islamaumaroc

من نفائس مخطوطات خزانة القرويين "المثلث، لابن السيد البطليوسي

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

                              "المثلث" لابن السيد البطليوسي(1)

تعددت الدراسات اللغوية عند القدمـاء وتنوعت أشكالها فمن الاهتمام بالقواعـد المحصنة للإعراب والمجددة لبنية الكلمات إلى الاهتمام بالمعاني وربطها بالنصوص الواردة عن العرب في شعرهم ونثرهـم وأمثالهم وخطبهم وكيفيـة ورودها في القرآن والحديث.
ومن ثم أصبحت الدراسات اللغـوية جزءا لا يتجزأ من الدراسات الإسلامية، بحيث لا يمكن لمن يتناول القرآن بالدرس أن  تكون خبرتـه اللغوية في مستوى لا يسمح له بذلك سواء من حيث دراسـة اللهجات العربية أو من حيث ما يتعلق بالتشابه والتضاد أو من حيث تقويـم القراءات الواردة التي لا يستطاع فهمها إلا إذا  كانت اللغة واضحة معروفة أمـام الدارسين والباحثين والمفسرين.
وهذا هو السبب الذي جعـل التداخل كاملا في الكتب المتعلقة بدراسـة اللغة بين النصوص القرآنية والنصوص الواردة عن العرب لتكون المقابلة مبنية على أساس من البيـان ولتكون الشروح متعمدة على موازنة كاملة تعين الراغبين في المعرفـة وتساعدهم على فهم المقصود.
اتضح هـذا المنهاج في الكتب النقديـة وفي الكتب التي تهتم بمعانـي القرآن وشرح كلماته كما اتضح في المعاجـم التي ألفت لشرح الغامض وتبين المشترك، لأن بعض اللغويين لم يكتفوا بالجمـع الترتيبي للكلمات كيفمـا اتفق ، بل حرصوا على أن يختاروا نوعا بعينه ورأوا في هـذا الانتقاء مساعـدة تقريبية تيسر البحث وتعين على الاطلاع.
ومن بين ما فكـروا فيه جمع كلمات مشتركـة الجذور مع اختلاف في نوع حركاتها في كتب اللغة، عرفت بالمثلثات وشرحوا هـذه الكلمات شروحا ضـافية وأضافوا إليهـا استدلالات مساعدة ترجع هذه الكلمـات إلى استعمالها العربي لتكون واضحة وميسرة.
ولم تكن طريقـة جمع المثلثات أول الأمر متسعة الاختيار، ولكنهـا رغم ذلك مهدت لتساعدهم على ترجيح معنـى آخر إذا تعذرت الروايـة وعسر السند الصحيح، وأقدم هـذه المثلثات مثلي قطرب أحـد أئمة النحو واللغة في البصرة (2)، لقد كـان هذا العالم اللغوي مشهورا بالدقـة والمعرفة في أواخـر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث، أخذ عنه سيبويه وعيسى بن عمـر والنظام وأخـذ عنه ابن السكيت في أيامـه الأولى ثم أوقف الأخـذ عنه لشكه في نزاهتـه، ولقد خلف كتبا كثيرة منها المثلث الذي اقبل النـاس على قراءته وحفظه وحرصوا على نظمه لتسهيل تداوله. 
ومن بين الذين نظموه سديد الدين أبو القاسم عبد الوهـاب بن الحسين الوراق البهنسي الشافعي المتوفى سنة 586 هجرية.
بدأ منظمتـه بقوله:
يــا مولعــا بالغضــــب           والهجـــــر والتجنـــب
هجــرك قـد بـرح  بـــي          فــي جــده واللعـــــب
إن دموعـــي غمــــــر            وليــس عنــــدي غمــر
فقـلت  يـــا ذا الغمــــر           اقصـــر  عـن  التعتـــب
بالفتــح مســـاء  كثـــرا           والكسـر حقـــد ستــــرا
والضـم شخــص مــا درى       شيئــا ولــم يجـــــرب
وقال في آخرهـا:                  
لمـــا رأيـــت دلــــه             وهجــره  ومطلـــــــه
نظمــت من حبـــي لــه          مثلثــــا لقطــــــرب
وعمل بعض اللغويين على شرح هذا المثلث وتبيين وجوه كلمـاته وكان من بنيهم محمد بن علي بن إبراهيم المعروف بابن زريق المتوفى سنة 977 هجرية(3) وقد أضيف إلى المنظومة فيما بعد أبيات تشير إلى هـذا الشرح قال ناظمها الذي نسجها على شكلها السابق.
