islamaumaroc

الضرائب المالية المفروضة على وسائل الإنتاج لصالح الطبقة المحتاجة.

  علال الهاشمي الخياري

العدد 233 ربيع 1 1404/ دجنبر 1983

أولا: مفهوم الطبقة المحتاجـة:
يهدف النظام المالي في الإسلام إلى تحقيـق العدل الاقتصادي والاجتماعي في مجال توزيع ثمار الإنتاج، ولذلك فقد نظر الإسلام إلى أن المجتمع متكون من ثلاث فئات:
ـ فئة تملك وسيلة إنتاج المالية، وهي: الأرض ورأس المال.
ـ فئة تملك وسيلة الإنتاج المعنوية وهي العمل.
ـ فئة ثالثة لا تملك أيـة وسيلة للإنتاج ، لا ماديـة، ولا  معنوية، وهي الطبقة الفقيرة المحتاجة التي أصيب أفرادها بمرض جسدي أو عقلي أو كانوا عاجزين عجزا ماديا عن المشاركـة في الحياة الاجتماعية، وولوج باب العمل والكسب.
وقـد روى ابن حزم من طريق سعيد بن منصور أن عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: «إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهـم فإن جاعوا، أو عروا، أو جهدوا، فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه»(1).
والإسلام في تشريعه الاقتصادي لم يهمل هـذه الطبقة المحتاجة، بل جعل لها نصيبها في توزيع الثروة الاجتماعية فرضه على الذيـن يملكون وسائل الإنتاج وخصصه فقط لصاحبها، قصد النهوض بمستواها، وتقديم ما تحتاجه من الخدمات الاجتماعية، وبذلك يتفوق التشريع الإسلامي على التشريـع الوضعي بشقيه: الرأسمالي والشيوعي، إذ  المذهب الرأسمالي المبني على الحريات الديمقراطية لا يخص بتشريعاته إلا الطبقة التي تملك وسائل إنتاج، وكذلك المذهب الشيوعـي لا يصب اهتماماته إلا على الصراع الطبقي بين من يملكون وسيلة الإنتاج المادية أو المعنوية، قصد تأجيج نار الحقد والبغضاء بينهم، أمـا الطبقة المحتاجة العاجزة فيسكت عنها كـل من النظامين الرأسمالي والشيوعـي على السواء.
وفي هذا الضوء يتجلى لنا سمو التشريع الاقتصادي الإسلامي الذي يقيـم تعادلية اقتصادية واجتماعية بين مـن يملك وسيلة الإنتاج المادية والمعنويـة، وبين من لا يملك شيئا سوى حاجته واضطراره ورقة حاله، ولذلك، قال بعض  الفقهاء المعاصرين: إن الحاجـة تعتبر وسيلة من وسائل توزيـع الثروة في الإسلام(2).
وبهذا التقرير نكون قد وصلنـا على نتيجة ذات أهميـة وهي أن الإسلام حين فرض ضرائب مالية على وسائل الإنتاج: الأرض، ورأس المال، والعمـل، لم يكن ينظر في ذلك إلى مصلحـة الفئة المحتاجـة فقط، بل إلى تحقيق المجتمع الإسلامي يعيش في تكافل اجتماعي، وتتعاون وتراحم بين أفراده ليكونوا كالبنيان المرصوص، كالجسـد الواحد، حتى لا تشعر فئة بمن واستعلاء، وتشعر فئـة أخرى بمذلة ومسكنـة وقهر، لأن  من أعطـى فقد استجاب لنداء ربه، ومن أخـذ فقد أخذ ما قسمه له ربـه الذي لم يحرم من خيرات وطنه وإنتاج مجتمعه.

