islamaumaroc

الحلقة المفقودة من تاريخ الحركة الوطنية.

  عبد الكريم حجي

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

تتكلم الألسنة في هـذه الأيام عن تاريخ نشأة الحركـة الوطنية ويتكلم كل واحـد حسب ما شارك فيها أو من يوم مشاركته ، ولهذا ارتأيت  أن اكتسب بدوري مـا أتذكره عن نشوء هـذه الحركة في وسطنـا بسلا حتى تكمل السلسلة التاريخية ولسيمـا وان لسلا دور الافتتاح.
كنـا زمرة من الشباب لا زلنـا قريبين من عهـد الطفولـة، وكنا ننظر على ما يجـرى من الحوادث في أيامنـا باهتمام رغما عن صغر سننـا، فكانت حرب الريف تشغل بالنـا وتوقد في نفسنـا حرارة الفخر بأبطالنـا ثم بعدهـا كنا نتتبـع باهتمام ما تنشـره الصحافـة الفرنسية عن المقاومـة السلمية تحت زعامـة غاندي، وذلك بواسطـة الأخ المرحوم محمد حصـار حيث هو الذي كان يحسن الفرنسية، وكـأن ولوعا بشراء وقراءة جميع الصحف التي تصل إلى الرباط ثم لفت نظرنـا تأسيس اللجنة الحكوميـة البربرية ، فكنا نتتبع أشغالهــا في الصحف باهتمام إلى أن صدر الظهير البربري فأحسسنـا بالخطر الذي يحدق ببلدنا.

كانت هــذه الجماعة تتألف من زمـرة الأصدقاء الذين يجمعهـم الشاطئ أيام السباحـة كانت السنة سنة 1930،  وكـان الشهر شهر ماي وكنا نجتمع في حلقـة أمـام مقر المراقب الفرنسي بشاطئ سلا، وكنـا نتكلم في السياسـة غير عابثين بوجوده وفي ذلـك اليوم أي اليوم الذي قرأنــا في الجرائد الفرنسية صدور الظهير المشؤوم أو أن شئت أن تقـول المبروك كان الجمـع الأخوي كاملا وكنـا نقدر بنحو اثنى عشر شخصا ،  وكــان الحديث هـو خطر هذا الظهير وما يجب علينـا أن  نعمل لنقاومه،  كانت هنـاك نظريتان، واحدة تقول أن نطـرقه مـن الناحية الوطنيـة والأخرى مـن الناحيـة الدينية، وحيث  أن الفكـرة الوطنيـة في ذلك الوقت كانت غير موجـودة  وينظر إليها الشعـب المغـربي بحذر، وذلـك للخيبة التي حصلت له فـي وطنية مصطفى كمـال زعيم التـرك الذي كـان العـالم الإسلامي ينظر إليه كبطل الإسلام  فانقلب على الإسـلام، وصـار يحاربه، وحارب جميع مظاهـره، ولهذا ترجحت لدينـا المقاومة الدينية، حيث أن كل المغاربة متشبثون بدينهم ويتفانون في المحافظة عليه.
وبينمـا نحن في هذا الحديث إذ قـدم علينـا المرحوم الأخ عبد اللطيف الصبيحي حيث كانت تجمعنـا به فيما قبل حركة التمثيل التي كان يرأسهـا فبادرنـا بقوله هل سمعتم بهذه الكارثة التي أصابت المغرب، بصدور هـذا الظهير المشؤوم الذي يقسم المغاربـة إلى شطرين؟ فأجبناه بأننا في شأنــه نتحدث وندرس الوسائل لمقاومـته فسألنـا، ما هي الوسائل التي اتفقتم عليها؟  فأجبنـاه نرى أن نطرقه من الناحيـة الدينية، حيث أن الشعور الديني عنـد المغاربة أقوى من غيره، فكـان جواب الأخ المرحوم غفر الله لنا وله هكـذا بالحرف، أنـا لست على فكرتكم بل أن من نظري وهـو ما سأقـوم به، هو أن لـي معرفة بشخصيات مهمة في الحكومة وغيرهـا مثل الحاج عمر التازي والحاج التهامي الكـلاوي والعلامـة الفقيه السـيد أبي شعيب الدكالي، وكذلك أفراد آخرين سأتصل بهم وأوضح لهم خطـره وهم بدورهم سيسعون لدى الحكومة لتتراجع عنه ولقد أجبناه بأن هؤلاء الأشخـاص فيهم من هـو في ركـاب فرنسا وفيهم من يجاملهـا ولا يستطيعون أن يجاهروهم بشيء، وهكـذا افترقنـا وكل واحد متشبث بفكرته،  وفي الغـد عنـد صلاة العصر تجولت على كتاتيب سلا وطلبت من كل فقيـه المكتب أن يقرأ اللطيف جهرا ووضحت له خطـر المسألة، وهكذا لم تمـض دقائق حتى كانت جل الكتاتيب تجهـر باللطيف والناس تتساءل عن السبب.
