islamaumaroc

من أعلام المحدثين البارزين بالمغرب الكبير: أبو محمد عبد الحق الإشبيلي الأزدي.

  عبد الهادي الحسيسن

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

إن الحركة الفكرية في العصر الموحدي، تمتاز بكثرة العلوم المتعددة الجوانب، من: لغة وأدب وتفسير، وخصوصا في عهـد الخليفة يعقوب المنصور(580-595هـ/ 1159-1198م) الذي يعد واسطـة عند ملوك الموحدين، « ونجم بني عبد المومن، على حد تعبير لسان الدين ابن الخطيب».
تعد فترة المنصور من أخصب الفترات العلمية في بلاد المغرب الكبير، فلم يكن ميدان من ميادين الإنتاج العلمي، إلا واشتهر فيه علمـاء أجلاء، تركوا لنا تراثا فخمـا، وتآليف مفيدة جليلة.
لقد ازدهر في عهد يعقوب المنصور، علم الحديث النبوي الشريف، الذي قدمـه على كتب الفروع في المذهب المالكي: ويرجع ذلك إلى استدعائه لعلمـاء الحديث إلى عاصمته مراكش سنـة: 585هـ/1189م، لنشره بها،  ومـا قدمه لهم من تشجيعات مادية ومعنويـة، وما يناه لهم من مدرسة في مكان فسيخ، وما هيأه لهـم من مكان آخر، يدعـى «ببيت الطلبة»(1)  الذي كـان مخصصا لكبار العلماء، وفيـه امتحن المحدث أبو عمر ابن عات النفزي الشاطبـي ( ت سنة 608هـ/1212م) ، في كتاب صحيح الإمـام مسلم(2) وكان يعقوب المنصور نفسه يحضـر هاتـه الدروس الحديثية، ويختـار لها أكبر عالم في الحديث، أمثال: أبي محمد عبـد الله الحجوي (ت سنة 591هـ/1194م) وابـن الصيقل التلمساني (ت سنة 598هـ / 1201م) ، وابن القطان الفاسي، (ت سنة 628هـ/ 1230م)(3) ، ثم هو أمرهـم بالتأليف في مادة الحديث وعلومه، فهو بنفسه ألف  في الصلاة» (4) وكان يمليـه على الناس ويأخـذهم بحفظه، ويقـدم لهم الهدايا على ذلك(5).
يقول الرحالـة السرخشي(6):«وقد صنف يعقوب كتابا جمـع في صنوف أحاديث صحاح سماه«الترغيب».
أفادت  هاته الحركـة الحديثية من الوجهـة العامة فائدة عظمى، حيث جعلت الفقهاء المالكيين آنذاك يقللون، من الإكباب على النظر في علم الفروع المجرد، وينصرفون إلى دراسة الفقه في أصله الرئيسي: الكتاب، والسنة، فظهر الاشتغال بعلم التفسير والحديث، وعكف العلمـاء على تفهمهمـا ودراستهمـا دراسة علمية صحيحة.
وعلى إثر هاته الحركـة الحديثية، نبغ عـدد من العلماء الكبار في الحديث النبوي الشريف وغيره، وأصبح الفقيـه المالكي المغربي حرا من القيـود التي كانت تجعله يثور لأقل بادرة من الخـروج عن القواعـد المتعارفة في كتب الفروع الفقهيـة، فصار يجتهد لنفسه، ويستنبط مباشرة من كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، شأن العلماء الذيـن لهم القدرة على الاستنباط والاجتهاد.
ومن أعظهم قدرا في هـذا الشأن، ومكانـة مرموقة عبد الحق الإشبيلي صاحب كتاب: « الأحكام الشرعية» في الحديث.

نشأتـــه: 
هو أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي ، يعرف بابن الخراط، محـدث حافظ، فقيه،  خطيب ، شاعر، مشارك.
ولد سنة : 510هـ/ 1116م، تلقى العلم أولا ببلده إشبيليـة عن جلة علمائها وكبار شيوخها، أمثال المحدث الكبير أبي الحسن ابن شريح، وأبي حفص عمر بن أيوب،  وطاهـر بن عطية المري، وأبي بكر ابن مديد، وطارق بن موسى، وغيرهم.