وابــن زريـــق  نظمـــا           شرحــا لمــا تقدمـــــا
فربمـــــا  ترحمـــــا              عليــه أهـــــل  الأد ب
والواقع أن كتاب المثلث  لقطرب كان منطلقـا عمليا لنشر الاهتمامات بهذا الجانب اللغوي وهو ككـل عمل في بدايته لا يكـون كامـلا، لهذا دفـع بعض اللغويين إلى الاقتداء به والإضافة إليـه ومن بين الذيـن ألفوا في هذا الباب وأشاروا إلى عمل قطرب العالم اللغـوي الأندلسي أبو  محمد عبد الله بن محمـد بن السيد البطليوسي المتوفى سنة إحدى وعشرين وخمسمائـة هجرية.
إن البطليوسي هـذا غني عن التعريـف لما اشتهر به من الدقة في البحث ولما عهـد فيه من تتبع أصول  اللغة ومعرفة خبايـا الأدب، كان مولعا بدراسـة أمهات الدواوين الشعريـة العربية القديمـة وقد شرح ديوان سقـط الزند للمعري كمـا شرح مختارات من لزوميـاته وألف كتبا في اللغة والنحـو والأدب تتجـاوز الثلاثين وهو في كتبـه يركز أبحاثه ويدقق أقوالـه ويعمد إلى الإيضاح التعليمي المعين على المعرفة.
ويمكن معرفة طريقة منهجـه في التأليف من مقدمـة كتابه في المثلث حيث يذكر بواعث التأليف ويقارن بيـن الخطة التي سار عليهـا قطرب وبين الخطة التي يرتئيهـا، هو لكتابه، فقد بدأ كتابه بقوله:
قال الفقيه الأستاذ النحوي اللغـوي أبو  محمد عبد الله بن  محمد بن السيد البطليوسي رحمه الله: رأيت  جماعـة من المنبعـثين لطلب الأدب يولعـون بكتاب الثلث المنسوب إلى قطـرب ولعمري أنه لمنزع مستطرف لا نعلم أنه سبقه إليه قبلـه مصنف غير أنه كتاب يدل على ضيق عطن مؤلفه وقلـة مادة مصنفه لأنه اجتمع فيه مع صغر حجم الكتاب أنه أورد فيه أشياء بعيدة عن الصواب واضطر إلى ذكر ألفاظ تخالف المنزع الذي قصد إليه وحام فكـره عليه لأنه أدخـل فيه الكلأ والكلل، ومثـل هذا لا يعـد من المثلث الذي إيـاه اعتمد وإليه قصـد لأن المفتوح منها مقصور مهمـوز والمضموم غير مهموز، والمكسور ممـدود، وكذلك ذكر السلامي وهي مقصورة مع السلام،  والسلام وهما غير مقصوريـن وذكر الجواري وهي من المعتل المنقوص مع الجوار،  والجوار وليس مثلها في الاعتلال.
ومثل هـذه الألفاظ لا نعرج نحن عليها ولا نلتفت إليهـا وإنمـا نعتد مثلثا في كتابنـا هذا ما اتفقت أوزانـه وتعادلت أقسامه ولم يختلف إلا بحركـة، فائـه فقط كالغمر والغمر والغمر أو بحركـة عينه كالرجـل والرجل والرجـل أو كانت فيه ضمتان تقلبـان فتحين وكسرتين كالسمسم والسمسم الجرجـار والجرجير والجرجور والهمهـام والهميهم والهمهوم.