ثانيا: نصيب الطبقـة المحتاجة من توزيع الثروة:
 والتشريع الإسلامي لم يترك قضيـة توزيع ثمـار الإنتاج كما مهملا، بل تناولها بالبيان والتفصيل والتحديد، فقـد فرض قدرا معلوما محددا على وسائل الإنتاج إذا بلغ إنتاجها النصاب، وهذا النصاب يختلف باختلاف أصنافها وأنواعها.
ـ وهكذا فرض الإسلام قدرا معلومـا سنويا أو موسميا على إنتاج الأراضي الزراعيـة والثروة الحيوانيـة أو المعدنيـة، والركـاز والعقارات التجارية آو السكنيـة ذات الدخـل، ويسمى هـذا القدر المعلوم بالنسبة للمسلم (زكـاة) وبالنسبة للمستوطن الذمي غير المسلم (جزية) مثل الذمي في أداء هذه الضريبة الوظيفيـة مثل المستثمر الأجنبي الذي دخـل بإذن، واختار أن تستغرق إقامتـه عندنـا أكثر من سنة، وهي الفترة التي تمثل الحد الأدنى لواجب أداء هذه الضريبـة الوظيفية(3).
كما فرض أيضا هـذا القدر المعلوم على إنتاج رأس المال التجاري والصناعي، إذا بلغ النصاب، ويسمى هـذا القدر المعلوم بالنسبـة للمسلم (زكاة) وبالنسبة للذمي (عشر التجارات) إذا كـان ينتقل بتجارته من بلد إلى بلد، ولا يختلف الذمي عن المستثمر الأجنبي إلا في شيء يسير، ليس هنـا محل بسطه.
ـ ويتعلق النظر الآن بالعمـل، لأنه ينقسم في  النظرة الإسلامية إلى قسمين:
عمـل مأجور، وعمل اقتصادي ، فالعمل المأجـور الذي يمارسه العمـال والموظفون في مقابل أجرة معلومة، لا تفرض على إنتاجـه أية ضريبة مالية، بخلاف العمـل الاقتصادي الذي يمارسه المزارع والمقارض اللذان لا يملكان سوى عملهمـا المبذول في مقابل ربح منتظر، يستحقانه بعد إجـراء العملية الإنتاجية، وانتهاء الدورة الاقتصادية ضمن الشركات الزراعيـة والتجارية، فهذا النوع من العمل تفرض على إنتاجه ضريبـة مالية تختلف باختلاف مجال الإنتاج ، ولا يعفى من هـذه الضريبة على الإنتاج أي عمل اقتصادي بدعوى أن مـا حصل عليه من ربح إنمـا كان تغطية للنفقات اليوميـة، قبل أن يحصل  في آخـر المطاف على هـذا الربح المنتظر لأن المفروض في المساهـم في الشركـات بعمله فقط، إنه يبذل فائض العمل.

ثالثا: مصرف هـذه الضرائب بين الاستهلاك والاستثمـار:
ولكن، أين تصرف هـذه الضرائب المالية المفروضـة على وسائل الإنتاج والتي تجتبيهـا الدولـة من المنتجين المسلمين، وأهل الذمـة والمستثمريـن الأجانب على السواء؟ إنها تصرف لصالح الفئة المحتاجة من المسلمين والذميين(4) جميعا، كالأيتام، والمواليد (5)، والأرامل، والعجزة، والمرضى، وكل من كان به عجز جسدي أو عقلي ، ومثل الإنفاق عليهم بناء المستشفيات والملاجئ الخاصة بهم.
وتدل الآثار الواردة في شأن صرف هـذه الأموال، أننا نبتدئ بأهل الحي والجيران أولا، ثم سكان
المدينة والقرية، ولا ننتقـل من مدينة إلى مدينـة أو قطر إلى قطر، إلا باجتهاد من ولي الأمر، أو عندمـا يستغني أهل الحي، أو تكـون هناك حالة طارئة أو نزول كارثة، حينئـذ تصبح البدايـة بالناحية المتضررة أدعـى إلى التضامن الاجتماعي.
وإذا كانت هـذه الضرائب المالية مخصصة بحكم القرآن لصالح الفئـة المحتاجـة، فينبغي أن نخرج عن هـذا التوجيه الشرعي، بحيث لا يجـوز لنا صرفهـا في تغطية النفقات العامة، أو في تجهيز المشاريع الإنمائية ذات المصلحة العمومية، كبناء القناطر وتعبيد الطرق، إذ أن  هناك أموال أخرى مخصصة لمثل هـذه المشاريع كأموال الخراج، والضرائب التي من حـق القطاع العام أن يفرضهـا على فروع الاقتصاد وأنواع الاستغلالات، بالإضافـة إلى استثمار واستغلال أملاك الدولة، وما يحكم الإسلام بملكيته الجماعية كأراضي الخراج، والثروات الطبيعية مـن  معادن ومناجم، وغابات وشواطئ وغير ذلك.
ويوحي تحليلنـا السابق أن الضرائب المالية المفروضـة على وسائل الإنتاج كالزكوات، وعشر التجارات، والضريبـة الوظيفيـة، وإن  كانت كلها مخصصة لصالح الفئة المحتاجـة، حسب توجيه النظام المالي في الإسلام، لا أنـه يجوز لنا مع ذلك أن  نخصص جزءا منها، وندفعـه إلى مـن يستثمره، كصندوق الإيداع والتدبير، أو بعض المستثمريـن الأكفاء الذين تعوزهـم رؤوس الأموال لسبب مـن الأسباب ، بشرط أن يصرف ما ينتج من أرباح لصالح الفئـة المحتاجة وحدها، وهـذا يبعدنـا من فهم أن هـذه الأموال، إنمـا هي مخصصة للاستهلاك فقط، إذ يجـوز لنا أيضا القيام بإنجاز مشاريع إنمائية خاصة بالأحياء الفقيرة كفتح طريق، أو تشييد مستشفى وتجهيزه بالآلات والأدوية، أو بناء مدرسة أو مركز لصالح الفئـة المحتاجة.

