islamaumaroc

جوامع المغرب ومساجده

  عبد العزيز بنعبد الله

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

لعل أول بوثقة انصهرت فيها مع الأيام مظاهر الفن المعماري الشرقي المغربي هي مدينة فاس التي أقامها المولى إدريس عام 192هـ بالموضع المعروف بجراوة وقد أحاط عدوة الأندلس بسـور فتح في جوانبه عدة أبواب وجهز المدينـة بجامع للخطبـة وهو (جامع الأشياخ).
وقد اتجه المرابطون خاصة نحو هندسـة المساجد التي لم يعد يخلو منها ربض ولا زقاق لا سيمـا في فاس كما اهتموا ببناء القلاع على غـرار الحصون الأصليـة مع الاقتباس في آن  واحد من الأندلس وأول ما  تجلى هـذا الاقتباس في  فاس حيث استقـدم يوسف بن تاشفين من قرطبـة جملة من صناع طوروا مساجـد المدينة وسقاياتهـا وحماماتها وخاناتها كما استقدم على بن يوسف المهندسين الأندلسيين لبنـاء قنطرة (تانسيفت).
ثم جـاء الموحدون فاستطاعوا بفضل ما أبدعوه من روائع تبوؤ المقـام السامي في تاريخ الفن الإسلامي، لا سيمـا في عهد يوسف الذي عاش في إشبيليـة حيث زينها بأروع البنايات والمؤسسات العمومية ثم جـاء ولده يعقوب المنصور، فكـان أبدع بناء في تاريخ المغرب الفني وقد تجلت هـذه البدائع خاصة في إشبيلية والربـاط ومراكش ومناراتها (خيرالدا وحسان والكتبية) وأصبحت مراكش ببناياتها وقصورها وحدائقهـا أشبه ببغداد في الشرق كما أشبهت مدينة فاس دمشـق في روائها الفني وطبيعتهـا الخلابة.   
وقد خلف بنو مرين الموحدين في الربوع الإفريقية فكـان للفن المريني ميسم خـاص إذا قورن بالفـن عند (بني عبد الواد) في تلمسان والحفصيين في تونس في حين واصل بنو نصر في غرناطـة تقاليـد الفن الأندلسي.
غير أن الطابع العام لم يتغير وكذلك الاتجاه الفني الذي انصرف عنه بنـو الأحمر إلى زخرفة القصـور في حين تجلى عند المرينيين في إقامـة المدن المحصنة والمساجـد والمدارس.
وقد لاحـظ ابن مرزوق في مسنده أن إنشاء المدارس كان في المغرب غير معروف حتى أنشئت (مدرسة الحلفائيين) بمدينة فاس (مدرسة الصفارين) عـام 760هـ ـ ثم (مدرسة العاطرين) و (مدرسة البيضاء) ثم (مدرسة السهريج)، ثم (مدرسة الوادي) ، ثم (مدرسة مصباح) .. ثم إنشأ أبو الحسن في كل بلد من بلاد المغرب الأقصى وبلاد المغرب الأوسط مدرسة، فقامت عند ذلك مـدارس لإيواء الطلبة في تازة، ومكناس، وسلا، وطنجة وسبتة، وانفا وأزمور، وآسفي وأغمات ومراكش والقصر الكبير والعباد (تلمسان) والجزائر وقد أقام بنو مرين كذلك  « من آسفي إلى جـزائر بني مزغانة وأول إفريقية محارس ومناظـر إذا ظهرت النيران في أعلاهـا تتصل المراسلات بينها في الليلـة الواحدة أو في بعض ليلة».        
ولكن ما هي ميزات الفن المريني؟ إن الجامع الكبير في تازة وكذلك مسجـد أبي يعقوب المريني في وجدة يحتفظان أحيانـا بتلك الفخامـة التي يتسم بها الفن الموحدي ، ولكنهما يضيفان رقة الأشكـال وتشعب الرسوم وتداخـل التسطيرات والتوريقات والمقربصات والزليجـات، ويلاحظ  في المدرسة العنانية بفاس تشابه واضح  في الهندسة والترخيم مع مدارس الشرق.
