islamaumaroc

تمرد في قرطبة على المرابطين

  عبد القادر زمامة

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

شهدت عاصمة قرطبة الصراعات الأخيرة التي شبت بعد انهيار حجابـة العامريين وظهر فيها على مسرح الفتنـة عدد مـن الأمراء الأمويين والحموديين ممن تسلقـوا أمواج الأحداث ورفعتهم مغامراتهـم إلى أعلى المناصب وأفخم الألقاب.
كما شهدت صفحة أخرى بعد قيـام نظام ملوك الطوائف حيث كانت عاصمة الخلافة الأموية مطمع عدد من رجال هـذا النظام للتغلب عليهـا وجعلها تابعة لسلطتهم ومنطلقا لتحقيق أحلامهـم، وكانت الصراعات بين بني جهور وبني ذي النون قبل أن يستولـي عليها بنو عباد ملوك إشبيليـة، وتعرف نوعا من النظـام والاستقرار رغم أن مجدهـا العلمي وتفوقها الحضاري لم يبق منهمـا منذ ودعت عصرها الذهبي في ظل عبد الرحمـن الناصر وابنه الحكم المستنصر، وحجابة المنصور ابن أبي عامر.
وفشل نظام ملوك الطوائف واستنجـد أهل الخبرة منهم بملك المغرب يوسف بن تاشفين ليوقف الزحف الصليبي الذي بدأ، وكأن سيل جارف يريـد استغلال الظروف المواتية التي مزقت البلاد كل ممـزق! وكان طي صفحـة نظام ملوك الطوائف عملا سعى إليـه أهل الرأي والمشـورة من علماء الأندلس، كما سعى إليه المرابطون بما قاموا به من عمل عسكري بعد تجـارب لم تجد نفعا ولم تحقق أملا.
وبطبيعـة الحال، فإن خروج الأندلس من نظـام إلى نظام ومن استقلال إلى تبعيـة أملتها ظروف التخاذل والتهـاون والتمزق جعل رد الفعل في نفوس الأندلسيين تختلف بواعثـه كما تختلف مظاهره في طبقات النـاس ومجتمعاتهم بين راض وساخط ومؤيـد ومعارض، لكن شخصيـة يوسف بن تاشفين وأصداء انتصاراته ومواقفه في الذب عن الأندلس وحماية حوزتها وما نشره في نفوس أهلها من أمـل ورجاء وآفاق واسعة للعمل... كل ذلك كان - إلى جانب صرامته وتيقظـه وعدله - مدعاة لهدوء الأفكـار وطمأنينـة النفوس والتغاضي عن أعمـال بعض القواد والحكـام المرابطين الذين كانوا يلابسون أهل الأندلس ويحتكون بهم أثناء ممارسـة أعمالهم العسكرية والإدارية والتنظيمية، فيظهر منهـم العدل والظلم والخطأ والصواب، والاعتـدال والتهور والانضباط والتحدي.
ودارس الأدب العربي في الأندلس في هـذه الحقبة يستطيع أن يلمس [في] شعر الشعراء وكتابة الكتاب ما يشعر بهذا في عـدة أصداء خلفها هؤلاء عن يوسف بن تاشفين ورجال الحكم في الأندلس من المرابطين، طيلة العشرين سنة التي لابس فيهـا هذا الملك العظيم قصة الأندلس مجاهـدا وحاكما ومنظما... إلى أن ودع هـذه الحياة سنة 500هـ. 
وكان عمل ابن علي بن يوسف بالنسبة إلى الأندلس عملا أملته استمراريـة السياسة المرابطيـة في التصدي والدفاع عن الحوزة وبذل الجهـد والدم دون توان ولا تردد، ومن أجـل ذلك اجتاز إلى الساحة الأندلسية عدة مرات كوالده مجاهـدا وحاكما ومنظما.. وقد انتصرت جيوشه في عدة معارك فاصلة...
والحكـام والقواد المرابطون في الأندلس على عهـد علي بن يوسف كانوا في نفس المستوى الذي كانوا فيه على عهـد والده، عدلوا وظلموا وأصابوا وأخطأوا ولكل ذلك أصـداء معروفة في الأدب العربي بالأندلس لا مجال لذكرها الآن.
وكانت قرطبـة - رغم كل ما نزل بها من نكبات - تحتفظ لها نفوس الأندلسيين بمكانـة خاصة لما تضم من بيوتات العلم وخزائن الكتب وأعــلام المعرفة النابهين، والجميع لـه إحساس بماضـي هذه العاصمة وعزة أهلها وشهرة معالمهـا وتكتل سكانها عندمـا يشعرون بسـوء المعاملة وتجاوز الحدود من طرف الحاكمين...
