islamaumaroc

العقل السليم في الجسم السليم من منظور إسلامي

  عبد العزيز بغداد

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

سنتناول في هـذا الموضوع ـ إن شاء الله ـ من منظور إسلامي، وسنحاول أن  نطل على بعض المفاهيم الإسلامية تجاه الإنسان جسما وعقلا.
وأول شيء يبتدى أمامنـا بالنسبة لهذا الموضوع هو أن الإسلام قد حرر حقيقة الإنسان  منذ أول الأمر، واعتبره كيانـا متكامـلا، فهو روح وعقل، جسم ونفس.
فمن خـلال هذه الطبيعة نظر الإسلام للإنسـان ولم تكن نظرته أحاديـة الجانب، ويظهر ذلك في أنـه اقر له برغباته المادية كلها وأباحها له دون أن يحرمها وإن  كـان قد وضع لها إطارا تتحرك فيه وضوابط  تنظمها وتحميها من الانهيار والفناء.
ومن هنـا طرحت كثير من المبـادئ التي أشاد فيها الإسلام بالاهتمام بالجسم والعقل مما باعتبار أن ثمة ارتباطا وثيقا بين الاثنين، وان سلامـة العقل في سلامـة الجسم، والعكس صحيح.
وحينا نطـل على بعض النصوص الإسلامية في هـذا المضمار ندهـا طافحة بالتوصيات الخالدة، الذي تلح على الاعتناء بالجسم، لأن الإسلام يعتبر أن صحة الأجسام وجمالها ونظرتهـا من الأمور التي أعطاهـا الإسلام عناية فائقـة واهتماما بالغا، بل واعتبرهـا من صميم رسالته.
فالإسلام يكـره أن يكـون أحد معتنقـه قدرا أو ملوثـا، لان المسلم لن يكون مهيبا ومحترم الجانب ، إلا إذا تعمـد جسمه بالتنظيف والتهذيب، وكان في مطعمـه ومشربه وهيئتـه الخاصة بعيدا عن الأدران،  وذلك كله من أجـل تزكيـة النفس وصفاء الذهن. وتمكين الإنسان من النهوض بالأعبـاء الجسيمة التي خلق الإنسان ليكون وراء تحقيق أهدافها، والذي يفسـر هذا ويبرزه أن الإسلام في كل زمـان في أشد الحاجة إلى مسلمين أقوياء الأجسام والعقول يعيشون دنياهم أتم العافية وسلامـة العقل.
ومن مظاهـر الاعتناء بالجسم « الوضوء والغسل» ففي سورة المائـدة نقرأ:
(يـا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق واسمحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن  كنت جنبا فاطهروا).
ويتضح أمامنـا مدى الاهتمام بالنظافـة الجسمية باعتبارها سبب في صحة الجسم، أنه حتى إذا لم بـكن هناك دواع للوضوء والغسل، فقد جنـد الإسلام الغسل والتنظيف مرة في الأسبوع وذلك من اجـل التشبع بالنظافة واتخاذهـا شعارا ضد الارتخـاء وضد الأدران،  ففي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في حق يوم الجمعة:                 
«إن هـذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل».
وقد حـرص الإسلام، على النظافـة وأمر أن يتخلص الإنسان من فضلات الطعام وبقاياه وروائحـه وآثـار، وذلك حفاظـا على سلامـة الجسم.
ففي سنن الإمام أحمد نقرأ هذا الحديث:
«إنـه ليس شيء أشد على الملكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما طعامـا وهو قائـم يصلي».
ولعلنـا نعترف أن هـذه توجيهات اشد وابلغ من توجيهات الطب الحديث، إنهـا توجيهات تمثل مفهوم الوقاية اشد تمثيل، يشرح ذلك قوله عليه السلام.
«من بات وفي يـده ريح  من غمـر، فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه»، والغمر معناه هو زهومـة اللجم.
