islamaumaroc

حول ثقافة الطفل

  مصطفى بغداد

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

ينبغي في البدايـة أن نحـدد متى يكون الطفل مستعدا للتعلم، ذلك أن ثلاثة محاور لإيضاح هـذا الاستعداد يقف عندهـا الدارسون، ميل الطفل إلى التعلم، واستمرار ميله إلى فترة طويلة من الوقت، ثم التقدم الذي يمكن أن يحرزه بالممارسة، يقول الدكتور طلعت منصور في بحثه عن تنشيط نمـو الطفل، عالم الفكر أكتوبر 1979: وحينما يأخـذ ميل الطفل إلى التلاشي بسرعة أو حينمـا لا يبدي تحسنا ملحوظـا بالرغم من الممارسة المستمرة، لنا أن نتسـاءل ونتشكك في استعداده للتعلم ، ولعل هناك مدرستين مهمتين تثبتان هذا الاستعداد أولاهما يطلقون عليها مدرسة جنيف (بياجيه انهليدر)، وهـي تذهب على تقييد دور التعلم معتبـرة ان التعلم يخضع لقوانين النمو، والمدرسة الثانيـة تقر بالدور المسيطر للتعلم في النمو، وتعتبر ان التعلـم يوسع من إمكانيات النمو، وقد يسرع به ويباشـر تأثيرا بالغا ليس فحسب على  تتابع المراحل في تفكير الأطفال، ولكن أيضا على نفس طبيعـة هذه المراحل.
ولا بد هنا أن نشير إلى حالة الاستعداد أو التهيؤ التي تحقق بدرجـة كبيرة خـلال استجابات الطفل للمثيرات الداخلية، وهو مـا يطلق عليه بلوم مصطلح الاستعداد النمائي، والعامـل الذي ينبغي أن يوضح بالضرورة في الاعتبار مع ذلك هو التوقيت مع الاعتراف بأن العلـم سواء في المجال الذهني أو الاجتماعي أو الحركي يتحقق على نحـو أفضل حينمـا يكون ما نقدمه للطفـل من الناحية التربوية موقوتـا بحالة الاستعداد أو النضج لدى الطفل، والمصطلح الثاني، اللحظـة المواتية للتعلم لروبرت هافيجرست، وهو يؤكـد أن  جهود الطفل تضيع سدى إذا جاءت في فترة مبكرة  قبل الأوان في حيـن أنها تأتي بنتائج مجزيـة في اللحظة المواتية.
ومع ذلك فإن لبعـض الأطفال خصائص ذاتيـة لا يتمتع بها إلا القليل كالطفل الذي أجـاد اللعب على الأرغى  ولم يتعد الخامسة من العمر،  وعلى العكس من ذلك البرت اينشتاين الذي لـم يتكلم قبل الثالثـة وأنه كان يتعثر في لغته حتى التاسعة، وأن أبويه خشيـا عليه أن يكون متخلفا عقليا.
ولعل الأسئلـة المهمة التي يجب أن تطرح هنا، كيف يصل الطفل إلى معارفه وثقافتـه كالقدرة على القراءة والكتابـة والتعامـل بالأرقام أو التهيؤ لفهم الآخرين والتفاعل معهم بما يناسـب الموقف أو التوتر لعمـل الأشياء أو توليـد الأفكـار أو مواجهة المشاكل؟ يجيب الأستاذ الفت حقي في بحثه القيم ثقافـة الطفل، عالم الفكر أكتوبر 1979:  يساعده في الوصول إلى هـذا كله قدرته على المادة ة وأسلوبه في اختيار المنهج علاوة على أسلوب محيطه في تقديـم المـادة التي توصله إلى أهدافه، وتنتهي هـذه العمليات المتصلة بتكوينه النفسي والعقلـي إلى تكامـل وظيفي بينه وبين بيئتــه يسمى ثقافته، ويضيف الأستاذ الفت حقي في نفس البحث يدرك الطفل الأشياء والتغيرات الحادثـة حوله لأن له حواس تعده لذلك، ودوافع تنشط إدراكـه، وقسطا مما نسميه بالذكـاء يتعامل به ليصل إلى المعرفة ويختزنهـا،  وهـذه هي الخصائص الذاتية التي تساهم بها من ناحيته في عملية تثقيفيـة،  وهي صفات لا حصر لها.