وهذه المدرسة هي مدرسـة ومسجد في آن  واحد مجهزة بمنارة ومنبر للجمعـة ذات ثلاث عشرة مع الطوس ( شعار كل ساعة فيها أن تسقط ضجة في طاس وتفتح طاقات).
ومن  خواص الفن المريني النقش على الخشب والادهان البديعـة والشماسيات الملونة والنحاس المموه  وترصيع المنارات بالزليج.
أما في عهد السعديين الذي بدأ الفن المعمـاري يتحجر فيه نسبيا فإنه يمتاز (بقصر البديع) الذي وصفه (الأفراني) بأنه يفوق قصور بغداد روعـة وجمالا ورغم هـذا التحجر لا يمكن أن يعتبر هذا الفـن سوى امتداد للفن المغربي الأندلسي مع مميزات جديدة، حيث أن المنصور الذهبي استقـدم الصناع والمهندسين من  مختلف البلاد وحتـى من أوربا.
ومن المآثر السعديـة الباقية بعض مساجـد مراكش (المواسين والقصبة، وباب دكالة) وقبـور السعديين الرائعـة وجناحان في جامع القرويين.
وقد كفل العلويون امتداد هذه التقاليـد الفنية ، فجهز مولاي رشيـد مدينة فاس بالحصون على غرار بني مرين وأقام مدرسة الشراطيـن.
أما هندسة المساجد، فقد كانت مزيجا من هندسة الدول السالفة.
ومن حيث هندسة البناء الدينية يظهـر أن الفن المسيحي لم يترك أثرا يذكر في البلاد حيث أن المغرب نقل عن المشرق طريقته في الزخرفـة التي تزدان بها مساجده ومختلف مؤسساتـه الدينية وهي الطريقة الإسلامية التي أثارت إعجاب مهندسي الكنائس الرومانيـة في فرنسا،  وظهرت آثارهـا فيما شيدوه بها من معابد خلال القرون الوسطى.
نعـم يقال أن ذلك الإشعاع الفنـي الإسلامي لم تتعـد آثاره نطاق الجزئيات(ريكار)، ولكن كم يكـون فن القرون الوسطـى المسيحي جافا وباهتا كما يقول الأستاذ ريكـار نفسه لو أنه خلا من هـذه الجزئيات ومن روعـة ألوانهـا وجمال خطوطها.
وأول مملكة عربيـة تركزت في المغرب هي مملكة (نكور) الواقعـة بالريف على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وذلـك في عصر الوليد الأموي بإمـارة (صالح ابن منصور الحميري).
وقد غزا الإسلام منذ العقود الأولى للفتح قلوب صنهاجـة وغمارة ، فاتجهت الجهود إلى بناء  رباط في عهد الأمير(سعيد بن صالح) يحتوي على مسجـد بمرافقـه يحتوي تصميمه الهندسـي من جامع (الاسكندرية) وكان الأسلوب المعماري بسيطـا تبعا للفن الشرقي الإسلامي الذي كان لا يزال إذ ذاك في فجـر انبثاقـه ، فجامع عمرو بن العاص (عامل مصر) مثلا  خال من كل زخرفـة وتنصيق كالقربصة والنقيش الخشبي والمرمري وسائر العناصـر المعمارية الدقيقة التي امتاز بها الفن العربي في العصور التالية.
ومن هـذا الطراز مسجد (أغمات غيلانـة) الذي أسس عام 85 هجرية والذي يظهـر أنه أول مسجد بناه المسلمون بالمغرب بعد أن حولت المعابد التي بناهـا المشركون إلى مساجـد وجعلت المنابر في مساجـد الجماعات (1)، وبدأت إفريقيا تتطـور روحيا وفنيا على نسق الشرق الإسلامي.
