islamaumaroc

مصر والمغرب، خواطر وذكريات.

  محمد العربي الخطابي

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

** دشن المركز  المصري بالرباط موسمه الثقافي لهذه السنة. بمحاضرة قيمة ألقاها الأستاذ محمد العربي الخطابي محافظ الخزانة الحسنية عن العلاقات التاريخية بين المغرب ومصر. واختار لها عنوان: (مصر والمغرب: خواطر وذكريات). ونظرا لأهمية هذه المحاضرة فقد استأذنت (دعوة الحق) الأستاذ المحاضر الفاضل في نشرها تعميما للفائدة، وقد سارع الأستاذ الخطابي مشكورا بالموافقة **

لقـد أكرمني المركز الثفافي المصري بدعوتـي لإلقاء محاضرة في بدايـة موسمـه الحافـل، فقبلت هـذه الدعـوة  مسـرورا رغم نفوري الشـديد مـن المحاضرات وأعبائها الثقيلة على المحاضـر والسامع.
 وقد آثرت أن يكون هذا الذي سألقيه بين يديكم اليوم حديثا لا محاضرة، حديثا ألم فيه خواطري المبعثرة مع ما رسخ في الذهن من أفكار ومعلومات عن صلات مصر الشقيقة بالمغرب، واعترف لكم سلفا أن حظ القلب في هذا الحديث أو فى من نصيب المنهج الذي يفرض الضبط والتسلسل وربط النتائج بالمقدمات.
وما كان لي أن افعل غير ذلك، لأني ـ أولا ـ حريص على ألا أثقل عليكم، وثانيا، لأن مصر ساكنة في صميم قلبي، وأياديها البيضاء تناولتني بالرعاية والتربية والتثقيف منذ حداثة سني.
من محفوظاتي القديمة قول الشاعر:
بــدت في  رداء  الشعر  باسمـة الثغر       فعودتهـا  بالشمـس واللـيل  والفجـر
وقبلتها  مصـر  مصريـة  حلوة  اللمى      أكـرر  فـي  تقبيلها  السكـر  المصري
ويعذلنـي من ليس  يـدري  صبــابتي         فاصـرفه  مـن  حيث  يدري ولا يدري
هذه أبيات لجمال الدين ابن نباتة بلبل مصر الذهبي في القرن الثامن، وهو شاعر موله هام بهذه الأرض الطيبة حبا فافرغ من التغني بها ذوب قلبه وخياله.. رقة لفظ روح وطلاوة نغم.
وابن نباتة يتركنا أمام هذه الأبيات الثلاثة في حيرة من أمرنا بحيث لا ندري هل هو يتغزل في مصر التي أحبها وأحبته، أم أنه مجرد إعجاب بسكر مصر المصفى؟ وهو يزيدنا حيرة، إذ يقول:
مصريـة  تبدي  التصاميــم  إن  روت      لفظـا،  لأن  اللفــظ  منهــا  سكـر
يحلــو إذا  هــي  كررته،  وحسبهـم        بالسكـر المصــري  حيــن  يكـرر
ورغـم هذه الحيرة اللذيذة التي يوقعنا ابـن نباتة فيها فإننا معه نلتمس الحلاوة المصرية حيث التمسها هو وسائر من أحب مصر: في رقة نساء مصر  الأمهات والزوجات والأوانس... في نباهة رجالها وحبهم للحياة ولكل ما هو مرح وجميل في الحياة ... نلتمسها في أهـرام مصـر وأزهرها وقلعتها الأيوبية ... نلتمسها في اسكندرتنهـا وفيومهـا وأسوانها ودمياطهـا وفي وجهيها البحري والقبلي ... وأخيرا في ريادتها المستديمة لقافلة العرب والمسلميـن... كل العرب والمسلمين.
كيف لا وقد جعلها الله في كيان الأمة الإسلامية بمثابة القلب من الجسد، ينبض فيسري وجيبه في الشرايين المشرقية والمغربية يغديها فبنبعـث فيها رواء الحياة.
ومصر لـم تختر الريادة ولم تترام عليها، بل هو قدر سعيد اختاره الله لها فتحملته ناشطة يباركها المنصفون ويدعو لها المحبون بزيادة الخير والرفعة.