رابعا: التطبيق العملي بين الأمس واليوم:
   وعبر العالم الإسلامي، فقد استطاعت هـذه الضرائب المالية، بمساعدة الأوقاف الخيرية، أن تقوم بمهمـة تمويل مشاريع التكافل الاجتماعي، وإرضاء الحاجـات الضروريـة والتقديرية للمستضعفين الطيـن تقطعت بهم الأسباب، ولا يجـدون وسيلة للكسب ولا يهتدون سبيلا، ولم يشعر المسلمون بالحاجـة إلى ابتكـار طرق ملتوية كاليانصيب مثلا، قصد سد الثغرات في هـذا المجال.

خامسا: نموذج من المغرب:
هـذه صورة من صور النظـام المالي في الإسلام، حاولت أن أرسم ملامحهـا الأولية، ومظاهرهـا البارزة دون الدخـول في تفصيل مسائلها، واستعراض جزئياتها، وعسى أن يهدي الله الأمة الإسلامية، فتعود إلى العمل بمقتضى هـذا النظام المالي الإسلامي الذي كـان معمولا به في المغرب إلى حدود السنوات الأولى من هـذا القرن،  ولعل ما يثلج الصدر فـي هذا الصدد أن أجهزة وسائل الإعلام كانت تردد خـلال السنة المنصرمة إنه بأمر من صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله، وبإرشاد منه، فلقد نظمت مباراة علمية، ذات جوائـز مهمة، في موضوع موارد الزكاة ومصارفها، ثـم قرأنا بعد ذلك أن من بيـن القضايا التي ستعرض على أنظار المجلس الأعلى للمجالس العلمية الإقليميـة قضية الزكـاة وتنظيمها، وكل ذلك علامـات على الطريق، وعودة إلى التفكيـر في إحياء العمل بهـذا النظام المالي الإسلامي في ضوء الصحوة الإسلامية وما ستحققه من إنجازات في مستقبل الأيام بمشيئـة الله وحسن عونه، إنه ولي التوفيق.

(1)  راجع المحلي لابن حزم، ج6، ص 156ـ 158، وأيضا العدالة الاجتماعية سيد قطب، ص 124.
(2)  الأستاذ محمد باقر الصدر في كتابه «اقتصادنا»
(3)  المبسوط للسرخي، ج:10، ص 88، وما بعدهـا، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين ، ج3، ص 249.، والأموال لأبي عبيد، ص: 336.
(4)  والدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى شيخـا ضريرا، يبدو عليه أنه ذمي، فسأله: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال يهودي، فأعطاه عمر لما عنده، وأرسل على خازن المال، وقال له: أنظر هذا وضرب إلا( أمثاله) فوالله ما أنصفنـا الرجل أن أكلنا شبيبته ثم نخذ له عند الهرم ( إنمـا الصدقات للفقراء والمساكين)، وهـذا من المساكين أنظر الخراج، لابن يوسف ص : 126.
(5)  وقد فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكل مولود في الإسلام من بيت المال، على غرار ما نفعله اليوم مع الموظفين فقط

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here