islamaumaroc

الاتجاه الباطني في تفسير القرآن.

  محسن عبد الحميد

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

يكاد ينعقد إجماع الباحثين والعلماء المحققين مسلمين وغيرهم أن الباطنية هي كبرى حركات التحريف في تاريخ الإسلام أرادت أن تظهر عقائدها وأهدافها الحقيقيـة، متسربلة بمبدأ التأويل الباطني للقرآن، متجاهلة الضوابط التقليـة والعقلية والأصولية التي أجمـع عليها المفسرون والأصوليون الثقاة في تفسير الآيـات القرآنية،  وكانوا دائمـا يحذرون من أن اسباغ المعاني الباطنيـة على النص القرآني معناه إلغاؤه، والقضـاء عليه، وعلى كل ما ورد  فيه  من عقائـد وأحكام وسلوك.
ولقد اتبع هؤلاء الباطنية مـع من خاطبوهم أساليب خطيرة لنقلهـم من مرحلـة إلى أخرى ينسلخ المدعـو نهائيا من دينه ويؤمن بدين جديد.(1)
والباطنية وضح أساسها جماعـة من اليهود والمجوس والمزركية وشرذمـة من الوثنيين والملحدين وطائفة من ملحـدة الفلاسفـة المتقدمين(2) أخذوا إطـار التفسير الباطنـي من يهود الإسكندرية الذين كانوا يشرحون التوراة شرحـا باطنيا رمزيـا، ويذهبون إلى تفسير آدم بالعقـل، والجنة برياسة النفس، وإبراهيـم بالفضيلـة الناتجـة عـن العلم وإسحـاق بالفضيلـة الغريزيـة ويعقـوب بالفضيلة المكتسبة.(3)
وكان فيلسوفهم المشهور«فيلون» الذي ولـد بين عشريـن وثلاثين سنة قبل الميلاد ينقل الوعـود المزعومـة الواردة في التـوراة بخيرات دنيوية ومستقبل سعيـد لليهود إلى وعـود بخيرات روحية للنفس الصالحة(4).
والعقائـد الباطنية مزيج من مجموعـة المذاهب والديانـات والآراء الفلسفيـة القديمة التي انتشرت في البـلاد الإسلامية بتأثير امتزاج المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات المختلفة والآراء المتباينـة،  وأنهم أخـذوا هـذه الآراء والمعتقدات وأخضعوا لفكرتهم في الإمامـة، بعد لفكرتهم في الإمامـة، بعـد أن صبغوها بالصبغـة الإسلامية، حتى أن الباحث يستطيع أن يتعقب أكثر عقائد الباطنية ويردهـا إلى أصولها القديمة، مثل عقائـد المصريين القدماء ونظرية المثل الأفلاطونيـة الحديثة وكتب الآباء المسيحيين.(5)                                          
يقول الإمـام الغزالي عن مذهبهم «أمـا الجملة، فهو مذهب ظاهـره الرفض، وباطنه الكفر المحض ومفتتحـه حصر مدارك العلوم في قول الإمـام المعصوم، وعزل العقول عن أن تكون مدركـة للحق لما يعتريها من الشبهات، ويتطرق إلى النظار من الاختلافات وإيجاب لطلب الحق بطريق التعليم والتعلـم،  وحكم بأن المعلم المعصـوم هو المستبصر، وأنه مطلع من جهة الله على جميع أسرار الشرائح، يهدي إلى الحق ويكشف عن المشكلات، وأن كل زمان فلا بد فيه من إمـام معصوم، يرجع إليه فيما بينهم من أمـور الدين، هـذا مبدأ دعوتهم ثم أنهـم بالآخـرة يظهرون ما يناقض الشرع ، وكأنه غايـة مقصدهم لأن سبيل دعوتهم ليس بمتعين في فـن واحد، بل يخاطبون كل فريـق بما يوافق رأيه ، بعـد أن يظفروا منهم بالانقياد والمـوالاة لإمامهـم فيوافقـون اليهود والنصارى والمجـوس على جملـة معتقداتهم ويقرونهم عليها »(6).
والحق أن الحقائـق التي ذكرها الغزالي عنهم  وعـن عقائدهـم وأصول  مذهبهم وأساليبهم في الدعـوة مطابقة على التفاصيل المذهبيـة التي وردت في كتبهن التي نشرت في القرن الأخير(7).
أما حججهم في تسويغ التفسيـر الباطني فهو أنـه لا بـد لكل محسوس من ظاهـر وباطن، فظاهر  ما يقـع الحواس عليه، وباطنه ما يحويـه ويحيط العلم به بأنـه فيه واستدلوا في ذلك بقوله تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجيـن لعلكم تذكرون) وقوله: ( واسبغ عليكم نعمه ظاهـرة وباطنة) وقولـه: (وذروا ظاهـر الاثم وباطنه وقولـه: ( وما يعلـم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) وقوله : (هـل ينظرون إلى تأويله يوم يأتي تأويلـه يقول الذين نسوه من قبـل قد جاءت رسل ربنا بالحق)، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : «ما نزلت علي من القرآن آية إلا ولهـا ظهر وبطن»، وهذا العلم الباطـن فيما يزعمون لا يستطيع عليه غير الأئمـة من ذريـة النبي وهو علم متواتر بينهم مستودع فيهم يخاطبون كل قـوم منه بمقدار ما يفهمون(8).
