islamaumaroc

البطولة الروحية

  دعوة الحق

28 العدد

مازلنا نتطلع إلى أسرار هذا الكون الذي خلقنا ونشأنا فيه، فلم ينقض لنا منها عجب ولا شفينا منه غلة حتى طرنا بفكرنا محلقين فوق آفاقه، وسرنا نجوب بين سهوله وجباله وحزونه وأغواره، ونخوض في بحاره، من قطر إلى قطر، ومن رطب إلى صخر، ومن صحراء قاحلة مترامية الأطراف عالية الكثبان، وعثة المسالك، إلى غابات تزأر بوحوشها، وتفخر بسباعها وضواريها وتزخر بعيونها وخرير أمواهها المنسابة خلال ظلالها الوارفة، والمتعثرة بأنواع الأعشاب وساقط العيدان والأخشاب، ترقص فيها أنواع من الزهور اليانعة، والرياحين النضرة المشرئبة بأعناقها الشاخصة بعيونها إلى ذلك الدوح الباسق، متمنية أن تدنو أغصانه وشماريخه ليعانقها وتعانقه ويقبلها وتقبله، ولكن أنى لها بذلك والغابة صنوبرية الأشجار، ذات الأوراق الشائكة، والثمار الجافة التي لا تذكي نارا، ولا تؤهل دارا، ولا تنفع جارا، وبعد أن تحس الزهور بخشونته وقلة رقته، وعدم اللين والعطف، لما جبل عليه من التصلب والعنف، تعرض عنه في ندم ويأس فيطأطئ عباد الشمس رأسه خجلا، ويعم هذا الخجل الأزهار فتتلون بضروب الألوان، فتحمر وتصفر وتكفهر ثم تذبل وتنزل متهافتة على الأرض، فتطل عليها الطواويس فتراها شبيهة بفلوس ريشها فتنزل عليها تجر أذيالها متبخترة بين زينتين، زينة الزهر المنثور والريش المنفوش، معربة بلسان حالها عن صنع الله الذي أتقن كل شيء.
ثم ننتقل من تلك المشاهد إلى الجبال الشاهقة، والأودية السحيقة، ومنها إلى البحار العميقة ذات اللجج والأمواج المتلاطمة المرغية المزبدة التي لا تزال في كر وفر، تتزاحف فيشتد صدامها كأنها جيوش متعاركة متطاحنة لا تبلى أحقادها، بل في كل حين تزداد هجماتها، ويستطير شرها، ويعظم أمرها، ثم نتركها وشأنها فنخرج إلى الساحل بسلام فنمد بأبصارنا إلى المدن الأنيقة، والمنازل العالية، والدور والقصور وما تحويه من متاع وأثاث زينة للناظرين ونعيما للمترفين، مع حدائقها الغناء، ومنازلها ورياضها وملاعبها وملاهيها ومقاهيها وفنادقها إلى غير ذلك مما يلذ في أعين الناظرين، ويلهو به اللاهون، ثم نخرج منها بلا طائل أو جدوى، فنفكر طويلا أين، ومتى نجد الضالة المنشودة؟ ألا وهي سر الفضيلة البشرية، وكرم النفس الإنسانية، الذي أودعه الله في هذا المخلوق الأرضي ورفع به مقامه، وكمله وزينه ثم شرفه وفضله على كثير من خلقه، وقال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70]، فأين هذا الكرم؟ وما سببه؟ وهل بيننا الآن في الكرة الأرضية من يتصف به؟ أو يعرفه أو يبحث عنه؟ وهل اكتشف معدنه من بين المعادن الأرضية؟ وفي أي أرض اكتشف؟ ومن اكتشفه؟ ومن يعمل فيه ويستغله؟ أو لا يزال مجهولا عند العالمين بالطبقات الأرضية وما تحويه من عناصر ومواد جامدة وسائلة؟ فإذا كان لا يزال لديهم مجهولا، فهل يأملون العثور عليه يوما ما؟ ومتى يكون ذلك؟ وأنى وفي أي ناحية من أنحاء المعمورة؟ أو سيظل مجهولا دفينا حتى تتزلزل الأرض وتخرج أثقالها.
لا؛ لا يبقى دفينا، بل قد برز في الماضي ولم يزل يبرز حينا فحينا وتفيض به بعض نفوس عباد الله الذين يضربون للبشرية أعلى مثال، ويفاخر بهم الرب سبحانه ملائكته في سماواته ليعلمهم أن ذلك المخلوق الذي استخلفه في أرضه وأسجدهم له ليكون من خيرة جنوده قد كان، وهو قائم بالإعراب عن أسرار ما أودع فيه من قوة وكمال وشرف وعلم وسمو نفس لا يستسهل ولا يستصعب، وقد علا حتى صار ينظر الأشياء متساوية لا سهل فيها ولا صعب، وارتفع حتى عن التضاد والأضداد فتوحد طريقه واتضحت غايته لأنه أصبح قوي الحس ينظر بنور الله، فبصيرته دائما في نهار لا ليل فيه، وصفاء لا قتام عليه، وتبين السعادة الكبرى كالشمس المشرقة التي لا يحجبها شيء، وأفعم قلبه باليقين، فأصبح يهزأ بالمخاوف والأخطار لعلمه أنه خلق للدوام والخلود وتجدد الوجود، وتراءت له الحياة أنها سلسلة تطورات تختلف أسماؤها باختلاف الحلقات؛ فالولادة، والطفولة، والشباب، والكهولة، والشيخوخة، والموت، والبعث، والحشر، والنشر، إن هي إلا أسماء وأدوار لا تؤثر على الأصل في شيء، ولا تحدث في الحقيقة نقيرا أو قطميرا من التغيير، لأن أثرها إنما يقع على القشرة المادية لا يمكن أن يتجاوزها إلى حقيقة ذلك المخلوق الذي يقوده اليقين والإيمان الراسخ إلى غاية يستعجلها ويقرب منها ولا يبالي بما يعترض سبيله، لأن كرم جبلته المتوهجة بما اقتبسته وفاض عليها من الأسرار الإلهية جعلته من القوة بحيث يمكنه أن يذلل كل شيء بعزم صارم وحد لا يفل، لأنه تذلل لله فأعزه وأخضع له قوة المخلوقات المادية، وارتفع عليها وعلم أن من اللازم أن تتبعه ولا يتبعها، لأنها خلقت لأن تكون تابعة له وخلق ليكون متبوعا حاكما آمرا قادرا متصرفا بأمر سيده ومولاه الذي خلقه وألحقه بجنده، ومن يكون جنديا لله فهل يليق به أن يذل أو يخضع لغير الله، بل هل يليق به أن يغلب أو يخاف من غيره؟ وهل لخليفة الله في الأرض أن يساويه شيء من مخلوقات الأرض فضلا عن أن يكون فوقه في صفة ما، وكيف يتفق ذلك مع قوله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4]، ‏أم يحب أن يرد نفسه أسفل سافلين؟
عرف أولوا الألباب أنفسهم ومقامهم فكانوا جنود الله المطيعة المطاعة فأبردوا بعزمهم النيران الحامية، وجففوا البحار العاتية، وخضعت جميع القوات المادية لإرادتهم ولم يكن لها إلا الخضوع. فإذا أردنا أن نلمس ذلك فلنقرأ قصة خليل الله إبراهيم عليه السلام كيف تقبل القذف في النار بعزم ويقين جعلها بردا وسلاما، ومثل هذه البطولة نلمسها في مؤمني الأخدود وكيف كانت صلابة عزيمتهم، وتوهج إيمانهم المتقد الذي أبى الخضوع للجبروت حين كفر بالطاغوت، ولا جرم أن الإيمان بالعزيز الحميد متى ما حل بصدر إنسان وتمكن منه لا يقوم له شيء، ألم تر إلى سحرة فرعون؟ ألم يكونوا في منعة ووقاية ورفاهية ناعمين بزينة الحياة الدنيا يرون أنفسهم في أوج العز لأنهم تحت رعاية جبار متأله يقربهم ويكرمهم فلا يظنون أحدا على الأرض يحظى بما كانوا عليه من سعادة؟، كيف وهم عدة الملك فرعون، وأساطين ملك مصر؟ ومع ذلك كله لما هداهم الله إلى نوره وتبين لهم الحق رأوا أن ما كانوا عليه إنما هو أضغاث أحلام لا تلبث إذا طلع عليها الصبح أن تزول وكأن لم تكن، فاتبعوا سبيل التضحية والبطولة، ورأوا أن نعيم القتل والصلب وأنواع التعذيب في سبيل الحق ألذ وأعظم من ذلك النعيم الزائف، وأن صحبة الله ورضاه والاعتزاز به أعلى وأغلى من عزة فرعون وصحبته، بل شتان ما بينهما، ولهذا تركوا فرعون قائلين (لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا)‏ [طه: 72] ولما هددهم وتوعدهم بأشنع العقوبات، وأفظع الهلاك، أجابوه جواب الساخر المستهين الذي لا يكترث ولا يهتم، والذي بلغ من بطولة الإيمان وقوة التضحية ما جعله يستهين بكل ما في الحياة، ولا يهمه إلا وصول البشرية إلى أهدافها العليا ومثلها السامية المثلى، وكل ما يأتي في سبيل ذلك فهو أحلى من العسل وأبرد على الكبد من الثلج في أشد الحر، ولهذا قالوا بكل هدوء واطمئنان «لا ضير» وقالوا: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [طه: 72] التي لا يهتمون ولا يعبئون بها لأنهم أيقنوا بحياة أخرى تنتظرهم وهي أبقى وأسعد وأرقى من التي يهددون بالحرمان منها، أما الموت فقد أضحى في نظرهم حادثة من الحوادث التي جرت بها العادة كالارتحال من دار إلى دار أحسن منها أو كالخروج من بيت ضيق إلى بستان جميل فسيح الأرجاء، وهذا الذي دفع بعضهم إلى الإقدام على الموت والتسبب فيه إذا كان يبلغ مراده بالموت كما أثر عن خالد بن الوليد أنه بلغ به الإيثار والتضحية إلى أنه كان يقحم نفسه في مآزق القتال طمعا في الشهادة، واشتهر ذلك عنه حتى اتهم بالتهور، ومن هذا القبيل ما فعله ذلك الغلام الإسرائيلي الذي أشار على الملك بكيفية قتله بعد أن عجز عن قتله. والقصة في الحديث الذي رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه، وهي تفسير وسبب لقصة أصحاب الأخدود. فمن قدر الله حق