أخذ بالخصوص عن المحدث الشهير، أحمد بن عبد الملك الأنصاري تـ سنة (549هـ/ 1154م)  الذي فاق أهل عصره في الحديث وعلومه، حتى كان يقال عنه: ابن معين وقته، وبخاري زمانه»، ألف في السنن كتابـه الكبير المسمى: «المنتخب المنتقى»، الذي جمـع فيه مفترى الصحيح من الحديث الواقع في المصنفات والمستندات(7).
لقد لازم عبد الحـق الإشبيلي، هـذا المحدث الكبير الأنصاري، وعليه تخرج، ومنـه استنتج طريقه في تأليف كتب الحديث في الأحكام الشرعية،  وحذا حذوها.
على إثر الواقعـة النكراء التي حلت «بلبلية» قـرب مدينة إشبيلية سنة (549هـ/ 1154م) زمن الموحدين، التي ذهب ضحيتهـا جمهرة من العلمـاء الأفذاء، خرج عـدد كبير من الأشبيليين فارين بحياتهـم لما أصابهم من احتلال الموحديـن بلادهم، فمن بينهم عالمنـا عبد الحق، الذي قصـد الديار المقدسة من أجل تأديـة فريضة الحج، والمجاورة  هناك، ولكن الأقـدار عاقته عن هاتـه الأمنية، فحل بمدينة بجايـة بالجزائر واتخذها موطنا له ودارا لسكناه، بعد الخمسين وخمسمائة، من الهجرة(8).
يقول ابن الأبـار في كتابه: «التكملة» (9) : «نـزل عبد الحق بجاية عند الفتنـة الواقعة بالأندلس، عنـد انقراض الدولـة اللمتونيـة، نشر بها علمه وصنف، تولى الخطبـة والصلاة بجامعهـا،  وكان فقيها حافظـا عالما بالحديث وعلله، عارفـا بالرجال، موصوفـا بالخير والصلاح،  والزهـد والورع ولـزوم السنة مشاركا في الأدب وقول الشعر».
تفرغ عبد الحـق لنشر العلم وتدريسه ببجايـة، فبعث بها نهضـة علمية ذات أثر كبير جعلت من هاته المدينة صلة الوصـل في الثقافـة بين المغرب والمشرق.

موقف عبد الحـق من مهدوية الموحدين:
كان عبد الحق الإشبيلي من العلماء الأجلاء الأتقياء المخلصيـن، لا تأخذهم في الله لومـة لائم اعتبر دعوة المهـدي ابن تومرت، زعيم الموحديـن بدعة ظهرت في الدين لا يحل لمسلم أن يرضاهـا عقيدة له، وكم سعى الموحدون في اكتساب رضاه، واستمالته إليهم، فعرضوا عليـه خطة القضاء والخطبـة بمدينة بجاية، فرفض التعاون معهـم، لأنهم يقولون بعصمة المهدي ابن تومرت، التي ليس لها أساس ، وإنمـا هي دعوى مجردة للاستيلاء على عقول الناس، وفضـل أن يتعامل مع ابن غانية اللمتوني  أحـد أمراء المرابطين، لما استرد مدينة بجاية من قبضة الموحديـن، فأصبح له قاضيا وخطيبا(10).
بقي عبد الحق في هاته المهمـة التي أسندت إليه من طرف ابن غانية إلى أن قضـى الموحدون على جيشه وأخرجـوه من المدينة، وقبضوا على المتعاونين معه، منهـم صاحبنـا عبد الحق الإشبيلي الذي أحنق عليه الخليفـة يعقوب المنصور الموحدي، ورام سفك دمـه، فعصمه الله منه، وتوفاه حتف أنفه وفوق فراشـه(11). 

تآليفــــه:
فعبد الحق يعد مـن المكثرين في التآليـف ، إذ صنف عدة كتب في الحديث وغيره، منها:
1) الجمع بين الصحيحين في مجلدين(12)
2) كتاب المعتل في الحديث.
3) وكتاب المرشد، ضمنه حديث مسلم كله، ومـا زاد البخاري على مسلم، وضاف على ذلك أحاديث حسانـا وصحاحا  من كتاب أبي داوود، والنسائي، والترمذي وما جـاء في كتاب الموطأ، مما ليس في البخـاري ومسلم، وهو أكبـر ممن صحيح مسلم.