بل ذهبـوا إلى أبعـد من ذلك فقالوا إن التفسير الباطن من عنـد الله خص به علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلـم هـذا العلم الباطن (9)، ويسندون إلى الإمام جعفـر الصادق رضي الله تعالى عنه «إنـا  نتكلم في الكلمة سبعة أوجه، فقـال الرجل متفكرا سبعة يا ابن رسول الله ؟ فقال: نعم وسبعين ، ولو استزادنـا لزدناه».
فوجـوه هـذا العلم بمقدار حدوده فيعلم من سمعـه وانتفع به ورقـى في درجاته وزعمت الخطابيـة وهي إحدى الفرق الباطنيـة أن جعفر الصادق قد أودعهم جلدا يقال لـه«جعفـر» فيه كل ما يحتاجون إله من علم الغيب وتفسيـر القرآن(10).
وقد ثبت أن هـذه الأقوال وغيرها كان يطلقها المختـار الثقفي وجماعته وبيان بن سمعان اليهـودي الأصل  وأبو الخطاب الاسدي والمغيرة بن سعيد العجلي، الـذي يعده بعض المؤرخيـن أول من بدا بالتأويل المنحرف في الإسلام(11)، ولا شك عند المحققين أن هـذا كذب صحيح على هؤلاء الأئمـة الكرام، فقد  كانوا ومنهم جعفـر الصادق رضي الله عنهم يعلنـون على مـلا من الأمـة البراءة منهم، وكانوا يبعثون أوليائهم إلى العـراق يكذبوهم ويبينـون أباطيلهم للنـاس(12) أمـا الأقوال التي نقلوهـا عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن القرآن له ظهـر وبطن أو أنـه ذلول ذو وجوه مختلفة أو أنه لـه حد ومطلع، فقد قـال عنها الحافـظ ابن حزم، وهـذه كلها مرسلات لا تقـوم بها حجـة أصلا، ولو صحـت لما  كان لهم في شيء  منهـا حجة بوجه من الوجـوه، لأنه لو  كـان كما ذكروا لكل آية ظهـر وبطن، ولكن لا سبيل لنا إلى علم الباطـن، ولا يقول قائل ، ولكـن ببيان النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله تعالى بأن يبين للنـاس ما نزل إليهم، ومن الباطل المحال أن يكـون للآيـة باطن لا يبينـه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حينئذ لم يبلـغ كما أمر، وهـذا لا يقول به مسلم،  فيظل ما ظنوه وما ينقل عن طريق الحسـن عن حذيفـة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سألت النبي عن علم الباطـن ما هو؟ فقال: سألت جبريل عنه، فقال عن الله هو سـر بيني وبين أحبائي وأوليائـي وأصفيائي، أودعه في قلوبهم لا يطلع عليه ملك مقـرب ولا نبي مرسل، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني فيه، موضوع والحسن ما لقي حذيفـة.(13)
قال الزركشي «وإن صحت هذه الأحاديث فإن معناه عند ذلك يكون أن القرآن العظيم قد اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلـة، وما من برهـان ودلالة وتقسيم وتحديد شيء من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله تعالى قد تعلق به، ولكن أورده تعالى على عـادة العرب ، دون دقائق طرق أحكام المتكلمين لأمرين:
أحدهمـا بسبب ما قاله «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم»، والثاني: «أن المائل إلى دقيق المحاجـة هو العاجـز عن إقامـة الحجة بالجليل من الكلام، فإن من استطـاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم يتخط إلـى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلـون، ولم يكن ملغزا، فأخـرج تعالى مخاطباته في محاجـة خلقه في أجـل صورة تشتمل على أدق دقيق لتفهم من جليلهـا ما يقنعهم ويلزمهم الحجة وتفهـم الخواص في أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الخطباء»(14).
إن الباطنية حطمت مدلولات الألفاظ تحطيمـا كاملا فجاءت بتفسيرات مضحكـة لأتمت إلى ألفاظ القرآن بصلة ما، ففي تفسير قوله تعالى:(اهدنـا الصراط المستقيم )، قال ابن حيون الباطني الإسماعيلي، «والمراد منها الإمام»(15)، وفي قوله تعالى : ( والنـا له الحديد)، قال: أي سهلنـا له صعب الكلام (16)، وفي قوله تعالى: ( ولها عرش عظيم)، قال: أي دعوة كبيرة (17)، وفي قوله تعالى: (اذهب بكتابي هـذا فالقه إليهم)، قال: الكتاب الرسول ومن أقامه مقامه(18) وفي قوله تعالى: (ولقد أتيناك سبعا من المثاني)، قال: يعني الأئمة السبعة (19)، وفسروا السموات في قوله تعالى: (لله نور السموات والأرض) بأنها النطقاء والأسس والأئمـة والحجج الذيـن هم سموات الدين وأرضها (20)، وفسروا ليلة القـدر بأنها مثل على فاطمـة رضي الله تعالى عنهــــا(21)، وفسروا قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منهـا زوجها وبث منها رجالا كثيرا ونساء) بأن المـراد بالنفس الواحـدة ها هنـا الناطق صلوات الله عليه، وخلق منها زوجها يعني الوصي عليـه السلام المزاوج له في الدين وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، يعني حدودا مقيديـن بمنزلة الرجال ومستفيديـن بمنزلة النساء قال النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى آله  «أنـا وأنت يا علي ابوا المؤمنين».(22).
وقالوا: (ويسألونك عن القرنيين ) هو مولانـا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب صلوات الله عليه(23).
