islamaumaroc

الثبوت العقلي للرسالة المحمدية -2

  أبي الاعلى المودودي

6 العدد

هذا، وتعالوا ننظر في أحوال هذا الرجل من ناحية أخرى :
ما كان هذا الرجل حتى الأربعين من حياته إلا رجلا من عامة رجال العرب، وتاجرا عاديا من تجارهم، لم يجد فيه أحد خطيبا مصقعا يسحر الناس بنصاعة بيانه وقوة كلامه، أو حكيما ينطق بالحكمة ويتكلم على الإلاهيات وفلسفة الأخلاق والتشريع والسياسة والإدارة والاقتصاد والاجتماع، أو يحرك شفته بكلمة عن الله والملائكة والكتب السماوية والأنبياء السابقين والأمم الخالية والقيامة والحياة بعد الموت والجنة والنار.
كان معروفا في قومه بطهارة القلب وجاذبية الشمائل وسمو السيرة ونزاهة الأخلاق والأعمال، ولكن ما كان أحد قد تنبه في حياته قبل أن يبلغ الأربعين سنة، على شيء غير عادي، يتوقع على أساسه أن يقوم بنوع من الدعوة والدعوى في المستقبل.
ولا شك كذلك أن كان الناس يجدون فيه حتى ذلك الحين رجلا ميالا إلى الصمت والعزلة محبا للخير والسلام، ولكن ما أعظم دهشتهم جميعا إذ وجدوا فيه شخصا غير شخصه، لما نزل إليهم من غار حراء بعد بلوغه الأربعين، وبدأ يتلو عليهم كلاما عجبا لم يكن لآذانهم عهد بمثله، وكان من شدة تأثيره وسرعة تملكه للأذهان والقلوب أن كان أعداؤه منهم يخافونه على أنفسهم، وكان من فصاحته وحلاوة بيانه ونصاعة أسلوبه أن كان كبار قومه ينهون الناس عن الاستماع له، ولكن كانوا هم أنفسهم يستترون ليسمعوا هذا الرجل يقرأه في بيته بالليل.
ومما لا يخفى على أحد أن هؤلاء العرب كانوا مزهوين ببلاغة كلامهم وفصاحة شعرهم وخطابتهم، ولكن لما تحداهم هذا الرجل الأمي بأن يأتوا ولو بسورة من مثل الكلام الذي يتلوه عليهم، عجزت عنه مصاقع خطبائهم وفحول شعرائهم أفصح وأبلغ ما كانوا.
ما كان هذا الرجل -كما قلنا قبل- إلا أميا فطريا نشأ في بادية أمة عريقة في الجهل والهمجية، منغمسة في الوثنية وعبادة الحجارة، ولم يشتغل قبل بلوغه الأربعين من حياته إلا برعي الغنم أو بالتجارة على عادة قومه، ولم يتح له أن يتلقى نوعا من العلم والثقافة والتربية، ولكنا نجده فجأة يصبح حكيما منقطع المثال، وقائدا للجيش عديم النظير، وقاضيا ماهرا، ومشرعا مبتكرا، وفيلسوفا نطاسيا، وسياسيا محنكا، ومصلحا للأخلاق غير عادي، بعدما نزل من الغار وشرع في دعوة قومه إلى رسالته. وجده قومه يأتي بحكم لم ينطق بمثلها أحد قبله ولا استطاع أن ينطق بها أحد في زمانه ولا بعده، بل لم يسمعوه هو نفسه ينطق بمثلها قبل أن يبلغ الأربعين من عمره.
لقد أتى هذا الأمي الناشئ، ربيب اليتم والعدم في قرية جاهلة من قرى الحجاز المقفر، بقوانين في الأخلاق والاجتماع والمعيشة والاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية وفي شؤون الحياة الإنسانية، لا يدرك كنهها فحول العلماء وحذاق الحكماء على بعد نظرهم، وخصب أذهانهم، وتجارب حياتهم، إلا بشق الأنفس، ولا تزال تنكشف للدنيا حقائقها وغاياتها وأسرارها على قدر ما تزداد تجاربها وتنضج أفكارها مع تعاقب الأيام والليالي.