ولكي نتقدم في تحليل هـذا الموضوع نستعرض بعض وجهات النظر المتعلقة بالمجالات التي تؤكـد المسار الحقيقي للطفل، يقول الأستاذ محمد الجوهري في بحثـه عن الطفل والتراث الشعبي (اكتوبر 1979، مجلة عالم الفكر): التركيز على الإعـداد الفردي للطفل حرمه من اللعب، ومن الغناء، وصرف نظر الوالدين عن كثير من أركان عملية التربية الحقيقية، لأن المزيد هو تحصيل المزيد من التعليم، وتحقيـق النجاح الفردي في المستقبل، ويؤكد الأستاذ محمد الجوهري في آخـر بحثه هذا أن الطفل في مجتمع كثير من البلاد الناميـة اليوم دخل في سياق الصعود الطبقي فأرهقت ملكـاته واستنفذت في أغلب الأحيان لغير مـا خلقت له فأصبح هـذا الطفل اقل سعادة واقل طفولة.
ويجدر بنـا هنا أن نحدد زمان الطفولة، إذ أن هناك اختلافات متعددة في هـذا الصدد، فالبعض يرى أن هذا الزمان  يبدأ منذ بداية الحمل، والبعض  يربطه بالتسميـة، والآخر بالختان، وبعضهم يحدده بالسنة الرابعة، وقد يؤخـره البعض إلى السادسة أو العاشرة، ويرى آخرون ضرورة تأخيره إلى سن البلوغ وهي مسألـة معقدة وشائكـة كما يؤكـد على ذلك الكثير من علماء النفس.
ومن ثم يحث الكثير من المربين والمهتمين على أن الاهتمام بهذه المراحل كلهـا وضرورة الاعتناء بها ومعالجتها، ذلك أنهم لاحظوا أن الاهتمام يقتصـر فقط على تربية الطفل بالمدرسة أو التعليم المدرسي كأساس حقيقي لبنـاء شخصية الطفل، يقول الدكتور قيولا  الببلاوي في بحثـه بمجلة عالم الفكر أكتوبر 1979: الطفل لا ينمو من تلقـاء نفسه فهو يتشكل ويتغير ويرتقي كشخصيـة سوية بقدر ما توفر لـه في الوسط الإنساني الاجتماعي الذي يعيش فيه من عوامـل التربية ومقوماتها، بل إننا لا نستطيع بتربية رشيـدة أن نشكل هـذا الكائـن الحي بمواصفات تجسد الجوهـر الحقيقي للإنسان،  ويطلعنـا الدكتور قيولا الببلاوي على أهميـة هذا الجانب في بحثه الأطفال واللعب: لا شك أن الألعاب التي يقـوم فيها الطفل بالاستكشاف والتجميع وغيرهـا من أشكال اللعب والذي يميز مرحلة الطفولة المتأخـرة تثرى حياتهم العقلية بمعارف جمة، من العالم الـذي يحيط بهم، وبمهارات معرفيـة تمكنهم من هـذا العالم، لا يستطيع الحصول عليهـا من الكتب المدرسية وحدها، ومن شأن القراءة والرحلات والموسيقـى والبرامج التلفزيونيـة أن توسع من الآفاق المعرفية للطفل، بالإضافـة إلى ما تجلبه إلى نفسه من بهجـة وسرور، وفي اللعب يتعلم الطفل  الكثير عن نفسه وقدراته، ويستنتج الببلاوي أن الطـفل في نشاطه هـذا، يقوم بتحقيق عملية علاجيـة هامة، وهي تفريغ رغباته المكبوتة ونزعاتـه ومخاوفـه وتوتراتـه واتجاهاته ونقلهـا من داخله أي إخراجها إلى الخارج أي إلى اللغة أو أدوار اللعبة، فتراه أحيانـا ينهر دميـة بعنف، أو يعاتبهـا بلهجـة درامية مؤثـرة، وربما يحطمهـا بلا هوادة ، ولعل المبدأ  الأساسي،  تعرفونهـم من لعبهم يمكن أن يستفيـد منه كبار في فهم الأطفال  والدخـول إلى عالمهم المتميز، فمن  خـلال لعب الأطفال يكتشف الكثير عنهم ومن أنشطـة اللعب يكتشف الكبار مواهب الأطفال وقدرتهم وابتكاراتهـم منذ سن مبكرة، وبالتالي يمكـن رعايـة هذه الإمكانات وتعهدهـا بالتنمية منذ السنوات، هـذه السنوات التكوينية الأولى.