وقال أبو يعقوب الإسماعيلي الباطني صاحب كتاب الرضاع «اعلم أن كل ما ورد عليك من كتاب الله عز وجل من ذكر الجنات والأنهار والنخيل والأعنـاب والزيتون، والرمان، والتين، وجميع الشهوات وما شاكلتها ، فهـو دال على الأئمـة عليهم السلام ثـم على الحجج ثـم على الدعـاة على المستجيب البالغ»(24)
وقال الباطني هـذا أيضا في قوله تعالى:( الله ولي الذيـن آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت)، أي كفروا بنعمة الإيمان وطغوا عن الحق وجحدوا أئمـة الهدى، نصبوا لأنفسهم الأصنام، فأول صنم من أصنامهم الطاغوتية أبو بكـر وعثمـان ومن كان مثلهم في كل زمان ومكان.(25)
ولقد حاول الإسماعيلية الباطنية أن يسبغوا على أئمتهم صفـات باطنية بحيث أصبحوا في مرتبـة لا تمت إلى البشرية بصلة، فهم يقولون أن « كلمات الله» و «وجـه الله» و«يـد الله» و «جنب الله» في القرآن المقصـود بها الإمام، لا بل هو الصراط المستقيم والذكـر الحكيم القرآن(26).
يقـول الداعي الإسماعيلي الباطني شهاب الدين أبو فراس واعلم أن الامام الموجود لا يخلو منه مكـان ولا يحوزه زمان لأنه الهى الذات، سر مدى الحياة ولو لم يتانس بالحدود والصفات لما كان للخلق على معرفته وصول.(27)
ولذلك فإنهم يسجدون عند ذكـر الامام، فقد جـاء في رسالة «رسالة الدستور ودعـوة المؤمنين للحضور للداعي الإسماعيلي الطيبي»،  وإذا وصـل إلى ذكر الامام سجـد وسجدوا(28).
ومن المعلوم البديهي أن هـذه التأويلات فاسدة باطلة،  مخالفة لمنطق اللغـة وضوابط التفسير التي أجمـع عليها ثقاة العلماء والمفسرين.
قال الإمام الغزالي «والقرآن على ظاهره حتى تأتي أدلة منه أو سنة أو إجمـاع بأنه على باطـن دون ظاهر»(29).
وقال في معرض مناقشتهم «بم عرفتم أن المراد من هـذه الألفاظ ما ذكرتم؟ فإن أخذتموه من نظـر العقل فهو عندكم باطل، وإن سمعتموه من لفظ الإمام المعصوم، فلفظه ليس بأشد تصرحـا من هذه الألفاظ التي أولتموهـا، فلعل مراده أمر آخـر أشد بطونا مـن الباطـن الذي ذكرتموه، ولكنه جاوز الظاهـر بدرجة ، فزعم أن المراد بالجبال الرجال ، فما المراد بالرجـال؟ لعل المراد به أمر آخر والمراد بالشياطين أهل الظاهـر، فما أهل الظاهر؟ والمراد باللبن العلم، ، فما المراد بالعلم؟».(30)
إن هؤلاء الباطنيـة خالفوا بمسلكهـم ذلك قانونـا لغويا عامـا في المجتمع الإنساني، إذ أننا نعلم ضرورة أن الأسماء وضعت للدلالة على مسمياتها فاستعمالهـا بلا دليل ولا برهان في غير مسمياتها سفسطة وفساد عظيم، وتخريب  واضح لأساس الفكر الإنساني، وقضاء تام على التمييز بيـن حقائق الأشياء في الوجود، لأننا حينئـذ ندفع الفاسـد  بالفاسد،  وهـو كما قال الإمام الغزالـي أن نتناول جميع الأخبار على مقتضـى مذهبهم، فمثلا يقـال قوله لا تدخـل الملائكة بيتا فيه صـورة، أي لا يدخل العقل دماغـا فيه  التصديق بالمعصوم.(31)
قال الغزالـي رحمه الله تعالى : «فإن زعمتم أنكم أنزلتم الصـورة على المعصوم»في قولـه: «لا تدخـل الملائكة بيتا فيه صورة»، فأي مناسبـة بينهما؟ قلت: وأنتم أنزلتم الثعبـان والأب قفي حق عيسـى على الإمـام، واللبن على العلم في أنهـار اللبن في الجنة، والجن على الباطنيـة ، والشياطين على الظاهرية، والجبال على الرجال فما المناسبة؟
فإن قلت: البرهان يقضم الشبه كمـا يقضم الثعبان غيره، والإمـام يفيد الوجـود العلمي كما يفيـد الوجود الشخصي، واللبن يغذي الشخص كما يغذي العلم والجـن باطن كالباطنية، فيقال لهم؟ مـاذا اكتفيتم بهـذا القدر من المشاركـة، فلم يخلق الله شيئين إلا وبينهما مشاركـة في وصف ما، فإننا أنزلنا الصورة على الإمـام، لأن الصورة مثال لا روح فيها  كمـا أن الإمـام عندكم معصوم ولا معجـزة له، والدمـاغ مسكن العقل، كمـا أن البيت مسكن العاقل، والملك شيء روحاني ، كمـا أن العقل كذلك، فثبت أن المراد بقوله: « لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة معناه لا يدخل العقـل دماغا فيه اعتقـاد عصمة الإمام، فإذا عرفت هـذا فخذ كل لفـظ ذكروه وخذ مـا تريده واطلب منهما المشاركـة بوجه وتأويله عليه فيكون دليـلا بموجب قولهـم كما عرفتك في المناسبـة بين الملك والعقـل، والدمـاغ والبـيت والصورة والإمـام، وإذا انفتـح الباب اطلعت على وجـه حيلهـم في التلبيـس بنزع موجبات الألفاظ ، وتقديـر الهويات بـدلا عنها، للتوصـل إلى إبطــــــال الشـــرع »(32).
