islamaumaroc

أبو الوليد الباجي وكتابه: المنتقى في شرح الموطأ

  محمد صلاح الدين المستاوي

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

لم يكن أبو محمد بن حـزم الظاهري مبالغا عندمـا اعترف لمنافسه ومجادله أبي الوليـد الباجي بالرئاسة العلميـة لمذهب المالكية، فقد قال: (لم يكن للمالكية بعد عبد الوهـاب مثل أبي الوليد الباجي رحمه الله)(1).
ولمعرفة ما  كان عليه أبو الوليـد الباجي من علم غزير في شتى الفنون العلمية السائدة في عصره لا سيما العلوم الشرعية، الوسائل منهـا والمقاصـد، يجدر بنا أن نتتبـع مراحل حياته مرحلة بعد أخرى لندرك ما بلغه أبو الوليد من درجات عالية ومقامات ساميـة تبوأهمـا بعد جهود مضنيـة وتضحيات جسيمة، وسنوات غربة طويلـة عن الأهل والوطـن كانت مصحوبة في بعض الأحيان بفاقة وحاجـة دفعت أبا الوليـد إلى تعاطي أعمال شاقـة من أجل ضمان قوته.

اسمـــه ونسبه:
هو سلميان بن خلف بن سعدون بن أيـوب بن وارث الباجي، أصلهم من بطليوس ثم انتقلوا إلى باجـة الأندلس وسكنوا قرطبة.
أمـا أبو الوليد فقد استقر بشرق الأندلس ونشأ كمـا ينشـأ أترابه في بـلاد الأندلس التي كانـت تشهد حركة علميـة ونهضة ثقافيـة وانطلاقة حضاريـة فبادر إلى تلقين مبـادئ الثقافـة الإسلاميـة من حفظ للقرآن، وتعلـم لمبادئ العربيـة من  نحو وصرف، كمـا تلقى أوليات معلوماته الفقهيـة والعقديـة ليتوجـه بعـد ذلك صوب علمـاء عصره ليأخـذ عنهـم ويتلقى منهم في مختلـف فنـون المعرفة السائدة.

شيوخــه بالأندلس:
تلقى أبو الوليد الباجي على عـدد كبير من علماء عصره بالأندلس واجتمع بهم ونذكر منهم ابن الرحوي وابن الأصبـع وأبي محمد مكي وابن شاكـر القبري ومحمـد بن إسماعيل ابن فورتـش وأبي سعيد الحفري والقاضي يونس ابن مغيث.
ولم تكن همـة أبي الوليد لتقف عند هـذا الحد، فقـد أجازه علماء الأندلس وشهدوا له بالأهلية مما دفعه إلى الرحلة إلى بلاد المشرق رغبـة في الاستـزادة والتحصيل.

رحلتـه إلى الشرق:
 رحل أبو الوليـد سنة 426هـ، أو نحوهـا فأقـام بالحجاز مع أبي ذر ولازمه وحج أربع حجج، وقـد أخذ عن علماء الحجاز والقادمين على الحرميـن من العلماء القادمين من كـل البلاد الإسلامية،  ومن هؤلاء أبو بكـر المطوعـي وأبو بكر ابن سحنون وابن صخر، وابن أبي محمود الوراق وغير هؤلاء.
ثم رحـل إلى بغداد حيث أقام ثلاثـة أعوام يسمـع الحديث ويتلقى الفقه عمـن لقيهم من خيرة الفقهاء على مختلـف المذاهب، مالكيـة وشافعيـة وأحناف، لا يفرق بينهم ضالتـه المنشودة التحصيل، ثم العودة إلى بلاده بعلم غزير، فلا غرابـة أن نجده يلازم أبا الفضـل ابن عمروس أمـام المالكية وأبي الطيب الطبري،  كما تلقى عن أبي إسحاق طاهر بن عبد الله الشرازي الشافعـي، أبي عبد الله الدامغاني، والصيمري رئيس الحنفية وأبي الحسن العيثقـي، وأبي الفتح الطناجري، وابن حمامة، وأبي علي العطار وأبي القاسم التنوخـي وغير هؤلاء من علماء العراق.
وقد روى أبو الوليـد الباجي عن الحافـظ الخطيب البغدادي، وروى الخطيب عنه.
قـال الخطيب أنشدني أبو الوليد لنفسه.
إذا كنــت أعلم يقينـــــــا       بـأن جميـع حياتــي كساعـة
فلم لا أكــون ضنينـــا بهــا    وانفقهــا في صلاح وطاعـة (2)
ثم دخل بعد ذلك الشام فسمـع وتلقى عن أبي  السمسار وطبقته وانتقـل إلى الموصل حيث أقام هناك سنة حـاز فيها علما غزيرا ودرس على السمناني الأصول.
وفي مصر سمع من أبي محمد بن الوليد وغيره: 
وهؤلاء العلماء الذين اجتمـع بهم أبو الوليد بالحجاز والعراق والشـام والموصل ومصر هـم أعلام زمانهم ورؤسـاء المذاهب الفقهيـة والعقدية ممـن تشـد للاجتماع والتلقي عنهم الرحال ويسافر لهم الرجال.
كان مقام أبي الوليد بالمشرق طويـلا، إذ بلغ نحو ثلاثـة عشـر عاما، فلا غرابة أن يعود بعلم غزير ومقام رفيع شهد لـه به من تلقى عنهم واجتمع بهم.