وقد كانت مصر ـ قبل عهدها بالإسلام ـ معلمة الدنيا ورافعة دعائم الحضارات ... يكتب ناسها فيكتب بعدهم الناس، ويبني ملوكها فيبني بعدهم الملوك، وينكب فلاحوها الصابرون على الأرض حراثة وريا فتتعلم منهم الأمم.
وفوق أرض مصر كلم الله موسى تكليما وكان قد جعل يوسف على خزائنها فدبر أمورها تدبيرا حدت حذوه الشعوب بعده.
ويبزغ الإسلام فنرى كبير مصر ـ المقوقس ـ يحسن استقبال وفد رسول الله ويرد على خطابه الشريف ردا جميلا ويهاديه، فيمكن لبداية امتزاج الدم المصري بالدم العربي.
ثم تتوالى نعـم الله على مصـر فينتشر فيها الإسلام، وتقام فـوق أرضها المساجد والمعاهد وأربطة الجاهد، ويؤمها الصحابة والتابعون وأهـل العلم... وناهيك بأمثال عمـر بن العاص، وعبد الرحمن بن القاسـم تلميذ الإمام مـالك ومنصف المدونة، وابـن عبد الله بن وهـب، وعبد الله بـن عبد الحكم، وكلاهما من تلاميذ مـالك الذين نقلوا عمله إلى مصـر ومنها انتقل إلى سائر الأمصار، والأخير منهم هو والد ابن عبد الحكم مؤلف كتاب «فتوح مصر وأفريقيا» الذي يعد من أصح المراجع في بابه.
ويشاء الله أن يجمع الإسلام بيـن مصر والمغرب وأن تنعقد بينهما أواصـر لحمتها الدين واللغة والعلم ... أواصر لم تزدد مع الزمن إلا رسوخا، وأقصد بالمغرب الغرب الإسلامي كله حيث ساد المذهب المالكي في الفقه وكان لمصر فضل كبير في إمداد رجاله بأوثق المصادر العلمية التي بقيت عمدة الدارسين والطلاب على مر العصور.
وليس قصدي أن أستعرض بالتفصيل والتدقيق مراحل نمو الصلات الفكرية والعلمية والروحية بين مصر والمغرب، لأني لست بالمؤرخ الموثق الذي تنتظم له الوقائع، وتنضبط في ذاكرته البدايات والنهايات، وإنما هي ـ كما قلت ـ خواطر وذكريات تتزاحم في الذهن والفؤاد وتنساب إلى إيقاع العاطفة والمشاعر رفيقة هنية متناثرة.
وإذا كنت قـد أشرت مـن قبل إلى الفقه المالكي وجعلتـه نقطـة البداية للصلات العلمية بين مصر والمغرب فالاعتقادي أن ذلك كان عاملا رئيسيا في توثيق تلك الصلات لا في ميدان الفقه والحديث وحدهما بل أيضا في ميادين علوم اللغة العربية والعلوم العقلية كالطب والصيدلة والفلك والرياضيات في ميدان التصوف.
إن المذهب المالكي الذي ساد في المغرب سيادة مطلقة وعايش في مصر المذاهب السنية الأخرى في وفاق ووئام، كان من أقوى الأسباب التي بثت الطمأنينة في نفوس علماء المغرب وطلابه وجعلتهم يستشعرون الثقة في أمانة علماء مصـر وضبطهم للأمـور ومجانبتهـم  للأهواء سـواء كانوا مالكين أو من أتباع المذاهب السنية الأخرى. ولم يكن هذا شأن المغاربة وحدهم بل شاركهم نفس الإحساس عدد هام من جلة علماء الأقطـار الإسلامية الأخرى الذيـن شدوا الرحال إلى مصر وأقاموا فيها على الرحب والسعة. ولا سيما بعد تضعضع نفوذ الدولة العباسية،  ويكفي أن نذكر مـن هؤلاء العلماء البارزين: المحدث المسند أبا طاطهر السلفي (توفي عام 576 هـ) والفقيه الصوفي الأديب أبا بكر الطرطوشي الأندلسي (توفي عام 520 هـ) وشيخ الإسـلام تقي الدين بـن تيمية الحراني (توفي عام 728 هـ) وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام (توفي عام 660 هـ) والفيلسوف المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون (توفي عام 808 هـ).