والدليل القاطـع على أنهم لم يريدوا العصمـة لذاتها وإنمـا أرادوهـا لتحريف معاني القرآن وإبطال الشرع، أنها لم تضعهم  على خط واحد في التأويل ، بل كان كبار دعاتهم مختلفيـن في تأويلهم الباطني، تبعـا لشخصيـة الداعي واختلاف موطنـه وزمن وجوده، فتأويلات الداعي منصور اليمن قبل ظهـور الدولـة الفاطمية بالمغرب نجدهـا تميل إلى الغلو ، وهي أشبه بما كـان يقوله الغلاة من الخطابية والسليمانية وغيرها... وتأويلات دعـاة فارس بعد قيام الدولـة الفاطمية الباطنيـة الإسماعيلية بالمغرب، تختلف عن تأويلات الدعـاة الذين كانوا بالقرب من الأئمـة بالمغرب، ففيهـا التأليه الصريح للأمة، وفيهـا طرح الفرائض الدينية ، إذ أن تأويل الصلاة عندهـم هو الاتجـاه القلبي للإمـام، وتأويل الصوم هو عـدم إفشاء أسرار الدعوة، وتأويل الحج هـو زيارة قبر الإمام، وهكذا ينتهي بهم التأويـل في فارس على طرح أركان الدين كلها، بخلاف ما كـان عليه الأمـر في مصر وبلاد المغرب، إذ لم يصرحوا بهذه الآراء، إلا في كتبهم السرية الخاصة(33).
وأما في كتاباتهم العامـة ، فقـد كان يصرح بعضهم بالأخـذ بالظاهـر نفاقا إلى المسلمين في مصر حتى يحفظوا كيان دولتهـم الباطنية الفاطمية. يقول قاضي قضاتهم النعمان بن حيون «فلا يتوهم السامـع أنا إذا ذكرنا باطن الجنة نفينا أن يكون ثمـة جنة خلد ودار نعيم، وإذا ذكرنـا باطن النار نفينا بذلك أن يكون ثمـة نار ودار عذاب، أو متى ذكرنـا تأويل شيء من الباطـن أبطلنا من أجله الظاهر نعـوذ بالله  من ذلك لأنه لا يقـوم ظاهر إلا بباطن ولا باطن إلا وله ظاهر»(34).
 والظاهر الذي يقصـده ابن حيون هو من أجـل العامة، لأن الباطنية كانت تزعم أن المقصود من ظواهـر الآيات هو خطاب الجمهور بما يتخيلون به أن الرب  جسم عظيم، وأن المعاد فيه لذات جسمانيـة،  وإن كان لا حقيقـة له(35).
يقول الكاتب الإسماعيلي عارف تامر، محقق كتـاب الإيضاح للداعي الإسماعيلي أبي فراس: «لقد كانت التعاليم الإسماعيلية تأمر العامـة بالتمسك بالعبادات العملية أي بالعلم الظاهـر، وتنشر بين الخاصة وأهـل الدعـوة العبادات العلمية أي علم الباطـن والفلسفة والتأويل»(36).
والدعـاة الإسماعيليون كانوا حريصين في كتبهم على إخفاء تأويلاتهم التي هي حقيقـة مذهبهم،  وكانوا ينبهـون الداخلين في نحلتهم على منح إفشاء أسرارها وتحليفهـم على ذلك بأغلظ الإيمان، وهـذه الأجوبة أمانـة عندك مؤكـدة معظلة مشددة  يسألـك الله عنها: أنك لا نسخت  منها  حرفا ولا اطلعت عليها أحدا، ولتردهـا إلى من يوصلهـا إليك هـذه النسخة.(37)
ولقد اتجهت فروع الباطنيـة كلها على هذا الاتجاه الباطني في تفسير القرآن منهم النصيرية الذين يعتقدون أن الأصالة في تفسير القرآن منحصرة بالأئمة المعصومين دون سواهـم ، لأن  تفاسير بقية العلمـاء فيها احتمـال الغلط وعدم الإصابة.(38)
فمثلا في قوله تعالى : ( وكـل شيء أحصيناه في إمام مبين)  والإمـام عند النصيرية هو أحـد الأئمـة الإثنى عشر المعصومين، وأن هؤلاء يعلمون علم الأوليـن والآخرين ، لأن الإمام أحصـى كل شيء بوجه الإطلاق.(39)
يقول الطويل وهـم (أي النصيرية) لا يهتمون بالواعـد اللغوية، لأن كلام الأئمـة هو فوق كل شيء وهم وحدهم الذي يحق لهم تفسير القرآن.(40)
هذه لمحـات سريعة عن حقيقة التفسير الباطني وانحرافه وخروجه على القواعـد الأساسية في تفسير القرآن، ولكن هل رفضنـا القاطع لهذا اللون من الانحراف الشنيع يعني أننا لا نقـر بتغلغل علماء الإسلام في باطن القرآن مستنبطين أسراره وعلومـه وكنوزه وحقائـقه في مختلف مظاهر الوجود؟ أقول : نعم نقر ذلك على أن تضبطـه ضوابط التفسير والاستنباط ، ولقـد وضع العلماء شروطـا لهذا النوع  من تفسير باطـن القرآن منها أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب بحيث يجرى على المقاصـد الحسنة،  ومنها أن يكون له شاهـد نصا أو ظاهـرا في محل آخر يشهـد بصحته من غير معارض.(41)
ونسـوق هنا رواية توضـح هـذا المعنى، فلقد روى أنه لما نزل قوله تعالى مـن سورة المائـدة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، فرح الصحابة الكرام وبكـى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: ما بعـد الكمال إلا النقص، مستشعرا نعيه صلى  الله عليه وسلم، فقد أخرج ابن أبي شيبة أن عمر رضي الله عنه، لما نزلت الآيـة بكى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ما يبكيك؟ قال: أبكانـي إنا  كنا في زيادة من ديننا، فأمـا إذا كمل فإنه لا يكمل شيء قط إلا نقص ، فقـال عليه الصلاة والسلام: صدقت(42).
