islamaumaroc

الفن المدجّن ودوره في حياة أواخر المسلمين بالأندلس

  محمد قشتيليو

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

الفن المدجن هو ما خلفه المسلمون بالأندلس الذين بقوا تحت حكم النصارى في المقاطعات الأندلسية التي انتزعت من أيدي المسلمين قبل ذهاب الدولـة الإسلامية نهائيا بسقوط غرناطة بيد النصارى.
إن الموضوع يحتاج إلى مجهود كبير ودراسـة طويلة وبحث عميق لأن له ارتباطـات بجوانـب متعددة، فالفن الأندلسي بل الفن الإسلامي كله له علاقة بفنون غيره من الأمم التي دخلت في الإسلام أو التي لم تدخل فيه، بل احتكت به بكيفيـة أو أخرى، أو تساكنت معه ، فجعلت فنهـا يمتزج بالحياة الإسلامية وينصهـر فيها، فيأخذ طابعها ويتأثر ببيئتهـا، ثم يأخذ طابعا خاصا فيه، فليـس  من الغريـب مثلا أن يكون الفرس حين دخلوا في الإسـلام غيروا بعض الشيء من فنهـم، فقد كان فنهم قبـل اعتناقهم للإسـلام يمثل عقيدتهـم القديمـة، ويعبر عن تعاليمهـا، ولكن بعـد دخولهم في الإسلام فلا يمكن ـ والحالة هذه ـ أن يبقـى لفنهم مظهره السابق، كمـا أن القوط والروم حين احتكـوا بالإسلام طرأ على فنهـم نفس الشيء  وكـذا أخذ المسلمون عنهـم فنهم النصراني وأصبغوا عليه صبغتهم الإسلامية ودعـوا جانبا ما لا يتناسـب وعقيدتهـم الدينية، لهـذا نجد أن الفن الإسلامي الأندلسي المدجـن يمتزج بفن النصـارى، فتتجلى فيه بعض المظاهر المسيحية برسم بعـض شعاراتها وزخاريفهـا التي تعبر عن أفكـار وآراء بعيدة كل البعـد عن روح الإسلام أرضاء للحكام النصارى الذيـن كانوا يستخدمونهم في قصورهـم ومعابدهـم، كل هـذا يجعلنـا نرى الفن يتطور بتطور الأمم، فيعبر عن نفسية أهلها وما تجيـش به قرائحهم ومواهبهم حسب البيئة التي يعيشـون فيها، لذا نجد أن الفن المدجـن بالأندلس تأثـر بالبيئة الدينية المسيحيـة الحاكمـة والمسيطرة،  وأهم ما خلفـه لنا المدجنون من فنهـم، يتجلى على الخصوص في فن المعمـار، وخاصة في بناء المعابد والأبراج والحصون وأهم الأمكنة التي احتفظت بقسط  وافرمن مآثرهـا الفنية هي مدينـة طليطـلة، وإن  كان يوجد لهم تراث فني في أماكـن أخرى من مـدن الأندلس والسبب الذي جعـل هذه المدينـة تزخر بمآثر فنيـة للمدجنين أكثر من غيرهـا لأنها المدينة الأولى من بين العواصم ذات الأهمية القصوى بالأندلس التي سقطت بأيدي النصارى وطالت  إقامة المسلمين بها في ظـل حكم المسيحيين بقرون قبل سقـوط آخر حاضرة إسلاميـة بغرناطة فتعايشوا مع النصارى في أمن وسلام ، الأمر الذي جعلهم يطلقون عليهم لقب «المدجنون».(1) كانت هـذه المدينة من بين المـدن الأندلسية التي تكثـر بها الطائفة اليهوديـة والتي أيضا ساهمت بدورها في تشييد مباني المعابـد على النمط العربـي بيد فنانيـن مسلمين لأن اليهود كما هـو  معلوم لا يتعاطون إلا التجارة بدليل أن لا توجـد من بين المدن العربية الأندلسية مدينة تتوفـر على أهم بيعة لليهـود إلا طليطلـة ، وما زالت لحد الآن آثرهـا وفنها سالما تقريبا من الاندثار ومكتمـل البنيان وحي يحمـل اسمهم لحد الآن.