والجانب الذي يهمنا هنا هـو الألعاب الثقافيـة كما يحب الأستاذ الببلاوي أن يسميهـا، ذلك أن للطفولة ثقافتها التي تعبر عن حاجة أصيلـة وهي الحاجـة إلى الاستطلاع كما تبدو في النزعـة إلى التعرف على العالم المحيط بهم  وإلى إدراك العلاقات فيه، وإلى الرغبة في المعرفة، وتعكس ثقافـة الأطفال من ناحيـة أخرى أسلوب حياة الجماعـة كما يتضح في النواحي المادية والعلمي والرمزية التي يهيئ الكبار لعالم الصغار، وفي فلسفـة وأساليب تنشئة الكبـار للصغار، من الأساليب الهامـة في تثقيف الطفل ما يعرف بالألعاب الثقافيـة، حيث يكتسب الطفل أساسا معلومـات ومعارف وخبرات من خـلال نشاط مثير باهتمامـه يأخذ شكل اللعب بدرجة كبيرة،  ومن ثم يكتسب زادا معرفيا من الأشكال والنمـاذج المختلفة كالقراءة وبرامـج الأطفال والسينمـا والمسرح.
ويمكن هنـا أن نعرض ما قالته المربية الإيطاليـة ماريا منتيسورى: أننا لا ندرك تمامـا ما قد ينجم من آثـار ونتائج وخيمة إذا نحن خنقنـا منذ البداية كل عمـل تلقائي يمكن أن يصدر عن الطفل بمجرد أن يبدي الطفل رغبة أو ميـلا أو أداء ذلك العمل، لأننا قـد تحنق فقيه  فيه بذلك الحياة ذاتهـا، فالإنسانية تكشـف عن نفسها وعن كل ما فيهـا من روعـة ومن سمو عقلي في تلك السن المبكرة.
ويتضح هـذا النمو بالفعل من خـلال إجابات الأطفال أنفسهم عن عشرة أسئلـة  وجهتها منظمة اليونسكو إلى أطفال العالم متوخيـة الوصول إلى فهم أعمق لمشكلات الطفل والطفولة، ومن هـذه الأمثلة نسوق إجابـة طفل يبلغ من العمر إحدى عشر سنة عن السؤال التاسع هل تعتقـد أنه يجب إعطـاء الأطفال فرصة أكبر لاتخاذ القرارات فيجيب: نعم، أن الكبار يعتقدون أنهم وحدهـم الذيـن يستطيعون اتخاذ قرارات  تتعلق بالأطفال حتى في الحالات التي يجب أن يكون القرار هـو قرار الطفل نفسه، فقد يقولون مثلا: إننـي اشعر بالبرد ولذا فمن الأفضـل أن ترتدي سترتك دون أن يهتموا بسؤال الطفل إذا كان يشعـر بالبرد أم لا،  وإنمـا هم يفترضون أن الطفل لا بد أن يشعر بالبرد لأنهم هم أنفسهم يشعرون به.