وقد أثبتت البحـوث الطبية القديمـة والحديثة أن الجراثيم تجد مرتعهـا الخصب في الأيدي والأفواه القـذرة.
وللجمع بين زينة المظهـر والاعتنـاء بصحة الجسم بواسطة الأكل الجيد والنظيف نقرأ في سورة  الأعـراف هذا النداء الخالد.
(يا بني آدم خذوا زينتكم عنـد كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، قل من حرم زينة الله التي أخـرج لعباده والطيبات من الرزق).
إن هـذا النداء الكريم جاء ليحرم على العرب الطواف بالبيت عراة، لأن كمـال الهيئة البشرية هي اللباس المناسب والمرتب، ثم إن العرب كانوا يكتفـون باليسير من الطعام الذي لأن تقوم به البنية، لذلك قرن الزينـة بالأكـل الملائم للأعباء والمجهود الذي يقـوم به الإنسان، والعبادة تعتبر جهـدا جسيما بالإضافة على أنها شفافيـة وتجليات روحية.
ولم يكتف السياق القرآني الكريم في هـذا النداء بالدعوة إلى اتخـاذ الزينة عند كل مسجـد والاستمتاع بالطيبات من الطعام والشراب، بل أنه يستنكر تحريم هذه الزينـة التي أخرجها الله لعباده.
ومن هنـا فقد جاءت السنة تعلم الناس الالتزام بهذه الأمور حتى يظهر المسلم في سمته وملبسـه وهيئتـه جميلا مقبولا مهيبا ترتاح له العين وتحبـه النفس.
وللتدليل على هـذه العناية بالمحافظـة على الجانب المادي في الإنسان، أن المسلمين كانوا إذا دخلوا بلادا فاتحين لم يكونوا يهتمـون فقط بإنشاء المساجـد والمراكز الروحية، وإنمـا كانوا أيضا يهتمون بإنشاء البساتين والاعتنـاء بشؤون الزراعـة وبتربيـة المواشي وكل ما من شأنـه المساهمـة في مـد الإنسان بما تصـح بها الأبدان.
وقد بالغوا في ذلك حـتى قال أحـد عظمـاء الإسلام وهو الإمـام الغزالي:
«صلاح الأبدان مقدم على صلاح الأديان».
ولم تقف عنايته الإسلام بالنسبة للاهتمـام بالأجسام عند النظافة والمأكولات والمشروبات، وإنما تنبه لشيء آخر قبل أن يعرفه الطب الحديث، ذلك هو مفهوم الحميـة وتجنيب أدوات الأكل القدرة والحاملة للمكروبات.
ففي الحديث: «نحن قـوم لا نأكل حتى نجوع»، أليس في هـذا التوجيه النبوي معنى الحمية؟
وحديث: «إذا ولـغ الكلب في إنـاء أحدكم فليغسله سبعا».
أليس هـو الآخر أمرا بتجنب خطـر الجراثيم، ولقد ثبت في البحوث الطبية الحديثة أن مكروب الكلاب إذا ولغت في إنـاء ما لا يزول إلا بالغسل المتكرر، وبذلك تثبت لديهم صحـة التوجيه النبوي.
ويمكن القول بأن عناية الإسلام بالصحـة الجسمية تعتبر جزءا من عنايته بقوة المسلمين الماديـة والأدبية، فهو يطلب أجسامـا تجرى في عروقهـا دماء العافيـة ويمتلئ أصحابهـا فتوة ونشاطـا، ذلك أن الأجسام المهزولـة ليس من شأنهـا أن تطيق عبثا، وأن الأيدي المرتعشة لا يمكنهـا أن تقدم خيرا، والمظهر البئيس غير قـادر على جلب الاحترام.
ومعنى هـذا أن الفهم الصحيح للإسلام يرفض مـا ذهب إليه بعض محترفي التديـن الذين يحسبون فوضى الملبس واتساخـه ضربا من العبادة، وربمـا تعمدوا ارتداء المرقعات والتزين بالثياب المهملة ليظهروا زهدهم في الدنيـا وحبهم في للآخرة.