في هـذا الإطار نريـد أن نتحدث هنا عن ذلك التمرد القرطبي الذي حـدث على عهد علي بن يوسف بن تاشفين والذي تدخل فيه القاضي أبـو الوليد ابن رشد - الجد - كما تدخل فيه ابن يوسف نفسه واجتـاز إلى الأندلس من مراكش من أجل السهر على إطفاء شعلته وإخمـاد أنفاسه، وكان ذلك هو جوازه الرابع.
يحدثنـا المؤرخ ابن الأثير في كتابه - الكامل - عن سبب هـذا التمرد فيقول:
إن أمير المسلمين استعمل على قرطبة أبا بكر يحيى بن رواد فلما كان يوم الأضحـى خرج الناس متفجرين فمد عبد من عبيد أبي بكر يده على امرأة فأمسكهـا فاستغاثت بالمسلمين، فأغاثوهـا فوقع بين العبيد وأهـل قرطبة فتنـة عظيمة ودامت جميع النهار والحرب بينهـم على ساق، فأدركهم الليل فتفرقوا، فوصل الخبر إلى الأمير أبي بكر فاجتمع إليـه الفقهاء والأعيان فقالوا: المصلحة أن تقتل واحدا من العبيـد الذين اثأروا الفتنـة فأنكر ذلك وغضب منه، وأصبح من الغـد وأظهر السلاح والعدد يريـد قتال أهل البلد، فركب الفقهـاء والأعيان والشبان من أهل البلد وقاتلوه فهزموه وتحصن بالقصـر فحصروه وتسلقوا إليه، فهرب منهم بعد مشقـة وتعب، فنهبوا القصر وأحرقوا جميع دور المرابطين ونهبوا أموالهم وأخرجوهـم من البلـد على أقبح صورة...
واتصل ذلك الخبر بأمير المسلمين، فكره ذلك واستعظمـه وجمع العساكر من صنهاجـة وزناتـة والبربر وغيرهم فاجتمع له منهم جمـع عظيم فعبر إليهم سنة 515هـ، وحصر مدينة قرطبـة فقاتله أهلها قتال من يحمي دمه وحريمه وماله...
فلما رأى أمير المسلمين شـدة قتالهـم دخل السفراء بينهـم وسعوا في الصلح فأجابهـم إلى ذلك على أن يغرم أهل قرطبة للمرابطين ما نهبوه من أموالهـم واستقرت القاعـدة على ذلك وعاد عن قتالهم.(1)
كما يحدثنا مؤلف كتاب - الحلل الموشية - عن هـذا التمرد في جمل قصيرة وعبارات مقتضبـة ويشير إلى أن علماء قرطبة أفتوا الناس بجواز قيامهـم بواجب القتال دفاعـا عن الحرم وحماية للحـوزة(2).
وبالتعمق في فهـم نص صاحب الحلل الموشية وربطـه بما نعرفه من أخبار وظروف التمردات التي وقعـت في الأندلس لمقاومـة سلطة وسلوك القواد والحكـام المرابطين، نجد أن طبيعـة هذه التمردات كانت تنبثق من رجال السلطة المعنويـة على الجماهير الشعبية وفيهـم القضاة والفقهاء والشيـوخ المرموقون، فلئن كان المرابطون بعملهم العسكري من قواد وأمراء ومغامريـن فإنهم لم يكن في إمكانهم أن يفعلوا مثل ذلك فيمـا يرجع للقضـاة والفقهاء وشيوخ الرأي ولاسيما في قرطبة...
فالتمرد القرطبي على المرابطين تمرد قادتـه السلطة المعنويـة لإيقاف هـذا الوالي عند حـده ولإفهام السلطـة العليا في مراكش أن هناك مشاعر حساسـة يجب أن يحسبوا لها حسابها، وأن جماعـة الفقهاء والقضاة وشيوخ الرأي - وقد اعتمـد عليهم المرابطون في سياستهـم - لم يكونوا لينسوا مكانتهم أو ليتجاهلوا رسالتهم ..
على أن التاريخ يشهـد أن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين كان لا يألـو جهدا في تقديم تعليماتـه من مراكش إلى حكـام الأندلس من المرابطين ويحضهم في كل مناسبة ومراسلة على آفاق ميزان الحق والتحلي بالصبر والعفة واستعمال الرفق واللين مـع الأندلسيين ومع أهـل قرطبة بنوع خاص...(3) ، عملا بوصية والده يوسف بن تاشفين، وتأبى الأحداث في قرطبة إلا أن تقحـم ابن رشد - الجد - وهو القاضي الشهير الذي طبقت شهرته الآفاق لعلمه ونزاهته وحصافـة رأيه واهتمامـه بشؤون بلدتـه التي ترى فيه رجل الرأي السديـد والنفوذ المعنوي على خاصة أهلهـا وعامتهم.
