islamaumaroc

رسالة إلى محتسب.

  محمد الحلوي

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

بإعادة الاعتبار إلى نظام الحسبة يكون المغرب قد استرجع أسلوبا من أقوم الأساليب التي عرفتها المجتمعات الإسلامية والتي ازدهرت فيه قبل الحماية ولم تفقد مكانتها إلا بحلول المراقبة البلدية محلها، والذي يدرس تاريخ الحسبة في المغرب لا يسعه إلا الإعجاب بالأعلام البارزة التي شغلت هذه الوظيفة وأهلتهم لها كفاءتهم الخلقية والدينية، فاستطاعوا أن يوفروا للناس سلما اجتماعيا أمن فيه بعضهم احتيال بعض وأمنت معه أموالهم من الابتزاز وصحتهم من الاعتلال والاهتزاز... ومن الطريف أن تسوقني المصادفة، وأنا اقرأ عن لسان الدين ابن الخطيب الأندلسي، إلى رسالة كتبها إلى صديق له يهنئه بالحسبة ويهيب به إلى التزام الحق والجد في ما أسند إليه، وكأنما يوجهها إلى كل الذين يضطلعون بعبء هذه المسؤولية ويتحملون ثقل هذه الأمانة.
كان الصديق المحتسب هو محمد بن قاسم المالقي، ترجم له في الإحاطة فنوه بمناقبه وأثنى على مثاليته ونزاهته، فهو كما وصفه جملة جمال، من خط حسن، واضطلاع بكتاب الله ، وهو بلبل السبع المثاني، نسيج وحده في حسن الصوت وطيب النغمة، عذب الفكاهة، طريف المجالسة، وهو مع نزاهته واستقامته متسور حمي الوقار، ملب واعي الانبساط... ثم يقول لسان الدين في التمهيد لرسالته: أنه كتبها إليه مداعبا لا يقصده بنقايضها، وإنما يشير بذلك إلى أضداده من المحتسبين الذين لا يقدرون هذه الخطة قدرها، ولا يعرفون خطرها، ويتخلص إلى كتابة الرسالة، فيبدأها هكذا:
يا أيها المحتسب الجــزل        ومن لديه الجد والهزل
يهنيك والشكر لمولى للورى     ولاية ليس لها عـزل
كتبت أيها المحتسب، المنتمي إلى النزاهة، المنتسب أهنيك ببلوغ تمنيك وأحذرك من طمع نفس بالغرور تمنيك، فكأني بك وقد طافت بركابك الباعة ولزم أمرك السمع والطاعة، وارتفعت في مصانعتك الطماعة، وأخذت أهل الريب كما تقوم الساعة، ونهضت تقعد وتقيم، وسطوتك الريح العقيم، وبين يديك القسطاس المستقيم، فإن غضضت طرفك أمنت عن الولاية صرفك، وإن ملأت ظرفك رحلت عنها حرفك، وإن كففت فيها كفك حفك العز فيمن حفك، فكن لقالي(1) المجبنة قاليا، ولحوت السلة ساليا، وأبد لدقيق الحواري زهد حواري، وازهد في ما بأيدي الناس من العواري ، وسر في اجتناب الحلو على السبيل السواء، وارفض في الشواء لا دواعي الأهواء، وكن على الهراس وصاحب ثريد الرأس شديد بالمرأس، وثب على طبيخ الأعراس ليلا مرهوب الأفراس، وأدب أطفال الفسوق في السوق، سيما من كان قبل البلوغ والبسوق، وصمم على استخراج الحقوق، والناس أصناف، فمنهم خسيس يطمع منك في أكلة، ومستعد عليك بوكزة أو ركلة، وحاسد في مطية تركب وعطية تسكب، فاخفض للحاسد جناحك، وسدد إلى حربه رماحك، وأشبع الخنسيس منهم مرقة، فإنه جنق، ودس له فيها عظما لعله يختنق، واحفر لشريرهم حفرة عميقة، فإنه العدو حقيقة، حتى إذا حصل وعلمت أن وقت الانتصار قد اتصل، فأوقع وأوجع ولا ترجع، وأولياءه من السياطين فافجع، والحق أقوى، وأن تعفوا أقرب للتقوى، سددك الله إلى غرض التوفيق، وأعلقك من الحق بالسبب الوثيق، وجعل قدومك مقرونا برخص اللحم والزيت والدقيق هـ).
تلك هي الرسالة والتهنئة التي كتبها لسان الدين لصديقه المحتسب، وكأنما يكتبها لكل الأجيال المتعاقبة، وهي إلى ما فيها من فنية وجمالية تطبع كل ما كتبه ابن الخطيب في معلمة ودستور يستضاء به، ووثيقة تاريخية تحدد آفاق هذه الخطة في الأندلس ومجالها وترسم الخطوط الواضحة لطبيعتها،،، ويبدو واضحا أن ابن الخطيب يقدر جسامة المهمة التي اضطلع بها صديقه، لذا فهو يشفق عليه خوف أن ينحرف مع التيار وتطوح به الأهواء، ويحذره من المزالق التي تزل فيها أقدام الرجال،،، ويحمل لسان الدين اختصاصات المحتسب في مجالات ثلاثة: مراقبة المواد الغذائية ونصرة المظلوم واستخراج الحقوق، وحماية الأخلاق والآداب العامة ابتداء بالأطفال في السوق، ثم هو يحاول أن يساعد صديقه أكثر فيصنف له الناس أصنافا ثلاثة يتفاوتون في خطورتهم على المجتمع ومدى ما يلحقون به من أضرار، فهناك الخسيس الذي لا يهتم إلا ببطنه، والحاسد الذي يخلق لك المتاعب، والشرير الذي يتعدى ضرره إلى المجتمع، وهو العدو حقيقة الذي يجب أن يحفر له حفرة عميقة، وأما من عداه فالعفو عنه أقرب للتقوى.
ويختم ابن الخطيب رسالته متمنيا لصديقه أن يكون طالع يمن وبشير خير، يعم في ولايته الرخاء ويسود الأمن والهناء، وذلك كل ما يعلق على المحتسب النزيه من آمال، فإنه لا شيء يصلح الملح إذا ما فسد الملح!.

(1) المجبنة: طعام يصنع من الجبن، والقالي الأول من قلي اللحم، والثاني المبغص.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here