عودتـه إلى الأندلس:
بعد أن نـال أبو الوليـد بغيته وقد طـال شوقه إلى ملاقـاة أهله ووطنـه قفل راجعا إلى الأندلس حيث تنتظره مهام كبيرة وبـدع كثيرة سيسعى على إماتتها وإسكات مروجيهـا بحجج قوية مقنعـة وعلم غزير يجمـع إلى النقل العقل.
ولم يشـأ أبو الوليد أن يتوجـه إلى مقام  الصدارة والرئاسـة في الأندلس وهو بهـا جدير بل فضل وهو الذي اجـر نفسه ببغداد مدة مقامـه لحراسة درب كـان يستعين بأجرته على نفقتـه، لم يشأ ـ  من هـذه همته ـ أن يطلب الرئاسـة بل على العكس، رغب عنها وفضل سعيهـا إليه ما دام أهـلا لها، وهـي عزة نفس وهمة عالية وصيانـة للعلم وتعظيم له، عمـلا بقول من قال:
ولو أن أهـل العلـم صانـوه صانهـم * ولـو عظمـوه في النفـوس لعظمـــا
ولم تقبل الدنيـا بسرعة على أبي الوليـد فتولى في أول وروده إلى الأندلس ضرب أوراق الذهب وعقـد الوثائق وقيل أنه  كـان يخرج للإقراء وفي يده أثر المطرقـة على أن انتشر علمه واشتهرت تآليفه وعرف قدره فاتسعت حالـه وكثر ماله واستعمله الرؤسـاء للوساطة والسفـارة فيما بينهم ونال لأجـل ذلك أقصى التكريم والتبجيل.

تلاميـذه بالأندلس:
تفرغ أبو الوليـد التعليم والإقراء فأقبل عليه خلق كبيـر واستفـاد منه عـدد كبير وذاع صيتـه وشهرته بين الناس فصارت خلقته محط رحالهـم، وحاز الرئاسـة العلمية بالأندلس على حـد تعبير القاضي عياض(*).                                                                       
ومن ابرز من تلقى عنه وتفقـه على يديه: أبو بكر الطرطوشـي والقاضي ابن شيرين، وسمع منه القاضيـان الحافظان: أبو علي الجياني والصدفي والقاضي أبو القاسم المعافري والسبتي وابن أبي جعفر المرصي وغيرهم.
وهؤلاء الذيـن ذكرناهم من تلاميـذ أبي الوليـد يشهدون بسعة علمه وافقه، فإذا كانت شهرتهم قـد طارت وصيتهم قد ذاع فان لأستاذهم أبي الوليد اليد الطولـى في ذلك.

شهـادات العلماء فيه:
إن الشهادة تكون أصدق وأقرب إلى الواقع عندمـا تصدر عن الزملاء والخصوم والمنافسين، فلا غرابة أن تجتمع كلمة هؤلاء على الشهـادة لأبي الوليـد بالرئاسـة العلمية.
فهذا القاضي أبو علي بن سكوة، كمـا أورد ذلك بن بشكوال في كتاب الصلة، يقول: ما رأيت مثله على سمته وهيبته وتوقيـر مجلسه وهـو أحد أئمة  المسلمين.
وأورد ابن بسـام لابن حـزم الظاهـري شهادة هي من اعترف وتجرد لمن انتصب مفندا لمذهبت مهدمـا لما بناه.
قال أبو محمد بن حـزم: لم يكن لأصحاب المذهب المالكي به القاضي بعد الوهـاب مثل أبي الوليـد(3).
ولهذه الشهـادة من ابن حزم قيمتها وقدرهـا وسيتجلى ذلك عندمـا نعرض إلى مـا دار بينهما من جدل طويل ومناظرات علميـة بانتصار أبي الوليد، وقد كـان ابن حزم قبل مجيء الباجي ظاهرا منتصرا على علماء الأندلس.
أما القاضي ابن العربي الفقيه والمفسر المالكي الأندلسي فإنه يصور بدقـة وضع العلماء والعلم قبل أبي الوليد، وما كـان عليه الوضع من انحطاط وتدهـور وتقليـد أعمى، ثم تغيرت الأحوال ببروز أبي الوليد.
يقول ابن العربي: (عطفنـا عنان القول إلى مصائب نزلت بالعلمـاء في طريق الفتوى لما كثرت البدع وذهـب العلماء وتعاطت المبتدعـة منصب الفقهاء  وتعلقت بهم أطمـاع الجهال فقالوا بفسـاد الزمان ونفوذ وعـد الصادق في قوله صلى الله عليهم وسلم: اتـخذ الناس رؤساء جهالا  افتوا بغير علم فضلـوا وأضلوا وبقيت الحال، فماتت العلوم إلا عنـد أحاد الناس، واستمرت القرون على مـوت العلم وظهـور الجهـل، وذلك بقدرة الله تعالى، وجعل الخلف يتبع السلف حتى آلت الحال إلى أن ينظر في قول مالك وكبراء أصحابـه، ويقال قد قـال في هذه المسألـة أهل قرطبة وأهل طلمنكـة وأهل صلبوه وأهـل طليطلـة، وصار الصبي إذا عقل سلكوا به مثـل طريقهم، علموه كتاب الله تعالى ثم نقلوه إلى الأدب ثم إلى الموطأ ثم إلى المدونة ثم إلى وثائـق ابن العطـار ثم إلى أحكام ابن سهل ثم يقـال قال فلان الطليطلي وفلان المخريطي وابن مغيث لا أغـاث الله يداه فيرجع القهقري، ولا يزال إلى وراء ، ولولا أن الله تعالى من بطائفـة تفرقت في ديـار العلم، وجاءت بلباب منه كالقاضي أبي الوليـد الباجي وأبي محمد الأصيلي فرشوا من مـاء العلم على هذه القلوب الميتة وعطروا أنفـاس الأمة الذفـرة لكان الدين قـد ذهب، ولكن تدارك البارئ سبحانه بقدرتـه ضرر هؤلاء ينفع هؤلاء وتماسكت الحال قليلا والحمد لله تعالى(4).
وقد تولى أبو الوليد الباجـي قضاء مواضـع من الأندلس دون مقامـه وعلمه كقضاء أريولـة ومثلها، وكـان ينب عنه في بعض الأحيان ويقصدهـا بنفسه في أحيان أخرى.

