور محمد بن أبي عامـر ( توفي سنة 392هـ).
وسنقف عند  نماذج من وصايـا هؤلاء على التوالي:
1 ـ فحين شعر الحكم الربضي بدنو أجله، أوصى ابنه عبد الرحمان ـ ولي عهده من بعده ـ بوصيـة تناول فيها الحديث عن أعمالـه وجهوده في توطيـد الأمـر لولي عهده، ودعـاه إلى اتباع نهجه،وقدم له مجموعة من التوجيهات السياسيـة هي أشبه بدستور للحكم، كمـا حدد له أهم الواجبات التي يجب عليه ان يرعاهـا نحو أقربائه ومواليه ورعيتـه، وتجاه أنصاره الموالين له وخصومه الناقمين عليه على السواء، وينصحه بالتزام العدل، واختيار المسؤوليـن من ذوي الفضل والكفـاءة، وبتشجيع ذوي الهمم والطموح بعد اختبارهـم، وبمجازاة المحسن، ومعاقبـة المسيء، ترغيبا للناس  فيه من جهة، وترهيبـا لهم من جهة أخرى، إذا كـان كل ذلك في موضعه.
 ويتضح ذلك من الفقـرات الآتيـة من وصية الحكم الربضي التي يقول فيهـا:(3) إني قد وطـدت لك الدنيـا، وذللت لك الأعداء، وأقمت أود الخلافة، وآمنت عليـك الخلاف والمنازعـة، فاجر على  ما نهجت لك  من الطريقة، واعلم أن أولى الأمور  بك وأوجبها عليك: حفظ أهلك ثم عشيرتـك ثم الذيـن يلونهم من مواليك وشيعتك، فهم أنصارك وأهـل دعوتك، ومشاركوك في حلوك ومـرك، فبهم أنزل ثقتك، وإياهـم واس من  نعمتك، وعصابتهم استشعر دون المتوثبين إلى مراتبهم من عـوام  رعيتك الذيـن لا يزالون ناقميـن على الملوك أفعالهم، مستثقلين لأعبائهـم، فاحسم عللهم ببسـط العدل لكافتهـم، واختيار أولي الفضل والسداد لأحكامهم وعمالتهـم، دون أن ترفع  عنهم الهيبة.
وان رأيت فيمـن يرتقي من صنائعك رجلا لم تنهض به سابقـة، ويشف بخصلة، وتطمح نفسه وهمتـه، فاعنه واختبره، وقدمـه واصطنعـه، ولا  يريبنك خمول أوله،  فإن أول كـل شرف ما ربيته ولا تدعـن مجازاة المحسن بإحسانه، ومعاقبـة المسيء بإساءتـه، فإن عنـد التزامك لهذيـن، ووضعك لهما مواضعهمـا، يرغب فيك ويرهب منك.
وإلى جانب هـذه النصائح والتوجيهات في المجال السياسي ، يخصص فقرة في وصيتـه يطرح فيها توجيهات  تهم الناحية الاقتصاديـة والماليـة بشكل عام، يختم بها الوصية، وفيهـا يدعـو ولي عهده إلى الحفاظ على المال مبرزا قيمته الكبرى، وينهيهـا بدعوته إلى تقوى الله مـا استطاع ، وما جـاء في  هذه الفقرة قوله:
"وعليك بحفظ المال، فإنـه روح الملك، واتق الله ما استطعت، والله خليفتي عليك".
ونرجح أن هـذه الفقرة الأخيرة من الوصية التي تنتهي بالدعـاء، حسب الصورة التي انتهت إلينا، تشكل خاتمـة طبيعية للوصية وإن اختلفت روايتها(4).
ويظهر في الوصية حرص الأمير الحكم على استمرار الأمر في ابنه، ورغبتـه في تسهيل الصعاب أمام ولي عهـده، من خـلال تلك التوجيهات التي يقدم له فيهـا عصارة تجربته السياسية، وخلاصـة فكره.
وهي إلى ذلك تقدم لنـا صورة مزدوجـة عن الحكم الربضي، فهو سياسي مدرك لشروط النجاح في إدارة  دفة الحكم، وطريقة سياسـة الرعية، إلى غير ذلك من الأمور التي نص عليها مبرزا قيمتهـا وهو أديب بارع يحسن التعبير عن أفكاره بأسلوب  يستغل فيه عناصر الاقتناع المناسبة، مما يـدل على تكوين أدبي رفيع.                         