وقد لاحظ الكاتب الفرنسي (جورج مارسي) وهو من كبار مؤرخـي الفن الإسلامي  ـ أن  بلاد البربر أسست منذ القرن السابع الميلادي، فكانت عبارة عن مرحلة في الطريق الكبرى التي تصل الهنـد بجبل (البرانس) بإسبانيا والتي يطرقها علاوة على رسل الخلفـاء وسفرائهم ثلة من الحجاج والطلبة والفنانيـن والتجار(2)فلا يسعنـا والحالة هذه أن نستهين بآثار عهد الإسلام المستديمـة والمنبعثة بواسطة هذه المسالك،  ومن ابرز مظاهـر هذا الإشعاع الفني انبثاق مساجـد وجوامع تنسم بطابع عربي أصيل وتوجـد خاصة بإفريقية العناصر الأوليـة للفن الإسلامي.
ويمكن أن نعتبر مدينـة فاس أول مركز عربي تفتق في البلاد المغربية، وأصبح بعد ذلك حسب  كوتيي مظهر إعجـاز في ميدان التكيف بالطابـع الشرقي ذلك أن الفن اتخذ مناهـج جديدة منذ العصـر الأموي في كل من الشرق الأدنى والمغرب العربي بفضل مرونة حساسيـة العرب ومداركهم الإبداعيـة ، فهناك عوامل  حدت العرب في  الأندلس  والمغرب وكذلك بمصـر إلى الاستحياء في زخارفهم من  معطيات الهندسة وهذه العوامـل هي إهمالهم للأشكال والصور المستمدة من الطبيعة وتعمقهم في دراسة الرياضيات وسعة مواهبهم وأذواقهم.
وقد تبلور هـذا الاتجاه مع مرور الاعصار وتهذيب أطرافه ورقت حواشيه وتنمقت معالمـه.
وكان لفاس أثرها القوي حتى في إفريقيا، وبذلك أمسى مهد الإسلام تابعا لمدرسـة برابرة الغرب الإسلامي (3)، ويرجع فضل هـذه النهضة إلى المولى إدريس الثاني الذي أمتد حاضرة العلم بأولى مؤسساتها.
وقد أقام المرابطون عددا كبيرا  مـن المؤسسات الدينية في المغرب الأوسط جوامع جزائر بني مزغنـة وندرومة وتلمسان (4)،  وكذلك في المغرب مدرسة الصابرين بفاس وجامـع ابن تاشفين بمراكش(5)، وتدل الحفريات الأثرية الأخيرة على أن في الإمكـان تحديد موقع هـذا المسجد العتيق في وسط المدينة وقد كشفت مصلحـة الفنون عن قبة مرابطية هي (قبة البردعيين) قرب (جامع ابن يوسف) بمراكش.
أما في فاس فإن جامع القرويين المؤسس عام  245هـ قد وسعت جنباته في عهد المرابطين على الشكـل الذي ما زال عليه إلى الآن كما يتجلى ذلك من الوصف الوارد في (القرطاس) و(زهرة الآس) وقد بني جامع القرويين طبقا لتصميم أصيل ، فصحونه موازيـة للقبلـة على غرار(مسجد الشرفاء) الذي بناه (المولى إدريس)  بفاس وكذلك (جامع ابن طولون) بالقاهرة وجامعـي بعلبك ودمشق.
والمواد الأساسية للبنـاء كانت تشكل في القرن الثالث الهجري من الأجر والجبص والطوب والطوابي فسور اجراوة(6) مثـلا بنى بالطوب عام 257هـ، وكذلك (رقادة) بإفريقية عام 294 والبصـرة المهدمة عام 368هـ ، هذا بينما استعمل البناؤون الجص والمرمـر والأجر في جامع القرويين لدى تجديد بنائـه عام 252هـ على يد الأندلسي محمد بن حمدون(7).