إن هؤلاء يجيبهـم الحديث النبوي الشريف:
«خيركم من لـم تشغله دنيـاه عن آخرته، ولا آخرته عن دنيـاه»، وفي سنة أبي داود قوله عليه السلام: «من كان له شعر فليكرمه».
وعن أبي قتـادة يقول: يا رسول الله إن لي جملة، افار جلهـا؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : « نعم وأكرمها».
ثم إن الإسلام لم يحبس النظافـة والتجميل في الأشخاص والأجسام، بل لقـد أراد أن يكون ذلك شاملا، في البيوت والطرقـات ومختلف الأمكنة التي يتحرك فيها المسلمون ويعيشون على أرضها وتحت سمائها، وذلك حتى لا تكون مباءة  للحشرات ومصدرا للعلل.
إن المراد من ذلك كله هـو خلق مجتمع قوي، أفراده متمتعون بأجسام سليمـة لأن رسالة الإسـلام أوسع في أهدافهـا واصلب في كيانها من أن تحيا في أمة مرهقـة وموبوءة عاجـزة، لذلك جـاء الإلحـاح على محاربة الأمراض ووضع العوائـق أمـام الجراثيم حتى لا تنتشر فينتشـر معهـا الضعف والتراخي ثم التشاؤم.
وقـد توقع الإسلام أنه لا بـد أن تتسلل بعض الأمراض في حياة المجتمع فأوصى بعدم الاستسلام لهذه الأمراض، بل رغب في مقاومتها وحمايـة الجسم منها والتماس الدواء النـافع يشرح ذلك قوله عليه السلام: « مـا أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء» ، صحيح الإمام البخاري.
وقال الرسول أيضا: « إن الله أنـزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتـداووا ولا تداووا بحرام».
وقد كانت هـذه التوجيهات النبوية بخصوص الممارسة الطبيـة حافزا لعدد من المسلمين في تعاطي الطب منذ وقت مبكر ليخدمـوا الإنسانية ويساهموا  في شفـاء الأجسام  من الامراض، وبذلك تخرج في صفوف المسلمين وضمن موكب الحضارة الإسلاميـة، عدد مـن الأطباء الذين ظلت نظرياتهـم حتى عصر متأخر موردا مهمـا بالنسبة للغربيين في مجال النظريات الطبية: الرازي ابن سينا ـ ابن رشد ـ، ابن طفيل الخ..
ولم يهتم الإسـلام بتشجيع النظريات الطبيـة وممارستهـا فقط، وإنمـا قطع الطريق على الخرافات والأباطيـل والالتجـاء على التداوي بما لا يتفق والمنهج العلمي، فقد قـال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مـن علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعـة فلا أودع الله له »، ويروي أن ركبـا من عشرة، وفد على رسول الله عليه السلام: يبايعـه، فبايع رسـول الله تسعة وأمسك عن رجـل منهم، فقالوا: ما شأنـه؟ فقال إن في عضـده تميمة فقطع الرجـل التميمة، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قـال: «من علق فقد أشرك».
ثم إن من مظاهـر الاعتناء بالصحـة في الإسلام وجود مـا يسمى: «الحجر الصحي»، الـذي عرف في ديـار الإسلام منذ وقت مبكر: فقد كـان إذا ظهر مرض معد في بلد مـا ضرب حول هـذا البلد حصار شديد، فمنع دخوله والخروج منـه، والقصـد من ذلك أن تنكمش وقعة المرض في أضيق نطـاق، ففي صحيح الإمـام البخـاري نقرأ هـذا الحديث:
«إذا سمعتم بالطاعون ظهر في أرض، فـلا تدخلوهـا، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها».