مناظـراته لابن حـزم:
أشرنـا إلى ظهور ابن حـزم على علمـاء الأندلس قبل الباجي وانتصاره عليهم وتكاثـر أتباعه، وإقبـال الناس عليه وعلى مذهبـه الظاهري، وذلك لضعف مجادليه وقلة زادهـم وعمق علمه وقـوة  حجته.                     
وما كانت هـذه الحالة لتستمر لابن حـزم، إذ قيظ الله له أبو الوليد الباجي الذي لمس أثناء تنقـله عقب عودتـه من المشرق في أنحاء الأندلس ذيوع دعوته وانتشار مذهبه وفتنـة الناس به وهـم الذين يناقدون لصاحب الحجـة الأقوى والأقدر على الجدال.
وكـان النـاس مع عجزهم وعجـز علمائهم عن الرد على ابن حزم إلا أنهم لم يقتنعوا ولم يسلموا له بصحـة وسلامـة آرائه ، بل أنهم ليلمسون خلطه ولكنهم لا يقـوون على مجادلته، فقـد كان له تصرف في فنون تقصر عنهـا السنـة فقهاء الأندلس في ذلك الوقت لقلة استعمـالهم النظر وعـدم تحققهم به ممــا جعلهم لا يقومون لمناظرته، وممـا جعل صوته عاليـا فقد كـان لكلامـه طلاوة تأخذ بقلوب الناس.
ولما قدم أبو الوليد الأندلس وجد النـاس بغيثهـم وأملهم في الانتصار على ابن حـزم والآخـذ بثأرهم منه خصوصـا وقد كـان ضده من الإتقان والتحقيق والمعرفة بطرق الحيال والمناظرة وهو مـا جعله أثناء رحلته بالمشرق، فبوأه النـاس لهذه المهمة الشاقـة فكان فيها المنتصر، إذ قد دارت بينهمـا مناظرات طويلة ومجادلات قوية فضح ابن حـزم فيهـا مما جعله يخرج من ميورقة، ومما جعل صوته يخبـو  ودعوته تموت، وقد  دون هـذه المناظرات الشيقـة أبو الوليد في كتاب الفرق من تأليفه.