وقد جمعت من هـذا النوع ما أحـاط به علمي وانتهى إليه فهمي وأضفت إليه المثلث المتفق في معنـاه مما يوافق المنزع الذي شرطناه واضربنـا عما لم يوافق شرطنـا الذي التزمناه، فاجتمع لنا في المثل المختلف المعاني ستمائة كلمـة وخمس وتسعون كلمة ومن المثلث المتفق المعاني مائة كلمة وثمان وثلاثـون كلمة، وقد كنت صنعت فيه تأليفا آخر مرتبا على نظـم الحروف حسب ما فعلته في هـذا التصنيف وذلك عـام سبعين وأربعمـائة وذهب عني في نكبة من قبل السلطـان جرت علي وانتهت معظـم ما كان بيدي غير أنه لم يبلـغ عند ألفاظه عـدد ما ذكرته في هـذا التأليف الثاني وأنـا أسأل الله عونـا على ما قصدت إليه، ونويته أنه المأمـول والمستعان والمعهود منه الفضل والإحسان وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبي وسلم تسليما.
وبالفعـل فإن الكتـاب الذي وضعه البطليوسي قد أفاد في الموضوع اللغوي إفـادة عامة وذاع بين رجـال اللغة والأدب وتسارع الناس إلى انتساخه وحفظه وتباروا في الاستدلال به والاعتمـاد عليه ووجدت منه نسخ متعددة في مختلف الخزانات العالمية ومن أهمها نسختان قديمتـان إحداهما بجامعة ييل تحمل رقم 568 وهي مكتوبـة بخط مغربي جيد الشكـل جميل سهل القراءة نسخت سنة أربع وسبعين وخمسمائـة بخط الفقير إلى رحمة ربه عبد الرحمن بن محمد بقسطاط مصر.
أمـا النسخة الثانية فهي النسخة الموجودة بجامعة القرويين تحت رقم 538/40 ضمن مجمـوع يحتوي على ثلاثة كتب وهي مبثـورة من الأول تنقصهـا ورقة واحدة، ومشكولة بالشكل التام وقد وقـع الفراغ من نسخهـا في يوم الثلاثـاء الموافق لثلاثين من رجب سنة ست وثلاثين وستمائة ، وقد كملت مقابلتها بكتاب الأستاذ  أبي الحسن وهو  منتسخ من كتاب الشيخ الفقيـه الأجل الأستاذ النحـوي أبي عبد الله محمد بن  السيد البطليوسي رحمه الله الذي هـو أصله بخط يده وتأليفه في يوم الإثنين الثانـي عشر من شهر رمضان المعظم سنة ست وثلاثين وستمائة.
وقد اعتمـد الأستاذ العراقي الدكتور صلاح مهدي علي الفرطوسي في تحقيقه لهـذا الكتاب على النسختين المذكورين معـا وهو تحقيق موفق مهـد له بدراسة معمقـة جيدة تدل على اعتنائه الكامل بموضوعـه وعلى خبرته بهـذا الجانب اللغوي وعلى ربط ذلك بالدراسات الصوتيـة المعاصرة ويسر لـه رسومـا وجداول وفهارس تحدد جـذور الكلمات المستعملة وتبين مدى ارتباطها بأصول الأصوات.
ومن الأعمـال المشكورة لهذا العالم المحـقق الذي يتولى التدريس بكلية الآداب بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس إهداؤه نسخـة من كتابه إلى خزانـة  القرويين العامرة.
إن نسخة القرويين التي اعتمدهـا المحقق أخـذ صورتها عـن طريق معهد المخطوطات ولم يشر في وصفها إلى الخط الواقـع في ترتيبهـا وإلـى عـدم التنسيق بين أوراقها مـع أن هـذه الإشارة ضروريـة ومفيدة.
إن  من يطلع على مخطوطة القرويين فسيرى أرقاما موضوعة بقلم الرصاص رتبت الكتـاب قبل تفسيره وهي أرقام لا تخلو من استعجال ويستطيع معرفة خطئها من صوابها كل الذيـن يدرسون الكتاب بتأمل.
من ذلك مثــلا:
1) عدم انتهاء الحديث عن مـادة الأمر في آخر الصفحة الرابعة ولا يوجـد تمامها إلا في الصفحة السابعة.