فالفاروق رضي الله عنه، فهم هـذا المعنى الباطني دون أن يخرج على ظاهـر اللفظ والحدود الصحيحة لفهم القرآن.
يقول الإمـام الغزالي: ولا مطمح في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهـر،  ومن ادعـى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر، فهو كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب ، أو يدعي فهم مقاصـد الأتراك من كلامهم، وهو لا يفهم لغة الترك، فإن ظاهـر التفسير يجري مجرى تعلم اللغة التي لا بد  منها للفهم.
ويعتقد الإمـام الغزالي كما يعتقد جميع علماء الإسلام أن الباطـن يجب ألا يناقض  الظاهر، لان الباطن هو استكمال للظاهـر ووصول إلى لبابه عن طريقه(43)
وكمـا أن الباطنية تأمرت على عقيـدة الإسلام وشريعته قديمـا ونشرت الذعر والهدم في المجتمع الإسلامي ، كذلك فعلت فرقـة باطنية أخرى في القرن التاسع عشر في إيران وهي البهائية(44) التي سلكت الطريق الباطني عينه في تحريف آيات القرءان وإخراجها من مدلولاتهـا والانتهاء منه إلى ادعـاء ونسخ الشريعـة الإسلامية وادعاء نبوة جديدة للميرزا على  محمـد الباب والميرزا حسين النوري البهاء.
ولا أريد هنا أن أتحدث عنهم بالتفصيل ، ولكنني أعرض نماذج من تفسيراتهم الباطنيـة كي يكون واضحا أن حلقات الهدم في المجتمع الإسلامي لم تزل مستمرة يقول الميرزا حسين النوري مفسرا قوله تعالى:(إذا السماء انفطرت)، إذ المقصود هنا سمـاء الأديان التي ترتفع  في كل ظهـور ثم تنشق وتنفطر في الظهور الذي يأتي بعده أي أنهـا تصير باطلة منسوخـة وعلى هـذا ، فالشريعة الإسلامية ونبوة رسول الله  محمد صلى الله عليه وسلم قد نسخـت وأبطلت بظهور أستاذه الميرزا على محمـد الشيرازي، حسب هـذا الزعم الباطني.
ويقول في تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيـد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد)، المقصود من الصور هو الصور المحمدي والمقصود من القيام قيام حضرته على الأمر الإلهي(45) أي أستاذه الميرزا الباب بادعـاء النبوة وهناك تفسيرات باطنيـة غريبة جدا، نجدهـا عند راعية البهائيين في مصر في بداية هـذا القرن، الميرزا محمد بن رضا الجرفا دقانـي الإيراني، والتي آله فيها صراحـة الميرزا حسين البهاء، وعرضها في رسائله وكتبه(46)
ويستمر البهائيون في استخراج معانـي باطنية لا صلة لها بالقرآن في تأييده نبوة الميرزا حسين البهاء، استمع إلى أحد  دعاتهـم في العراق يفسر قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة)  الحيـاة الدنيا والآخرة هي الإيمان بميرزا حسين علي البهاء (47)، ويفسر قوله تعالى: (كمـا بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليه الضلالة) قائلا فريقا هدى فآمن ببهاء الله وفريقا لم يؤمن فحق عليه الضلالة(48).
ولم يبق التفسير الباطنـي في نطاق الفرق الباطنيـة وإنمـا تسرب إلى تفاسير معينة لفرق أخرى، فإذا قرأنا تفسير علي بن إبراهيم القمى الامامي الإثنى عشرى، في القرن الرابـع الهجري،  وجدنـا أنه مشحون بتفسيرات باطنية لا تتصل بمدلولات الألفاظ ولا وبالسياق القرآني ومن العجيب أن تسند تلك الأكاذيب الفاضحـة إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه.
قال القمـى في تفسير قوله تعالى: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هـدى للمتقين) حدثني أبي عن يحيى بن أبي عمران عن يونـس عن سعدان بن مسلم عن أبي سعيد عن أبي عبد الله (ع) قال: الكتاب، على (ع) لا شك فيه بيان للمتقين قال: أي بيان لشيعتنا(49)
 وفي تفسير قوله تعالى: ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثـلا ما بعوضة فما فوقها ) نقل عن أبي عبد الله أن هـذا المثل ضربه الله لأمير المؤمنين، فالبعوضة أمير المؤمنين ما وفوقها رســــول الله(50).
