islamaumaroc

التأثير الإفريقي عبر المحيط.

  محمد قشتيليو

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

إنها ارتسامات لما شاهدته وما لمسته عن قرب أثناء عملي الدبلوماسي بسفارتنا بالبرازيل، لقد لاحظت أن التأثير الإفريقي بهذه الأرض يتجلى بأسمى معانيه وأكمل مظاهره في جميع نواحي حياة سكانها، فالإنسان الأسمر القادم من إفريقيا أو المأخوذ من إفريقيا إلى هذا العالم بسط سيطرته الكاملة على عدة نواحي في الحياة وأثر فيها أيما تأثير، يلاحظ هذا التأثير متجليا في العقيدة والدين، في اللغة والأدب، في الغناء والموسيقى، وقد اعتنى علماء الاجتماع في البرازيل بهذا فكتبوا وبحثوا وألفوا الكثير في الموضوع، ومما اطلعت عليه ولفت نظري كتاب بعنوان، «الوجود الإفريقي في الديانات البرازيلية» لمؤلفه إدوين باربوصا داسيلفا، يقصد المؤلف بالديانات البرازيلية أن التدين الحالي بالبرازيل هو مزيج من المسيحية وما أتى به الرجل الإفريقي من معتقدات وديانات من بلده وأدخلها إلى الكثلكة، ولو أنه توجد بالبرازيل ديانات بدائية عند اليهود الحمر ولكن هؤلاء بعيدون عن المجتمع.
لقد أصبح الإنسان البرازيلي، سواء من هو من أصله أبيض أو من أصل أسمر، متأثرا بكل ما أتى به الإفريقي من بلده الأصلي حتى أصبحت عوائده وتقاليده ومظاهرعيشه هي عوائد وتقاليد ومظاهر عيش الوطن البرازيلي، وبعبارة أصح: أصبح كل ما أتى به الرجل الإفريقي يكتسي صبغة وطنية.
  إن التأثير الإفريقي كما قلنا يشمل عدة نواحي اجتماعية بالبرازيل وأبرزها الناحية الدينية، إن الاستعمار الأوربي رغم قوته وجبروته وغزوه لتلك الناحية من العالم لم يستطع أن يتوغل روحيا في محكومه رغم تجنيده طاقاته إلا في بعض المظاهر السطحية، بخلاف التأثير الروحي الإفريقي الذي استطاع أن يتوغل في الطقوس المسيحية للرجل الأبيض وانصهر فيها، وبالتالي صبغ تلك المسيحية بصبغة إفريقية وأدخل فيها طقوسه وشعائره، حتى أصبحت مزيجا من طقوس تختلف في أدائها عن المسيحية بأوربا كما يقول الأستاذ إدوين باربوصا دا سيلفا في كتابه: «الوجود الإفريقي في الديانات البرازيلية»؛ لقد بحث هذا الكاتب في أصول الثقافة الشعبية البرازيلية، مبينا بوضوح وسلاسة آفاق هذه الثقافة المزدوجة الإفريقية البرازيلية، مبينا كل الملابسات والغموض الذي سيكتسي هذا الازدواج وهذا الالتحام الذي حدث بين الرجل الإفريقي والرجل البرازيلي المكون من عدة أجناس. إن هذا الالتحام الذي حدث بين السلالتين (السوداء والبيضاء في البرازيل) يتجلى في عدة أوجه من الحياة، يتجلى في الموسيقى، في الرقص، في الهندام واللباس، في اللغة البرتغالية التي هي لغة البلد الرسمية، كما نجد التأثير بلغ أشده في الروحيات وطقوسها التي أتت من إفريقيا وأدخلت في المسيحية، وصار الكل يعمل بها ويتمسك بها، فمزجوا العقيدتين معا واستخلصوا منهما مزيجا من دين مشعوذ جعلوا له قوانين وقواعد يتعبدون بها ويؤدونها، تشاهد ذلك في أدائهم لهذه الشعائر من عادات إفريقية محضة،
فالبخور يطلق في النار من أعشاب من نبات إفريقي وشموع توقد بالطريقة الإفريقية أثناء إقامة القداس الديني المسيحي، وأكل خاص له صفة مقدسة، يقدم أثناء الاحتفال الديني، وهو قداس من أصل إفريقي.
لقد وجد الرجل الإفريقي كل الظروف الملائمة في البرازيل، التي مكنته من خلق وطن جديد له، وجد المناخ، وجد النبات والفاكهة، بل حتى بعض الأشياء مما تجود به الطبيعة، والتي يستعملها في شعوذته وطقوسه الدينية من أحجار ونباتات، مما يستعمل عنده في السحر وأداء القداس وما يعلقه على أجسادهم كتمائم إلى غير ذلك.
إن نظامهم الديني له قواعده الخاصة به، فمسيحتهم منظمة حسب عوائدهم، فالقديسيون بيدهم الصليب، ولكنهم بأسماء مشتقة من طقوسهم، ولهم أماكن خاصة بهم لا كالكنائس يقيمون بها القداس، ولهم مذاهب متعددة، وكل مذهب له مركزه ومعبده الخاص به، وكل فرقة تلبس لباسا بلون خاص بها، وأثناء القداس يتكلمون كلاما غير مفهوم خاص بإقامة الشعائر، والقداس يقام على أنغام الطبول والإيقاع على الطريقة الإفريقية لا كما يقيمه المسيحي الأروبي على أنغام الأرغن، ويشبه هذا عندهم بعض الشيء ما تقوم به عندنا بالمغرب فرقة كناوة في النصف الأخير من شعبان من حفلات التداوي والحضرة والرقص وإطلاق البخور، ولا يستغرب؛ فالكل وارد من منبع واحد، قد تجد في أبواب مراكزهم الدينية دكاكين لبيع النباتات للبخور والتمائم، والدخان يتصاعد في عنان السماء، والشموع موقدة إلى غير ذلك، حتى يخيل لك كأنك تتجول بين أضرحة الأولياء بالمغرب، كما يلاحظ أن البرازيليين مولعون بتزيين وزخرفة منازلهم بتماثيل ولوحات وطلاسم تمثل الفن الإفريقي، وهو أشبه بالفن التشكيلي الحالي.