إذن، يتضح من خلال المثال الذي سقنـاه أن عالم الأطفال عالم رحب ومجال فسيح كما يبرز لنا أن للأطفال آراء ووجهات نظر في كل مـا يقومون به من أنشطة والعاب وممارسات،  ومن هنا كانت الكثير من النظريـات التربوية تؤكـد ضرورة اعتمـاد الطفل على إمكاناتـه وقدراته  ومهاراته، ويكفي هنا أن نشير إلى قولة روسو المعرفة: أن فلسفتنـا أعيننا وأيدينا وأرجلنـا، ومن هنا فإن دور الحضانـة يمكن أن تكون فرصة مواتية لإثراء ذاكـرة الأطفال بتصورات جديدة عن الحيوانـات والنباتات، عن المدينة والحياة الاجتماعية، وكذلك أطفال الرابعة والخامسة، وهم يحفظون الأناشيـد، ويحكون عـن أمهم ويرسمـون وفقا لتصوراتهـم ويسترجعون ما يرونـه في الحياة من أشياء وموضوعات، وبالتحاق الأطفال بالمدرسة يستوعبون مجموعة من المفاهيم  والتي تؤدي بدورهـا إلى المزيد من إرشاد وتنمية الحياة العقلية عند الأطفال.
ويهمنا في هـذا الصدد ما قالـه الأستاذ حقي في بحثه السابق الذكر من أن إثراء الثقافـة المطروحة أمام الطفل مسؤولية مجتمعة، فإذا لم يصعد رصيدهـا دائما فإن اقتصاديات هذه الثقافـة الموازية يصيبها الكساد لا بالنسبة لنفسها فحسب، ولكن بالمقارنة بالثقافـة عموما، لأن معيار التقدم في أي مجال ليس الازدياد في القـوة والسرعة فحسب، ولكـن في الفرق بينه وبين الآخر في التطور.
ومن ثم يعتمـد الطفل أساسا على الوسائل التعليمية التي يقدمهـا له مجتمعه بل ويعتمد على ذلك في كثير من العادات الخاصة لحياته ومأكله وفهمـه للأمراض والعدوى والعلاج، والوقاية ، وحيث أن المجتمع يوفـر له أيضا قوانين مسكنه ثم حمايته من الطبيعة ومن المجتمعات الأخرى، فإن الطفل يولد وثقافته هذه رهينـة بعطاء هذا المجتمع، وقد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: كل مولود على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه ، وقد اهتم المربون بهـذه الجوانب اهتمامـا كبيرا، يقول أفلاطـون في وصية تهذيب الأحداث: كونوا لهؤلاء التلاميـذ مرآة صافية مضيئـة وامتنعوا عن الشهوات المذمومـة أفعال الخطايا،  ولا تقربوا شيئا يلحقكـم منـه أذى، ولنـا في تراثنـا العربي نظريا وآراء في هـذا المجال،  من ذلك مثـلا نظرية السجيات المكنونـة والتي تقول بأن عقل الولد له سجيـات قابلة بالقوة لأن تنمو وتنشأ بالفعـل إذا تيسرت لها شروط التربية، وقد شبهوا السجيـة المكنونة في العقل بالحبـة المدفونة في الأرض،  ومن ذلك قول ابن المقفـع في الأدب الصغير : للعقول سجيات وغرائز بها تقيـل الأدب، وبالأدب تنمـو العقول وتزكو كالحبـة المدفونة في الأرض لا تقدر أن تخلع يبسهـا وتظهر قوتها وتطلع فوق الأرض بزهرتها، إلا بمعونة الماء.