2 ـ أما الأمير عبد الرحمن الأوسط فتختلف ظروف وصيته عن ظروف وصيـة سلفه، فقد ضجـر من سوء خلـق ابنه المنذر وكثـرة شكواه، ويتضح ذلك من هـذا الوصف الذي يصفه به المقري إذ يقـول:
"وكـان المنذر ابن الأمير عبد الرحمان الأوسط سيء الخلق في أول أمـره، كثير الإصغاء إلى أقوال الوشاة، مفرط القلق مما يقـال في جانبه، معاقبا على ذلك لمن يقدر على معاقبته، مـكثر التشكي ممـن لا يقدر عليه لوالـده الأمير عبد  الرحمـن".(5)
فلما طـال ذلك على الأمير نفاه إلى موضع بعيد منقطع عن العمران، وعزلـه عن أصحابه، فلم يعد يتصل به أحد،  إلى أن أحس بوطأة الوحـدة واشتاق إلى غلمانه وأصحابه، وعلم ما أراده أبـوه من محنته وتأديبه فكتب إليه:
«أني قد توحشت في هـذا الموضع توحشا ما عليه من مزيـد، وعدمت فيه من كنت آنس إليه وأصبحت مسلوب العز فقيـد الأمر والنهي، فأن كان ذلك عقابا لذنب كبير ارتكبته وعلمه مولاي ولم أعلمــه فإني صابر على تأديبه، ضارع إليـه في عفوه وصفحه.
وان أميـر المؤمنيــن  وفعلـــه  *   لكالدهر، لا عـار  بما فعـل الدهــر»(6)
فلما وقف الأمير على رقعته، وعلم أن الأدب بلغ به حقه، واستيقـن أن وسيلته قد نجحت في التربيـة السياسية، استدعـاه وقدم بين يديه وصيـة توجيهيه، كان لها كبير الأثر في إبراز حسن قصده، ونصحه بعدم العودة إلى مثـل ما كان عليه، وأوصـاه بالتجاوز عما يرى ويسمع من إسـاءة عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تكاشفتم ما تدافنتـم» .
ومما جـاء في هذه الوصية، قوله يوصيـه بصفة خاصة بمعانـي الأمور، وفي مقدمتهـا التغاضي، ويقدم يبن يديـه خلاصة تجربته الشخصيـة:
«وإنك لذو همـة ومطمح، ومن يكـن هكذا يصبـر ويغض ويحمل، ويبدل العقاب بالتواب، ويصيـر الأعداء من قبيل الأصحاب، ويصبـر من الشخص على ما يسوء، فقد يرى منـه بعد ذلك ما يسر، ولقد يخـف على اليوم من قاسيت من فعله وقوله، ولو قطعتهـم عضوا عضوا لما ارتكبوه مني ما شفيت منهم غيظـي، ولكن رأيت الاغضـاء والاحتمال لا سيمـا عند الاقتدار، أولى، ونظرت إلى جميع من حولي ممن يحسـن ويسيء، فوجـدت القلوب متقاربة بعضها من بعض، ونظرت إلى المسيء محسنا، والمحسن يعـود مسيئا، وصرت أندم على من سبق له مني عقاب، ولا أنـدم على من سبق له مني ثواب، فالزم يا بني معالي الأمور، وان جماعهـا في التغاضي، ومن لا يتغـاضى لا يسلم له صاحب ولا يقرب منه جانب، ولا ينـال ما تترقى إليه همته، ولا يظفر بأملـه، ولا يجد معينـا حين يحتاج إليـه »(7).
ومع أن معالي الأمور تختلف من حالة لأخـرى، ولا سيمـا فيما يقدم منها، فإن عبد الرحمـان في جعله التغاضي رأس المعالي ، ينطلق من حالة خاصة، هي حالة ابنه الأمير الشاب الـذي ينتظر منه كل مـا يرضيه، ليكون جديرا بما قد يسنـد إليه من مناصب رفيعة.
وقد كـان لهذا الدرس، وتلك الوصية، أثر في نفسه وتغيير سلوكـه، ولا سيما أن  ذلك كله نابع  من نفس صادقـة وعاطفة أبوية متلهفة إلى أن يكون هـذا الابن في مستوى المسؤوليـة طموحا وسلوكـا، وقد عقب المقري على هـذه الوصية بقوله: «ولم يـزل يأخذ نفسه بما أوصـاه به والده حتى تخلق بالخلق الجميل وبلغ ما أوصـاه به أبوه، ورفع قدره»(8).