وفي الغـد عندمـا سمع مراقب سلا بصدى اللطيف أرسل في طلب أحد فقهـاء  الكتاتيب وهو الفقيه ابن سعيد فسأله عن سبب قراءة اللطيف فأجابه أن أصغـر أنجال السيد أحمد حجي دفع له ربع ريال وطلب منه قراءة اللطيف على العادة الجاري بها العمل وفي الحين أرسل المراقب فـي طلب أخي المرحوم سعيد ـ حيث هـو أصغرنا ـ صحبة والدي المرحوم ، ولكنه عندمـا تبين له أنه ليس المسؤول عن ذلك كما صرح الفقيه نفسه اعتذر لهمـا وطلب منهمـا أنت يسألني الحضور لديه، وفعلا ذهبت لزيارته فوجـدته جالسا في مكتبه وإلى جانبه الترجمان رغمـا عن كونه يعرف العربيـة معرفة جيدة، فقد أراد أن يخلق للموقف رهبـة ليؤثـر علي، ولكن ولله الحمد كنت قوي الإيمان بموقفي ولسيمـا بالتشجيع الذي غامرني بـه  والدي المرحوم عندمـا أعلمني بطلب الحضور لدى المراقب وعندما استقر بي المجلس استدعاني المراقب الفقيه بن سعيد وسألـه هل أنا الذي طلبت منه ذلك،  وعندمـا تحقق المراقب بأني صاحب الفكرة هـدد الفقيه وتوعـده إن هو استمع لأقوال الأطفال مرة ثانيـة ثم أذن له بالخروج ووجه إلي سؤالا بواسطـة الترجمان فيه شيء من الاستغراب.
ـ هل حصل شيء خطير كقحـط أو زلزال يستلزم اللطيف الذي طلبت من الفقيـه أن يقوم بـه؟  فكان جوابه أكثر استغرابا منه.
ـ ألا تدري ما وقـع يا سعادة المراقب؟ أن الأمر أكثر خطـورة.
مـاذا وقع؟
ـ صدور الظهير البربري الذي يفرق بين سكان المغرب، العرب والبربر، ويفصل البربر عن الشريعـة الإسلامية.
ـ إذا أنت ضـد جلالة الملك؟
ـ إن كـان جلالة الملك هو الذي أخذه فنعم...
هذا مخالف لشريعتكم الإسلامية التي تطلب منكم الامتثال لأوامر ملككم كيفمــا كانت الحالة.
هذا غلط منكم لربمـا دينكم المسيحي هو الذي  يأمر بذلك.
ـ إذا فمـا علي إلا أن أرسلكم إلى السجـن.
وصار يتكلم مع صاحب السجن المحلي بالتلفون يعلمه بأنه سيرسل له شخصا ليعتقله عنده.
ـ إننـي على استعداد لذلك.
 عندمـا رأى المراقب قوة عزمـي ، أشار إلى الترجمان إشارة بعينه غادر المكتب وعند ذلك خاطبني الترجمان بتحرس،  وقال مالك وهـذا، لقد تسببت لنفسـك في الدخـول إلى السجن وكيف ستقضي والدتك هـذه الليلة ليلة دخـول الحجاج فيكون كل النـاس فارحين بهذه المناسبة إلا والدتك فتكون حزينـة باكية فأجبته بأنني أود أن أدخـل السجن فتعجب وسألني لمـاذا؟.               