محنــته:
ولم يكن أبو الوليـد لتهنأ أيامه وتسعد، فليست الدنيا بدار هناء، ولا بـد أن يعتري صفوهـا تعكير قد يكون سببه في بعض الأحيان حسد الزملاء، فإن كل ذي نعمـة محسود، وهم الذيـن يتبعون غيرهم ممن أنعم الله عليه ليعثروا له عن سقطـة قلم، أو لسان فيرتكزوا عليهـا للتنقيص من قيمـة من جعلهم الحسد يعتبرونه خصمـا لدودا.
ولقد وجدوا لأبي الوليد على مـاذا يرتكزون، وصورة ذلك: انه قرئ عليه بدانية كتاب البخاري حديث المقاضـاة، فمر في حديث إسرائيل فتكلم أبو الوليـد في الحديث وذكـر القول من قال بظاهـر اللفظ فأنكره عليه ابن الصائغ وكفـره بإجازته الكتابـة على النبي الأمي وأن هـذا تكذيب للقرءان الكريم، فحمل عليه عـدد من خصومـه وقبحوا عنـد العامـة ما أتى به وأكثـر القول من لم يفهـم غرضه حتى وصل الحد إلى لعنه على المنابـر نثرا وشعرا، وفي ذلك يقول أحدهم:
برئت ممـن شري دنيـا بآخــرة  *  وقـال إن رسول  الله قـد كتــب
وضمن الخطبـاء في المساجد معنى البيت في خطبهـم وثارت ثائرة العوام الذيـن يتحركون في كل اتجاه مما دعـا الباجي إلى تأليف رسالة يوجـه فيها رأيه ويبين سلامـة قصده، وأن ما قاله لا يقـدح في المعجزة كما لم تقـدح القراءة في ذلك بعد إن لم يكـن قارئـا، بل في هـذا معجزة أخرى، وأطـال في ذلك الكلام وذكر من قال برأيـه من العلماء(5).
غير أن المحققيـن من العلماء فهمـوا قصده ورأيه فلم يكـن عليه  منهم نكير.
وفي سبيل تبرئـة نفسه مما ألصـق به، ومن أجـل إسكـات خصومه ومناوئيـه كتب بالمسألــة على شيوخ صقليـة وغريها فصوبوا رأيـه وأنكروا على المنكرين عليه وسوغـوا تأويله وشهدوا له بغزارة العلم وسلامـة العقيدة، ومن هؤلاء ابن الجرار:

مؤلفاتــه وتصانيفه:
لا شك أن من كانت هـذه شهرته العلمية ومكانتـه الاجتماعية في تغيير بعض الأوضـاع وإماتـة بعض الدعوات والانتصار على أصحابها ثم الاستقلال بآراء اجتهاديـة تثير ضعاف العقول ثم الانتصار عليهم، إن من كـان هذا تأثيره في محيطه سيترك آثارا خالدة وتآليفـا عميقة لن تكـون من قبيل المكرر المعاد، فـلا غرابـة إذا تعددت مؤلفات الباجي وتنوعـت ، فشملت أغلب فنون المعرفة، ولا عجب إذا كانت من المختصر والمطول.         
ولم تقتصر كتبه على فن دون آخـر وأهم ما كتبه:
كتاب الاستيفـاء في شرح الموطأ، وهو كتاب فيه علم غزير.
كتاب للمنتقي في شرح الموطأ، وهـذا اختصار الاستيفاء،  وهو  كتاب جليل سنعود إليـه بالدرس والبحث، إذ أنه الشرح الوحيد من شروح الباجي الموجود بين أيدينـا وهو مطبوع.
واختص المنتفي في كتاب سمـاه الإيماء قدر ربع المنتقى
وكتاب السراج في علم الحجاج.
كتاب مسائل الخلاف لم يتم
وكتاب المقتبس من علم مالك بن أنس لم يتم
وكتاب المهدب في اختصار المدونة الكبرى
وكتاب شرح المدونة
وكتاب اختلاف الموطأ
ومسألة اختلاف لزوجيـن في الصداق
وكتاب مختصر المختصر في مسائل المدونـة.
وكتاب أحكـام الفصول في أحكام الأصول.
وكتاب الحدود في أصول الفقه.
وكتاب الإشـارة في أصول الفقه
وكتاب تبــن المنهـاج
وكتاب التشديد إلى معرفة طريق التوحيد.
وكتاب تفسير القرءان لـم يكمل
وكتاب فـرق الفرق
وكتاب الناسخ والمنسوخ لم يتم
وكتاب السنن في الوثائد والزهد والوعظ
وكتاب التعديـل لمن خرج له البخاري في الصحيح.
وكتاب مسح الرأس
وكتاب في غسل الرجلين
وكتاب النصيحـة لولديـه
ورسالته المسمـاة تحقيق المذهب وله غير ذلك.
إن هـذه العناوين المختلفة والعديـدة تبرهن عـن سعة الباجي وعوضه في المسائل الدقيقـة غوص من لا يهاب الغرق، كمـا نبين التزام صاحبها الشديد بمذهبـه المالكي التزامـا وتمسكا من غير تحجر أو تعصب يتجلى ذلك في خدمتـه للكتاب الأول للمذهب وهو الموطأ، (فشروحـه الثلاثة: المطول وهـو الاستيفـاء والمتوسط وهو المنتقى، والمختصـر وهو الإيمـاء،  وكتاب اختلاف الموطأ وعنايته بالمدونـة شرحا واختصارا.
إن هـذا الجانب من تأليفه يبيـن مدى التزامـه بمذهبه.
أما العمق والعلـم الغزير فيتجلى في بحثـه لمسائل فرعيـة من مثل اختلاف الزوجين في الصداق ومسح الرأس وغسـل الرجلين ثم كتبـه الأصولية التي تبحث في قواعـد الفقه وضوابطـه مما يدل دلالة قطعيـة على سعة علمه وعمـق تآليـفه وكثرة فائدتها، ولا شك أن أبا الوليد الباجـي كان عميقـا مصيبا إلى حـد بعيد في مختلف تآليفه وكتبه بما في ذلـك كتب المناظرة والجـدال التي دون فيهـا ما دار بينه وبين ابن حـزم الظـاهري.
وما بين أيدينــا من هذه الكتب وهو النزر القليل سواء كـان ذلك في الفقه أو الأصول أو الجرح والتعديل، بل في علم الحديث، إن هـذا القليل من علـم الباجـي وإبداعـه إتيانـه بالجديد المفيد.
ولمـا كان هذا البحث منصبـا على شرح الموطأ فسأولي شرح المنتقـى الموجود بين أيدينا اهتمامي فأقـدم منهجه وطريقـة شرحه وخصائصهـا مع عينـات وأمثلـة أتحخيرهـا.