هناك بعض المغامرين الـذين لم يفهموا الفـكر الإسلامي والحقيقـة الإسلاميـة الفهم الحقيقي، إن هؤلاء المغامريـن يقولـون: إن الخوف من العـدوى ضعف في اليقيـن أو هـروب مـن القضاء المحتوم، وهـذا خطأ وسـوء في الفهـم، والرأي الصواب في هـذه المسألـة نقولـه على لسـان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ذلك أنه رفـض السفر إلى الشام لمـا ظهر فيهـا مـن الطاعون فقيل له: تفـر من قدر الله؟.                                                  
فقال: « نفر من قـدر الله إلى قدر الله».
ومعنى هـذا أن الأخذ بالأسباب من قدر الله وأن الحقيقـة الإسلامية مبنية على ربـط الأسباب بالمسببات.
والذي يصحح هـذا ما جـاء في الأثر: فر  مـن المجدوم فـرارك من الأسد.
كل هـذه العناية بالصحـة الجسمية والاهتمـام بالنظافـة على جميع المستويات هي من اجـل العناية بالإنسان بشكل شموليي باعتبار جسم وعقل.
فالعقل بالنسبة للإنسان يعد جوهرة غاليـة وميزة فريـدة خص بها الإنسان دون سائـر المخلوقات،  ومـن ثم أريد لهذه الميزة الفريـدة أن تنطلق في عملاقيتها وجبروتها، فبفضل العقل شهد العالم حضارات متعاقبـة عمل فيها العقل كثيرا وأنتج من الروائـع وقدم من المبادرات ما كـان على مر الدهور آيات باهرات  على  هـذه القدرة الخارقة التي منحهـا الإنسان مـن قبل الله جل شأنه.
فمن الغبن والخسارة أن تضيع هـذه القدرة وتعطل ويسـاء إليهـا بسبب إهمال الجسم أو التشويش على العقل وحجب نوره بشيء ممـا يرفضه الدين وتمنعـه الحقيقة الإسلاميـة من مثل المخدرات والسكر وغير ذلك.
ومن ثم فإن الديـن الإسلامي يدعو في نصوص كثيرة من القرآن الكريـم والسنة النبوية يدعو العقل إلى التفتح والنمـو والتحرك حتى يبتعـد عن الخرافات ويتشبث بالمنطق ويتمكن من النظر في هـذا  الكون  ويتمتع بنـور الله وهدايته.
لقد أثبتت الأبحـاث الجديدة أن العقل الإنساني ما زال لا يستغل الاستغلال الحقيقي حتى أن كثيرا من الجهود والمدخرات ما برحت كامنـة في العقل، وعندمـا يستثمر كل ذلك فستكون البشرية بخير خاصة إذا وقفت الأخـلاق إلى جانب المبدعات العقلية.
ومن دلائـل قيمة العقل وحضوره في كـل الأمور، أنه ليس على المسلم بموجب الأصل الإسلامي أن يتناول أو يعتنق عقيـدة بدون أن يحكم عقله فيهـا ويدلل عليهـا حتى ساغ لأصحاب الأصول من المسلمين أن يرفضوا إيمان المقلـد لأن العقل من صفاته التمييز بين الحق والباطـل.
وقضيـة التكليف في جميع الفروع الشرعيـة تثبت بالعقل، فإذا تعطـل فلا تكليف وكلنـا نسمع أن الديـن الإسلامي دين الفطرة،  الديـن الذي يوافق طبيعـة العقل كما أوجـده الله تعالى في الإنسان.
ففـي القرآن الكريم نقرأ:
(فأقـم وجهك للدين حنيفا فطـرة الله فطر الناس عليها، لا تبذيل لخلق الله، ذلك الديـن القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وقد ذهب بعض المفسريـن على أن الفكرة المرادة  في هـذه  الآية الكريمـة هي الحالة التي خلق الله تعالى عليهـا عقل النوع البشري سالمـا من الاختلاط بالعادات الفاسـدة والأوهام والأباطيل.
ويؤيـد هذه الفكـرة ويشهد لها ويزيدهـا توضيحا وتفسيرا قوله تعالى:
(لقد خلقنـا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددنـاه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات).