ومـن جملة ما قالـه المربون العـرب في هـذا الموضوع رسالة الغزالي أيهـا الولد يقـول الغزالي: أيهـا الولد كم من ليـال أحييتهـا للعلم ومطالعة الكتب وحرمت على نفسك النوم، لا اعلـم ما كان الباعث فيك، أن كان نيل غرض الدنيـا وجذب حطامهـا، وتحصيل مناصبهـا والمباهاة على الأقرن والأمثال فويل لك ثم ويل، وإن كـان قصدك إحياء شريعـة الرسول وتهذيب أخلاقك وكسر النفس الأمارة بالسوء، فطوبـى لك طوبى.  
وقريبا من هـذا المعنى يؤكـد الفارابي في رسالتـه السياسية على أن المعلم  ينبغي أن يحمل المتعلمين على تهذيب أخلاقهـم وأن لا يعلمهم شيئـا من العلوم التي إذا عرفوها استعملوها فيما لا يجب.                                                                
ومن أهم هـذه الآراء التربويـة قولة الإمـام علي بن أبي طالب: علموا بنيكم أخلاقـا غير أخلاقكم لأنهم خلقوا لزمـان غير  زمانكم.
ألا تذكرنـا هذه القولة بما يسمى الآن بالتربيـة الدائمة أو المستمرة، وبالسهر على تكوين النشء تكوينـا ملائما وطبقا للتطورات التكنولوجيـة والعلمية.
ولكي نتقدم في تحليل الموضوع نسوق فكـرة جبران خليل جبران قد أوردها في كتابه النبي:  إن أولادكم ليسوا أولادكم، ومع أنهـم يعيشون معكم فهم ليسوا ملكا لكم، أنتم تستطيعون أن تمنحوهـم محبتكم، ولكنكم لا تقـدرون أن تغرسوا فيهم أفكاركـم، لأن لهم أفكار خاصة بهم.
بالطبع إن لهم أفكـارا خاصة بهم، هذه الأفكار التي يوظفها الأطفال في دراساتهـم وقراءتهم وأنشطتهم، ويتجلى ذلك واضحـا في ميولاتهـم ورغباتهم، ولذلك تؤكـد البيداغوجيـة الحديثة على ضرورة استمالتهم وبعث الرغبة فيهم والتحبيب والتشويـق،  وهو ما أسماه بياجيـه بالتلقائية: من الخطأ الفادح أن الطفـل يكتسب مفهـوم العدد وغيره من المفاهيـم الرياضية بطريقة مباشـرة في التعلم، وعلى العكس من ذلك ينمـو لديه إلى حـد كبير بطريقة مستقلـة تلقائية، وإذا حـاول الكبار فرض المفاهيم الرياضية على الطفـل قبل الأوان، فإنه سوف يتعلمهـا فقط بطريقة قائمـة على اللفظية ، فالفهم الحقيقي يأتي مع  نموه العقلي.
وهـذا أيضا واضح من خلال إبداعات الطفل  وابتكاراته ومسهماتـه، بل إن المربين يؤكدون على استكشاف ما للطفل من طاقات هائلة وأفكـارا وصورا وأخيلة مما يشكل ثقافتـه وأدبه وفكره، وهـذا مـا يوضح أيضا ميول الأطفال ورغباتهم  الأكيدة في المشاركـة والاشتراك في المجلات التي يرتاحون إليها، ويتفاعلون معها، خصوصا في مجالات الحكايـة والقصة والتمثيليـة والقصيدة الهادئـة الخفيفة والمرحة، من ثم نجـد هـذه الرغبة لديهم تدفعهم إلى تشخيص أو الرغبة في التشخيص لهـذه التمثيليات، وكذلك في التقليد، وفي المناقشـة والاستنتاجات والتساؤلات وفي فضول الأطفال الـذي يؤدي إلى رصيـد معرفي هام. 