إن دخولي إلى السجن سيكون سببا في إشهـار القضية حيث ليس لنـا جرائد ولا وسائل للدعـاية لها إلا دخولي إلى السجن فستسأل النـاس عن سببه ويعرفون الحقيقـة، وفي هذه الأثناء رجع المراقب ووجدنـي لا زلت مصمما على فكرتي، فطلب مني أن أنتظر خارج المكتب ثم استدعى صهري السيد المكي الصبيحـي خليفة الباشا  وتحدث معه قليلا واتفقا على أن يقوم بالصلح بيننـا فتصافحت مع المراقب وذهبت إلى حال سبيلي.
يقال في المثل، فـلس من الجاوي يبخـر سلا، وفعلا عندما غادرت مكتب المراقب وجدت الناس في الطرق تتسـاءل عن المقصود بهذا الاستدعـاء وكان سببا في نشر الفكرة شيئا مـا.
وفي اجتماع آخـر مع الأصدقـاء قررنا أن تكـون قراءة اللطيف في المسجد الأكبر يوم الجمعة، وفعلا اتفقنا على جميع الوسائل، لذلك وتجند المتحمسون منـا للفكرة وانعزال المتخوفون، وغابوا عن الأنظار أرسلنـا من يتصل بعمدة المسجد الأكبر الإمـام المرحوم السيد الحاج علي عواد فوجدنـا منه كل التشجيع وقمنـا بحملة تبشيريـة منقطعة النظير، وعندمـا طرق سمع الحكومـة ما عزمنا عليه في صلاة الجمعة طلب المراقب من الباشـا أن يستدعي متزعمي هـذه الحركـة إلى داره ويصلوا تحت مراقبته، وذلك ليفشـل البرنامج ، وفعلا كنـا نحن أربعة في بيت الباشا صبـاح يوم الجمعة ومكثنـا هنالك إلى آخر موعد للصلاة في مسجد الشهباء،  وهو آخـر من يصلي الجمعة وذهبنـا إليه صحبة الخليفة.
لقد كانت صلاة الجمعة في المسجد الأعظم فريـدة من نوعها اهتزت الأركان بأصوات البشر تطلب من المولـى عز وجل أن يلطف بعباده وأن لا يفرقهم عن إخوانهـم البربر،  وكانت السطـوح مملوءة بالنساء تستمع بكل خشوع إلى هذه الأدعية.
أما نحن الذين صلينا تحت المراقبة وفي مسجد يتأخر في أداء الصلاة عندمـا خرجنا وجدنـا الناس في باب المسجد قدمت لتعلمنـا بفوز الفكرة،  وهكذا صرنـا ندعو الناس إلى صلاة العصر في المسجد الأعظم ثم قراءة الطيف أما المـرحوم الأخ السيد عبد اللطيف الصبيحي فلقد بجولتـه وبشر بفكرته ولكنه لم يجـد آذانـا صاغية وتأمل فما قلنـا له فرجع إلينـا وصار يغشى المسجـد معنـا ويصلي ويطلب اللطيف.
عندمـا تمكنت الفكرة في سلا وتحققت الحكومـة الفرنسية من خطره طردت الأخ عبد اللطيف منة وظيفته بعدمـا قامت بمحاكمته محاكمـة صورية بدون حضوره،  واعتقدت الحكومـة بأنه هو زعيمنـا، حيث كان أكبرنـا، وحيث كان مطلعا على الفكرة من الوظيـف الذي كان يشغله.
