islamaumaroc

حول صلح الحديبية

  عبد العزيز الساوري

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

في كتاب (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في  العصر الوسيط) للأستاذ الدكتور طيب تيزيني جاء في فصل (المسار التاريخي للمجتمع الإسلامي ـ الإسلام وتحول البنية الاجتماعيـة الاقتصادية والسياسية للمجتمع العربي الجديد)، هذه القولـة «إن  معاهـدة أو  ما يسمى بـ: (صلح الحديبية)، كانت وبشكل عـام (لصالح التجار والمرابين المكيين)، وإنها كانت (تنازلا) سياسيا واقتصاديـا وفكريا لصالح الملأ المكي، لذلك نجـد هـذا الملأ يدخل الإسلام لكي يستطيع ضمان مواقعه الاجتماعية والاقتصادية عن قرب ومنحها القدرة على النمـاء والتطور وما يمكن استنتاجـه مـن هذا (القول) هو أن مسؤوليـة الانعطاف الذي عرفته الحركة الإسلامية لاحقا على يد الأمويين تعـود إلى ذلك (التنازل) الذي كانت المعاهـدة المذكورة إعلانـا عنه».
إن ما ورد عن صلح الحديبيـة مشهور معروف فلو رجعنـا لأقدم مصادر السيرة وأعني مثلا السيرة النبوية لابن هشام، طبعة عبد الرؤوف سعد، الجزء الثالث ص 196، لوجدنـا الحقائق كالتالي:
1 ـ خرج رسول الله (ص) في ذي القعدة 6هـ معتمرا لا يريـد الحرب.
2 ـ لقي النبي (ص) من أخبره وهو في الطريق أن قريشا سمعت بمجيئه واستعدت للحرب حتى أنه قال (ص): « يا ويح قريش... لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهـم لوخلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين...».
3 ـ اسمر بينه وبين قريـش بعض الشخصيات من أجل توضيح هدفه وإقنـاع قريش بذلك منهم بديل بن ورقاء مع  جماعـة من خزاعة، والحليس بن علقمة أو ابن زبان سيد الأحابيـش، وعروة بن مسعود الثقفي، وخارش بن أميـة الحزاعي، ثم أرسل إليهم عثمان بن عفان، وأرسلت قريش من جانبها سهيل بن عمرو.
4 ـ تفاوض ممثل قريش سهيل بن عمرو والنبي (ص) ثم اتفقـا على أن يعود النبي صلى الله عليه وسلم  في ذلك العام، حتى لا يتحدث العرب بأن محمدا دخل مكة عنوة.
5 ـ فلمـا أراد كتابة الاتفاق لإشهاد الشهود عليه حـدث خلاف حول صيغـة الكتابة إذ أراد النبي صلى الله عليه وسلم  أن يقول ما صالح عليه رسول الله، فاحتج ممثل قريش بأنـه لو كان يؤمن بذلك ما جـاء ممثلا لأعداء                                                            
النبي، وطلب منه أن يكتب اسمه واسم أبيه، كمـا طلب منه أن يكتب اللهم بدلا من بسم الله الرحمن الرحيم.
6 ـ فكانت شروط الصلح إذا هي:
أ ـ  أن يعود النبي (ص) ذلك العام دون حج.
ب ـ  أن توضع الحرب بين قريش والنبي (ص) مدة عشر سنوات، يأمـن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض.
ج ـ أن من جـاء محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم.
د ـ أن من جـاء قريشا من أتباع محمد لا يردوه إليه.
هـ ـ أن يلتزم كل طرف باحترام الاتفاق فلا خيانـة ولا سرقة خفية.
و ـ أن  من أحب أن يدخل في عقد  محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش دخل فيه ـ فدخلت خزاعة في عقد  محمد وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم.
ز ـ للنبي (ص) الحق في القدوم إلى مكة في العام المقبل على أن يبقى مدة ثلاثـة ايام ، تنسحب خلالها قريش عن مكة،  ولا يحمل أتباع محمد غير سلاح المسافر (السيوف في القرب).
وهكذا نحـر النبي (ص) بعد التوقيع من قبل الشهـود على الوثيقة فنحر الصحابـة بعده وحلق وكأنه اعتبر نفسه قد أدى ما عليه أو أنهـى المهمة التي جاء من أجلها.
فهل كان صلح الحديبيـة تراجعا؟ إن الجواب واضح من الشرح أعلاه...
1) فإن غاية النبي (ص) «العمرة» وليست الحرب.
2) إن النبي (ص) لم يتراجـع عن مبادئ الإسلام التي تحارب الفساد ومنها الربا الذي كـان يتعاطاه تجار قريش، ولم يتخل عن الفقراء أو الأرقاء !
3) إن  ما كسبه الإسلام بهذا العقد هـو اعتباره قرين قريش أي حصل النبي (ص) على اعتراف بقوته ودولته كقرين لقريش، أو طرف يتفاوض معه ويحسب حسابه.
4) إن الإسلام بهذا العقد كسب دعايـة واسعة في الجزيرة.
5) لمـا اطمأن النبي (ص) بهذا العقـد لجانب قريـش انصرف ومن معه للتبشير بالإسلام في الجزيـرة.
6) إن الصلح حقن دمـاء المسلمين وكان الوقت إلى جانبهم مما زاد في عـدد الداخليـن في الإسلام ولدينـا شهادات مؤرخينـا القدماء وهي شهادات يمتد بها، إذ بدون نصوص التاريخ المؤكـدة، والموثقة المعروفـة لا يكون هناك تاريخ لأي أمـة أو دولة، قال الزهـري : «ولم يكلم أحـد في الإسلام ينقل شيئـا إلا دخل في تلك السنتين (أي بعد العقد)، مثل من كـان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر» .
وأيد ابن هشام ما ذهـب إليه الزهري حيث ذكـر بأن خروج النبي (ص) إلى الحديبيـة كان على رئاسـة 1400 رجل وخروجـه عام فتح مكة أي بعـد سنتين على رأس 10.000 رجل.
ثم لمـا أضلت قريش بالعقد نتيجـة لاعتداء حليفتهـا بني بكر على حليفة النبي (ص) خزاعـة، ولمساندة قريش لحليفتهـا ضد خزاعـة، أجاب النبي (ص) طلب الإغاثـة لقبيلة خزاعـة، وهكذا دخـل الإسلام رغم أنوف رجـال قريش وتجارها، وهكذا أصبح الإسلام ورجاله هم المسيطـرون على مكة، فبدلت ديانتها وكسرت أصنامها وطبق شرع الإسلام، ودين الإسلام ، وبقيت مكة خاضعة هي وأهلهـا ورجالها للنبي (ص) ولخلفاء النبي من بعده، ثم ذابوا في بوثقة الإسلام.
فأيـن التراجع الذي يراه طيب تيزيني، ولا يراه النـاس منذ عهد الإسلام الأول إلى الآن، ولكن عيون الشيوعيين لا ترى دائمـا إلا الكذب والبهتان وتشويه الحقائق التاريخية،  وهذا التشويه لم يكن مقصورا على الإسلام  فقط، فهم قد شوهـوا ويشوهون كل تواريخ الأمـم التي يسمع بها ماركس او التي لم يسمع بهـا، وليس للمنصف إلا أن يضرب بآرائهـم وأفكارهـم وكتبهم عرض الحائـط.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here