وفاتــــــه:
توفي رحمه الله وهو في سن الواحـدة والسبعين، وقد كانت وفاته سنة 474هـ، وبذلك يكون مولـده سنة 403هـ، فكانت حياته مليئة بالأعمـال المجيدة والآثـار الخالدة، وبقي ذكـره لا ينسى لما قدمه لدينـه وأمته من أعمـال جليلة ستكون له بين يدي الله شفيعـا.        

شـرح المنتقى:
شرح أبو الوليد الباجي الموطأ بثلاثـة شروح وهي الاستيفـاء ثم اختصره في المنتقى الذي اختصره أيضا في كتاب الإيماء.
ويبدو أن شرح المنتقى هـو الشرح الأوسط وهو الباقي إلى اليوم والذي طبـع طبعة أولى بأمر من السلطان مولاي عبد الحفيظ ملك المغرب، وذلك سمة 1331 هـ.
ثم أعيـد طبعه بعد ذلك.
وهو شرح رائع لكتاب الموطأ اعتنى فيه الباجـي بالناحيتين: الحديثية والفقهيـة عناية كبيرة،  وحاول أن يعيد مسائل الفقه المالكي إلى أصولها من كتاب وسنة.
ويجدر بنـا ونحن نتحدث عن هـذا الشرح أن نترك المجال لابن الوليد كي يبين الخـط الذي رسمه لنفسه والمنهج الذي سيتبعـه في شرحه لموطأ الإمام مالك بعد ذكـر الدوافع التي دعتـه على تأليف كتاب المنتقى.
ويبدو لنـا منذ الوهلة الأولى أن الباجي ألف كتابه المنتقى بناء على رغبـة لمسها وطلب منه إذ غايتـه هي النفع ما وجـد إلى ذلك سبيلا.
يقول رحمـه الله: ( وفقنـا الله وإياك لما يرضيـه فإنك ذكرت أن الكتاب الذي ألفت في شرح الموطأ المترجـم لكتاب الاستيفـاء يتعذر على أكثر الناس جمعه ويبعد عنهم درسه لا سيمـا لمن ليس يتقدم له في هـذا العلم نظر ولا تبين له فيه بعـد أثر، فإن نظـره فيه يبلد خاطره ويحيره، ولكثرة مسائلـه ومعانيته يمنع تحفظه وفهمه وإنمـا هو لمن رسخ في العلم وتحقق بالفهــم)(6).
وهو هنـا يشير إلى غزارة ما في كتاب الاستيفـاء من علوم واحتياج من يباشره إلى سعـة اطلاع وقدرة وعمق قد لا تتوفر لأغلب الناس، وهو إذا كـان يختصر وييسر لأهـل زمانه كتاب الاستيفاء، فإننا إلى ذلك أحوج وعن إدراك ما في الاستيفاء أعجـز وأضعف.
ومهما يكن من أمر فإن قيمـة المنتقى وشهادة العلمـاء الأعلام بأنه من أحسـن شروح الموطأ دليل وبرهـان على أن الاستيفـاء أعظم شأنا وأغزر علمـا وأكثر قائدة.
ثم بين أبو الوليد المنهج الذي سيسلكـه في كتاب المنتقى فيقول: ( ورغبت أن أقتصر فيه على الكلام في معانـي يتضمنه ذلك الكتاب من الأحاديث والفقه وأصـل ذلك من المسائل بما يتعلق بها في أصل لكتاب الموطأ ليكون شرحـا له وتنبيهـا على ما يستخرج من المسائل منه ويشير على الاستدلال على تلك المسائل والمعانـي التي يجمعها وينصهـا ما يخف منتها ويقرب ليكون ذلك حظ من ابتدأ بالنظر في هذه الطريقة من  كتـاب الاستيفاء، إن أراد الاقتصار عليه وعونـا له، ان طمحت همته إليـه فأجبتك إلى ذلك وانتقيتـه من الكتاب المذكور  على حسب ما رغبتـه وشرطته وأعرضت فيه عـن ذكر الأسانيد واستيعاب المسائل والدلالـة وما احتج به المخالف وسلكت فيـه السبيل الذي سلكت في كتاب الاستيفاء من إيراد الحديـث والمسألـة من الأصل ثم اتبتعت ذلك بما يليـق به من الفرع وأثبتـه شيوخنا المتقدمون رضي الله عنهم وسد من الوجوه والدلائـل وبالله التوفيق وبه استعين وعليه أتوكـل وهو حسبي ونعم الوكيل)(7).