وهنا نقف لحظة لنذكر فضيلة طبعت أخـلاق أهل مصر منـذ أقدم العصور، وهي إكرامهم لكل من يلجأ إلا أرضهم من العلماء وأعلام الفكر والجهاد حيث يجدون في مصر وبين سكناها الملاذ الأمين والرعاية الحانية، ولسنا في حاجة إلى أن نتوغل بعيدا في أغوار التاريخ لالتماس الأمثلة على هذه الفضيلة المصرية العريقة، ونحن نعرف جميعا في العصور الحديثة، عددا من أعلام الفكر والجهاد لجأوا إلى مصر وأقاموا فيها على الرحب والسعة، واحتلوا في قلوب أهلها مكانة أثيرة، ويكفي أن نذكر من هؤلاء جمال الدين الأفغاني والكواكبي ورشيد رضا... وأخيرا البطل المغربي أمير المجاهدين محمد بن عبد الكريم الخطابي، دفين القاهرة في مقبرة الشهداء بها.
أن المظهـر البارز للصلات البارزة والروحية بين مصـر والمغرب قد تجلى أكثر ما تجلى في ارتحال علماء الغرب الإسلامي وطلابه إلى الديار المصرية لتلقي العلم ولقاء العلماء أو للتدريس في معاهدها.
وفي الميدان الروحي الخالص نجد أهل مصر وأهل المغرب يلتقـون حول نهج صوفي واحد، وهو نهج يتسم بميزتين أولاهما الدعوة إلى الله بالحكمة والإحسان والعلم، والثانية التجرد من أطماع الدنيا والجهاد في سبيل الله.
فمن حيث تبادل العلماء والطلاب بين مصر والمغرب يزودنا التاريخ بطائفة من المعلومات التي تشهد بغزارة هذا النوع من الصلات التي مكنت لانتقال العلم بالرواية والسند الصحيح بين علماء المغرب وعلماء مصر، كما أتاحت رواج مئات المصنفات العلمية التي كان عليها مدار التدريس في معظم أقطار العالم الإسلامي، وكانت تنتقل بالرواية المتصلة والسند الصحيح عن مؤلفيها.
ففي القرن الرابع الهجري تذكر كتب التراجم أبا محمد عبد الله بن غالب السبتي الذي رحل من المغرب إلى مصر وكان من جملة شيوخه فيها ابن الوشاء وأبو بكر بن اسماعيل، وقد توفي ابن غالب في سبتة عام 386 هـ.
وفي القرن الرابع أيضا نجد الطبيب والرياضي الفلكي محمد بن عبدون الجبلي يستقر في مصر ويتولى إدارة مستشفاها الكبير في القاهرة ـ كما يخبرنا القاضي صاعد الأندلسي في كتابه «طبقات الأمم».
وفي القـرن الخامس يلمـع في بلادنا اسم ابن عبد الملك مـروان ابن سمجون اللواتي الطنجي الذي قال عنـه تلميذه الجليل القاضي عياض «إنـه زعيم المغـرب وشيخـه وذو الجاه العريض والقول المسموع فيه»، وقد سمع ابن سمجون في مصر علمائها كابن نفيس وابـن عنبر وأبي محمد بن الوليد. وتوفي بطنجة سنة 941 هـ.
وفي القرن الخامس أيضا يختار أحد كبار علماء الغرب الإسلامي الإقامة في الإسكندرية متفرغا
للتعليم والتأليف، وهو أبو بكر محمد بن الوليد القرشي الفهري الطرطوطشي مؤلف كتاب «سراج الملوك» وكتاب «مراقي العارفين»، وقد توفي في الإسكندرية ودفن بها عام 520 هـ.
 ويخبرها القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي المتوفى عام 544 هـ في كتابه «الغنية» أنه كان على صلة علمية بأبي طاهر، محمد السلفي أجل علماء مصر في القرن الخامس مع أنهما لم يلتقيا أبدا، فكان يتبادلان الكتب والرسائل والاجازات العلمية، وحينما ألف القاضي عياض كتابه الجليل «مشارق الأنوار» قال الحافظ ابن الصلاح:
مشـارق أنــوار تبـــدت  بسبتــة * وذا عجــب كــون المشارق  بالغرب
ومن جلة العلماء والأدباء الذين استقروا بمصر في القرنين السادس والسابع وكان لهم ذكر بعيد: الرحالة الأديب محمد بن أحمد بن جبير المتوفى بالإسكندرية عام 614 هـ، والمحدث الأديب أبو الخطاب عمر بن دحية السبتي المتوفى بمصر عام 633 هـ، والفقيه الصوفي المحدث ضياء الدين عيسى بن يحيى السبتي المتوفى بالقاهرة أيضا عام 696 هـ، وهؤلاء الثلاثة أقاموا في مصر بصفة دائمة ودفنوا في تربتها.