إن هذا التاجر الصامت المحب للأمن والدعة، الذي ما أمسك بيده السيف للقتال، ولا تلقى شيئا من التربية العسكرية، ولا شهد طول حياته إلا حربا واحدة دون أن يشترك فيها بالقتال فعلا، وجدت فيه الدنيا دفعة واحدة محاربا شجاعا لا يؤخر القدم في أفتك ما يكون من الحروب وأضرسها، وقائدا فتح جزيرة العرب من أقصاها إلى أقصاها في مدة تسع سنوات، وبتنظيمه العسكري وروحه الحربية دالت على أيدي العرب العزل دولتان من أعظم دول العالم في تلك الأيام وأكثرها عدة وعتادا، في سنوات قلائل.
إن هذا الأمي الميال إلى العزلة والخلوة بنفسه، الذي ما وجدت منه رائحة الشغف بالسياسة حتى أربعين سنة من حياته، هو الذي وجد فيه قومه على حين فجاءة، مصلحا فذا، ومدبرا غير مطاول، ربط في مدة ثلاث وعشرين سنة بين قبائل العرب الواغلة في الهمجية والجهل والمشاحنة والتحارب، المنتشرة على وجه صحراء تزيد على مليون ومائتي ألف ميل مربع في طولها وعرضها، وجعلها كلها تابعة لدين واحد، ومدنية واحدة، وقانون واحد، ونظام للحكومة واحد، بدون أن يستعين في ذلك بالقطار أو بالبرق أو الإذاعة أو الصحافة.
غير أفكارها وعاداتها وطبائعها وأخلاقها، وبدل همجيتها بأنضر مدنية وأرقاها، وانحلالها الخلقي بالصلاح والتقوى ومكارم الأخلاق، وتمردها وفوضاها بأحسن نظام لطاعة الأمر والتزام القانون، وجعلها -وهي أمة عقيم ما أنجب صلبها منذ قرون رجلا نابه الذكر- أمة أنجبت في مدة قصيرة آلافا مؤلفة من أعاظم الرجال وأبطالهم، سارت بذكرهم الركبان، وانتشروا في مشارق الأرض ومغاربها، يلقنون الناس الدروس في الديانة والأخلاق والصدق والأمانة والشرف والنظام والمدنية.
ما قام هذا الرجل بكل ذلك بوسائل الظلم والإكراه والمكيدة والغش والباطل، وإنما قام به بأخلاقه الزكية الآسرة للقلوب، وتعاليمه السامية الملتحمة بالأذهان، فهو بهذه الأخلاق جعل من أعدائه أصدقاء، وملك عليهم قلوبهم وأرواحهم برحمته، وسعة صدره، وشجاعة خلقه، وكرم نفسه.
وقد قامت في وجهه القوى الكاسرة الجبارة فكسر شوكتها وأذل أعناق أهلها، ولكن لما انتصر عليهم لم ينتقم لذاته من أحد منهم، بل غمرهم جميعا بفضله وإكرامه وإنعامه، وغفر لمن قتلوا منهم عمه وأخاه في الرضاعة وبقروا بطنه ولاكوا كبده، وأسبغ كساء العفو والصفح على من رموه بالحجارة، وضيقوا عليه الخناق وتآمروا على قتله حتى أخرجوه من وطنه.
كان من تواضعه وزهده في حطام الدنيا، وكسره لنفسه على كل ما نال من الملك العظيم، أن كان لا يعيش إلا عيشة الفقراء، ويدعو ربه: "اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني مع زمرة المساكين". وكان ينام على الحصير، ويكتسي الخشن ويسكن كوخا سقفه من سعف النخل، ويطعم القديد، بل تمر عليه أيام لا يطعم فيها شيئا، ويتجافى جنباه عن المضجع بالليل، ليقوم لعبادة ربه ويطيل فيها القيام، حتى تتورم قدماه، ولا يربأ بنفسه عن أن يعمل كما يعمل الأجير العادي، وما نشأت فيه إلى آخر أيامه غطرسة الملوك ولا رعونة الأمراء ولا تبختر العظماء، فكان يختلط بالناس ويعاشرهم وكأنه مثلهم وواحد منهم، ويشاطرهم كل ما ينزل بهم من الآلام والمصائب، ويجالس عامتهم حتى ليتعذر على الأجنبي إذا دخل عليهم أن يعرف من منهم سيد القوم وملك البلاد.
وهو عندما فارق الدنيا لم يترك لآله شيئا يرثونه عنه، وجعل كل ما كان في ملكه صدقة على أمته، ولم يقم لنفسه ولا لآله أدنى حق على أتباعه، بل حرم على آله أن يأخذوا شيئا من الصدقة، خشية أن تتقدم الأيام بأتباعه فيجعلوا صدقاتهم كلها لآله.