فالمنهج الذي رسمه أبو الوليـد الباجي لنفسه في هـذا الشرح يبدو واضحا وسنرى مدى التزامـه بما سطره لنفسه عند الإتيان بمثل لحديث شرحه، فهو يقـول: إن اهتمامـه سينصب على الناحيتيـن الفقهية والحديثيـة وسيبحث للمسائـل الفقهيـة عن جذور من نصوص الكتاب والسنة كما سيتبـع بآراء المشايخ مع الإشـارة إلى مسائل الاستدلال والاستنبـاط وكلما أمكـن ذلك على غرار منهجـه في شرح الاستيفـاء، ذلك أن المنتقى كما يقـول أبو الوليد الباجي انتقاه من الاستيفاء واختـار عيون الاستيفاء ليحتويها المنتقـى ولا بد أن تكون لأبـي الوليد تخريجات واستنباطـات واجتهادات قد يخالف بها علماء عصره، بل ومن سبقهـم، فغزارة علمه وسعـة اطلاعـه تبوؤه هـذه الدرجة وتخول له إبداء آرائـه عندما يقتضي النص اجتهادا أو تأويلا وتخريجا.
وخشيـة على نفسه من تآلب الواقعيـن عن ظاهر النص المتمسكيـن بالقدم لا يتزحزحـون عنه قيـد أنملة، وتواضعا منه واعترافـا بإمكانيـة مجانبتـه للصواب يضع أبو الوليـد الباجي القارئ أمام مسؤوليتـه مبينا له أنه سيجـد في طيات الكتاب مخالفـة لما تعارف عليه الناس واستقــلا  دعا الباجي إلى اعتباره مجرد رأي واجتهـاد قابل للخطـأ والصواب. وهو لا يلزم برأيـه أحد كما يدعو على عـدم الإنكار عليه ما  دام الإنسان يلاحـظ من نفسه تغيـرا في آرائـه من اليوم والآخر، فلا غرابـة في اختلاف الناس في آرائهـم ومذاهبهم، وما قـد يكون رآه الباجي أثنـاء كتابته للمنتقى قد لا يكون رأيه بعد ذلك.
يقول: (وقـد قدمت في الكتاب المذكور ما لا أخلي هـذا الكتاب من حرف من ذكـره، وذلك أن فتوى المفتي في المسائـل وكلامـه عليها وشرحه لها هو بحسب مـا يوفقه الله تعالى إليه ويعينه عليه، وقـد يرى الصواب في قول من الأقوال في وقت ويراه خطأ في وقت آخـر، ولذلك يختلف قول العالم الواحـد في المسألـة الواحدة فلا يعتقـد الناظر في كتابي أنما أوردته من الشرح والتأويل والقيـاس والتنظير طريقه القطـع عندي حتى أعيب من خالفها، وأذم من رأى غيره وإنمـا هو مبلغ اجتهادي وما أدى إليه نظري، وأمـا فائدة إثباتي له فتبين منهـج النظر والاستدلال والإرشـاد على طريق الاختيار والاعتبار، فمن  كـان مـن أهل هـذا الشأن، فله أن ينظـر في ذلك ويعمل بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده من وفـاق ما قلتـه أو خلافـه، ومن لم يكن نـال هذه الدرجـة فليجعل ما ضمنتـه كتابي هـذا سلمـا إليهـا وعونا عليها والله ولي التوفيق والهـادي إلى سبيل الرشـاد وهو حسبنـا ونعم الوكيل(8).
ويجدر بنا أن نقدم نموذجـا ومثالا للطريقة التي اتبعهـا أبو الوليـد الباجي عند شرحـه للموطأ لعل ذلك يوضح لنا منهجه.
فقد أورد ف يباب النهـي عن الصلاة بالهاجـرة حديث: (مالك عن زيـد ابن اسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن شدة الحر مـن فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، وقال: اشتكت النـار إلى ربها فقالـت: يا رب أكـل بعضي بعضا فأذن لها بنفسيـن في كل عام نفس في الشتاء ونفس في الصيف)(9).
الفيح سطـوع الحر فأخبر صلى الله عليه وسلم أن لجهنم فيحـا وأن شدة الحر من ذلك الفيح، وأمـر بالإبراد بالصلاة عنـد شدة الحر، ومعنى ذلك أن يؤخـر فعلها على أن يبرد وقتها، وقوله اشتكت النـار إلى ربها فقالت يا رب كقول الشاعر:
شكـى إلي جملـي طــول السـرى  *  وقولـه أكـل بعضــي بعضـــا
يريد بذلك كثـرة حرها وأنها تضيق بما فيها ولا تلبـد ما تأكله وتشرفه حتـى يعود بعضهـا على بعض.