4) وكتاب الجامع الكبير في الحديث جمع فيـه أحاديث الكتب الستة وأضاف إليـه كثيرا من مسند البراز وغيره.
5) وكتاب التوبة في سفرين.
6) ومعجزات الرسول عليه السلام في سفر.
7) وكتاب العاقبـة في الزهد(13).
8) وكتاب تلقين الوليـد في الحديث(14).
9) وكتاب الأنيس في الأمثال والمواعـظ والحكم والآداب من كلام الرسول عليه السلام.
10) وكتاب مختصر الكفايـة في علم الرواية.
11) وكتاب فضل الحج والزيارة.
12) وكتاب المنير.
13) وكتاب الرقـائق.
14) وكتاب الرشاطي في الأنساب من القبائل والبلاد،  وهو في سفرين.
15) وكتاب الحافل في اللغـة، ضاهـى به  كتاب «القرويين»  لهروى يقع في 17 سفـرا (15)
16)  وله كتاب مهم في الفقه المالكي، تعقب فيه على كتـاب « التهذيب» لبراذعي، انتقـد عليه أشياء كثيرة أحالهـا على معناهـا(16).
ومن أهـم الكتب الحديثية التي ألفها عبد الحق الإشبيلي.
17) « الأحكام الشرعية»، وهي كبرى، ووسطـى، وصغرى التي عرف واشتهر بها بين المحدثين، فانتشرت في جميع الأقطار الإسلامية، وكثر تداولها بين العلماء.
تقع «الأحكام الكبرى»، في ست مجلدات ضخام استقاهـا عبد الحق من كتب الأحاديث الصحاح.
وأحاديثها مسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم(17).
أمـا «الأحكـام الوسطى»، فتقع في مجلديـن، قـال: تاج الدين السبكي في كتابه: «شفـاء السقـام»(18).
وهي المشهورة اليوم بالكبرى، وان سكوته عن الحديث دليل على صحته فيمـا نعلم.
«والأحكام الصغرى» وتعرف أيضا «بمختصر الأحكـام الشرعية «تقـع في مجلد متوسط الحجم، وهي في لوازم الشرع والنهـي وأحكامه وحلالـه وحرامه، في ضروب الترغيب والترهيب، وذكر الثواب، والعقاب» .
أخرجها عبد الحق من الكتب الستة، ومن الموطـأ، ومن كتب الأحاديث الأخرى الصحيحة، فتخيرهـا صحيحة الإسناد، معروفـة عند النقاد من المحدثين الكبار، وهي محذوفـة الأسانيد.(19)
شرح هاته «الأحكام الصغرى»، القاضي محمد ابن علي الصنهاجي (تـ سنة 663هـ) في كتاب سماه، الأعلام بفوائـد الأحكام، لعبد الحـق الإشبيلي (20)،  كمـا شرحها أبو  محمـد عبد العزيز بن بزيزة التونسي (تـ: سنة 663هـ)، ثم تعقبهـا كذلك ابن دقيق العيد المصري (ت سنة 702).
يقول ابن رشيـد المحدث السبتي(تـ سنة 721هـ)(21):«ولشيخنـا الحافظ ابن دقيق العيد، املاء على مقدمـة كتاب: « الأحكام الصغرى»، لابن محمـد عبد الحق.
وشرحهـا كذلك، أبو عبد الله محمد بن مرزوق الخطيب التلمساني (ت سنة 781هـ)، ومحمد بن القاسم القصار القاسمي من أهل القرن العاشر الهجري.
و«الأحكام الصغرى»، هاته، كانت تدرس من بعض شيوخ العلم بمدينة سبتة وغيها من المـدن المغربية(22).
جاء في تذييل ابـن سعيـد على «رسالة المفاضلة»، لابن حـزم(23):  وكتاب الأحكام لأبي محمد عبد الحـق الإشبيلي، مشهـور متداول القراءة، وهي أحكـام كبرى، وأحكـام صغـرى، وقيـل ووسطى.