وكان ابن رشد قد تولى منصب قضاء قرطبـة سنة 511هـ برغبة وإلحاح من أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، ويذكر المؤرخون أن ابن رشـد كان كارها لهذه التوليـة وحاول التنصل من أعبائها شأنه في ذلك شأن أهل النزاهـة والعفة، إلا أن إلحاح أمير المسلمين لم يترك له اختيارا...(4).
وقام التمـرد في قرطبة على المرابطيـن والوالي ابن رواد بالخصوص، وقد مـر على تولية ابن رشد القضاء بها مـدة أربع سنوات كان فيهـا مثلا عاليا في الاستقامـة والنزاهـة وفصل الأحكام بإنصاف المظلوم والضرب على يـد الظالم...!
عندمـا وصل علي بن يوسف إلى قرطبة ليعالج هـذا التمرد وجد في ابن رشـد رجل الموقف النبيل والرأي السديد الذي لا يحابـى واليا ولا يداهن أميرا ولا يغش من اختاروه للدفـاع عن حقوقهم من أهل قرطبـة...
ودار حوار بين ابن رشـد وابن تاشفين وعمل كل منهما على وقف هـذا التمرد وإطفاء جذوته وعودة الحياة إلى مجراهـا الطبيعي بعد أن تحددت المسؤوليـات ونال كل من الوالي المرابـط والمتمرديـن عليه ما تمليه النزاهة وتفرضه العدالة.
ويجدر بنا هنـا أن نفتح قوسين أملت علينـا الضرورة فتحهمـا لتصحيح أغلوطـة وتفنيد مقولة حول أمير المسلمين علي بن يوسف ابن تشافين، سبق للمراكشي في كتابه - المعجب - أن ذكرهـا فرددهـا الدارسون والمؤرخون والباحثون...! وهي تصور هـذا الأمير ضعيفا مستضعفـا مغلوبا على أمره عاكفـا على العبادة مهمـلا أمور الرعيـة غاية الإهمال(5).
والواقع التاريخي في معارك الأندلس وحروب المغرب مـع ابن تومرت يشهـد بخلاف ذلك، وكلام المراكشي في المعجب لا يعدو أن يكون من قبيل ما كـان يذيعـه في الناس أنصار دولـة الموحدين، ويكـفي في تصحيح الأغلوطة وتفنيد هذه المقولـة ما كتبه لسان الدين ابن الخطيب في ترجمـة هـذا الأمير وما وصفه به من الفضـل والاعتدال والقيـام بواجب الدفاع عن الحوزة(6).
وانطفأت جذوة هـذا التمرد بفضل حكمة ابن تاشفيـن وحصافة رأي ابن رشد، واستغل هـذا الأخير المناسبة فقدم استقالتـه من منصب قضاء الجماعة بقرطبة معتذرا بعدة اعتذارات منها: أن يريـد التفرغ لإتمـام مدونته الفقهيـة الكبرى: (البيان والتحصيل)، وقـد ابتدأ العمل فيهـا سنة 506هـ كما يذكر ذلك في مقدمة هذا الكتاب المخطوط.
وكان هـذا التمرد القرطبي - رغم القضاء عليه في مهـده - سابقة شر ونذير شؤم، فقد توالت الأحـداث بعده في الأندلس والمغرب تحاول هـدم نظام المرابطين، ففي الأندلس كان الزحف الصليبي يثير الرعب والهلع! والتذمـر من الحكـام المرابطين يثير الفوضى والشقاق، أمـا في المغرب فكان ابن تومرت قد تمكـن من تنفيذ خطته ضدا على المرابطين ودولتهم...

(1)  الكامل لابن الأثير، ج10، ص 392.
(2)  الحلل الموشية ص 86، ط الدار البيضاء 1979م.
(3)  ابن عذارى، ج4، ص 63، والحلل الموشية ص 87.
(4)  شجـرة النور الزكية، ص 242.
(5)  المعجب ص: 177، ط، القاهرة 1949.
(6)  القسم الثالث من أعمـال الأعلام، ص : 253، الدار البيضاء 1964م.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here