هل ينتهي بهذا فحسب ذكر مزايا هذا الرجل ومناقبه وكمالاته ؟. الجواب: كلا، فإنك إذا نظرت نظرة شاملة في تاريخ العالم، وجدت أن هذا الرجل الذي ولد قبل أربعة عشر قرنا في مكة، ونشأ على الفطرة في بادية العرب، هو مؤسس العصر الحاضر، وسيد البرية، وزعيم الإنسانية في العالم كله، وأنه ليس بزعيم لمن يؤمنون به ويعترفون له بالزعامة فحسب، بل هو كذلك زعيم لأولئك الذين لا يؤمنون به ولا يعترفون له بالزعامة لأنفسهم.
لا يشعر هؤلاء بأن الذي يعرضون عن اتباعه ويكذبونه، ويطيلون فيه ألسنتهم بالذم والقدح، قد خالط أتباعه روح عصرهم الجديد، وأثر أبلغ تأثير في أفكارهم ونظرياتهم ومبادئهم لما يأتون أو يتركون من الأعمال في الحياة.
فهو الذي قد غير مجرى تصورات الدنيا عن الأوهام والخرافات وعبودية العجائب والرهبانية، إلى التعقل، وإيثار الحقيقة، والدنيوية القائمة على التقوى.
وهو الذي بدل طبيعة الدنيا المطالبة بالمعجزات المادية الحسية، وأنشأ فيها الذوق لفهم المعجزات العقلية، واعتبارها مقياسا للصدق والحقانية.
وهو الذي فتح عيون الباحثين عن آثار الألوهية في الأمور الخارقة للعادة، وعودهم أن يروا آيات الله الدالة على وجوده وتوحيده في آثار الأفاق والطبيعة.

وهو الذي صرف الناس عن الاعتماد على الرجم بالغيب، وسلك بهم طريق التعقل والتفكر والمشاهدة والتحقيق.
وهو الذي وضع يد الإنسان على مابين العقل والحس والوجدان من الحدود، وجمع بين الروح والمادة، وبين الدين والعلم والعمل.
وهو الذي ٍأوجد في الدنيا الروح العلمية بفضل قوة الدين، والتدين الصحيح بفضل الروح العلمية. وهو الذي انتزع جذور الشرك وعبادة الخلق، للخلق، وأصل مكانها بقوة العلم الاعتقاد بالتوحيد، حتى اضطرت ديانات المشركين والوثنيين أنفسهم إلى أن تظهر للدنيا ولو بلمع من صبغة التوحيد.
وهو الذي غير التصورات الأساسية للأخلاق والمعنوية، وبين للذين كانوا لا يعتقدون الأخلاق إلا في الرهبانية والإعراض عن الدنيا واضطهاد النفس وحرمانها من لذائد الدنيا ونعيمها -وكان خارجا من دائرة الإمكان في نظرهم أن يترقى الإنسان روحا وينال النجاة مع أدائه ما عليه من الحقوق لنفسه وجسده واشتغاله بشؤون الدنيا- هو الذي بين لهؤلاء جميعا طريق الأخلاق الفاضلة، والارتقاء الروحي وحصول النجاة، يمر من بين مشاغل الحياة المدنية والاجتماعية والأعمال الدنيوية البحتة.
وهو الذي عرف الإنسان بمنزلته وقيمته الحقيقية، فالذين ما كانوا بحال يسلمون لأحد بحق في هدايتهم وزعامتهم ما لم يكن ذاتا فوق البشر، أو منزلا من الله، أو ابنا له، هو الذي دلهم جميعا على أن الإنسان مثلهم، له أن يكون مندوبا إليهم من ملكوت السماء، وخليفة في الدنيا لرب العالمين.
والذين كانوا يتخذون كل إنسان قوي إلاها لأنفسهم ويطأطئون له رؤوسهم، هو الذي أرشدهم إلى أن ليس الإنسان -مهما كان قويا- شيئا غير الإنسان، فما من أحد قد خرج إلى الدنيا من بطن أمه بحق السيادة والحكم على الناس، وما من أحد دخل الدنيا وعلى جبينه وصمة العار والنحس والمحكومية والخضوع والتذلل والعبودية.
وإن تعليم هذا الرجل هو الذي أنشأ في الدنيا نظرية الوحدة والمساواة والجمهورية والحرية الإنسانية.