وقد خص ابن جبير مصر بقسط كبير من الوصف والتنويه في كتاب رحلته الفريد، وكان من تلامذته الصوفي الحكيم ابن عطاء الله الإسكندري مؤلف الحكم العطائية وشارح رسائل الصوفي الجليل محمد بن ابراهيم الرندي خطيب جامع القرويين بفاس. أما أبو الخطاب عمر بن دحبـة السبتي فقد أسس له السلطان محمد الكامل الأيوبي دار الحديث الكاملية وأسند إليه إدارتها والتدريس فيها. وألف ابن دحبـة في القاهرة كتابه المشهور «المطرب في أشعار أهل المغرب».
وكان ضياء الدين عيسى بن يحيى السبتي أستاذا في المدرسة الظاهرية بالقاهرة، وكان من أبرز تلامذته فيها الإمام الحافظ أبو عبد الله شمس الدين الذهبي، مؤلف «تذكرة الحفاظ».
ويلمـع في مصر في القرن السابع أحد كبار أقطاب التصوف والعلم هو الإمام أبو الحسن علي الشاذلي الحسني، وأصله من غمارة بشـمال المغرب، وهـو الذي قال فيـه سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام: «ان كلامه قريب العهد من الله»، استقر به المقام في مصر، وكان يحضر مجلسه فيها أكابر علمائها كالعز ابن عبد السلام، والحافظ ابن الصلاح وتقي الدين ابن دقيـق العيد،  وكان الشاذلي يلقن العلم في المدرسة الكاملية في القاهـرة، وكان من المجاهدين في سبيـل الله أبلى البلاء الحسن مقاومـة الغارة الفرنسية على مصر في عهد لويس التاسع، وجاهـد في صـف جيوش الظاهـر ببـرس سلطان مصـر، وقـد خلف الشاذلي صوفي آخر مـا تزال ذكراه عاطـرة في مصر إلى الآن، وهـو أبو العباس المرسي دفيـن الاسكندرية.
وفي القرنين السابع والثامـن يتوالى على مصـر المضيافـة طائفة من ألمع رجـال المغرب نكتفي بذكـر ثلاثـة منهم وهم: محمد بن رشيـد السبتي، والقاسم ابن يوسف التجيبي السبتي، وعبد الرحمن ابن خلدون.
وكان ابن رشيـد إمامـا صدرا عالمـا أديبا رحل إلى مصر للسماع من علمائهـا والإفادة منهم، وقد سجل رحلته العلمية في مؤلفه الجليل « ملء العيبة»، حيث ذكـر كبار الشيوخ والعلماء الذيـن لقيهم  في مصر وفي غيرهـا من الأقطار التي زارها، وكان  من تواضعه يجلس لسماع الدروس في معاهـد القاهرة والاسكندرية مع ابنه وابنته في مجلس واحـد.
ولعل من الطريف أن نذكـر حادثة رواها ابن رشيـد في كتابه هذا، وهي ذات دلالـة قوية على ما كان بين مصر والمـغرب من روابط علمية وروحيـة متينة رغم بعد المسافـة وصعوبة المواصلات في ذلك الوقت، قال ابن رشيد في حديثه عن القاهـرة:
«ولقيت بعد صـلاة العصر ... يوم وصولنـا إلى مصر الشيخ الإمـام أبا عبد الله محمـد بن إبراهيم ابن النحاس، أحـد أعلام علماء الديار المصرية، أمام العربية والآداب... »
«وجلست { في المسجد الجامع } وأنـا لا أعرف الشيخ فوجـدته يتكلم في علم العربية فأخذت معهم بطرف مما كانـوا يتكلمون فيه، فالتفت إلي الشيخ فقال: من أين قدومك؟.
قلت: من المغرب.
 فقال: من أي بلاد؟
قلت: من سبتة.