وقد أكمـد المؤرخ الفرنسي طيراس (8) لدى حديثه عن الفـن المرابطي أن عليا بن تاشفين فاق والده بكثير في المؤسسات المعمارية مع أن يوسف نفسه  كان من كبـار البناة والمؤسسين وقد اندثرت أعلام جميع ما أقامه من قصور ومساجـد في مراكش باستثناء قبـة البرادعيين (قرب جامع بن يوسف) ومسجد تلمسان (عدا منارته) ومعظم أروقـة جامع القرويين الزاخر بروائـع الفن الأندلسي المقتبس  طبق الأصـل من الفن الأندلسي بما كـان ينطوي عليه في  القرن الخامس الهجري من رقـة ورشاقـة وروعـة زخرف ومع ذلك فإن إسهام المرابطين في الفـن  كان مهما لا يخلو من تجديـد، فالفنان لا يمكن أن يستسيغ ويقتبس لا ما تمكن تقريبا من الكشف عنه  (9)، ولنـا على ذلك دليل قوي في  النفوذ الشامخ الذي بسطه المرابطون في الأندلس وإفريقيـة، وذلك في العمل البناء الذي حققوه في هـذا الجزء من المغرب الإسلامي وقد لاحـظ (كودار)(10) عن حق أن إقامـة المرابطين لصروح أكبر امبراطـورية أسست في العالم حيث امتدت من الأندلس على (جزر الباليار) إلـى (نهر الميل النيجر) لتتم لـدى الفاتح المرابطي عن تفتح مدارك قوية.
وبعد انهيار دولة المرابطين اعتلى اريكة العرش زعيم المصامدة الموحدين (المهدي بن تومرت) المنحدر من الأطلس الكبير، ثم خلفـه (عبد المومن بن علي) الذي وصفه بعض المؤرخين الأجانب بأنه أعظـم شخصية بدون منازع طوال القرون الوسطـى البربرية.
إن قادة الموحدين الذين ركزوا للمرة الأولى وحـدة الإسلام السياسية من حدود (قشتالة) إلى (ليبيا) قد ساهموا في تأصيل نوع من التوحيد بين عناصر الفن الإسلامي في المغرب(11).
وقد استمر نفوذ الموحدين أزيد من قرن،  كان لهم في غضونـه أعمق الأثر في عدوة الأندلس المترامية الأطراف، فانتصار يعقوب المنصور في الأندلس قد أضفى على الفن طابعـا خاصا وحقق  بتساوق مع مدرسة القيروان التجانـس الفني بين الشرق والغرب.
وقد احتل الموحدون في تاريخ الفن الإسلامـي مكانة مرموقة تفوق ما كـان للمرابطين في هذا الحقل، وذلك بالرغـم عن  معارضة المهدي بن تومرت مؤسس الدولـة الموحدية لبعض مظاهـر هذا الفن كالموسيقى  والسماع والزخارف والنقوش.  
وكان ابن يوسف هذا يقطـن في (إشبيلية) التي زخرف معمارها بأبهـى وأروع مما زين به حاضرة مراكش ، أما ولده (يعقوب المنصور)  فإن بدائعه الفتيـة تشهد بأنه أورع في العصر الموحدي(12)  مثال ذلك المؤسسات المقامة في إشبيلية والرباط ومراكش.
وبفضل الموحدين تجلى القرن السادس لبعض علماء الآثـار كعصر بلغ فيه الأوج في القسـم الغربي من العالم الإسلامي (13)، وقـد شرع (عبد المومن) في آن واحد في بناء مسجد (تازنو) والمدينـة نفسها، وكذلك  مسجد (تينمـل) مهد الدولـة الموحدية الذي لم تبق منه سوى معالمه ، أما في مراكش فإن ( كتبيته الأولى) هدمت ، وقد  تمكنت مصلحـة الآثـار الإسلامية والفنون الجميلة من الرسم الأول لهذا المسجـد، ثم بنى أولاده (الكتبية الحالية) محاذية للأولى، ومتوجهة بدقـة نحو القبلـة ، غير أن جانبا من هـذه البنايات لم يتم إلا في عهد يعقوب المنصور.
