islamaumaroc

الدوافع الأساسية لميلاد التعليم الحر

  أحمد معنينو

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

الجهاد القومي ضد الاستعمار الفكري:
الكل يعرف أن تاريخ الأمـة المغربية عبر تاريخها المديد كله بطولات، بل هـو الذرع الواقية، التي تكسرت عليه مراحـل التاريخ القديم والحديث،  وإن الحمـلات العسكرية، والاعتداءات الصليبية ، الوافـدة من أوربا قابلهـا المغاربـة بما يجب تبعـا للمثل القائل : لا يفل الحديد إلا الحديد، ولقـد أصيب المغيرون بنكسات وهزائم متعـددة، رغم الفارق في الأسلحـة والتنظيم الحديث، لأن المغاربة كانوا يدافعـون عن حق مقدس، والأجنبي المغير يحاول اختطاف الشعوب ومسخها وازدرادهـا ! لكن قلعـة المغرب الشامخ، وقفت في وجهـه المغتصبيـن وكيدتهم الخسائر تلو الخسائر.
وأمـام هذا الصمود أدرك المستعمر أن مقومـات الشعب المغربي الروحية والوطنيـة هي السر الكامن في قوتـه وثباته،  لذلك نراه غير الخطط ، وعمل على التسرب لدواخل الشعب ومعتقداته،  ومقوماته الخلقية والعلميـة والدينية ، فأحضـر طوابير من العملاء والدخـلاء والمتعاونين ليعملوا جميعـا على قتل الروح القوميـة والثقافيـة العربية والنخوة الإسلامية ببث أفكـار التشكيك أو المسيحيـة أو الإلحاد في صفوف الشباب والأولاد الذين هـم ذخيرة الشعوب، وعمـده في الملمـات، كل هـذه النماذج ظهرت في ميدان المدرسـة الحكومية بشتى أنحاء المغرب،  فرنسية ، إسبانيـة إلى تعداد مكرها وخزيها، فالتاريـخ الحق سجله على أصحابـه بالخزي ، نعم برز المغرب أوائـل القرن العشرين قلعـة صامـدة أمام العدو الأجنبـي، وفي سنة 1912 حلت النكبـة بفرض الحماية البغيـضة ، بل بسبب التفوق في استعمال أدوات التدمير والتخريب والأسلحـة الفتاكـة، وأن المجال لا يسمح لنا ببعض البرامـج التي اختطها دهاقنـة الاستعمار البغيض، قصد محو الشخصيـة المغربية العربية الإسلامية.
غير أن طوائـف رجال التفكير المغاربـة، أخذت تستعـد لوقف الغارة من الجانب الفكري، فشرعـت تنشئ المدارس الحـرة أو الثكنات العسكرية الفكـرية لكفاح المستعمر في لغته وعاداته وأخلاقه وميوعته ومسخه.
لأن مخطط الاستعمـار لم يكن خافيا على فئـات الشعب المغربي الذي لن يسمح ولم يسمح أو يتنازل عـن قيمه ومثله العليا، ومقوماتـه الروحية لأن هـذه القيم والأخلاق واللغـة والدين هي أسس كيان الدولـة المغربية منذ عهد إدريس الأكبـر حتى يوم الناس هي روح الأمة المغربية المسلمة.
وهنـا يجمل بنا أن نأتي ببعض أقوال علمـاء الإسلام ورجـال الفكـر النير في الموضوع، فهـذا العالم الاجتماعي والمكافح الفيلسوف السلفـي جمال الدين الأفغانـي رحمه الله يقول من سـداد نظرياتـه السلفية: إن أخطـر ما تستعمله الأمم الأجنبية في الشرق أي بلاد الإسـلام، العمل على إضعاف اللغة القوميـة ، وقتل التعليم القومـي والتنفير من أداب الأمم الشرقيـة لتحل محلها لغتها وآدابهـا، مع أنه لا جامعـة لقوم لا لسـان لهم، ولا لسان لقوم لا أدب لهم، ولا عز لقوم لا تاريـخ لهم، فيعمل عملهم وينسـج على منوالهم.