فكان أول ما فاتحنـي به أن قال: أيعيش سيدنا أبو الحسن بن أبي الربيع؟.
قلت: نعم.
فقال:: ذاك شيخنـا افادة بوصول كتباه إلينـا.
ثم قال لي: اقرأت عليه؟
قلت: نعم.
وابن أبي الربيع الذي أشار إليه ابن النحاس واعتبره شيخه ـ مع أنهمـا لم يتلقيـا قط ـ كان إمـام العربية في وقتـه وكان مقيما في موطنه سبتة، ولم يكن من الصعب أن تصل مؤلفاته إلى مصر ومنها كتابه « الكافي في الإفصاح»،  وهو شرح لإيضـاح أبي علي الفارسي.
هذا عن ابن رشد، أما قاسم التجيبي فقد خلف بدوره كتابـا عن رحلته العلمية سماه: «مستفاد الرحلة والاغتراب»، والجزء الذي وصل إلينا منه يتحدث عن مصر ومدنها ومعالمها، ويذكر كبار العلماء الذين سمع منهم وقرا عليهم، ومهم أن دقيق العيد، وابن النحاس، وعبد المومن التوني، وشرف الدين ابن الصيرفي وغيرهم.
ومما قاله التجيبي عن القاهرة في كتابه هذا: «هذه المدينة المحروسة المكلوءة هي الآن قاعدة الديار المصرية وأم مدائنها، ودار امارتها وكرسي مملكتها ... وأمر هذه المدينة عظيم ... ومبانيها مرتفعة رائقة، وهذه المدينة المعزبة حافلة الأسواق، عظيمة التريب، تشتمل من الخلائق على عدد لا يحصيهم إلا خالقهم، وما بلغنا أن في المعمورة مدينة على قدرها.
«وبهذه القاعدة العلمية مارستان عظيم القدر مشهور الذكر يقصر عنه أعظم قصور الملوك، معد للمرضى وذوي العاهات، انتباه الملك الأجل المجاهد قلاوون الصالحي الملقب بالمنصور، عليه أموالا عظيمة، ورتب فيه الأطباء».
أما ابن خلدون فقد فتحت له مصر ذراعيها وولى في القاهرة قضاء المالكية، واقرا في الجامع الأزهر مقدمته الشهيرة، وهو أو معهد علمي سمع طلابه مقدمة ابن خلدون من فم مؤلفها.
وقد أعجب هذا الفيلسوف المؤرخ الكبير بمصر إعجابا صادقا وسجل ذلك بقوله:
«فانتقلت إلى القاهرة أو ذي القعدة سنة 783 هـ فرأيت  حاضرة الدنيا وبستان العالم وإيوان الإسلام وكرسي الملك ... تلوح القصور في جوه، وتزهر الخوانق والمدارس بآفاقه، وتضئ البدور والكواكب من عليانه، قد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ايستقيم النهر والعلل سيحه، ويجني إليهم الثمرات والخيرات نجه، ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم. وما زلنا نحدث عن هذا البلد مداه في العمران  واتساع الأحوال. ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا، حاجرهم، بالحديث عنه، وسألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس وكبير العلماء بالمغرب أبا عبد الله المقري فقلت له: كيف هذه القاهرة؟ فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام، وسألت شيخنا أبا العباس بن ادريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال: كأنما انطلق أهله من الحساب يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب. وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجي السلطان أبي عنان بعد تأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم سنة ست وخمسين وسبعمائة وسأله عن القاهرة فقال: أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: «إن الذي يتخيله الإنسان فإنما يراه دون الصورة التي تخيلها لاتساع الخيال عن كل محسوس إلا القاهرة فإنها أوسع من كل ما يتخيل فيها».
هـذا وأمر محمـد اللواني الطنجي المشهور بابن بطوطـة معروف، ولسنا في حاجـة إلى التنبيه على ما خص به مصر من وصف بالإعجاب في رحلته الفردية التي كتبت في القرن الثامن الهجري. ولسنا في حاجة إلى التعريف بمعروف.