هذا، وتعالوا نتجاوز الآن عن التصورات ونستعرض ما لزعامة هذا الأمي من النتائج العملية في قوانين العالم وشؤونه المختلفة المتشعبة:
فكم من مبادئ الأخلاق والمدنية والحضارة والطهارة والنظافة عرضها هذا الأمي على الإنسان فانتشرت في العالم كله ؟.
وكم من قانون في الحياة الاجتماعية أتى به هذا الأمي فحاولت ولا تزال تحاول الدنيا الاستقاء من منهله ؟.
وكم من حركة قد قامت ولا تزال تقوم في الدنيا على أساس ما أتى به هذا الأمي من المبادئ في الاقتصاد والمالية ؟.
وكم من ثورة قد حدثت ولا تزال تحدث في نظريات الدنيا السياسية على أساس ما نفذ هذا الأمي من المناهج لنظام الحكومة وإدارتها ؟.
وما أوسع النطاق الذي تأثرت ولا تزال تتأثر عليه نظم الدنيا للمحكمة وأفكارها القانونية بما أتى به هذا الأمي من المبادئ في العدالة والتشريع ؟.
وما هو إلا هذا الأمي العربي الذي نفذ في الدنيا فعلا لأول مرة نظام الصلح والحرب والعلاقات الدولية، وإلا فإن الدنيا ما كانت تعرف قبله أنه من الممكن أن يكون للحرب نظام، وأن تتم المعاملات بين مختلف أمم الأرض وشعوبها على أساس الإنسانية المشتركة.
إن شخصية هذا الرجل أبرز شخصية في منظر التاريخ الإنساني، حتى أنكم إذا أقمتم بجنبه جميع أولئك الذين تعدهم الإنسانية منذ بدء تاريخها إلى يومها الحاضر من الأكابر، فإنهم لا يلوحون لكم بالنسبة لعظمته إلا أقزاما.
ليس من أكابر الدنيا وأعاظمها وعباقرتها من يجاوز لمعان عظمته وعبقريته شعبة وشعبتين من شعب الحياة الإنسانية، فمنهم من إذا كان ملكا في النظريات، فهو صعلوك في القوة العملية.
ومنهم من إذا كان رمزا للعمل والنشاط، فإنه ضعيف في الفكر.
ومنهم من إنما تنحصر عبقريته في المراوغات السياسية والذكاء العسكري.
ومنهم من إذا ركز نظره في ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية توارت عنه سائر نواحيها. ومنهم من إذا تناول بالبحث والإصلاح الأخلاق والمعنوية غاب عن فكره الاقتصاد والسياسة. ومنهم إذا تفرغ للاقتصاد والسياسة انقطع نظره عن الأخلاق والمعنوية.
كٍأننا إذا كنا نجد في التاريخ رجلا من الأعاظم والعباقرة، فما عظمته وعبقريته إلا من ناحية أو ناحيتين من عدة نواحي العظمة والعبقرية.
أما هذا الرجل فإنه نسيج وحده وفريد شأنه، قد أحاط بجميع نواحي العبقرية والكمال والعظمة؛ فهو نفسه الفلسفي والحكيم والمنفذ لفلسفته في الحياة العملية، وهو نفسه المدبر السياسي وقائد الجيش وواضع القانون ومعلم الأخلاق ومزكي الأرواح والنفوس: يشمل نظره حياة الإنسان، وينفذ إلى كل جزء من أجزائها. وهو يصدر الأحكام والتعليمات في كل ما يتعلق بحياة الإنسان من آداب الأكل والشرب والجلوس والقيام، إلى العلاقات الدولية، ويقرر مدنية مستقلة، ويقيم بين مختلف شعب الحياة العديدة اتزانا صحيحا لا إفراط فيه ولا تفريط، فهل ترى رجلا غيره جمع بين نواحي العبقرية والعظمة مثله ؟.