وقوله فأذن لها بنفسين في كل عـام، يريد أنه أذن لهـا أن تتنفس فيخـرج عنها بعض مـا تضيق به من أنفاس حرهـا وزمهريرهـا أعاذنـا الله برحمته منها، وفي هـذا الحديث من معنى الإبراد مسألـة وقت استحباب الصلاة، وذلك أنـا حددنـا أوقات الصلوات وبينـا فضيلة أوقاتهـا بما يغني عن إعادتهـا، وبقي علينـا الكلام في الفضائل التي ترد على فضيلة أول الوقت فتكون لها الفضيلـة في نوع من التأخير، ولأصحابنا فيه أقاويل نحن نذكـر منها ما يعـول عليه ولم نخلص معانيهـا إن شاء الله وذلك أن ابن القاسم روى عن مالك في كتاب الصـلاة من المدونـة أنه قال أحب إلي أن يصلي النـاس الظهر في الشتاء والصيف والفـئ ذراعا. وقال ابن حسيب أول الوقت أحب إلينـا في الأوقات كلها  للعامة في ذات أنفسهـا، فأمـا الأئمة في المساجـد والجماعات، فذلك على ما هـو أرفق بالنـاس ويستحب في الصيف تأخيـر الظهر إلى وسط الوقت وما بعده، قليلا، لأن النـاس لا يقيلون، ويستحب تعجيلهـا في الشتاء في أول الوقت حين تميـل الشمس عن الأفق المواجـه للقبلة لأن النـاس لا يقيلون.
وقال ابن وهب عن مالك أنه كـره تعجيل الصلاة لأول الوقت، قال عنـه ابن القاسم ولكن بعدمـا يتمكن ويذهب بعضه فمعنـى التأخير الذي حكـاه ابن القاسم ليس من  معنى الإبراد في شيء، وإنما هو لأجل اجتماع الناس فحصل في صلاة الظهر تأخيران أحدهمـا لأجل الجماعة وذلك يكـون في الصيف والشتاء في المساجـد ومواضع الجماعات دون الرجـل يصلي في خاصة نفسه، فإنه يستحب له تقديم الصلاة في أول الوقـت إذ هو الأفضـل على ما تقدم والتأخير الثاني بمعنـى الإبراد وهو يختص بوقت الحر دون غيره من الأوقـات ويستوي فيه الجماعـة والفرد، فوقت التأخير لأجل الجماعـة إلى أن يفئ الفيء ذراعـا، ووقت التأخير لأجل الإبراد أكثـر من ذلك، ويصح أن يكـون إلى نحو الذراعين، وقد فسـر وذلك أشهب وذلك أنـه قال تأخير الظهر في الصيف والشتاء إلى أن يفئ الفيء ذراعـا، ثم قال بأثر ذلك، وهـذا في غير الحر، فأمـا في الحر بالإبراد بها أحـب إلينـا، ولا يؤخـر إلى آخر وقتها، ووجه ما ذكـره من الإبراد الحديث المتقدم بالأمر به، ومن جهـة المعني أن المصلي مندوب إلى الخشوع في الصـلاة والإكمـال لركوعها وسجودها وغير ذلك من أفعالها وأقوالها، وشدة الحر تمنـع من استيفاء ذلك من الصلاة على هذه الحال، كمـا منع من الصلاة بالحقـن الذي يمنع الخشوع وإتمـام الأقوال والأفعال،  وكمـا أمر بتقديم العشاء بحضرة الصلاة لهـذا المعنى والله أعلم.
مسألـة: إذا ثبت ذلك فهـل يبرد بصلاة العصر أم لا؟ قال أشهب: أحب إلى أن يزيد المصلي ذراعا على القامـة ولا سيمـا في الحر، وقال ابن حبيب: وقتها  واحد، تعجـل ولا تؤخـر إلا في الجمعة، فإن يجعل بها أكثر من سائـر الأيام،  وجه مـا قاله أن هـذه صلاة رباعيـة من صلوات النهار فثبت فيها الإبراد وانتظار الجمعة كالظهـر ووجه ابن حبيب أن العصر يكون في وقت يخف الحر، ويطرأ على النـاس وهم متأهبون للصلاة، وكان المستحب تقديمهـا كالمغرب، وأمـا المغرب فلا خلاف في استحباب تعجيلهـا وإنمـا الاختلاف في جواز تأخيرها وقد تقـدم ذكره.
مسألة العشاء الآخرة فقال ابن القاسم عن ملك يستحب أن يؤخر بعد مغيب الشفق قليلا، وقال ابن حبيب يؤخر في الشتاء قليلا، لطول الليل، ويؤخر أكثر في رمضان توسعة على الناس في إفطارهم، وقد تقدم ذكره، وجملة ذلك أن فعل الصلاة في أول وقتها عند مالك أفضل، وإنما يستحب التأخير لمعان توجب ذلك، وقد تقدم بيانها.
مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا اشتد الحر فابردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإبراد وعلل ذلك بأن شدة الحر من فيح جهنم، وذكر أن للنار فيحيا نفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، ولم يأمر بتأخير الصلاة في شدة البرد، فلا يتعلق به حكم التأخير، والأصل في ذلك ما رواه أبو خلده عن أنس، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكر بالصلاة وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة، ومن جهة المعنى أنه لا رفق بتأخيرها بل الرفق في تقديمها، لأن بتأخيرها يزيد المانع من إتمامها بتزيد البرد كلما تمكن العشى ورقب الليل والله أعلم)(10).