ونلاحـظ أن المفسر الإمامـي الانثى عشرى الشهير «الطبرسى» لم يذكـر في تفسيره هـذه الروايات (51)، ولكننا نأخـذ عليه أنـه أحيانـا ينقل مثل هـذه الروايات الباطنيـة عن القمى ففي قوله تعالى: (وإذا وقع عليهـم القول أخرجنـا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس بآياتنـا لا يوقنون)، نقـل عن القمـى أن دابة الأرض هو علي رضي الله عنه(52).
ولقد أثـر التفسير الباطني تأثيرا كبيرا في تفسيرات كثير من الصوفيـة، حيث فسروا مثلا، الرعد بصقعات الملائكـة والبرق بزفرات قلوبهم والمطـر ببكائهم(53).
وظهر هذا الاتجاه واضحا عند  مـن يؤمنون بوحدة الوجـود ، ففي تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا سواء أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون).
يقول محيي الديـن بن عربي:
«يا محمـد إن الّذين ستروا محبتهم في، دعهـم فسواء عليه أأنذرتهم بوعدك الذي أرسلتك به أم لـم تنذرهم لا يؤمنون بكلامك، فإنهم لا يعقلون غيري وأنت تنذرهـم بخلق وهم  ما عاقلوه ولا شاهـدوه، وكيف يؤمنـون بك وقد ختمت على قلوبهـم فلم أجعـل فيها متسعا لغيري، وعلى سمعهم فلا يسمعون كلامـا في العالم إلا مني، وعلى أبصارهم غشاوة من بهائـي عند مشاهدتي فلا يبصرون سواى ، ولهـم عظيم عندي اردهـم بعد هـذا المشهد إلى إنذارك  واحجبهم عنـي كما فعلت بك بعد قـاب قوسين أو أدنـى قربا ، أنزلتك إلى من يكذبـك ويرد جئت به إليه منـي في وجهك وتسمع في ما يضيـق له صدرك، فأين ذلك الشرح الذي شاهـدته في إسرائـك، فهكذا إمنائـي على خلقي الذين أخفيت رضاي منهم(54)
وابن عربي وأمثاله من أصحـاب وحدة الوجود يزعمون أن لهم في فهم القرآن تلميحات وإشارات تدل على إلهامـات إلهـية وتنزلات قدسية.
والإلهام والمكاشفة والذوق مقبول إذا عرضه صاحبـه على القرءان والسنة، فما وافقهمـا فهو من الرحمن وما حالفهما فهو من الشياطين.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والوحـي وحيان وحي من الرحمـن ووحي من الشيطان» قال تعالى: (وإن الشياطيـن ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)، وقال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجـن يوحى بعضهم  على بعض زخرف القول غرورا) وقال تعالـى:( هل أنبئكم على من تنـزل الشياطين ) قال ابن تيمية: لم يرو عـن الصحابـة الكرام أو التابعين أن أحدهـم قال: إن له وجدا أو مخاطبـة أو مكاشفـة تخالف القرآن والحديث، فضلا عن أن يدعي أحدهـم أنه يأخـذ من حيث يأخـذ الملك الذي يأتي الرسول، وأنه يأخـذ من ذلك المعـدن على التوكيد، والأنبياء كلهـم يأخذون عن مشكاتـه ، ولم يكن السلف يقبلون معارضـة الآيـة إلا بآيـة أخرى تفسرها وتنسخها أو بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسرهـا، فإنها تبيـن القرآن وتدل عليه وتعبر عنتـه، وكانوا يسمون ما عارض الآيـة ناسخها لهـا.(55)
وقد ناقـش ابن حزم من اعتمـد في المعرفة على الإلهـام ننقل منه ما يلي: «وإن المدعين للإلهام والإدراك، ما لا يدركه غيرهم، بأول عقله، لا ينفق اثنان منهـم على ما يدعيه كل واحـد منهم إلهامـا أو إدراكا، فصح بلا شك أنهم كذبـة، وأن الذي بهم وسواس ، وأيضا فإن الإلهام  دعوى مجردة مـن  الدليل، ولو أعطـى كل امرئ  بدعواه المعراة، لما ثبت حـق ولا  باطل ولا استقر ملك أحـد على حال، ولا انتصف من ظالم، ولا صحت ديانـة أحد أبدا، لأنه لا يعجـز أحد عن أن يقـول الهمت أن دم فلان حلال.. وأن ماله مباح لي أخــذه، وأن زوجـه مباح لي وطؤهـا وهنا لا ينفك منه، وقد يقـع في النفس وساوس كثيرة لا يجـوز أن تكون حقا وأشياء متضادة يكذب بعضها بعضا(56).
وفي سبيل إيضاح هـذا المعنى انقل ما كتبته تعليقـا على بعض تفسيرات ابن عربي وغيره من الباطنيـة، فلقـد قالوا في تفسيـر قوله تعالى: «ألـم» أن الحروف الثلاثة رمـز لثلاثة أشياء، فالألف رمز للشريعـة واللام رمز للطريقـة والميم رمز للحقيقـة، فهناك يكـون العبد كالدائـرة نهايتها عين بدايتها،  وهـو مقام الفنـاء في الله تعالى وقالوا في ذلك إشـارة إلى سـر التثليث، فالألف مشير إلى الله تعالى واللام مشيـر إلى جبريل عليه السـلام والميم إلى محمـد صلى الله عليه وسلم.