وتبدو الهندسـة المعمارية الموحدية في أجلى وأجل معالمها في مساجـد مراكش وحسان، (بالرباط) ومرصد الخالدة بإشبيلية(14).
ففي (منارة الكتبية) توجـد طبقات متوالية من الغرف  المقوسة السقف تصل بينهـا درج مركزية لا مرقاة لها ويلاحـظ وجود نفس التصميم في كل من (الخالدة) و(حسان) ، فالجدار مطلية بجص أصفر كلس أي ضارب إلى اللون الرمادي ، وما زال هذا التسليط جاريا به العمل في مراكش الآن  وتنعكس على صفحته تموجـات وضاءة تنسل داخـل المنارة من النوافذ المفتوحـة في عرض الحائط وتؤدي الدرج  آخر المطاف إلى الجزء العلوي من المتذنـة المطل على المدينة وتستمد النقوش تسطيراتها من أشكـال الزهر والسعف الجامعة بين القوة والرقة (15)، أمـا في الطبقة الأرضية فإن القبـة مخروطـة الشكل تبعا للأسلوب الإسلامي الإسبانـي ، بينما  تحتوي القاعـة السادسـة والأخيرة على أغنـى قبة ثمانية الهندام ذات ضـلاع ومقريصات تتكون منها مجموعـة هندسية رائعة، ولكن لا يـلاحظ في مجموعة أجزاء المنارة أي عنصر جديد بنفـس الأسلوب أو الهندام  العام الشائعيـن في المغرب ، اللهم إلا إذا استثنينـا ضخامة (برج المتذنة) وقـمتها والتنناسـق الأصيل في الزخرف والتنسيق ، وقـد أكد كل من (طيـرس) و(باسي) أن )الكنيسة)   أجمـل معبد إقامته الخلافـة الإسلامية في المغرب وأنه يعادل في جـدة أسلوبه روائع (الجامع الكبير بقرطبـة) والانطباعـة التي ترتسم في نفس الزائر لهـذا المسجد هي الروعـة والتأثير البليغ ، ذلك أن مساجد الموحدين أكمـل وأروع المساجـد الإسلامية، فهي عبارة عن خميلة من الأساطيـن تتجلى في غضونها جلالة الصحون والأروقـة الممتدة بين الأعمـدة والحنايا وصفاء الأقـواس في رسومهـا المتناهية والجناس الأخـاذ بين الصحن المركزي والصحـون الجانبيـة بأقواسها المقريصـة وقببهـا البديعـة وسقوفها الخشبية السامقـة  تتلألأ في منتهى الصحـن الذي تخيم عليه أشعـة خافتة وضاءة المحـراب الناعمة وفصوص لعاج المصفـرة في تضاريس المنبر ولمعان الفسيفساء، بحيث تنتشق من هذه المجموعة المعماريـة الخلابـة عظمة تجمع بين الوداعـة والنعومة، فجامع قرطبة رغم سعتـه لا يتسم بنفس الطابع من التجانس والتناسق ، ومع ذلك فإن عـددا كبيرا من رؤوس الأساطين في (الكتبية) هو مـن أصل أندلسي ، فالأعمدة الأربعة التي تساند (قوس المحراب) من مخلفات (الفن الأموي) وتوجد أيضا في المسجد الموحدي بقصبة مراكش أعمدة أموية من الصعب وجودها ملتئمـة في قرطبة نفسها، فجامع الكتبية يشكل (متحفا) حيا للأعمـدة الموحدية التي ينيف عددهـا على الأربعمائة والتي ما زالت تحتفظ بأصالتها المتجلية في عبقريـة الفنان الأندلسي الموحدي ومهارة يـد الصناع وقد اكتسى في بناء رؤوس الأعمدة غلالة من الخصب الذي لا ينضب معينه ولم يسبـق له نظير في ( الغرب الإسلامي) ، ولن يسمح الزمان بمثلـه(16).