هكذا يتجلى لنا مدى عمق ابن الوليد الباجي وسعة علمه واقفه ووفائه للمنهج الذي رسمه لنفسه من تأصيل المسائل وذكر آراء المتقدمين من العلماء الذين يعتد بآرائهم والإعراض عن سواهم وتوجيه آرائهم وتصويب بعضها وتوجيه البعض الآخر منهيا ذلك برأيه الذي يتجلى في موضعين: الموضع الأول حين يذكر الرأي ثم يدعمه بالمنقول من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والموضع الثاني عندما يبحث عن الحكمة والمعنى الذي يشير إليه الأمر النبوي ويستفرغ الجهد والطاقة في سبيل دعم الرأي  الذي ذهب إليه أو اختاره موجها رأي كل واحد من الذين سبقوا الوجهة التي يقتضيها.     
لا يفوتنا أن نشير أن الباجي لا يكتفي عند حد المسألة القريبة التي يشير إليها نص الحديث بل يبحث ويدرس ويشرح كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد، فنجده مثلا يدس ويبحث مسألة تأخير الصلاة في الصيف والشتاء، وهل التأخير لصلاة الظهر أم أنه يشمل غيرها، ويبحث كل ذلك بالاستناد إلى أقوال وآراء السابقين مدعما الرأي الذي اختاره بما أوتي من حجة قوية وأدلة لا تقبل الرد.
وما يمكن أن نلاحظه حول منهج أبي الوليد الباجي في شرحه للموطأ هو إعراضه عن ذكر الأسانيد والحديث في الرجال وتعديلهم أو تجريحهم وإيصال المرسل من الأحاديث أو المنقطع، فإننا لا نرى لذلك أثرا يذكر في شرحه هذا، ولعله توخى الاختصار والإجمال مثلما رسم ذلك في مقدمته أو أنه أشبع الأسانيد والمصطلح الحديثي درسا في شرح مصطلح الاستيفاء ولا غرابة فقد يكون فعل ذلك، فإنه عالم بالحديث وبالرجال والأسانيد، ألم نذكر له ضمن قائمة تآليفه كتابا جليلا في الجرح والتعديل لمن خرج لهم البخاري في الصحيح.
كما يمكن أن نلاحظ وفرة المسائل الفقهية والأحكام المستنبطة وآراء علماء المذهب المعتبرين.
ولا عجب، فإن كتاب الموطأ كتاب أحكـام ودستور حيـاة المجتمع الإسلامي، فالعنايـة بالفقه ومسائلته طبيعية،  وهـذه العناية عند الباجي نجدهـا مصحوبة بمحاولة منه لعلهـا فريدة عند المالكيـة وهي تأصيل المسائل والبحث لها عن جذور في النصوص، وبذلك تنفـى عن المذهب المالكي شبهـة خلو مسائلـه من النصوص الشرعية.
كما لم يحتل المنتقى من استنباطات وتخريجات واجتهادات نبه الباجـي إلى وجودهـا في مقدمته وهي تنم عن استقلاليـة في شخصيته وعمق في علمـه لا ينكر، وبذلك نستطيع أن نقول أن المنتقى من أحسـن شروح الموطأ.

(1)  ترتيب المدارك، ج 3-4، ص 802 للقاضي عياض، تحقيق الدكتور أحمد بكير.
(2)  الديباج لبراهـن الدين بن فرحون ص 121.
(*)  ترتيب المدارك، ج3 ـ 4، ص: 802، تحقيق الدكتور أحمد بكير.
(3)  ترتيب المدارك للقاضي عياض ج3-4، ص 802، تحقيق دكتور احمد بكير محمود.
(4)  الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي:  محمد بن الحسن الحجوي، ح2، ص 216، وترتيب المدارك للقاضي عياض ج3-4، ص 802، وما بعدها.
(5)  ترتيب المدارك للقاضي عياض، ج 3-4، ص 803 وما بعدهـا .
(6)  المنتقى للباجي ، ص: 2، ج1.
(7)  المنتقى للباجي: ص3ـ ج1.
(8)  المنتقى للباجي، ج1، ص 3.
(9)  المنتقى للباجي، ج1، ص 31.
(10)  المتنقى ج 1 ص 32.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here