وهـذا قول عالم مسلم ، وشيـخ عظيـم، الشيخ الذائـع الصيت في العالـم الإسلامي الشيخ النبهانـي رحمه الله يقول: في كتيب ألفـه وطبعه ونشره تحت  عنوان كـذا، كـذا  الحياري في تحذير أبناء المسلمين من مـدارس النصارى لأنـه عاش الأحداث ، واطلع على المكايـد والمصائد التي نصبت في مدارس لبنان، وأمام هـذه الأفكار الهادفة والعمل على إنقاذ الأمة وشبابها من هـذا المسخ المحقق شرع في افتتاح المدرسـة الحـرة بالمغرب.
وللتاريخ السجـل أن أول مدرسة حرة أسست لهذه الغايـة الساميـة هي المدرسة المعطوية برباط الفتح، تحت إدارة ومسؤوليـة الأستاذ أبي الشعور السلفـي الشهير ج محمد اليماني الناصـري دفين البقيـع الشريف سنة  1919 بالضبط ولا تزال هـذه المؤسسـة الحرة الكريمة تؤدي رسالتهـا حتى اليوم  وعقبهـا مباشرة فتحت مدرسـة حرة ثانيـة بدرب والزهراء، الزاوية الحراقيـة برئاسـته أيضا،  كمـا أسس في نفس التاريخ مدرسة حرة ثانيـة بالبيضاء عن الإسـم الكريم للمتطـوع بها وسنة  1920 تأسست مدرسـة حرة بالزاويـة الكتانيـة بالرباط  تحت إدارة الخطيب المصقـع الأستاذ الصديق الشدادي رحمه الله ثم تبعتهـا مدرسة أخرى تحت إدارة وإشـراف العلامة الرغاي، ومن هذه المؤسسة الحـرة الأولى تخرج الفوج الأول مـن رجال الوطنية ، كالشيخ محمـد المكي الناصري، والأستاذ أحمد بلافريج، والأستاذ محمـد الرشيد ملين  وغريهـم كثير، وفي سنة 1921، بلك ضبط فتحت أول مدرسة حـرة بمدينة سلا بحي درب لعلو، جوار زاويـة سيدي  الهاشمي  الطالب بإدارة لعلامـة زين  العابدين بن عبود، والعلامـة شيخ الجماعـة سيدي أحمد بن عبد النبي ومنها تخرجـت الأفواج الأولى للوطنيين كأخينـا محمد حصـار وأخينـا حجي وغيرهم كثير، وتطـوع لها مسلـم غيور بـدار من دوره حبسهـا، فأصبحت مدرسـة حرة بمنزل قار، هـذا المسلم الكريـم أحمد الصابونجـي القيم على صنع السكة العزيزية ، والدار لا تزال تحتاج اليوم  للترميـم والإصـلاح لتؤدي رسالتهـا التاريخية. وهنـا أسر وأهمس في أذن وزارة الأحبـاس والشؤون الإسلامية لتقوم بإصلاحهـا وترميمهـا مشكورة وعقبها تأسست بمدينـة سلا أيضا مدرسة تحت إدارة العلامـة محمد بن حسايـن النجار بحومـة باب سبتة ومدرسة حرة ثالثة تحت إدارة العلامـة ج. العربي العباد بدرب بن شعبان.
كمـا أعلم أنه في سنة 1923 تأسست بفاس مدرسة حرة تحت إدارة شيخ الجماعـة العلامـة بن محمد بن عبد الرحمـن العراقي مدرسة حرة ثانيـة بالزاوية الناصريـة تحت إدارة أخينـا الأستاذ محمد غازي رحم الله الجميع.
وتأسست المدرسة الأهلية بتطوان تحت إدارة أخينـا العلامـة  محمد داود سنة 1924 أطال الله حياته.