ويجب أن نفهم أن التقويم المـراد منه هو تقويم العقـل باعتباره مصدر العقائـد والأعمال الصالحة.
وإذا كـان العقل بهذه المثابـة أي انه نام وفاعـل، فإنـه يحتاج على غذاء وتدريب وعنايـة، فبواسطـته ندرك معنى الخير والشر، وبه نعرف دور الديـن في تقرير المعانـي المثالية، لذلك فإن العقـل في حاجـة إلى نور خارجي حتى تظهر الأمور على حقيقتهـا ومن ثم كانت رسالة الأنبياء والرسـل غاية في الأهمية والعظمـة، وتبعتهـا رسالة المعلمين والمربين عموما.
ونظرا لأهمية العقل فقد تصارعت حولـه كثير من الفلسفات كما هـو الشأن عند العقلانيين في مواجهـة خصومهـم التجريبيين، ولسنا نريد أن نخوض في هـذه المعارك الفلسفية فقد يطـول الحديث لو أردنا ذلك، وسوف نخرج عما قصدنـا إليه. لكن الشيء الـذي نحب التلميح إليه هو أن الإسـلام ألح على تزويـد العقل بالمعارف والتجارب لأن خلوه من ذلك يجعله ينظر على الأمور نظرة ساذجـة.
ومن ثم فقد اهتمـت النصوص القرآنيـة والحديثية بالعقل ولم تذكره إلا في مقام التعظيم والتنبيـه إلى وجوب العمـل به والرجوع إليه، ونجـد في القرآن الكريم إشـارات إلى العقل بوظائفه المختلفة التي تـدل عليه من قريب أو من بعيـد، وذلك مثـل:  التفكـر ـ الذكر ـ الرأي ـ التدبرـ أولـوا  الألباب...
ولقد وردت مادة العقـل بصيغة المضارع في خمسين آية من القـرآن ، وورود هذه الألفاظ في القرآن الكريم لها صلة وثيقـة جدا بالعقل والتفكير، وهـي في مجموعهـا تقيم الدليل على أن الشريعة الإسلامية استطاعت أن تؤاخـي بين الدين والعقـل وأن تجعل مـن  هـذه الفطرة فطرة مستقيمة.
وقد شرحت السنـة النبويـة هـذا الموقف إذ وردت أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم جمعهـا الإمام الغزالي في كتابه: «الإحياء» في باب «شـرح العقل»، نذكـر منها قوله صلى الله عليه وسلـم:
فعـن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ، قال رسول الله عليه السلام: «لكل شيء دعامـة ودعامـة المؤمن عقله، فبقدر عقلـه تكون عبادتـه، أما سمعتهم قول الفجار في النار:( لو كنا نسمع أو نعقل ما  كنا في أصحاب السعير).
بهذا الاعتبار انطلق المسلمون في فجـر الإسلام يبنون حضارتهم اعتمـادا على المنطق والتفكير السديد والتخطيط المبني على دراسات يسندهـا العقل، ولأمر ما يقـول الله تعالى في سورة إبراهيم:
«هـذا بلاغ للناس، ولينذروا به، وليعلموا إنما هو إلـه واحد، وليذكر أولو الألباب».
ومعنى هذا أن الحياة في الإسلام يجب أن تقـوم على التعقل، فليس هناك شيء بالصدفـة أو الشعوذة، والإيهـام، فالصلاة مثلا، وهي العبادة الأولى في الإسلام نرى أن أداءهـا والآذان لها، كل ذلك عمـل عقلي بحت.
فالدعـوة إلى الصلاة كلمات جميلة تخاطب العقل وتقـوم السمع وتوقظ القلب فهي: تكبير الله وشهـادة بتوحيده وحث على الفلاح، في حين أن الأمر في بعض الديانات الأخرى، ليست الدعـوة إلى ذلك إلا جرسا يرسل رنينـه  في القضاء ويخاطب المشاعر المبهمة، وفي قلب الصـلاة الإسلامية نجد أنهـا آيـات تتلى من كتاب جامع لعزائم الخير ودلائل الرشـد، وقبولها مقرون بصحو الفكـر في إقامتها وتدبر العقل لمعانيها.