وتختلف هذه الوصيـة عن سابقتهـا في كونها جاءت خلاصـة لحوار دار بين الأمير عبد الرحمان وابنه، وأنها جاءت في وقت مبكر، ولم يحتفظ بها على أواخـر حياته،  لأن سلوك ابنه كان يستدعـي درسا ووصيـة في الوقت المناسب، ونتيجـة لذلك جاءت مختلفة في طبيعة موضوعهـا أيضا فهي لا تركز على توجيه الأمير توجيها سياسيا معينا كمـا رأينا في وصية الحكم الربضي، بل تقوم على إعطائه درسا فـي الأخلاق والسلوك، وهو من قبيل التربية السياسية الموجهـة بحكم انتمائه لبيت الامارة.
وقد اعتمـد الأمير عبد الرحمان في سبيل إقنـاع ابنه، زيادة على النفي والإبعـاد، على اطلاعـه على خلاصة تجربته ورؤيته الشخصية للأمور، كما دعـاه إلى التأمل الشخصي في السلوك البشري، انطلاقـا من الحديث النبوي الذي يسوقه في هـذا المجال:
3 ـ ولعل وصية الحاجب المصور محمد بن أبي عامـر لابنه عبد الملك المظفر أكمـل النمـاذج وأكثرهـا شمولا، وأوضحهـا دلالة على الأهداف من الوصية بالنسبة لما سبق، ولا سيمـا الوصية السياسية فقد أوصـى المنصور ابنه عبد الملك في مرضـه الأخير(9).
واستهل وصيته بدعوته إلى الالتزام برأي أبيـه وسلوكه السياسي واتخاذه نموذجـا ومثالا يحتذيـه ويقتدي به.
وبعد هـذا التمهيد، نجـده يسير في وصيته على طريقـة الحكم الربضي في وصيته السابقة الذكر، فيذكـره بجهوده في توطيد الأمور في المجالات السياسية والعسكريـة والمالية، وهي مجالات أعـم وأشمل وأكثر تفصيلا عنـد المنصور،  مما جاء في وصيـة الأمير الحكم الربضي، ثم يخلص إلى تقديم نصائحـه وتوجيهاته في المجالات المذكورة، فينهاه عن الإسراف في الإنفاق سواء من جانبه أم  مــن جانب عماله، ويدعوه إلى القصـد في الأمور تجنبا للاختلال.
كذلك ينصحه بالتشبث وعـدم التسرع في ما يرفـع إليه من قضايـا للنظر فيها، ويقدم له صوره عن الرعيـة التي قومهـا، فسكنت إلى لين الجانب، وأصبح  أملها في تأمن البادرة.
ويتطرق إلى علاقـته بالخليفـة الأموي هشام المؤيد، فيدعوه إلى عدم التخوف من هـذا الخلفيـة المحجور عليه لما يعلمـه من استكانته، لكنه يحذره من أتباعه وأنصاره، و ممن يحاول استغلال الأمور باسمـه من الأمويين أو غيرهم من المقربيـن إليه، ويشدد على ابنه عبد الملك في ضرورة الاحتراس من هـؤلاء وأولئك وضرورة تضييـق الخناق عليهم، ومعالجتهـم لأقل بادرة منهم، مما يؤكـد ما عرف به المنصور بن أبي عامـر من ميل إلى الشـدة في مواجهـة الخصوم والمنـاوئين، غير أنه في الوقت نفسه ينصحه بصيانـة حقوق الخليفـة والقيام بنفقته تجنبا للحنث في يمين البيعة.
ويعبر المنصور عن رغبتـه القوية في أن يستمر استبداد ابنه بالأمر وانفراده به دون صاحبـه الشرعي الذي يرميـه في هذه الوصيـة بالجهل والعجز، وكأنه بذلك يهـدف إلى تهوين أمره عليه، ولكنـه يرى أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا إذا تمسك بالكتاب والسنة، ولا شك أن هـذا التمسك يضمن تأييـد الرعية له، ويجعله ينـال رضى الفقهاء لما لهـم من دور في توجيـه الأمور. 