إلا أننا ما دمنا بصدد ذكر بعض الانطباعات التي خلفتها مصر في نفوس زائريها والمقيمين بها من أعلام الغرب الإسلامي فإننا ننتقل إلى القرن العاشر لنجد محمد بن الحسن الوزان الفاسي ـ ليون الإفريقي ـ يسجل لنا ملاحظاته عن مصر التي زارها أكثر من مرة. والوزان هذا ـ كما نعرف ـ في طليعة الجغرافيين والرحالة العالميين ـ  كتب مؤلفه «وصف إفريقيا» باللغة اللاتينية، وإليكم بعض ما قاله عن القاهرة:
« من المشهور أن القاهرة من أكبر مدن العالم وأكثرها رونقا وبهاء ... وهي محاطة بأسوار حصينة وجميلة مع أبواب بمدينة الصنع مصفحة بالحديد ... وهي مجهزة بما يحتاج إليه من الصناع والتجار الذين ينتشرون بصفة خاصة في شارع يمتد من باب النصر إلى باب زويلة، وفي هذا الحي يقيم معظم سراة القاهرة ووجهائها، وفيه مدارس رائعة بحجمها وجمال عمارتها، وفيه مساجد فسيحة الأرجاء وجميلة جدا. وفي القاهرة مستشفى كبير بناه الظاهر بيبرس من سلاطين المماليك، وهو من الاتساع بحيث يمكن أن يستقبل كل المرضى الذين يجدون فيه كامل العناية والرعاية الطبية والأدوية ... ولهذا المستشفى إيراد يبلغ مائة ألف أشرفي.
« وفي وسط النيل،قٌبالة المدينة القديمة جزيرة تدعى المقياس لوجود آلة فيها تستعمل لقياس فيضان النيل الذي يتوقف عليه رخاء مصر، والعمل بهذه الآلة لا يخطئ وقد اخترعها المصريون القدماء.
«وأهل القاهرة على جانب كبير من اللطف والمرح... وهم يزاولون النجارة والصناعة وكثير منهم يتجهون إلى دراسة علوم الشريعة، ومنهم من يهتم بالآداب.
«وهل القاهرة ذوو هندام حسن... ويغلب البذخ والترف على نسائهم، ويظهر في أزيائهن وحليهن... وهن يتمتعن بكثير من الحرية».
إننا لا نستطيع في هذا الحديث أن نلم بما وصلت إليه الصلات الفكرية والعلمية والروحية بين مصر والمغرب في العصور التي تلت القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجري، وهو ما سجلته لنا كتب الرحلات والتراحم العديدة وهي تحفل بأسماء جلة العلماء ونبهاء الطلاب الـذين أقاموا في مصر وتعلموا فيها، لو كانت لهم مناظرات مع علمائها، وأننا نكتفي في هذا الصدد بالتنويه بكتاب قيم صدر حديثا بعنوان: «تاريخ العلاقات المغربية المصرية منذ مطلع العصور الحديثة حتى عام 1912» وهو كتاب اشترك في تألفيه أستاذان أحدهما مصري هو الدكتور يونان لبيب رزق أستاذا بجامعة عين شمس، والآخر مغربي هو محمد مزين أستاذ بجامعة فاس، وهذا في حد ذاته برهان على الرغبة الصادقة الدائمة في التعاون بين أهل مصر والمغرب ... وهذا الكتاب جدير بالقراءة، وهو مرجع لن يستغنى عنه الدارسون والباحثون.
ومع ذلك فإنني أسمح لنفسي بإضافة شئ لم أجد له ذكرا في هذا المؤلف النفيس، وهو أن الشيخ محمد بن الحسين ابن العطار الذي تولى مشيخة الأزهر الشريف عام 1246، كان من أهل المغرب، وكان أبوه عطارا في القاهرة، ونبغ في العلوم الشرعية واكب على دراسة العلوم العصرية كالفلك والهندسة والجغرافيا واتصل بعلماء الحملة الفرنسية فتعلم لغتهم وأتقنها، وقد ذكره المؤرخ المصري الجبرتي، وقبل توليه مشيخة الأزهر اسندت إليه جريدة «الوقائع المصرية» فرأس تحريرها ودعا إلى إدخال العلوم الحديثة وبعث التراث العربي، ومنه تلقى العالم المصلح رفاعة الطهطاوي.