قلت: إن النقـل والعقل ليسا بجانب هؤلاء، وليـس عندهم أي دليل على صحـة ما يقولونه، إني أتساءل على أي شيء استند ابن عربي في تفسيراتـه الباطنية، أنه لا يستند إلا علـى الأوهام والخيالات وإلا فلمـاذا لا يأتينـا بدليل من الكتاب والسنة، قد يقـال أنه  كان ملهما، ولكن ما الدليل على أنه كان ملهما؟ وهـل يقوم ارعاء الإلهـام مقياسا ثابتا  في تقرير حقيقـة من الحقائق؟ هب أنه إلهام ، ولكن ما الدليل على أن كل ما صدر منه إلهـام. إن من أقبح الأقوال أن يقـال إن «ألـم» إشارة إلى سر التثليث كما مر، إننا إذا أعطينـا المجال للتأويل الباطنـي, ألقينا الحبل على الغارب جاء شخـص فزعم التثليث الذي يدعيـه النصارى موجـود في القرآن.
فالألف هـو الله واللام جبريل والميم المسيح !!
هكـذا دون ضابط(57)
بقي أن نقول أن  مـا يسمى بالتفسيرات الإشارية،  اختلط فيهـا الحق بالباطل واشتبه على الناس فيهـا كلام الصوفية بكلام الباطنية.
والتفسير الإشاري هو فهم أمور معينة هي غير ظاهـر الآيات مع الاعتقـاد أن الظاهـر هو المقصود. (58)
ودلالـة الإشارة معتبرة عنـد علماء الأصول، فإنهم لمـا تكلموا على ألفاظ الكتاب والسنـة وقسموا دلالتهـا إلى نوعين منطوق ومفهوم، قسموا دلالـة المنطوق إلى دلالة اقتضاء ودلالـة إشارة ومثلوا للأخيرة بقوله تعالى: (أحـل كلم ليلة الصيـام الرفث إلى نسائكم)، وقالوا «دلت الآيـة بطـريق المنطوق على إحـلال الجماع طـول ليلة الصيام، ويؤخـذ منها بطـرق الإشـارة صحة صـوم مـن أصبح جنبا».
إذن فالفقهـاء في استخراجهم المعاني الإشارية وقفوا عنـد  حدود الضوابـط الأصولية في فهـم  النصوص، أمـا الصوفية فلم يقفوا في معظم ما قالوا  عند حدود تلك القواعـد وبذلك كان تفسيرهـم باطنيا وإليك نمـاذج من هذه التفسيرات  الإشـارية لتحكم بنفسك على أنهـا لا يقبلهـا ضابط أبدا.
ففي قوله تعالى: (وإذ  نجيناكم من آل فرعـون يسومونكم سوء العذاب، يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم) عـدوا وإذ  نجيناكم، من قـوى فرعون النفس الأمـارة بالسوء، ويذبحون أبناءكم، أي القوة  الروحانيـة من القوى النظريـة التي هي العيـن اليمنى للقلب «ويستحيون» أي قواتكم الطبيعيـة، ليستخدموهـا ويمنعوهـا من أفعالها اللائقـة بهـــا(59).
وفي قوله تعالى: ( وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى)، قال: موتـى القلوب  بداء الجهل وفي « فخد أربعة من الطيـر» قال إشـارة إلى طيور الباطـن التي في قفص الجسم، وهي أربعة أطيـار الغيب ، العقل، القلب، النفس، الروح(60).
 وفي قوله تعالـى: (ألـم غلبت الروم وهم من بعـد غلبهم سيغلبون) قالوا: في الآيـة إشارة إلى حال أهـل الطلب يتغير بتغير الأوقات، فيغلب النفس روم القلب تارة، ويغلب روم القلب فارس النفس بتأييـد الله تعالى ونصره تارة أخـرى(61).
أجل بدون دليل من الكتاب والسنة وقوانين الحيـاة وضوابط التفسير تستخرج بعض الصوفية من القرآن الكريم الوفا من التفسيرات الإشارية التي قدمنـا، ثم يقولون إن هـذه المعاني ليست معاني باطنية، لأننا نقول بظاهـر القرآن،  وهـذه حجة باطلة فالنعمان بن حيون، الداعيـة الباطني لما رأى المسلمين يستنكرون تفسيراته ادعـى أنهم يؤمنوا بالظاهـر أيضا كما أسفنا.
إن هـذا التفسير في اعتقادي وجه من وجـوه الباطنية وتلاعب صريـح بمعاني القرآن وآيـاته وزحرجتها عن مقاصدها الحقيقة.
وله في ظـل هذه التأويلات الباطنيـة استغل أعداء الإسلام عبر التـاريخ بسذاجـة كثير من المسلمين وغفلتهم وأميتهـم، فقروا عليهم الكفـر والشرك والانحراف وتقديـس الأئمـة والصالحيـن، نشروا الخرافة والأسطـورة وحولوهـا إلى دين جديد غير ديـن الإسلام الذي يعرفه علماء الإسلام  في كتاب الله وسنة رسولـه وإجمـاع علمائه واجتهـاد مجتهد به.
وإذا كان الله تعالى قـد أخذ الميثاق الغليـظ في كتابه الكريم على العلماء، كـي يبينوا للنـاس الحقائق الإسلاميـة ولا يكتمونهـا فإن الواجب يقضي عليهم أن يراجعوا تاريخ التطـور الفكري في حضارتنـا الإسلامية ليقوموا بجرد كامـل للأفكـار الهادمـة والمبادئ الباطلـة والاتجاهات الخرافيـة والأسطوريـة فيها، كي بفضحوهـا بالعلم والمنطق والبرهـان ليعود الإسلام عند المسلمين جميـعا صافيا نقيا بوجـه الجيل الجديد إلى الإيمـان العميق والتدبير الدقيـق والعلم بالقوانيـن المادية وتسخيرها وإحـداث التعبير المطلوب في مجتمعاتنا الإسلاميـة المتأخـرة نحو حياة الأصالة والحضارة والتقدم.