أما منبر (الكتبية)، فقـد تحدث عنه (ابن مرزوق) في(مسنده) (17)، فأشار على ما أكـده أهل الفن من جودة وإتقان في ترصيع منبري (جامـع قرطبة) ومسجد (الكتبية) في حيتان أن المشارقة لا لعلم لهم بفـن النقش على الخشب برقة وأناقـة، ويرجع تاريخ صنع  هـذا المنبر إلى (عبد المومن بن علي)(18).
ويرى كل مـن (طيراس وباسي)(19) ، أن هـذا المنبر هو أجمل منبر في الغرب الإسلامي، بل أبهى وأروع منبر في العالـم الإسلامي أجمع وما زال قائم الذات إلى عصرنـا هذا في (الكتبية) إلا أن بعض أجزائـه تميل إلى التداعي ، وقد تعرض (ميلي Milie) في كتابه عن (الموحدين) (ص 128) إلى المنارات الثلاث، فذكر أن قيمتها لا ترتكز على ضخامتها وتوازنهـا فحسب، بل أيضا على فخامـة هندامها ونسبها الوافيـة بمقتضيات الأناقة مع بساطـة في الزخرف والنقش وأصالة في الـذوق الذي يحدق بها ويحويها دون مساس بوحدة هـذه المجموعة التي تسري في معالمهـا آثار السلطان المؤسس لها محي الديـن وحامي التقاليد. بل مدعم الإسلام في ربوع المغرب. 
وقد ازدهرت مظاهـر الحضارة والعمـران في عهد بني مرين الذيـن أصبحوا أقـوى ملوك إفريقيا(20)، إذ بالرغـم من محدثهم الصحراوي، فإن هؤلاء الرجال استطاعوا بفضل اتصالهـم المزدوج ب( بني نصر) ورثة الحضـارة الأندلسية وبالموحدين التكيف والانسياق في مجرى الحضارة تبعا للمقتضيات المدنيـة مع  استمداد من معطيات الفكر الإسلامي والمجالي الطريقـة في التجديد ، وقـد تبلور اتجاههم في إقامـة المدارس المحصنة والمساجـد وقباب الأضرحة والفنادق المزخرفـة والمدارس الفخمة التي أضفت على المغرب المريني طابعا خاصا من الروعـة والبهاء.
وقد لاحـظ الأستاذ (ألفريد بيل ) عن حق أنه خلافا لتقاليـد الشرق كان الملوك في طليعـة من تبني تأسيس المعاهـد، في حين تكفل بذلك الوزراء في المشرق(21).
وقد اتسمت هـذه الحركة المعمارية بطابع ديني في كثير من الأحاييـن حيث أقام المرينيون  مجموعة رائعة من المساجـد في تازة  ووجـدة (22) وتلمسان (23)، وقـد تم ذلك خاصة في عهد أبي الحسن بفاس والمنصور (قرب سبتة) وطنجة، وسلا ومكناس ومراكش، كما أقيمت معابـد حول أضرحة الملوك مثل (مقابر المرينيين في شالة بالقرب من رباط المجاهدين)  حدا الملوك منذ عهـد (أبي يوسف) إلى عهد (أبي الحسن) إلى اختيار هـذا الحدث الطاهر، وقـد أضفى أبو الحسن على هـذه الأضرحة السلطانية مسحـة الروعة والجلال بتسويرهـا وزخرفتها وإقامـة مسجد ثان حولها، وكـان هذا الأمير إذاك في طليعة زعمـاء الإسلام بالمغرب حيث توحدت إفريقيا الشماليـة لأول مرة منذ عبد المومن الموحـدي تحت راية أمير واحـد من ( قابس) إلى (المحيط الأطلنطيقي)، وبلغت الدولـة المرينية أوج عظمتها كما بلغت حضارتها قمة روعتهـا وأمسى أبو الحسن ، كما يقول أندري جوليان أقوى ملك في المغرب خلال القـرن الرابع عشــــر(24).                                    