هـذه المؤسسات الحرة التـي ذكرت هي التـي حصلت على تاريخ تأسيسها وأسماء مؤسسيهـا، وذكرتها بالاسم واللقب والعين، ومن الممكن، وغير بعيد أن غيرها من المؤسسات الأولى بالمغرب لا أعرفهـا، فالرجاء التسامح، والعفـو من رجالاتها لأنني لم أذكرها، ولم أتعرف عليها وهي حريـة بالذكر والإشهار والتنويـه،  فمعـذرة لأصحابها والعذر عند كرام النـاس مقبول.
خصصت ذكرى هاته المؤسسات في العشرينـات وما كانت 1927 تحل حتى انتقل لرضى الله ورضوانه جـلالة السلطان المعظم المولى يوسف ، قدس الله سره وأعلن حالا بخلفه ووارث سره ولده المعظم الملك المتوج بتاج الروح الإسلاميـة والنخـوة العربية محمد الخامـس طيب الله ضريحـه ملكا على المغرب العزيز، وبعد يوميـن من بيعته سجل خطابـه القيم للتاريـخ، حيث وعد فيـه الأمة المغربية بصيانـة أمجادها، وإحياء معالمها والحفـاظ على لغتها ودينهـا، وكل مقوماتها جزاه الله  أحسن الجزاء بما قدمت يداه.
ويعـد هذا الخطاب الملكي مفتاحـا لنشر الوعي الوطني، وإحياء الثقافـة العربية والتعليم الإسلامي من الباب الواسـع، وعندمـا صدر ظهير 16 ماي 1930 ظهر بوضوح ما يخبئه الاستعمار من المكائـد والمصائد، هذه الصيحـة التي أيقظت من القبول حينئـذ شمر المغاربة على ساق واحد واعتلى منصـة الدعوة الراعي الأمين،  فأسست المئـات من المدارس الحرة الابتدائية  بكل جهات المغرب لتكتسي شعارات العنايـة والرعايـة الملكية ، فبرزت المدرسة المحمديـة،  والمدرسة الحسنية ، والمدرسة العبدلاويـة ، ومدرسة الأميرة عائشـة، وأصبحت الشهـادة الابتدائيـة تصول وتجـول، ولم تمر إلا أعـوام قلائـل، وأصبح التفكير في إنشاء المدرسـة الثانوية لمتابعـة السير، ورفع المستوى، والتاريـخ الحق يعطي الأسبقيـة للربـاط العاصمة فيها سجل محمد الخامـس المؤسسة الثانويـة الأولى باسمه الكريم مدارس محمـد الخامس هي الأولـى في الثانويات الحرة بالمغرب، هـذا كل ما في علمي، وبعدهـا تتابعت المؤسسات بالثانويـات الحرة بكافـة أرجاء المغرب.
ومن هـذه المؤسسات الحرة انبثقت وانطلقت البعثات للشرق العربي، ففي سنة 1928 رحلت أول بعثـة من أبناء تطوان لمتابعة دراستها بكلية نابلـس الجريحة من ارض فلسطين الحبيبـة، وتبعتها بعثـة ثانية لنفس الكلية  مـن مدينـة سلا  وتوجه أفراد وأفراد لمصر ولسورية.
نعم إن المستعمر لم يكن غافـلا عن كـل هذه التحركـات، بل كان يضع الأشواك ، ويخلق الضجات ضد كل هذه المؤسسات، ويسعى في كـل المناسبات إلى الانتقام من المقيميـن عليها بالسجـن تارة، وبالنفي أخـرى، وبإغلاق الأبواب في وجه تلامذتها ، ولكن همة رجال التعليم الحـر، الجنود المجهولين، كانت تنتصر على الخصم اللدود، وتجـد العون والرعايـة من حامي الدمـار محمد الخامس طيب الله ضريحه.
ونجـد أبواب الجامعة، جامعة محمد الخامـس تفتح أبوابها بعد الحصول على الاستقلال والحريـة الذي بلغه المغاربـة بالبذل والعطاء ملكا وشعبـا، فوجدت الأبناء البررة مهيئين ومكونيـن، لان المدرسة الحرة هي نواة التقدم والتفـتح على المعرفة.