ومن هنـا أحب الإسلام أن يستغل العقل إلى أقصى حد في شتى المعارف وفي البحث المتواصل في خبايا الأرض وآفاق السمـاء إلى جانب البحث في العلوم الشرعيـة وتطويع فروعها لمواكبة الحياة مع المحافظـة على الجوهر.
ولنتأمـل جميعا هذا المشهـد البياني للتدليل على قيمة العلوم الدنيوية وما يجب صرفه فيها من جهـود عقلية، فحينما نوه الله تعالى بفضل العلم وجلال العلماء، فإنما عنى العلم الذي ينشأ من النظر في  النبات وشؤون الطبيعـة الأخرى من الحيوان والإنسان ومختلف المظاهـر. 
فلنسمع إلى هـذه الآيـات من سورة فاطر:
قال تعالى:
(ألم تر أن الله أنزل من السمـاء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرايب  سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنمـا يخشى الله  من عباده العلماء).
ونستفيد من هـذا النص القرآني الكريم أن علوم الحياة مساوية لعلوم الآخرة في خدمة الدين وتجلية حقائقه،  وإن ذلك كله يرتكز على العقل، ومن ثم  وجب أن ينمي بالتفكير الصحيح ويصقـل بالتوجيه السليم  من أجـل أن تكون له قوة التمييـز بين الحق والباطل،  ومن هنـا فرضت على المسلمين حماية العقل من كل ما يدخـل عليه خللا في سيره  أو اضطرابا في علمه، ولعل هـذا هو السبب في تحريم المخدرات بجميع أنواعهـا وأشكالها تناولا وتعامـلا، لأن ذلك كله يحجب العقل ويخفي اتزانـه وسيطرته على الموضوعيـة والمنطق، وهذا من أجـل التفتح على الآفاق وحب الابتكار والتجديد.       
وهنـا نقف معجبين بمصداقية التشريع الإسلامي، لأنه إذا كان يدفـع المسلمين على الاستمتاع بالعقل والاستفادة  في تطوير الحياة وتقدمهـا فهل يسوغ لخصومه أن يرموه بأنه دين جامد؟.
وليس ثمة في أن الإسلام يستطيع أن يسايـر التطور البشري، وأنه لا يعرقل سير هـذا التطور كما يدعي الخصوم.      
ولعل أفسح ميدان يمكن أن يبرز فيه العقـل هو ميدان الاجتهاد، ذلك أن التطور في الإسلام ليس معناه هو تغيير الدين أو التحول عن مبادئـه وأهدافه والتبعية بجميع التيارات الفكرية والماديـة، فهذا لا يسمى تطورا أو تجديدا، بل أنه الهدم والتفكك والذوبان.
ولحكمة ما سكتت النصوص الإسلامية عن بعض الأشياء،  وهـذا وحده كاف ليكون مبررا للاجتهاد، ومعناه أن المجال مفتوح فيما لا نـص فيه ويمكن تفسير ذلك بأن الوقائـع والحوادث لا تنحصـر ولا حد لها في حين أن الأدلة التي وردت في الكتاب والسنـة أو نص عليها العلماء منحصرة، لكن تقرير حكم الله فيمـا سيحدث من المسائل لا يمكن أن يبث فيه إلا أولوا  العلم من المسلمين الذين يعملون من أجـل أن تكون شريعة الله، حاكمة وموجهـة وهادية.
ومجال الاجتهاد يحتاج بدون شك إلى استخدام قوة العقل التي تعتبـر من الميزات التي خص بهـا الله تعالى الإنسان.