ليس من أشهر وأعظم رجالات التاريخ إلا وفي نشٍأته فضل -قليل أو كثير- لبيئته. أما هذا الرجل فلا ينطبق عليه هذا الحكم، ولا نرى لبيئته أثرا ما في نشأته، ومن المحال أن يثبت بدليل عقلي أو نقلي أن كانت البيئة العربية في ذلك الزمان تقتضي تاريخيا أن يظهر فيها رجل مثله، وغاية ما يمكن أن يقال في هذا الإنسان هو أن البيئة العربية في ذلك الزمان كانت تقتضي أن يظهر فيها زعيم سياسي قومي، يودي بما كان بين مختلف قبائلها من المشاحنة والعصبية وتفرق الكلمة، ويصبها جمعاء في بوتقة قومية موحدة، ويسعى سعيه لسعادة العرب وفلاحهم الاقتصادي، بالاستيلاء على ما حولهم من بلاد الدنيا، ويكون حاملا لكل ما كان للعرب في ذلك الزمان من المزايا القومية، حتى يستعين بكل ما تصل إليه يده من وسائل الظلم والقهر والغدر والخديعة وسفك الدماء وما إليها للترفيه عن قومه والارتفاع بكلمتهم، ويكون بهم دولة قوية شامخة الأركان عزيزة الجانب مرهوبة المقام، ويتركها لورثته من بعده، أفمن الممكن أن يثبت شيء غير هذا من مقتضى بيئة العرب وتاريخهم في ذلك الزمان ؟.
وغاية ما يمكن أن يقال بوجهة نظر فلسفة (هيجل) أو تفسير)ماركس) المادي للتاريخ هو أنه كان من مقتضى تلك البيئة أو من المحتمل فيها، أن يظهر في العرب زعيم يجمع كلمتهم ويصبهم جميعا في بوتقة قومية متحدة تحت دولة موحدة يتركها لورثته من بعده، ولكن كيف لفلسفة (هيجل) أو تفسير (ماركس) المادي، أن يعبر عن الواقع التاريخي:
وهو أنه ولد في تلك البيئة رجل عني قبل كل شيء وبعده بإصلاح الإنسانية، وتزكية أرواح الناس، وتطهير قلوبهم وتحليتهم بمكارم الأخلاق، وسعى سعيه للقضاء على ما كانوا عليه من الخرافات والأوهام والعصبيات الجاهلية.
رجل تجاوز نظره عن الحدود القومية والجنسية والوطنية وشمل الإنسانية بأجمعها.
رجل أقام بناء نظام للأخلاق والمدنية والسياسة لا للعرب وحدهم، ولكن للعالم الإنساني بأسره.
رجل ما عالج معضلات الاقتصاد والسياسة والمدنية والعلاقات الدولية في عالم الخيال والفكر فحسب، ولكن عالجها على أساس الأخلاق في عالم الواقع والحقيقة فعلا.
رجل مزج بين الروح والمادة مزجا معتدلا كان ولا يزال أكبر شاهد وأسطع برهان على حكمته وعبقريته، فهل لأحد أن يقول بعد كل هذا إن ذلك الرجل إنما كان نتيجة للبيئة العربية في الجاهلية ؟.
ليس هذا فقط، بل إننا إذا تأملنا فيما جاء به هذا الرجل في حياته من جلائل الأعمال، وجدنا أنه كان غير متقيد بحدود الزمان والمكان، وكان نظره يفصم قيود الوقت والأحوال، ويشق حجب القرون والآفاق، ولا يصده شيء عن التقدم إلى الأمام. كان ينظر إلى الإنسان في كل زمان وفي كل مكان، ويصدر لحياته تعليمات خلقية وعملية تصيب المحز وتعالج مشاكله بصفة متساوية في كل عصر وفي كل بيئة. وهو ليس من الذين قد أبلاهم التاريخ، ولا نفيض عليهم الثناء اليوم إلا من حيث كانوا دعاة الخير ومحسني الإنسانية في زمانهم، بل هو -خلافا لكل من سواه- زعيم الإنسانية ومحسنها الذي لا يدانيه غيره، وهو يساير التاريخ، وهو جديد في كل زمان كما كان جديدا في زمان حياته.
والذين تضفى عليهم بكل سخاء ثياب المدح ويلقبون بصانعي التاريخ، ليسوا في حقيقة الأمر إلا ممن قد صنعهم التاريخ.
والحق أن ليس في التاريخ الإنساني كله رجل، حاشا هذا الأمي، يجوز أن يقال عنه إنه صنع التاريخ، وما من أحد قد تم على يده نوع من الثورة في التاريخ الإنساني، إلا وتجد إذا أنت نظرت في حالاته وظروفه وبيئته، أن أسباب الثورة كانت بنفسها مختمرة قبل أن يقوم لإحداثها، وأن هذه الأسباب نفسها كانت تعين الوجهة لعمله، فلم يكن من بطل الثورة إلا أن أخرج مقتضى ظروف بيئته وزمانه إلى حيز الوجود ببذل جهوده وقوته، أي إنما لعب دور ممثل يكون كل من المنصة ونوعية التمثيل مقررا متهيأ له من قبل.