وينتقل بعد ذلك إلى بعض التوجيهات الخاصة التي يمكن أن يستفيـد منها عند الضرورة، فينصحه باتخاذ المـال المخزون عنـد والدته ذخيرة لمملكتـه ليعود إليه عنـد الحاجة، ويدعوه إلى المحافظة عليه كمـا يحافظ على جوارحـه، فلا يبذلـه إلا عنـد الشدة.
ويتحدث له عن أخيـه عبد الرحمان فيخبره أنه أعطاه نصيبـه دفعا للخلاف الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار الدولة ونفوذ العامريين، ويدعوه إلى عـدم أذاه، هو سائـر أهله، وخلال ذلك يبدو المنصور بعيـد النظرة شديد الاحتياط  حريصـا اشد الحرص على استمرار قوة نفوذ العامريين، مدركـا لما يمكن أن يؤول إليـه الأمر عند نشوب الخلاف بين الإخـوة حول  أمور الحكم والسياسة.
ويعود مرة أخـرى على تحذيره من بني أمية وشيعتهـم بنوع من التفصيل، ويؤكـد ضرورة التـزام الحزم تجاههـم وعدم الاطمئنـان إليهم بأي وجه من الوجوه، وفي كـل الأحوال،  وخلال ذلك يرسم له سبيل الخلاص والنجاة إن شعر بالخطر.
ويظهـر من الحاج المنصور في هـذه الوصية على تحذيـر ابنه عبد الملك من بني أميـة وأنصارهم، ونهيه عن التعاون معهـم، إدراكه خطورة ما اقترفه في حقهم من استئثـار بالسلطة،  وحجر على الخليفـة الشرعي هشام، وقضائه مناوئيـه ومعارضيه منهم وضر بعضهم ببعض، ولا شك أنه كـان يعرف تربصهم به وبأبنائه وتحينهـم للانتقام واستعادة ما سلبه منهم.
ويتضح ما سبقت الإشارة إليه بالرجوع إلى الوصية التي احتفظ لنا بهـا ابن بسام الشنتريني (تـ 542هـ) رواية عـن شيخ مؤرخي الأندلس أبي مروان حيان بن خلف بن حيان ( 377هـ - 469هـ) الذي رواها بدوره عن أبيه خلف ابن حسين بن حيـان الذي كـان كاتبا للمنصور بن أبي عامر ملازمـا له ولابنه عبد الملك المظفـر من بعده، مطلعـا على أسرار الدولة، وعنه نقل ابنه كثيـرا من الأحداث التي عاصرهـا مثل مصرع صديقه الوزيـر الكاتب عبد الملك بن إدريس الجزيري، ووصية المنصور لابنه، وغير ذلك مـن الأحداث في عهد الحجابة، وعهـد الفتنة القرطبيـة(10)، وقد سمـع الوصية المذكورة مباشرة ، ونصها(11):
«يا بني، لست تجـد أنصح لك  مني فلا تعدين مشورتـي، فقد جردت لك رأيي ورويتي على حين اجتمـاع من ذهني، فاجعلها مثالا بين يديك».
وقد وطأت لك  مهـاد الدولة، وعدلت لك طبقات أوليائهـا، وغيرت لك بين دخـل المملكة وخرجها، واستكثرت لك من أطعمتهـا، وعددها وخلفت جباية تزيـد على  ما ينوبك لجيشك ونفقتـك، فلا تطلق يدك في الإنفـاق، ولا تقبض لظلمـة العمـال، فيختل أمرك سريعـا، فكل سرف راجع إلى اختلال لا محالـة، فاقصـد في أمرك جهدك.
واستثبت فيمـا يرفع أهل السعاية إليك، والرعايـة قد استقصيت لك تقويمها، وأعظـم مناهـا أن تأمن البـادرة، وتسكن إلى لين الجنبـة.
وصاحب القصر قد عملت مذهبه، وأنه لا يأتيك من قلبـه شيء تكرهه، والآفـة ممن يتولاه ويلتمس الوثوب باسمه، فـلا تنم عن هـذه الطائفـة جملة، ولا ترفع  عنها سوء ظن وتهمـة، وعاجل بها  من خفته على اقل بادرة، مع قيامـك بأسباب صاحب القصر على أتم  وجـه، فليس لك ولا لأصحابك شيء يقيـم الحنث في يميـن البيعة، إلا مـا تقيمه لوليهـا من هـذه النفقة، فأما الانفراد بالتدبير دونه مع مـا بلوتـه من جهله وعجـزه عنه، فإني أرجو أني وإياك منه في سعـة ما تمسكنـا بالكتاب والسنة.