وبعد أيام ألقت القبض عليه لتنفيذه وفي ليلـة، ذلك اليوم اجتمعنـا وقررنا أن نقدم احتجاجـا إلى الحكومة على إلقائها القبض عليه فكونا لجنة كنت أحد أفرادها وذهبنا لدى مراقب سلا نبلغـه احتجاجنـا، فصار المراقب ينفي ما نسب إلا فرنسا من أنها تحارب الدين وهي من ذلك برئية، فأجبته بالحجج التي كانـت الأقدار سهلت لي مشاهدتهـا قبل وهي:
أنه يوجد في قرية ابن أحمـد جامع لم يتم بنـاؤه، حيث أمر المراقب بإيقاف البناء وهو أمـام مدخل دار القائـد حسن، ثم أن الناس في الخمسينـات جمعوا قدرا من المـال لبناء مسجد هناك، ولكن صدر لهم أمر مـن المراقب بعدم التنفيذ، ثم أني زرت صحبة الأخ حصار قرية آزرو واتصلنا بالسكان هناك فاخبرونا بأنه ممنوع عليهم حمل القرآن الكريم إلى جبال الأطلس، بل وفي تلك القرية كذلك ثم أردنـا زيارة المدرسة وكان ذلك اليوم يوم الجمعـة،  وكانت المدرسة مقفولـة،  ومع ذلك اتصلنـا بمديرهـا، فأذن لنا بزيـارتها وأعطانـا معلومـات كانت صحبة لنا لدى مراقب سلا، قال لنـا مدير المدرسة مسيـو روكس أن المدرسة اليوم مقفولة يوم الجمعة وليس لأنه يوم دينـي لا لأننا نربي هؤلاء الطلبـة على ألا يعتنقوا دينـا، أما في عطلـة المدرسة، فهو لحصول السوق في هـذا اليوم وهي فرصـة ليتصل فيهـا التلاميـذ بآبائهم، أمـا هذه المدرسة، فقد أسسناهـا نجرب فيها تثقيف البربر باللغة الفرنسيـة، أمـا العربية ، فهي ممنوعة، وكذلك الديـن وعندمـا صرنـا نناقشه في الفكرة قال أن الحكومـة الفرنسية لا ترى أي صلة للبربـر باللغة العربية والديـن الإسلامي.    
عندما سمع المراقب كلامي لم يجد ما يقول وأراد أن يطمئننـا على حالة الأخ عبد اللطيف وأنه مستقر في دار ويتمتع بجميع الراحـة ووسائل العيش.
ثم طلب منا أن يعقد لنا  موعد مع المسؤول الأكبر رئيس قسم الشؤون الأهلية فقبلنـا وعندمـا حل الموعد استقبلنا المسيو بنازي في مكتبه الفخم وهو في حلتـه الرسمية وإلى جانبه ترجمان ضابط فرنسي يحسن اللغة العربية، وبعدمـا رحب بنا رفع يده يقسم بشرف فرنسا أن بلده لا تضمـر أي سوء لدين الإسلام ولا تقصـد أي شيء يمس به  وكان يكرر قسمه وينـوع كلامه،  وعندمـا انتهى طلب منا أن نهدئ روعة السكان ونبشرهم بحسن نية فرنسا، فكان جوابنا أنه ليس لنا سلطة على الناس، بل نحـن أفراد عاديون وكل ما نريده من هـذه الزيارة هو  أن نبلغكم احتجاجنـا على إلقائكم القبض على الاخ عبد اللطيف الصبيحي، فأجابنـا بأنه مسؤول على  هاته الروعـة وأنه في أمـن وسلام.
مرت مدة وسـلا بمفردهـا تقاوم هذا الظهير واتصلنـا ببعض الأفراد من الإخوان الرباطيين ليشاركونـا ويحضروا في هذه المقاومـة فكان جوابهم أنهم لا زالوا يبحثون عمـن يعمل معهم،  ولكن بعد مـدة قصيرة قرأ اللطيف في مسجديـن بالرباط ثم بعد مضي مدة زارنا الأخ السيـد الهاشمي الفلالـي، حيث قدم من فاس ليبحث عن سبب هذه الحالة بصدور الظهير وخطـره على  مجتمعنـا الإسلامي والوطني،  وهكذا لم تمر أيام على رجـوعه إلى فاس حتى قام إخوالنـا بإلقاء الخطب وبقراءة اللطيف في المساجـد،  فكـان لهذا صدى كبير اهتز لـه كل الناس.  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here