2) الحديث في الصفحتين السادسة والسابعـة عن المواد الآتيـة الأذل والأذن والآصر والإرث والآخـذة مع أن الرقم غير مناسب.
3) الصفحة الواحدة والخمسون تتحدث عن مـواد من حرف الخاء مع أنهـا قد أدمجت مع الحاء.
4) الصفحـة الخامسة والخمسون من الحـاء وهي في غير مكانها.                               
5) الصفحة السابعة والستون من الحـاء، ولكنها أدمجت مع  مـادة الخاء.
6) الصفحة التاسعة والستون من الجيم، ولكنها أدمجت مع الخـاء أيضا.
7) الصفحة الواحدة والسبعون من الحـاء أدمجت مع الخاء وهي في الواقع صالحة لتكون تالية للصفحة الثامنـة والثلاثين.
وهكذا دوليك.
ولعلنا إن شـاء الله سنعمل في المستقبل على إعـادة ترتيب الكتاب وعلى ربط بعضه ببعض ربطـا عاديا.
ومن الأشياء التي لم يعتمدهـا المصحح للكتاب والمحقق له حصر الأعداد الموضوعة إزاء كل مادة،  فما وضعه في المقدمة إنمـا جعله وفق الأرقام التي اختارهـا من بعض المخطوطـات لأوفق ما هو موجود في نسخة القرويين، وليس هناك سبيل على معرفة العدد الذي انتقاه ناسخ الكتـاب نظرا لمحوه من هـذه المخطوطة.
وعلى كل حال فالكتاب بعد إخراجـه في حلته الجديدة اصحب في متنـاول الباحثين مرجعا عاما بعد أن كان في متناول الخواص فقط، وهـذه مهمة يقوم بها الذين يحيون التراث ويساهمون بها في نشـر اللغة العربية وتعبيد طريق المعرفة أمـام المهتمين بالدراسات الإسلامية.
وقـد حاول في تحقيقه أن يشير على مصادر الاستدلالات الشعرية وإلى مصادر الحديث وإلى مواضع الآيات من السور وإلى ذكر القراء وأنواع قراءاتهـم، إلا أنه لم يكـن بالنسبة على هـذه الجزئية الأخيرة ملتزمـا دائما بإرجـاع كل قراءة إلى صاحبهـا مع  أن كبيعة بحث علمي في مستوى ما قام به تقتضي ذلك، فليس من اللائـق أن يكتفي بالإشارة إلى عدد القراءات دون ربطها بمـن وردت ربطها بمن وردت عنهم.
من ذلك مثـلا أنه يقول أثر قول الله تعالـى: (ويقولون هو إذن قـل إذن خير لكم) (ص 323 تعليق 149) الآية من سورة التوبـة 9/61، ,أنه جاء في تفسير القرطبي (ج8، صفحة  192) كونها قرئت بضم الدال وكسرها.
إن مثـل لهذا التعليق لم يضف أي شيء إلـى ما في صلب الكتاب، ولم يجعل القارئ على علم بما وصـل إليه علم القراءات مع أن المعروف في كتب هذا العلم مثل كتاب النشر في القراءات العشر، لابن الجزري،  الجزء الثاني ص 216 أن السكون مرتبط بنافع ، وأن غيره قد رفع ولا يخص ذلك هـذه الآية فقط ، بل هو متصل بكلمة إذن كيفمـا وردت وفي أي سورة كانت.
ومن ذلك إشـارته وهو يتحدث عن  جـذوة مثلثة الجيم بمعنى القطعة من النـار إلى قوله تعالى: (أو جـذوة من النار) في الصحة 413 من الجزء الأول، فقـد ذكر أن هـذه الآية من القصص 28/29، ولم يشر في تعليقه على أنواع القراءات مع أنه جاء في النشر قوله: (واختلفوا في جذوة)، فقرأ عاصم بفتح الجيم وقرأ حمزة وخلف بضمها وقرأ الباقون بكسرها.