إن ملوك النصارى الذيـن حكموا طليطلـة اهتموا كثيرا  بالفن العربـي ، وخاصة  الفونصو السادس، فكان يغذق الأموال  على أرباب الحرف والفـن والبناء ، فشيـد القصور والمعابـد على النمط العربي حتى لا ينعت بالجهـل وعدم الذوق لأنها عقدة كانت تسيطر على النصارى لتخلفهم عن العرب في ميـدان العلوم والفنـون وغيرها من المظاهـر الحضارية التي كـان للعرب فيها إذ ذاك القـدم المعلى دليل على ذلك ما أشاربه القـس المستشار الخـاص لالفونصو العاشـر الذي قال له: لا يمكـن أن تكون لنا الغلبـة على المسلمين بالاندلـس إلا محاربتهم بسلاحهم، فسألـه الفونصو ما هـو هذا السلاح؟ فقال له القس الريموندو : إنه العلـم أي علم العرب، فكانت نتيجـة ذلك أن عمل بمشورة مستشاره فأسس  مدرسـة للترجمـة بعاصمـة ملكه طليطلـة فجمع فيها علماء من مسلمين ويهود فترجموا لأول مـرة إلى اللاتينيـة القرآن والتلمود وغيرهما  من العلـوم، فكانت النواة الأولـى للنهضة العلميـة بإسبانيـا، فحق بهـذا أن يلقب هـذا الملك بالفونصو الحكيم، كمـا أن ملوك النصارى كانوا يريدون مضاهـاة المسلمين في حياتهم بإقامـة قصورهم ومعابدهـم وزخرفتها على الطراز العربي ويقلدون ملوك المسلميـن في مظهرهم وأبهتهم وبمـا أن العنصر العربي هو الذي كـان يتوفر على الخيرة والمعرفة بفن المعمـار والزخرفة، فكانوا يلجأون إليه لتحقيـق رغباتهم ويسخرونه فيمـا يريدونه مقابل السمـاح له بمزاولة طقوسـه الدينية وإقامـة شعائره الإسلامية، ومنحه كامـل حريته الدينية والتجاريـة، بل كانوا يسندون إليه مهام أخطر من ذلك لها صفة عسكريـة كحماية الحصون والأبراج وغيرها إرضاء له حتى لا يشعر بأي ضغط عليه أو مضايقة،  لذا كان المدجنون يتمتعون بمعنويـة عاليـة جعلتهم ينتجـون ويعملون زيـادة على أن عصرهم طـال أمده، أي من احتلال طليطلـة سنة 1085م إلى سقوط غرناطـة 1492م، فكانت مدة كافية لتخليـد كثير من الآثـار،  وإن كان ما  هـو  موجود ومعروف لا يتناسب والمـدة التي سطرها تاريخ وجودهم ، لأن التعصب المسيحي بعـد حروب الاسترداد،  وانتهاء دولة الإسلام بالأندلس عمل على طمس كثير  من المعالم الإسلامية على العموم، والمعالـم التي تركها المدجنون على الخصوص إلى أن أنـار الله بصيرة الجيل الجديد، وخاصـة منهم ذوو العقـول النيرة والأفكـار المتفتحـة من علماء وبحاث وغيرهم من المختصين في مجـال التنقيب على الآثـار الإسلامية بالأندلس، فأصبحـوا ينقبون ويبحثون ويكتبون عمـا عثروا عليه والذي كـان في حكم العدم إذ صارت المطابع الإسبانيـة تخرج بين الحين والآخر أبحاثا قيمـة في هـذا الباب من كتب  ونشرات تبرر الشيء الكثيـر والنادر والجديد في الموضـوع، وأهم ما عثر عليه من بحث في المدجنيـن كتاب باللغة الإسبانيـة بعنوان: «الفن الطليطلي المسلم والمدجن» لمؤلفه باسيليو بـافون مالضوناضو ، طبع المعهـد الإسباني ـ العربي للثقافـة وهو كتاب ضخم يحتوي  على 232 صفحة  من الحجم الكبير و 158 صفحة  خاصة بالصور للآثـار وما أخرج من الحفريـات زيادة على أن الكتاب يضم خرائط ورسوما للأماكـن الأثرية بطليطلة وضواحيها، أنه بحق بعد هـذا الكتاب من أهم المراجع في هذا الباب ومن أهـم ما ألف في هذا الموضوع، ونكتفي الآن بما ذكـر، ولنا عودة إلى الموضوع بحول الله.

 (1) «دجـن»، أقام ولو يغادر المكان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here