وحينمـا نقلب القضية نجد أن المسلمين اليوم، أن لا يعطلوا هـذه الميزة فينفقوهـا في تطويع فروع الشريعـة  إلى ما يصلح حال المسلمين ويسير بهم خطوات إلى الأمـام، فلقد سهلت أساليب الاجتهاد ووجـدت أسباب عديدة للتغلب على بعض الصعاب التي كانت تعترض الأسلاف: فقد ضبطـت قواعد اللغة، وتم تدويـن الحديث وشرحت كثير من نصوصه، وفسر القرآن الكريم وبذلت جهود جبارة في فهمـه، ونشرت الكتب بكثرة أمام النـاس، فأصبح فقيه اليوم أقدر على الاجتهاد والاستنباط من سابقيه.
ثم إن ظروف الاجتهاد الجماعي أصبحت ميسرة وغدت ضروريـة يساعد في ذلك وجود الاختصاص الذي ينفـذ نحو أعمـاق الجزئيات،  ومن هنـا وبهذه الاعتبارات يمكن القـول بأن العقل قد قطع شوطـا لا بأس به في حل بعض المشاكل والقضايا الحياتيـة أو على الأقل أخـذ ينبشهـا ويفتح حولها أكثر من قوس وذلك من مثل قضيـة التأمين ـ توحيد رؤيـة الهلال وغير ذلك من المسائـل التي أضحت أكثـر إلحاحـا على المسلمين.
وخلاصـة الحديث أن أعظم شيء وأكبـر أم لتهدف الحقيقة الإسلامية إلى منحه للإنسان هو سكينـة النفس وطمأنينـة القلب، وذلك بالإيمـان مصداقا لقولـه تعالى: « ومن يؤمـن بالله يهد قلبه» .
ومن هنـا، ومن خلال هـذا العرض السريع للإنسان جسمـا وعقلا، نلاحظ أن الإسلام أعطـى الإنسان عطاء مناسبا لوجوده كمخلوق، فلم يرفعه عن مستواه إلى التقديس والعبادة، ولم يخفضـه على مكانتـه على وصفه بالحيوانية، أو الخضوع في تصرفاته لمطالب العيش فقط، بل لقد اعترف بأشواقه الروحيـة والنفسية والفكريـة، وجعل جانبه المادي والروحي متكاملين ومتوازنين.
ويجب أن نثـق أن الإسلام حينمـا يقرر هذا كله، فإنمـا يفتح أما الإنسان آفاقا واسعـة كي يكون مطمئـن القلب ساكن النفس، ولن يتأتى ذلك إلا بالإيمـان بالله، إذ الإيمـان يعد قوة دافعة تعطي الأمل، وتحـول دون تسرب اليأس إلى الإنسان وتبعث الثقـة المتجددة وتحرص على المعاودة والمحاولـة في حال الإخفاق ويجب أن نثق كذلك أن الإيمـان ليس مضادا للمعرفة، بل هـو ظهيرها وسندهـا، فقد دعـا الإسلام إلى التفكير والتعمق والبحث، مصداقا لقوله عز من قائل:  
(قل إنمـا أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنـى وفرادى ثم تتفكروا).
والأكثر من هـذا أن الإسلام يعتبر أن الغفلـة ذنب وأن عـدم التفكير معصية وأن البلادة الذهنيـة تخلف العقوبة.
لو كنـا نسمع أن  نعقل ما كنـا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنهبم أن الإسلام يعلن في كثيـر من نصوصه أنه  لا صراع بين الجسم والعقل، وبذلك فقـد حرر الإنسان من الأخطار المترتبـة عن هذا  الفصل بين الجسم والروح فأسقط مفهوم العزلة والزهد في متاع الحياة، كما أسقط مفهوم الإسراف والإباحـة، بل لقد كرم الجسم والروح، فأسقط مفهوم الإسراف والإباحـة، بل لقد كرم الجسم والعقل ودعـا على الاهتمام بهمـا طهارة ونظافة وزينة من غير إسراف.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here