وابن عربي الحاتمـي الصوفي (ت سنة 638هـ ـ 1240م)، لما تكلم عن المجيزين له من شيوخـه، خص من بينهم عبد الحق الشبيلي، فقـال(24).     
ومن شيوخنـا الأندلسيين، أبـو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيلي، حدثنـا بجميع مصنفاته مـن الحديث، وعين لي من أسمـائها:
«تلقين المهتدي» و«الأحكـام الكبرى» و«الوسطـى» و«الصغرى»،  وكتاب: «التهجـد» وكتاب«العافية» ونظمه ونثره.
ومما ورد في كلام أبي عربي الحاتمي، قال: شيخنـا أبو مدين عنه(25): كـان الشيخ أبو محمد عبد الحق الإشبيلي مجال الحافظ، زين العلماء، عناد الروايـة، رأس المحدثين، وقـد وافاه ببجاية، وأقر لـه بالصدق في طريق الحق.
وعلى هـذا، فكتاب: « الأحكام الشرعية»، هـي الكبرى(26) والوسطـى(27) والصغرى(28): وهي موجودة مخطوطـة كلها.
و« الأحكام الوسطى» هي التي عقـب عليها حافظ المغرب ابن القطـان الفاسي (ت 628هـ) في كتاب سماه: «بيان الوهم والإيهام»(29).
وهاته الكتب الحديثية العديـدة، ألفهـا عبد الحق الإشبيلي في زمـان الموحدين الذين ألزموا العلماء بالاجتهاد، والعمل بالكتاب الكريم، والسنة المطهرة النبويـة الشريفة.
ولقد سبق عبد الحق إلى هـذا الصنيع، أستاذه أحمد بن عبد الملك الأنصاري، فحظي عبد الحق بالإقبال على «أحكامـه»، دون كتب شيخه،  كمـا أنه استعد من كتاب: «الأحكام»، لأبي القاسم الزيدوني، وزاد عليه في العلل، وقال: « وعلى كتاب مسلم في الصحيح عولت، ومنه أكثر ما نقلت»(30).

مكانـة عبد الحق العلمية:
ومكانة عبد الحق الإشبيلي العلمية لا تخفى على كبار العلماء، فقد اعتمده الحفاظ المحدثون النقـاد في التعديل والتجريح، ومدحـوه بذلك، كالحافظ الذهبي (ت سنة 748هـ)، والحافظ ابـن حجر العسقلانـي (تـ سنة 852هـ)، كما اعتمده الفقهاء الكبار، أمثال ابن الحاجب ، والشيخ خليل وابن عرفة، وغيرهم كثير، لأن عبد الحق إذا سكت عن الحديث، فإنه لا يسكت إلا على الصحيح والحسن(31).
قال الفقيه ابن عبد السلام(32): ومـواد الاجتهاد في زماننـا أيسر مـن زمان المتقدميـن، ولـو أراد الله بنـا الهداية: لأن كتب الأحاديث والتفاسيـر دونت، وكـان الرجل يرحل في سمـاع الحديث الواحد.
ولقد عقب الفقيه ابن عرفة التونسي على هـذا الكلام بقوله:(33) ، ومـا أشار ابن عبد السلام من يسر الاجتهاد، يساعـد عليه مثل قراءة، «الجزوليـة»، في النحو، والكتب الفقهيـة، والاطلاع على أحاديث «الأحكـام الكبرى» لعبد الحق،  ونحو ذلك يكفيـه آلة الاجتهاد، مع الاطـلاع على فهم مشكل اللغة»، «بمختصر العين»، و «صحاح الجوهري»، ونحو ذلك  من غريب الحديث، سيما مع نظـر ابن القطان، وتحقيقه أحاديث الأحكام.
وكثيرا ما يذكـر ابن عرفة فـي« مختصره» الفقيه المحدث، ويعني به عبد الحق الإشبيلي في كتابه: «الأحكام»، ويقول عقبة، ولم يعقب ابن القطان، أو تعقبـه، والله أعلم وأحكم.

صنيـع عبد الحق في كتابه «الأحكام»:
وهـذا نموذج من صنيع عبد الحق الإشبيلي في كتابه «الأحكام»(34):«باب الإيمان».