لا يخفى على أحد أن عهـد النهضة الحديثة في تاريخ العـرب والمسلمين إنما يبدأ ـ باتفاق الجميع ـ من ظهور تباشير التجديد والانبعاث في الديار المصرية على إثر الحملة الفرنسية على مصر وفي ولاية محمد علي الكبير عليها منذ عام 1220 هـ، ففي عهـده كثر إنشاء المصانـع والمـدارس، وأسست في القاهرة  في بـولاق مطبعة كان لها عميـق الأثر في إحياء التراث العربي الإسلامي وإنشاء الجرائد وتشجيع حركة النشر، وراسلت البعوث العلمية للدراسة في المعاهد الأوربية، وبذلك أصبحت مصر مثالا يحتدى في الانفتاح على حضارة العصر، والرغبة في مقاومة المد الاستعماري الأوروبي.
وكان المستنيرون من أهل المغرب يتتبعون أخبار بزوغ النهضة في مصر ويتقفون آثارها، وحينما اعتلى عرش المملكة السلطان مولاي الحسن الأول عام 1290هـ/1859 م عقد العزم على إصلاح البلاد في ميادين التعليم والصناعة والجيش فأوفد عددا من البعوث الطلابية إلى أرويا  للتخصص في مختلف فروع العلم والتكنولوجيا، وأوفد في نفس الوقت بعثة إلى مصر للدراسة في معاهدها العلمية الجديدة، وكان من نوابغ هؤلاء الطلاب السيد عبد السلام بن محمد العلمي، خريج مدرسة الطب في القاهرة، وهي أول مدرسة عصرية من نوعها، والعلمي هذا ألف بعد رجوعه إلى المغرب عدة كتب قيمة، منها رسالة في علاج البواسير، ومعجم طبي طريف، وأرجوزة في علم التشريح، فضلا عن كتاب المقدمة في علم الحساب.
وإلى جانب البعثات العلمية إلى مصر أولى المسؤولون في المغرب اهتماما كبيرا بالطباعة، فأنشئت في فاس أول مطبعة حجرية في القرن التاسع عشر الميلادي، وفي عهد السلطان مولاي عبد العزيز كلف معتمد الدولة المغربية في القاهرة السيد محمد بن قاسم الحلو بالإشراف على طبع عدد من الكتب في المطابع المصرية كمطبعة بولاق والمطبعة العامرة الشرقية وغيرهما، وبهذا أمكن طبع العديد من أمهات الكتب كبداية المجتهد لأبي الوليد ابن رشد، وشرح الشيخ ميارة على تحفة الحكام، ومشارق الأنوار للقاضي الحافظ عياض اليحصبي السبتي، وكتاب المتنقى للإمام أبي الوليد سليمان الباجي.
وفي أوائل هذا القرن تعبأت الصحافة المصرية للتشهير بالمؤامرات الأوربية على استقلال المملكة المغربية تمهيدا لفرض الحماية عليها، وكان المعتمد السلطاني في القاهرة دائب النشاط بزود قادة مصر ورجال الصحافة فيها بتفاصيل المؤامرات مع رأي المسؤولين المغاربة ومواقفهم تجاهها، وكانت الحكومة في التي تتوصل بانتظام بما تنشره الصحف المصرية عن المغرب.
وحينما انتهت فصول المؤامرة إلى إعلان الحماية الفرنسية والإسبانية على المملكة المغربية اندلعت الثورة المسلحة في المغرب على الاحتلال العسكري الأجنبي وخاض الشعب غمار الحرب والمقاومة بقيادة زعمائه وفي طليعتهم البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي ألحق الهزيمة بالجيش الإسباني في الشمال ثم واجه الجيوش الفرنسية بقيادة المارشال بيتان، وفي أثناء ذلك وقفت مصر في صف جرب التحرير المغربية وتعبا رجالها وصحفها ا لذلك. وهذا ما فعلته مصر حينما قرر الاستعمار الفرنسي تنفيذ مخطط ما سماه بالظهير البربري، وكانت القاهرة مركز النشاط العـربي الإسلامي المبدول لفضح أهداف السياسة الفرنسية العنصرية والتشهير بها. وتجـدون في الكتاب القيم الذي صـدره الأستاذ الفاضل الحسن بوعياد عددا كبيرا من الوثائق التي تضامن مصر مـع الشعب المغربي في محنته التي أعقبت الشروع في تطبيق الظهير البربري.