والمال المخزون عنـد والدتك هو ذخيـرة مملكتك وعـدة لحاجة تنزل بك، فأقمه مقام الجارحـة من جوارحك التي لا تبذلهـا إلا عنـد الشدة تخاف منها على سائـر جسدك.
ومادة الخراج غير منتطعة عنك بالحالـة المعتدلة، وأخوك عبد الرحمـان قـد صيرت إليه في حياتي ما رجوت إني قـد خرجت له فيه عن حقـه من ميراثي عن ولايـة الثغر لئلا يجـد العدو مساغـا بينكمـا في خلاف وصيتي فيسرع ذلك في نقص أمـري، ويجلب الفاقـره على دولتي، وقـد كفيتك الحيرة فيه فاكفـه الحيف منك،  وكذلك سائر أهلك فيمـا صنعت فيهم يحسب ما قدرت به خلاصـي من مال الله الذي في يدي، وخلافتك بعدي أجـدى عليهم، مما صرفته فلا تضيع أمر جميعهم،  وألحظهم بعني، فإنك أبوهم بعدي، فخرج ذكورهـم باستخدامك، والحق إناثهـم جناحك، جبر الله جماعتهـم، وأحسن الخلافـة عليكم.
فإن انقادت لك الأمور بالحضرة ، فهذا وجه العمل ، وسبيل السيرة، وإن اعتاصت عليك فلا تلقيـن بيدك إلقاء الأمة، ولا تطبيك (12)، وأصحابك السلامـة فتنسبوا مالكم في نفوس بين أمية وشيعتهم بقرطبـة، فإن قاومت من توثب عليك منهم فلا تذهـل عن الحرم فيهم، وإن خنت الضعف فانتبذ بخاصتك وغلمانك إلى بعـض الأطراف التي حصنتها لك، واختبر غـدك إن أنكرت يومك، وإياك أن تضع يدك في  يد مرواني  ما طاوعتك بنانك، فإني أعرف ذنبي إليهم.
 ولم يكتف المنصور بوصية ابنه عبد الملك، بـل أوصى غلمانه أيضا، وحثهم على طاعته، وكرر عليهم الدعوة إلى التنبه لنبي أمية وعـدم الاطمئنان إليهم، أو الانخداع بوعودهـم، ودعاهم إلى الوحـدة ونسيان الأحقـاد فيما بينهم، وإلى ضرورة الالتفاف حـول عبد الملك، وممـا جاء في تكل الوصيـة التي احتفظ بها ابن بسام أايضا رواية عن أبي مروان القرطبي عن أبيـه(13).
«تنبهوا لأمركم، واحفظـوا نعمة الله عليكم، في طاعـة عبد الملك أخيكم ومولاكم، ولا تغرنكم بوارق بين أمية،  ومواعيد من يطلب منهم شتاتكم ، وقدروا ما في قلوبهم وقلوب شيعتهـم بقرطبة من الحق عليهم، فليس يرأسكم بعدي أشفق عليكم من ولدي.
وملاك أمركـم أن تنسبوا الأحقاد، وأن تكـون جماعتكم كرجـل واحد، فإنه لا يفل فيكم».
ويشير خلف بن حيان على أن المنصور ما زال يكرر هـذا وشبهه لطائفة بعد أخـرى من غلمانه حتى ضعف وشغل بنفسه(14).
ومن خـلال هذه الوصية المزدوجـة لابنه ولغلمانه تظهـر ملامـح من صورة المنصور وشخصيته السياسية، ومـع أن الوصية واحدة في الحقيقـة، لان الثانيـة بمثابة ذيل للأولى وتكملة لها، فإن إعـلان موقفه من بني أمية وشيعتهـم، والدعوة على الحذر منهم قد تكررت فيهمـا معا، مما يجعل ذلك فكرة محوريـة يركز عليها أكثر من غيرها، وهو موقف يـدل على ما وراءه، ويعكس  حقيقة الخلاف بينه وبين  الأمويين.