قال ابن عمـر: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم، إذ طلع علينـا رجل شدبد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منـا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستنـد ركبتيه إلى ركبتيه، وضع كفيـه على فخديـه، وقال يا محمـد، أخبرني عن الإسلام، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن  محمدا رسول الله وتقيـم الصلاة، وتوتي الزكاة، وتصـوم رمضان، وتحج البيت أن استطعت إليه سبيلا، قال صدقت، فعجبنـا له يسأله ويعرفه الحديث إلخ...
قال عبد الحـق في تعليقه على هـذا الحديث(35): وذكر هـذا الحديث أبو جعفر العقيل من طريق عبد العزيز بن اليارود، عن علقمـة بن فرند، عن سليمـان بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال فيه:
فما شرائع الإسلام؟  قال: تقيم الصلاة، وتوتي الزكـاة، الحديث.
قال العقيلي: كـذا قال، شرائع الإسلام، وتابعه على هـذه اللفظة أبو حنيفة.
وجراح بن الضحاك قال: وهؤلاء مرجئـة، لم يزد على هـذا، وعبد العزيز ثقـة مشهورة في الحديث متعبد، إنمـا كان صاحب رأي.

وفـاة عبد الحق:
اختلف المؤرخون، في السنة التي توفى فيهـا، فمنهم من يقول: إنه توفى سنة 581هـ (36)، وفريق آخـر يقـول أنه توفي سنة 582هـ، ومنهم الفقيه الغبريني الذي ألـف لعلمـاء بجاية لهذا العهد كتابه: «عنوان الدراية».
يقول الغربيني:«وكان تاريخ وفـاة عبد الحق مكتوبـا في رخامـة عند قبره الذي يوجـد خارج باب المرسى ببجاية، وتوفي بها أواخـر ربيع الثاني من عام اثنين وثمانين وخمسمائة (582).
هـذا هو عبد الحق الازدي الإشبيلي المحدث الكبير، صاحب التآليف الحديثية المقيـدة العديدة وغيرها، الذي عـاش عمره كله قارئـا باحثا  منقبا،  محققـا، انتهت حياته الثقافيـة، وهو على قمة مجد علمي بعد عمر مديـد يزيـد على سبعين سنة، رحمه الله.
وبعد، فهـذه نظرة عجلـى عن علم من أعلامنـا الأجـلاء في الحديث، عبد الحق الإشبيلي محدث المغرب الكبير، وقد اقتضيت فيه القول اقتضـابا،  ومثله لا تكفي فيه هاته العجالة السريعـة، وإنمـا هو يحتاج على دراسة أعمق من مستوى الرسائل والأطروحات الجامعية. 
ومـا كتاب «الأحكام الشرعية» ـ كبرى ـ ووسطى، وصغرى وغيرهـا إلا شاهـدة على هـذا العمل المثمر الجاد، الذي نوه به علماء الإسلام شرقا وغربـا، كالحافـظ الذهبي، وأبي حجر العسقلانـي، وأبي دقيق العيد المصري وابن القطان الفاسي، وغريهم كثير.
وما دار الحديث الحسنية التي أنشأها ملك المغرب الهمام، الحسن الثاني حفظه الله، والتي تعد سنة من حسناته، إلا لهاته الغاية النبيلـة الدراسة مثل هـذا التراث القيم،  الذي خلفه لنا سلفنا  الصالح، لمواصلة سير الحضـارة الفكرية الأصليـة ولربط حاضرنا بماضينا.
ودار الحديث الحسنية، ما هـي إلا امتداد علمي أصيل «لبيت الطلبة»، دار الحديث الحسنية المنصورية، الذي أنشـأه يعقوب المنصور الموحدي بعاصمته مراكش آنذاك لنفس الغايـة والهدف الأسمى.
وإذا كان « بيت الطلبة»، استقطبت عـددا كبيرا من العلماء، شرقا وغربا، كالسرخسي، والسهيلي، صاحب كتاب :« الروض الانف» والحجري، وأبي القطان، وسواهم، فإن دار الحديث الحسنية،  هي بدورهـا سارت على هـذا المنوال ،  وهاته الغاية النبيلة.