إن المراكز الدينية للطوائف التي ذكرنا يطلقون عليها اسم «الماكومبا»، وهو اسم من أصل إفريقي يطلق على كل الطقوس التي لها صبغة دينية أو حتى الروحانيات «اسبرتوال»، يقصد الناس هذه المراكز إما للمشاهدة والاطلاع أو القيام بالواجب الديني أو للتداوي، ثم لا ندع الفرصة تمر دون أن نعطي فكرة ولو موجزة عن أداء القداس.
إن القداس يكون على أنغام الطبول فقط (ولو أنه قداس مسيحي ولكنه يؤدى على الطريقة الإفريقية)، والرقص له دوره أيضا فيه، وغالبا ما يكون الرئيس الذي يدير رقص القداس -وهو رقص جماعي- امرأة سوداء؛ يفتتح الرقص على إيقاع الطبول، وقبل أن تفتتحه الرئيسة تمر في القاعة على تماثيل القديسيين المسيحيين فتقبل رجليهما ثم تدخل إلى معمعة الرقص بعدما يحمي الوطيس، أثناء ذلك يشربون خمرا خاصة تستخرج من قصب السكر، فيذهب بعقولهم ويغيبون عن وجدانهم ويفقدون شعورهم، وتطلق البخور، والتي تدير الرقص تدخن السيكار وهي تسير جمهور الراقصين والراقصات حتى إذا أصاب أحدهم العياء وبلغ منه الجهد مبلغه ينسحب بعدما يقبل قدمي الرئيسة، ومنهم من يقع مغمى عليه، والغريب أن هذه الحال يشارك فيها جميع البرازيليين لا فرق بين الأبيض والأسود، فهنا يتساوى الجميع، بل يصبح الأسود هو السيد فتنقلب الأوضاع ويصبح الأسود سيد الأبيض في الروحيات بعد ما يكون الرجل الأبيض هو السيد في الماديات.
أما التداوي عندهم فمعمول به في هذه المراكز، التداوي بالطريقة الشعوذية، والتداوي بطريقة شبه علمية، وقبل أن نتطرق إلى كيفية التداوي وطرقه وما تتخذ من وسائل في شأن ذلك يجدر بنا أن نعطي عرضا موجزا عن مراكز هذا التداوي والأماكن المهيأة لذلك، وكيفية مقابلة الزبائن بها والطقوس التي تؤدى أثناء علم التداوي والمشرفين عليها، فقد زرت هذه الأماكن في مناسبة كنت أود الاطلاع على ذلك، وزيارتها لا تكون إلا يومين في الأسبوع، إن هذه الأماكن لا توجد غالبا إلا في الأحياء العتيقة بمدينة ريودي جانيرو، وبناؤها على الطريقة القديمة، وهندستها من عهد الاستعمار البرتغالي، وما زالت محتفظة بطابعها القديم، وبجانب كل مركز للتداوي دكاكين لبيع البخور والتمائم والشموع تقربا لأشخاص مجهولين بأسماء غريبة، فهم عندهم بمثابة الآلهة عند الإغريق القدماء، فمثلا يتقربون «لإكسو» بجدي أسود «ولأجوم» بديك أحمر، وأكسو هذا يقصد به الرسول كما يقول أدوين باربوصا في كتابه: «الوجود الإفريقي في الديانات البرازيلية» .
 وهناك طريقة للتداوي غير الطريقة المشعوذة، وهي شبه علمية، ويقوم بها شخص يدعي المعرفة بالطب النفساني، يعالج المرضى بالطرق النفسانية بطرح الأسئلة على المريض، فيسأله عن حياته الخاصة بالاستفسار عن كل صغيرة وكبيرة عنها كالذي يقوم به العالم النفساني في علاج مرضاه، حتى إذا وردت على مكان من هذه الأمكنة يقابلك المشرف ويسألك عن سبب زيارتك، هل للتداوي أم للمشاهدة فقط، فإذا كنت زائرا بقصد التداوي عليك أن تبين له نوع التداوي الذي تريده، إما التداوي بواسطة الرقصات والشطحات والشعوذة أو مقابلة الطبيب النفساني، فيأخذ منك الاسم ويعطيك الميعاد مع الطبيب أو المشعوذ، وكل هذا يؤدى وله ثمنه الخاص.
إن هذه المذاهب أو الطرق التي لها صبغة دينية متعددة الأنواع والأشكال قد ألف وكتب علماء الاجتماع البرازيليون فيها الشيء الكثير، وأغنوا مكتباتهم من هذا النوع من العلم، فأصبح للبرازيل أدبها الخاص وإيديولوجيتها الخاصة، لا صلة لها بأدب وإيديولوجيات البرتغال التي هي منها وإليها في اللغة والدين.
ويطول بنا المقام إذا أردنا أن نعطي للموضوع حقه، فهذا القطر الشاسع قطر المتناقضات والعجائب، فقد اجتمع فيه ما افترق في غيره، ولله في خلقه شؤون.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here