أمـا طريقته فتتميز بمهارة وقدرة على اختيـار الألفاظ والعبارات، والتضرف فيهما في أسلوب مرسل في الغالب، بعيد عن التكلف أو الزخرفة، واضح المعانـي، قوي الحجة،  ولاغرو في ذلك، فقد كـان المنصور في بداية حياته كاتبا للرسائل، وكـان أسلوبه من جملة الوسائل التي ساعدته على الارتقاء، على جانب ذكائـه وحنكته بعد نظرتـه، وبذلك يظهر جانب آخـر من جوانب شخصيـة المنصور المتعددة، وهو شخصيـته الأدبية في مجال النثر السياسي، كمـا أن ظروف الوصية جعلتها بعيدة عن الصنعـة والتكلف والتنميق، تعتمـد البساطة والمباشرة في التعبير، ولكنها لا تخلو من القيمـة الفنية التي تجعلها من ابرز نمـاذج فن الوصايا على عهد الأمويين في الأندلس. 
وتبقى هـذه الوصية، مع النموذجيـن السابقين، وثائـق سياسية بالدرجـة الأولى تحمل دلالات عديدة بالنسبة لأدب السياسـة في  القديم من جهة، وبالنسبة للموصين وما يركـزون عليه من قضايا وأمور نمثـل محور اهتماماتهـم من جهة أخرى، ولا شك أن الاهتمام بهـذا النوع من فن القول ذو فوائـد عديدة بالنسبـة للأديب  والمؤرخ والسياسي على السواء، فإذا تعلق الأمر ببيئـة إسلاميـة ذات مكانة خاصة في نفس كل عربي ومسلم هي الأندلس، زادت قيمـة هذا الاهتمام وعظمت فوائـده وما أكثر الموضوعات والوثائق الأندلسية التي تحتـاج إلى كشف ودراسة.

 

(1)  العدد 233 الصادر بمناسبة العيد الفضي لمجلة دعوة الحق، رمضان 1402هـ/ يوليوز 1982،  ص 178 ت 182، وموضوعها: فن التوقيعات على  عهد الأمويين بالأندلس.
(2)  عرف الحكم بن هشام بالربضي نسبة إلى الهيجة العارمة التي اندلعت في عهده إذ ثـار أهل ربض قرطبة عليه بسبب انحرافه ومجونه، ومال بعدهـا على الزهد.
(3)  انظر نصها في : دولة الإسلام في الأندلس ص 245، ط3، 1960، القاهرة، ويذكر الأستاذ محمد عبد الله عنان أنه نقلهـا من مخطوط لابن حيان يمثل قطعة من ( المقتبس) كانت في حوزة ليفي بروفنسال، كما يذكر أنها وردت فيه بروايتين: رواية الرازي، ورواية معاوية بن هشام الشبينسي، فنسق بينهما ليخرج النص الذي أورده في كتابه المذكور، انظر هامش : 1 من الصفحة نفسها.
وذكرها أيضا صاحب ذكر بلاد الأندلس (مجهول) مع اختلاف بين روايته ورواية الأستاذ عنان أحيانا.
(4)  ذكر بلاد الأندلس لمؤلف مجهول، محطوط الخزانة العامـة بالرباط، رقم 85ج، ص 112، وفي نص الأستاذ عنان بعض التفصيل في هذه الفقرة الأخيرة.
(5)  نفسح الطيب للقمري، ج3، 574 ـ 575، تحقيق ذ. إحسان عباس،
(6)  نفسه ص 575.
(7)  نفس المصدر، ص 576
(8)  المصدر نفسه، ص: 576-577.
(9)  وكان ذلك في غزوته الأخيرة، حيث قادها محمولا على سرير على أن أسلم الروح.
(10)  أنظر ترجمة الدكتور محمود علي مكي لابن حيان القرطبي، ووالده خلف في مقدمة تحقيقه لكتاب المقتبس ص 8، وما بعدهـا، دار الكتاب العربي ببيروت، 1973م.
(11)  أنظر نصها في: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام الشنتريني القسم الرابع م 1، ص 76-77، تحقيق ذ. إحسان عباس، دار الثقافة ـ بيروت، ط1 1399هـ/1979م.
(12)  تطبيك: من قولهم : أطباء: دعاه، وفي بعض النسخ الخطية من الذخيرة: ولا تنظر بك وبأصحابك السلامة...
(13)  الذخيرة، ق4، م1، ص : 77-78.
(14)  المرجع نفسه ، ص 78.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here