وهكذا  كانت طريقته في بعض التعليقات التي لم تكن محددة لأنواع القراءات رغـم الإشارة إليهـا عن طريق تفسير القرطبي بالخصوص، وليس معنى هـذا أنه لم يعلق على بعض الآيـات التعليقات المفيدة، بل إنه في غالب الأحيـان كان سديد الرأي قويم الإشـارة.
ونحن لو قارنـا بين الكتاب في شكله المطبوع وبين النسخة الموجودة بالقرويين لوجدنـا الأصل القروي في غالب الأحيان أكثر سلامـة من النسخة  المطبوعة ولا ندري أيرجـع ذلك لأخطاء مطبعية أو لقصد من المحقق ذاته، والغالب أن  مـا يرتبط بالأخطاء واضح جدا ، أمـا ما يحتمل الشك ، فأمر ينبغي الإشـارة  إليه وذلك مثل أسفت على الشيء أي حزنت من أجله ، ففي نسخة القرويين ( ورقة 16 ظ) بكسر السين وفي النسخة المطبوعـة (ج5 ص 338) كتبت بفتحهـا والكسر اسلم، ومثل كلمة مضلع في قول الشاعـر:
عنـده الحـزم والتقى أوسـى الصد * ع وحمـل لمضلـع الأثقــــال
عنـده في نسخة القرويين ( ورقة 16 ظ) مكسورة اللام وفي الكتاب المطبوع (ج1، ص 338) بفتح اللام وكسر أسلم.
ومثل قوله فأجلوني عوض فاحلوني وذلك عنـد حديثه عن الأجل بالكسر (ورقة 6)، (ج1، ص 325)، فقد جـاء في أصل الكتاب.                       
والآجل بالكسرة غير وجع في العنق ذكره القراء وحكى عن أبي الجراح العقيلي أنه قال بي أجل فأحلوني منه أي داووني منه إذ لا معنى لقوله فأجلوني منه.
وعلى كل حال فإن الكتاب خصوصا بعد طبعه يعد مصدرا أساسيا من مصادر المعرفة اللغويـة لا يستغني عنه القارئ، وأن مؤلفه  وإن  كان قد اعتمد على تسلسل الحروف من حيث مبتدأ الكلمات فهو لم يسر على تسلسلهـا من حيث الثواني والثوالث، والسبب في ذلك راجع إلى أن أمثال هذه الكتب لم  تكن مراجع معجمية فقط بل كانت تحفظ وتستحضر وتستعمل لتحديد معالـم المعاني في مختلف الاتجاهات ولا يستغني عنه حافظ للغة أو دارس للأدب والناظر فيه يحتاج إلى معـرفة الشواهـد وربطها بمصادرها الأولى.
ولعل نظرة موجـزة عن بعض ما ورد فيه تكفي في الاستدلال على أفادتـه ونفعه فهو مثلا في شرح مادة الأمر (ج 1، ص 312) يقول:
والأمر يفتح الهمـزة نقيض النهي والأمر أيضا كل حـدث يحدث وكل قصة تقع، والأمر أيضا مصدر  أمرت الشيء أي كثرتـه قال الله تعالى: ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنـا مترفيها)، (الإسراء 16)،  ومنه قول النبي صلى اله عليه وسلم خير المثـال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة، هـذه وجوه الأمر المستعملة في كلام العرب وجاء في القرآن على معان أخر، ولكنها راجعة على  مـا ذكرناه، فمنها الأمر الـذي يراد به القضاء كقوله: (يدبـر الأمر من السماء إلى الأرض) (السجدة5). قال المفسرون معناه القضاء، وكذلك قالوا في قوله : (ألا له الخلـق والأمر )، (الأعراف 54)،  ومنهـا الأمر الذي يراد به الدين كقـوله: (فتقطعوا أمرهم بينهم) (المومنون53) وقوله تعالى: ( حـتى جاء الحق وظهر أمـر الله) ( التوبة 48)، ومنهـا الأمر الذي يراد به العذاب كقوله تعالى: ( وقال الشيطان لما قضي الأمر) (إبراهيم 22)، قال المفسرون معناه لما وجب العذاب ومنها الأمر الذي يراد به القيامـة كقوله : ( وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله)، ( الحديد 14)، ومنهـا الأمر الذي يراد به الوحـي كقوله: (يتنـزل الامر بينهن) ( الطلاق 12)،  ومنها الأمر الذي يراد به الذنب كقوله تعالى: (فذاقت وبال أمرهـا)، الطلاق 12) أي جزاء ذنبها.