وتأسيسا على ذلك تكـون هذه الثقافـة ملتزمة بقضايا الطفـل وعالمه الزاخـر بالصور والأفكـار، ومن ثم يمكن استغلال هذه المواقف للتعرف على لغته وحواره ومشاكله، إن المربين الذين اهتموا بهـذا الميدان لم يخطئوا عندمـا فكروا في طرق تربويـة ومناهج تعليمية ملائمـة للطفل ومراعيـة لبيئتـه وظروفه ومناخـه، وعلى هذا الأساس كان هربرت سبسـر ينادي بالتربيـة الصحية والتعليمية والاجتماعية والنفسية والثقافيـة، وعلى هـذا الأساس كان جون ديوي يفكـر في طريقته التي اسماهمـا  المشروع، وعلى هذا الأساس نادى المربون بنظريـة الترويض انطلاقا من نظريـة أفلاطون القائلة بأن عقل الإنسان يروض جسمه، ومن النظريـات أيضا نظرية التكليف القائلة بأن التربيـة  هي عملية تكيف أو تفاعـل مـا بين المتعلم وبيئته، وبمقتضى هـذه النظريات تعتبر وظيفـة المعلم مساعـدة على  تكيف نفسه، مع بيئتـه، ذلك أن النشء متكـل في هـذا الطور الخطير من حياته، ويكون في أمــس الحاجة إلى من يرشده ويرعـاه.
ويكفي أن نشير هنـا إلى أسماء بعض المربيـن الآخرين لنشير بالتالي إلى مجهوداتهم في هـذا المجال والتي تنصب على دراسته للطفل والبحث عن أنجع الطرق لتثقيفـه وتوجيهه وإعـداده، فهناك دكرولى وطريقتـه،  وهناك دالتي، وفروبول وغيرهم.
ويمكن لنا الآن أن نتسـاءل عن  حظ الطفـل المغربي من التربية والتعليم والثقافـة، وبالرغم من المجهودات التي بذلت في هـذا الصدد خصوصا في الفترة الأخيرة، بالرغم من ذلك فالواقـع يقول أن طفلنـا يتلقى ثقافات لا تربـط بتاتا بواقعه الذي أصبح يضـج بالتطورات التكنولوجيـة والمستجدات العلمية، وأصبحت وسائل الإعـلام  تخاطبه بلغـة أخرى لا تمت له بصلة، بـل  تعكس في ذهنه وتغرس في وجدانـه صورا وعالما آخر بعيدا كـل البعد عن دينه وأصالته وحضارته وبيئته، ثم إلى جانب ذلك يحتضنـه تيار تربوي لا زل  لـم يتبلور بعد، ولم تكتمـل صورته، وإذا كـان علماء التربية يتفقـون على أن الإنسان يحتاج إلى التربيـة لأن التراث لا ينتقل من جيل إلـى جيل بالوراثـة، ولأن الطفل مخلوق كثير الاتكال، والآن البيئـة نفسها كثيرة التعقيـد، إذا كـان الأمر كذلك فما أحوجنـا الآن إلى التفكير في هـذا الجيل الذي أصبح بالفعل كثير الاتكـال، وأصبحت بيئته أكثر تعقيـدا وتأزما وأصبح تراثـه معرضا للبتر والنهب والتشويـه والمسخ بالإضافـة إلى أنه بعيد عنه.
ولنوضح ذلك أكثر نقول إن الطفل المغربي يجب أن يعرف لغته ويحسنهـا ويعرف ألعابـه ويردد أغانيه وتمثيلياته.
وفي هـذا العالم الزاخر بالحركـة والأفكار والآراء والاتجاهات يغيب أديننـا عن الطفل والطفولة لبعيث أحلامـه غر مبال بهذا العالم الخصب الذي تعصف به العواصف الهوجاء، وفي هـذا العالم تغيب صحافتنـا وكل وسائل الإعلام لتترك المجال لكل التيارات الجارفـة التي تهش كياننـا وأصالتنا،  وعندما نكون في مستـوى ما يتطلبه الموقف سنقول بصوت صادق: أولادنـا أكبادنا تمشي على الأرض.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here