وإذا  كان « بيت الطلبة»، خلف لنا تآليف عديدة مفيـدة في جل الميادين العلمية، تذكرها المعاجم والفهارس وكتب التاريخ، وان قدرا منها يوجـد لحد الساعة محفوظا في المكتبات العامـة والخاصة، ينتظر إخراجه ودراسته من طرف المثقفيـن الأكفاء، إن  دار الحـديث الحسنية، هي كذلك أعطت أكلها، رغم فترة يسيـرة على إنشائها، وما ذلك إلا للعمـل المتواصل  مـن طلابهـا وخريجيها، وها هي آثارهـم تشهد بهذا.
فكم من رسائل وأطروحات جامعية في مختلف المواضيع العلمية، من تفسير، وحديث، وفقه، وأصول، وتاريخ، ومواضيـع اجتماعية وغيرها نوقشت برحابها من طرف كبار العلماء، والأساتذة.
وبعض الرسائل ـ والحمد لله ـ شاهـد النور، حيث طبع بواسطة وزارة الأوقـاف والشؤون الإسلامية، التي تشكـر على هـذا المجهود، وأكثر هـاته الرسائل ما زالت مرقونـة بدار الحديث الحسنية تنتظر الطبع، كمـا أن عددا آخر موقوفـا ينتظر المناقشة ـ يسر الله مناقشتها وطبعها ـ ليستفيد منها الخاص والعـام، وحتى يكون مستقبل هاتـه الأمة المجيدة، امتدادا لماضيها المشرق بكل مـا يحمل ذلك الماضي المغربي المسلم، من إيجابيات وعطاءات، ومـا دار الحسنية، إلا من تلك العطاءات الإيجابية، أمـد الله في عمرها وحفظها، وجزى الله العاملين المخلصين إنه لا يضيع أجر من أحسن عملا.

(1)  كلمة «طالب » كانت في العهد الموحدي تفيد أعلى رتبة علمية، ورئيس الطلبة أو كاتم «مزوار» كان يجلب  بها أكبر عالم زمانـه مثل أبي القطان الفاسي المحدث الكبير، ت سنة 628هـ وأبي جعفر الذهبي ت سنة 610هـ الذي كان مزوارا للطبة، كان مـزوار للأطباء في آن  واحد،  وما زالت كلمة (مزوار) تطلق الآن ، بالمغرب على المتولي أمر الشرفاء المنتسبيـن إلى فرعه، أنظر: «مظاهـر النهضة الحديثة»، ج 1، ص 227 لصاحب المقال.
وكلمة حـافظ لم يبق لها مدلولهـا العلمي لدى علماء الحديث وكبار الفقهـاء في العهد الموحدي، وإنمـا صارت تطلق على صغار  الطلبة، وعلى المبتدئين منهم في العلم، وعلى بعض من يحفظ بعض كتب المهدي ابن تومرت،  وأحيانـا كانت تطلق على بعض رجال الدولة الموحديـة المقدمين على الأعمـال لحفظها وصيانتها، أنظر كتاب تاريخ ( المـن بالامـامة)  لابن صاحب الصلاة تحقيق عبد الهادي التازي ص 93-94.
(2)  أنظر  عنوان الدراية للفبريني، ص: 161 ط الجزائرـ ومظاهر النهضة الحديثية لصاحب المقال، ج2، ص: 13، ص: 238.
(3)  أنظر: « مظاهر النهضة الحديثية في عهد في عهد يعقوب المنصور الموحدي»، ج2، ص: 93.
(4)  مخطوط بالخزانة الملكية بالرباط تحت رقم 6478. 
(5)  انظر المعجب ص : 500، دار الكتاب 1978.
(6)  نفح الطيب ج3، ص 102، تحقيق د. إحسان عباس.
(7)  أنظر: «الذيـل والتكملة»، لابن عبد الملك المراكشي، تحقيق، د. محمد ابن شريفة، السفر الأول: القسم الأول ص: 265، والسفر الرابع، ص: 149.
(8)  أنظر: عنوان الدراية للفنرنين، تحقيق عادل نو يهض ص: 41-44،  وكتاب عصر المنصور الموحدي، لمحمد ملين، ص 66
(9)  547، ص: 1805، ط مدريـد.
(10)  أنظر: عنوان الدراية للفيرني، ص: 20، وعصر المنور الموحدي لملين ص 68.