أما هذا الرجل فلا نظير له أبدا بين صانعي التاريخ ومحدثي الثورات في الدنيا قديما أو حديثا، لأنه بنفسه خلق أسباب الثورة، وأعد لها المواد الابتدائية، حيث لم يكن لها وجود، وبنفسه أعد لها الرجال الأكفاء بإذابة شخصيته العظيمة وإفراغها في قالب آلاف مؤلفة من الناس في بيئة جاهلية، ما كان في أهلها روح الثورة العملية ولا النشاط والاستعداد العملي لإحداثها.
هوا الذي أعد أسباب الثورة بقوة إرادته، وعين صورتها ونوعها، وهو الذي واجه الأسباب بعلو همته ومضاء عزيمته، حتى غير مجراها إلى جهة أراد أن يوجهها إليها، فأنى نجد صانعا للتاريخ ومحدثا للثورة على مثل درجته وشأنه ؟.
هذا، وتعالوا نتفكر الآن: أي وسيلة كانت لما نشأ من العلم والنور ورباطة الجأش، وجاذبية الشمائل، ونفوذ الكلمة، والكفاءات والكمال والقوى المهذبة الفائقة دفعة واحدة، في رجل أمي يرعى الغنم، ٍأو يحترف التجارة، في ناحية من أرض منحطة مظلمة كجزيرة العرب قبل ٍأربعة عشر قرنا؟ تقولون إن كل ذلك ما كان إلا مما اختلقه هو نفسه ونبع من ذهنه وأفكاره.
وأقول إنه لو كان الأمر كذلك، لكان على هذا الرجل أن يدعي الألوهية، ولو أنه ادعاها، لما أبت الدنيا أن تصدقه، في قوله وتؤيده في دعواه، إذ كانت هي التي اتخذت أمثال رام وكرشن وبوذا آلهة وجعلت المسيح ابن الله، وأي شيء من النار أو الماء ٍأو الهواء أو غيرها لم يكن يعبد فيها في زمانه ؟.
ولكن انظروا واسمعوا ما يقول هذا الرجل عن نفسه بنفسه: إنه لا يفتخر بما جاء به، ولا يكسب الثناء بنسبته إلى نفسه، وإنما ينسبه إلى الله الذي أكرمه به وأنزله عليه، ويقول ما أنا إلا بشر مثلكم، وكل ما عندي ليس من نفسي وإنما  هو لله ومن الله وحده، وما هذا الكلام الذي أتلوه عليكم, وقد عجز عنه مصاقع خطبائكم وفحول شعرائكم، بكلامي ولا مما نبع في ذهني وأفكاري، وإنما نزل علي كل حرف منه من عند الله تعالى، فلا يستحق عليه الحمد والثناء إلا هو وحده. وهذه القوانين التي أتيت بها لحياتكم، وهذه الآداب التي علمتها إياكم، ما أنا الذي اختلقت منها شيئا من تلقاء نفسي، ولا أقدر عليه، وأنا فقير إلى هدى الله تعالى ورحمته وفضله في كل شأن من شؤون حياتي، ولا أقول ولا أعمل إلا ما أتلقاه من عنده، سبحانه وتعالى.
انظروا إلى مبلغ هذا الرجل من الصدق والأمانة والتقوى؛ يحاول الكاذب أن ينسب إلى نفسه محاسن غيره، مع أنه من الممكن أن يعرف مصدرها بكل سهولة، أما هذا الرجل، فلا ينسب إلى نفسه محاسن لو نسبها إلى نفسه لما استطاع أحد أن يكذبه لأنه لا يعرف ولا يستطيع أن يعرف مصدرها الحقيقي.
فأي دليل أقوى من ذلك على صدق هذا الرجل ؟ ينال في نفسه كمالات منقطعة المثال بوسيلة خافية، ثم يبين للناس بدون تلكؤ ولا تحرج مصدرها.
قولوا بالله ما لنا -بعد كل هذا- أن لا نصدقه فيما يقول؟

استعمال العلم
قال رجل للمهلب بن أبي صفرة:
كيف نجحت وبلغت ما بلغت من مركز رفيع؟
فقال المهلب:
إنما أدركت ذلك بالعلم وحده، فقال الرجل:
ولكن غيرك لم يصل إلى ما وصلت إليه وقد تعلم أكثر مما تعلمت؟ فقال المهلب: ذلك لأنني استعملت علمي ولم أحمله، بينما حمله غيري ولم يستعمله...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here