هـذه نظرة مختصرة على نشوء هـذا التعليم، تعرف الأجيال الصاعـدة بالحقائق التاريخية بعيدة عن التزييـف والاختلاق والله من وراء القصد.

                                 حــول البعثات الأولى على المشرق العربي

** تعقيبا على المقـال القيم الذي نشرنـاه في العدد الماضي للأستاذ الكبير السيد أكـرم زعيتر حول (الظهير البربري) وما تفرع من حديث حول البعثة  الطلابيـة المغربية إلى نابلس بفلسطين المحتلة، وأفادنا الأستاذ الحاج أحمد معنينو بالكلمة التاليـة التي تتضمن معلومات جديدة حول بعثة طلابية مغربية أخرى من مدينة سلا ، توجهت إلى فلسطين المحتلة للدراسة في مطلـع الثلاثنيات...
لقد فكـر الآبـاء في مصير الأبناء كيف الخروج من المأزق، مأزق الفرنسية والمسـخ الأجنبي والقضاء على اللغة التي هـي سند حيـاة الأمـة وقوامها وتعصب الفرنسيـون التعصب الأعمـى بمنع أبناء المغاربـة من المشاركـة في الدراسات الثانويـة «بليسي كورو» بالربـاط الخاص بأبناء الفرنسيين أبناء اليهـود لا غير والمحرم على أبناء المغاربـة المسلمين، فكان هـذا العنصر القوي للتوجـه بالأبنـاء إلى الشرق العربـي، وفعلا انفتح الباب على مصراعيـه، فمدرسة 1928 حيث توجهت أول بعثة علميـة للدراسة بكلية نابلـس، من ارض فلسطين الحبيبة وكان مفتاح الخيـر على يـد الوطني الحاج عبد السلام بنونـة بتطوان ، حيث هيأ البعثة من أبنائه وأبنـاء آخرين من تطوان، ويقول الحاج الطيب بنونـة في حديثه إلى أنه كـان يـدرس بكلية  القرويين بفاس حتى جاءته رسالة من والده  تأمره أن يجمع حوائجـه ويحضر لتطوان ولم يعرف السبب؟ وعند وصولـه لتطوان أخبره والـده أنه استفـاد من الأستاذ محمد حسن الوزاني عنـد زيارته له، وجود كليـة بنابلس للدراسة العالية باللغة العربية، فقرر أن يوجهـه وإخوانه إليهـا، وعقبه مباشـرة، توجهت بعثـة ثانية من مدينـة سلا لمدينة نابلـس قوامها أبناء أحمد الحارثي حجي السلوي وهـم: عبد المجيـد، عبد الكريم، سعيد وعبـد الهادي زنيبـر ، كما توجـه أفراد آخرون للدارسـة بمصر بالقاهـرة، كالشيخ المكـي الناصري من الربـاط، وعبد الخالق الطريس وآخرون من تطوان، والحـاج حسن بوعياد من فاس وأصبحت الفكـرة تنتشر بين مفكـري ذلك العصر، فبادر بطلب الجوار أشخـاص من خيرة رجال الوطنية في ذلك العصـر كالسيد المعطي بوهـلال، وبن مسعود وبلكـورة، فتوقف الفرنسيون عن الاستجابـة فوجـد القوم الحجـة بيدهـم قائمـة، حيث أعلنوا للفرنسيين بأنهم يمنعون أبناءنـا من الدخـول للدراسة بليسي كورو، وأمام هـذه العنصريـة نحن نوجـه أبناءنـا للشرق العربي ، وهنـا تناولت فرنسا ، وأذنت إدارة الليسي أن تقبـل أبناء المغاربـة المسلمين في صفوفهـا،  وهكذا استطـاع أحرار الأمة تجاوز القوانين الجائـزة ، والانتصار على المستعمر المتعصب وأخـذ أبناء المغاربـة طريقهم للدراسات العليا، بالشـرق وبالليسيـات الفرنسية بالمغرب،  وتفتحت الدراسة العليا  بفرنسا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here