(11)  المعجب لعبد الواحد المراكشي، ص: 321، ط دار الكتاب 1978.
(12)  يوجـد بخزانة مراكش، قسم المخطوطات  تحت رقم : 70، ويوجـد الجزء الأخير بخزانة القرويين بفاس.، (ق 189).
(13)  موجود بالخزانة الملكية بالرباط، تحت رقم: 1551.
(14)  نشره الأستـاذ عبد الله  كنون في مجلة:  « لسان الدين»، التي كانت تصدر بتطوان حوالي ثلاثين سنة.
(15)  أنظر «التكملة»، لابن الأبار ، ص: 548، وحسب رواية « الديباج المذهب»، يقع في 25 سفـرا، أنظر، ص 175.
(16)  أنظر شجرة النور الزكية، ص 501، ع 270، والفكر السامي للفقيه الحجوي، ص 61، ج4، جل هاته الكتب ذكرها صاحب الديباج المذهب ص 175.
(17)  لقد ورد في كتاب: «الرسالة المستطرفة»، للشيخ محمد بن جعفر الكتاني، ص 178، ط3، أن الحافظ أبي القطان الفاسي، وضع على الأحكام الكبرى «لعبد الحق الإشبيلي» كتابه: بيان الوهم والإيهام، وهذا خطأ، بـل إن أبي القطان وقف على: «الأحكام الوسطى » ولبقية البحث، أنظر مظاهـر النهضة الحديثية لصاحب البحث ج2، ص: 99 ومـا بعدها.
(18)  الرسالة المستطرفة ص : 179.
(19) نفس المصدر والرقم.
(20)  عنوان الدراية ص 128.
(21)  رحلة ابن رشـد ،ج3، مصورة بمكتبة مولاي الحسن بتطوان.
(22)  انظر برنامج أبي القاسم التجيبي السبتي، ص: 151،  تحقيق عبد الحفيظ منصور ط، الدار العربية للكتاب 1981، يقول التجيبي: «سمعت طائفة من هـذا الكتاب »، الأحكام الصغرى، تفقهـا على العلامـة أبي الحسن القرشي، وسمعت أيضا يسيرا من علي أبي  محمد الجزيري.
(23) نفح الطيب، ج 3، ص: 180، تحقيق، د. إحسان عباس.
(24)  نفس المصدر، ج2، ص 164.
(25)  عنوان الدراية للفبرني، ص 42.
(26)  توجـد بدار الكتب المصرية بقسم المخطوطات، عدد  هاته ينقصها مجلدان، الثالث والرابع،  وتوجـد كذلك بالمكتبة الظاهرية بدمشق، رقم 291 (0 ـ أ)، أنظر فهرس المخطوطات الظاهرية بدمشق، 1970.
(27)  تحت رقم: 235، الخزانة الملكية بالرباط،
(28)  تحت رقم: 5380 ـ 5682، بالخزانة الملكية بالرباط.
(29)  يقع في مجلدين، والموجود من المجلد الأول بخزانة القرويين بفاس تحت رقم : 1068،  وهو من حبس والدة السلطان  محمد المنصور الذهبي السعدي، (ت 1012هـ)، والمجلد الثالث يوجـد بدار الكتب المصرية بالقاهرة.  
(30)  مخطوط تحت رقم: 235، بالخزانـة الملكية، والأجزاء الأربعة الموجودة من الأحكام بمكتبة مراكش الآن مصورة كلها بالخزانة الملكية بالرباط.
(31)  الرسالة المستطرفة، ص : 179.
(32)  أنظر التعليق في الأحكام عبد الحق، رقم:235، مخطوط الخزانة الملكية بالرابط، وهذا التعليق منقول من شرح ابن الحاجب في «باب الصفاء».
(33)  نفس المصدر.
(34)  كتاب «الاحكام»، باب الإيمان،  مخطوط الخزانة الملكية بالرباط، رقم: 235 ص: 4، ونسخة أخرى تحت رقم: 5682.
(35)  نفس المصدر.
(36)  ابن الأبار في «التكملة»، ص 598، وصاحب الديباج المذهب، ص 175، وصاحب شجرة النور الزكية، ص 155.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here