وفي المجال الثقافي فتحت مصر معاهدها وجامعاتها لطلاب المغرب الذين بدأوا يتقاطرون عليها في الثلاثينات، وخصصت الحكومة المصرية لكثير من هؤلاء الطلاب منحا دراسية، وانطلقت من مدينة تطوان، خاصة، بعثات من الطلاب بفضل الجهود التي بذلها الأستاذ العـلامة الشيخ محمـد المكي الناصري، والأستاذ المرحوم عبد الخالق الطريس، وأسس الأول في القاهـرة بيت المغرب ومكتب التبادل الثقافي الذي ساهم في أعماله مشاهير أعلام الفكر والأدب في مصر أمثال أحمد أمين وعبـد الله عثمان وعبد الهادي أبو ريدة وغيرهـم، ونشر هـذا المكتب عددا من المؤلفات القيمـة منها أزهار الرياض للمقري، والحضارة العربية في القـرن الرابع الهجري لآدم مقر ترجمة أبـو ريدة، وتاريخ الدولة المرابطيـة لأشباح ترجمة عبد الله عنان.
وبعد هذا وذاك وفدت على تطوان بعثات من الأساتذة المصريين الجامعيين للتدريس في معاهد هذه المدينة والمساهمة في إحياء نشاطها الثقافي، وكان من حسن حظي أن تابعت دراستي الثانوية في معهد مولاي المهدي وقبله في معهد مولاي الحسن، وكان من أساتذتي فيهما نخبة من رجال مصر في مختلف التخصصات، ومن أساتذتي فيهما حسين أمين بيكار ـ مد الله في عمره ـ وهو اليوم من أعلام الفنانين المرموقين في مصر وفي جميع أقطار العالم العربي.
ولست في حاجة إلى التذكير بما قدمته مصر وما زالت تقدمه للمغرب من مساعدة قيمة في مجال الكتب الدراسية وفي تنمية جامعتنا وكلياتنا العلمية والأدبية بما تمدها به من أساتذة وكتب ومراجع علمية.
وحاصل القول أن مصـر حاضـرة في حياتنا العلمية والأدبية والفنيـة حضورا بارزا لا يعـد له غيره، ورغبتنا في توسيـع آفاق التعاون الأخـوي معها لا تـزداد إلا قوة وصدقا، وهي رغبة مشتركة بيننا وبينها.
أن الصلات الروحية والفكرية والعلمية بين مصر والمغرب أبعد وأرحب من أن يضبطها التعداد أو أن يقيدها الإحصاء، وإنما هي كمياه بحر النيل الدافئة تنساب ممدودة الذراعين تنشد الخصب والخضرة اليانعة.
ونحن إذ نفخر بهذه الصلات المثلى ـ كما كان أجدادنا يفخرون ـ فإننا نطمح دوما إلى تعميق أسبابها وآثارها، ولسنا نبالي بالظروف العارضة التي تنسج حولها الأقاويل كما تنسج خيوط العنكبوت في زاوية البيت المهجور، ذلك أن ما لمه الله لا يمكن للأيدي العابثة أن تنثره.
وقد جاء في الأثر: «مصر كنانة الله، فمن أرادها بسوء قصمه الله».
فليحفظ الله شعب مصر وكل حبة رمل وورقة شجر فيها، فهي في أفئدتنا قبل أن تكون على ألستنا، وهي مفخرة العرب وعز المسلمين ... كذلك كانت وكذلك ستبقى، كيف لا وقد ذكرها الله في كتابه العزيز بأحسن ما تذكر به الأمصار، وجعلها دار أمن وأمان فقال تعالى: (ادخلوا مصر إنشاء الله آمنين) وقال: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبله وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين).
ومكان مصر لذلك في الصدر، والصدر فيه القلوب، والقلوب أصدق أنباء من كل البيانات السياسية والمزايدات الكلامية «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».
وكما بدأنا هذه الخواطر بالشعر فإننا نختمها بأبيات لحافظ ابراهيم قالها على لسان مصر:
 
فترابـي  تبـر، ونهـري  فـــرات          وسمائـي  مصقــولة كالفـــــرند
أينمــا  ســرت  جـدول  عند  كرم،       عنــد  زهــر  مدنـر،  وعنـد  رند
أنـا  إن  قــدر  الإلـــــه  مماتي          لاتــرى الشــرق برفـع الرأس بعدي
مــــا رمانـي  رام وراح  سليمــا         مــن  قديــم  عنايــة  الله جنـدي

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here