(1)  راجع على سبيل  المثال كتاب «فضائح الباطنية» للإمام الغزالي، وطائفة الإسماعيلية للدكتور محمد كامل و «أصول الإسماعيلية»   للدكتور برنار دلويس.
(2)  الغزالي: فضائح الباطنية، النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، 2/297.
(3)  محمد الخضر الحسين: رسائل الإصلاح 3/97.
(4)  يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص 249.
(5)  الدكتور محمد كامل حسين:  طائفة الإسماعيلية ص 132.
(6)  فضائح الباطنية 37.  
(7)  راجع على سبيل المثال، مطالع الشموس ضمن أربع رسائل إسماعيلية، حققها الإسماعيلي عارف تامر ص : 33-34-54-55-74، وكذلك الدستور ودعوة المؤمنين غلى الحضور لشمس الدين الطيبي، الداهي الإسماعيلي ص 84-92-96-99، الأولى بيروت 1953.
(8)  النعمان بن صيون: أساس التأويل ص 18-32.
(9)  طائفة الإسماعيلية ص 161.
(10)  الخطط المقريزية، نقلا عن كتاب الإمام الصادق للشيخ محمد أبي زهرة، ص 36.
(11)  الدكتور محمد جابر جاد العال: حركات الشيعة المتطرفين ص 39.
(12)  محمد أبو زهرة: الإمـام جعفر الصادق ص 128.
* الإحكام في أصول الأحكام 3/271/272.
(13)  علي القاري: المصنوع في معرفة الحديث الموضوع، ص 93.
(14)  الزركشي: البرهان في علوم القرآن 2/25
(15)  أساس التأويل ص 61.
(16)  المصدر السابق 253.
(17)  المصدر السابق، ص 267
(18)  المصدر السابق ، ص 268.
(19)  المصدر السابق، ص 333.
(20)  مسائل مجموعة من الحقائق العالية ضمن أربع رسائل إسماعيلية ص 111.
(21)  المصدر السابق ص 114-115.
(22)  المصدر السابق ، ص 123.
(23)  المصدر السابق 130 ، أنظر تفاسير باطنية أخرى في الإيضاح للداعي شهاب الدين أبي الفراس، الطبعة الأولى 1964، بيروت، ص 2 وكذلك الدستور للطيبي، ص8-17-84-96-97،  وكذلك مسائل مجموعة الحقائق العالية ص : 55-56-1116-123.
(24)  اليماني: قواعـد عقائد آل محمد ص 66.
(25)  البرهان للزركشي 2/152
(26)  المصدر السابق، ص 152.
(27)   مطالع الشموس، ص 33.
(28)  ص 74.
(29)  فضائح الباطنية ص 58.
(30)  فضائح الباطنية، ص 58
(31)  المصدر السابق، ص 161
(32)  المصدر السابق، ص 61.
(33)  طائفة الإسماعيلية ص 165.
(34)  أساس التأويل ص 165
(35)  ابن تيمية مواقفه صحيح المنقول لصريح المعقول، ص 58.
(36)  ص.ط المقدمة الأولى بيروت،  1964.
(37)  مسائل مجموع الحقائق الغالية، ضمن أربع رسائل إسماعيلية ص 58.
(38)  محمد ابن غالب الطويل: تاريخ العلويين، دار الأندلس، بيروت، الثانية 1386هـ ، ص 184.
(39)  المصدر السابق، ص 198
(40)  المصدر السابق ص 199، وأما عقائدهم فتعتمد على تأليه الأئمة، فهم يقولون بتجلى الآلة للمرحلة الأخيرة في علي بن أبي طالب وهو إمام في الظاهر وإلـه في الباطن لا يأكل ولا يشرب ولم يولد.
(41)  الذهبي: التفسير والمفسرون 3/24.
(42)  الألوسى : روح المعاني 6/60
(43)  أحياء علوم الدين 1/298، 1-3.
(44)  راجع كتابي «حقيقة البابية والبهائية»  فقد تكلمنا في تاريخهم وعقيدتهم وباطنيتهم ومؤامراتهم على الإسلام والمسلمين.
(45)  الإيقان، ص 31
(46)  نقل الذهبي : نماذج منها في كتابه ( التفسير والمفسرون) 2/264.
(47)  أحمدي حمدي: البنيان والبرهان، 2/67
(48)  المصدر السابق، 2/ 98-99.
(49)  تفـسير القمى 1/30
(50)  المصدر السابق، 1/30
(51)  مجمع البيان 1/36، 1/67، 6/31.
(52)  المصدر السابق 7/234، أنظر مكانها في القمى 2/130، 131.
(53)  الرازلي: مفاتحي الغيب، 19/26.
(54)  الفتوحات المكية، 1/15، نقلا عن كتاب: « التفسير والمفسرون، 3/ 40»
(55)  الفرقات بين الحق والباطل، ص 35.
(56)  الأحكام في أصول الأحكام،  1/18
(57)  أنظر كتابي ( الألوسى مفسرا)، ص 255.
(58)  تفسير القاسمي 1/ 323.
(59)  روح المعاني 1/254
(60)  المصدر السابق 3/131
(61)  المصدر السابق، 21/63.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here