قدره وعلم مقدار المسؤولية، وما أوجب عليه وحمله من المسؤولية، وتوفر فيه كرم البشرية وطيب عنصرها لا ينظر إلا إلى أداء الواجب وما يرضي الرب مهما كلفه ذلك ما كلفه من تضحية كيف ما كان نوعها، بما رسخ في نفسه أنه رابح على كل حال، لأن عوض التضحية جوار الله والجنة والرفعة في الملأ الأعلى إلى غير ذلك مما لا يقدر بقيمة من القيم مهما عظمت. ولن يثبت إخلاص المرء، ولن يقوم الدليل على صفاء جوهره وكرم معدنه البشري، وامتثال أوامر ربه الذي يملكه ويملك ما يملكه طول الحياة التي لا نهاية لها، إلا إذا ضحى في سبيل الله بما يملكه قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤنون: 115]وقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 142] وقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ) [البقرة: 214]وقوله: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ،‏ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت: 2-3] إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن الله سبحانه يبتلي مكنونات عباده ليطلع من شاء من خلقه على أسرار مخبآت نفوسهم ويقوم ما أعوج من طبائع العباد ببطولة أولئك الأبرار وروح تضحياتهم التي تضرب المثل الأقوم للسمو والعبقرية البشرية وما جبلت عليه من كرم ونبل، مما جعلها تتحدى أكبر خطر، وتهزأ بأنواع القتل والتعذيب في سبيل إسعاد البشرية وإنقاذها من شتى الكروب والزيغ والضلال، والسير بها إلى أرفع مقام وأسمى منزل، والسبب في ذلك هو الإيمان الكامل بالله واتباع سبيله، الذي ما زال يأمر به عباده منذ الخلق، ويرسل به الرسل والأنبياء، ذلك الإيمان الذي يشرق على ليل الباطل فيبدده ويثور بالظلم والعثو وجميع أدران الإنسان فيزلزلها ويجعلها رمادا تذروه الرياح. إن الإيمان بالله هو الذي يضمد كلوم البشرية فيشفيها ويستأصل منها كل داء. وأولئك المِؤمنون هم الذين يهبون لإغاثة البشرية ما بين حين وآخر ليحطموا أغلالها ويرسلوها من قيودها لتنتعش، وترد حياض الحرية، وتعود إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها وتنجو من العسف والاستبداد الذي يفرضه عليها الطغاة المستبدون بغية الوصول إلى مطامعهم وأهدافهم الشخصية ومراميهم الشهوانية.
ولست أدري أين غاب وكيف غاب هذا العنصر الطاهر من جنود الله المؤمنين؟ إذ لو وجد هذا الضرب من البشر في عصرنا هذا ما سمحت لهم نفوسهم أن يروا الإنسانية معذبة تئن بأنواع من الويلات وضروب من الكوارث والفساد. والأمن في الأرض على شفا جرف هار مهدد في كل حين من قبل الماديين الطغاة الذين لم يجدوا من يراقبهم ولا من يردعهم فصاروا كالذئاب الجائعة المستأسدة تعيث في الأرض فسادا، تفتك تارة بهذه الأمة وتحيك المكائد وتمد الحبائل مرة أخرى لتلك. فأين جنود الله المصلحون المحيون السنن النبوية والقائمون بروح التضحية في غابر الأعصار، وسالف الأمم؟ أدعاهم الله إليه ومنعهم النزول إلى الأرض لقضاء قضاه في الأزل بتعذيب هذا الجيل لعصيانه وبغيه؟ أم يمهل الناس إلى أجل محدود في الكتاب؟
وقد كان المفروض أن يهب المسلمون للقيام بهذه المسؤولية، إذ هم جنود الله المكلفون بذلك، والمأمورون به، ولمثله خلقوا وبه خوطبوا في القرآن بقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110] وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143]. ولكن المسلمين جهلوا واجبهم وضعفوا في إيمانهم، وأخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. وليس لهم من المسؤولية مناص مهما تهربوا منها، ولن ينفعهم إلا أن يعودوا ويراجعوا خطاهم، ويستغفروا من ذنبهم، ثم يقوموا بالواجب المقدس تاركين الدعة والخمول، متمسكين عاملين بما يدعوهم إليه القرءان من نبل وبطولة واستعداد، ورشد وإرشاد، وإلا فهم مهددون من قبل الله تعالى بقوله: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ) [التوبة: 24].

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here