واما بالكسر فهو العجب قال الله تعالى: ( لقد جئت شيـئا أمرا) ( الكهف17).
وأمـا الأمر بضم الهمزة فجمع أمـور من قولهم فلان أمور بالمعروف فهو عن المنكر وأصله أمر (بضم الميم) ثم خفف لتوالي الضمتين كما يقال في رسل رسل قال طرفة:
فضـل أحلامهـم عن جارهــم    رحـب الأذرع بالخيـــر أمـــر
ففي هـذا الشرح وضوح كاف لطريقة عرضه ولكيفية تحليله ولتعرضه للآيـات والأحاديث والأشعار، وبذلك يصبح كتابه ديوان أدب ومجمع لغة ومثار معرفة وموئـل بيان.
ومن الفوائد العارضـة في هذا الكتاب بعض الاستطرادات التي يحتاج إليها الدارس  لأدب الأقدميـن من ذلك مثلا، ذكر أسمـاء الأيام في العصر الجاهلي فقد شـاع بين اللغويين اسم عروبة ليوم الجمعـة وورد ذلك في مختلف  المناسبات، لكن ذ:ر أسماء الأيام الأخرى لم  نعهد في  الكتب المتداولة حسب علمنـا إلا أن البطليوسي تعرض لها حينما كان يشرح كلمة جبـار بضم فقد قال:...  والجبار بالضم الهدر ومنه الحديث جرم العجماء جبار، وقال  الافوه الاودى:
حكم الدهــر علينــا أنـــه    ظلف مـا نــال منـه وجبــار
ويقال ليوم الأحد أول وليوم الإثنين أوهن وأوهـد وليوم الثلاثاء جبار وليوم الأربعاء دبار وللخميس مؤنس للجمعة عروبة وللسبت شبار ، قال الشاعر:
اؤمـل أن أعيـش وان يومــي   بأول او باهــون أو جبــــار
أو التالـي دبـار فان أفتـــه      فمؤنـس أو عروبـة أو  شيــار
وعلى كل حال فالكتاب مفيـد جدا وان الحرص  على بعثه من جديد ليعد بعثـا للحضارة  العربية الإسلاميـة وإحياء لمعالمهـا، وتمهيدا لطريق المعرفـة وتيسيرا لسبر المعانـي اللغوية في حقيقتها ومجازهـا وأن تحمس بعض أساتذة اللغة والأدب لإحياء أمثال هـذه الكتب ليدخل في الأعمـال الإيجابية الهادفـة إلى بعث الثقافة العربية من  جديد وإلى ربط شرقهـا بغربها وشمالها بجنوبها، وليس هناك دليل على ذلك أكبر من هـذا الدليل  الحي الذي جعل باحثا من العراق يعتمـد كتابا مؤلفا في الأندلس مخزنـا في مدينة فاس يجعل من تحقيقه مناسبـة كبرى لربط الماضي بالحاضر، ولربط المسلمين بين أجزاء المعمور بضعهم ببعض فليبارك الله عمله وإنا لتحقيقه كتبا أخرى من هذا القبيل لمنتظرون.

(1) حققه الدكتور صلاح مهدي علي القرطوسي ، أستاذ اللغة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله ، كلية الآداب بفاس، طبعه وزارة الثقافة والإعلام بالجمهورية العراقية ضمن سلسلة كتب التراث عدد11.
(2)  هو أبو علي محمد بن المستنير بن أحمد البصري توفي ببغداد سنة ستة ومائتين (أنظر ترجمته بالجزء التاسع عشر من كتاب معجم الأدباء لياقوت الحموي ص 52).
(3)  الجزء العاشر من معجم المؤلفين لكحالة ص 229.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here