وفي عهد المرينيين أسست زاوية شالة(25) التي تعبد فيها الشاعر الوزير ابن الخطيب السلمـاني والتي أضافها (أبو الحسن) إلى جناح الأضرحـة بهذه المدرسة الأثرية وهي بساحتها الداخلية وصهريجها وأروقتها وغرفها الشبه بمعهد تتجلى فيه نفس  المعالـم الزخرفية المدرسية كالترخيم والنقش والزليج والفسيفساء، والتبليط  المرمـري، وقد بنى (أبو عنان) الزاوية النساك) بسلا التي ما زالت ببابهـا المنحوتة من الحجـر البديع قائمـة إلى الآن مع بقايا غرفها الثلاث ، حيث كـان يقطن (شيخ الزاوية) وطابقها الأول وصحـن يتوسطه صهريـج ويحيط بـه أحد عشر مرحاضا للوضـوء، وتعتبر المدارس المرينية  مساكن للطلبـة ومزكزا لدراستهـم التي كانت تتابع في المساجـد القريبة منها وأحيانـا كانت المدرسة نفسها تحتوي على مسجـد صغير بمحرابه ومنارته.
وقد رسـم التصميم العام لهذه المدرسـة المغربية منذ القرن الخامس الهجري ، فهنالك صحن تقوم في جوانبه الثلاثـة سلسلة من البيوت، وفي الجانب الرابع قاعـة للعبادة وتقوم فـي الطابع الأول في بعض الأحاييـن مجموعات أربع من الغرف تشرف على الصحن الداخلي.
ويمكن أن تعتبر توافـر المدارس والمعاهـد في عهد المرينيين بمثابة رد فعـل ضد الحركـة الدينية الموحديـة، وذلك بإقرار برنامج  يهدف إلى نشر آراء جمهرة أهل السنة الذيـن نصب بنو مرين أنفسهم للدفاع عنهم وكان المرينيون متضامنين في ذلك من جميع طبقات الصوفيـة التي ساندتهـم في دعم هـذه السلفيـة.
وقد أسست أول مدرسة مرينية عـام 670هـ بأمر من أبي يوسف(26) وهي تحتوي على مسجـد ومنارة وهي المؤسسـة الوحيدة التي يرجـع تأسيسها على هـذا القرن.
وفي القرن التالي أقيمت مجموعة من المدارس منهـا مدرسة فاس الجديد عام 720هـ (وهي تضم مسجدا وصومعـة ومدرسة العطارين ثم مدرسة الصهريج الكبرى)، ومدرسة السباعيين (الصغرى) وكانتا متصلتين ثم أخيـرا المدرسة المصباحيـة(27)، هـذه المدارس الثلاث الأخيرة بنيت بأمر من أبي الحسن الذي زود بالمدارس كبريات مدن المغربيـن الأقصى والأوسط (تازة، ومكناس وسلا وطنجـة وسبتة وأنفا وأزمور، وآسفي وأغمات ومراكش، والقصـر الكبير، والعياد بتلسمان  وعاصمة الجزائر) ، أما ولده أبو عنـان فإنه أسس المدرستين الحاملتين لاسمه بفاس ومكناس.
ويلاحذ أن هـذه المدارس كانت تشتمل أول الأمر على منـارة وتتجلى كمسجد علاوة على ميسمها كمأوى للطلبـة،  وكان تصميمها مزدوج المعالـم عبارة في آن واحد عن مسجد مدرسي (كالقرويين) وعن  جناح للسكنى، ثم تبلورت في التصميم بعد ذلـك مظاهر المدرسة، فألغيت الصومعة (مثل مدرسة الصهريج) ثم تقلصت مساحـة المسجد الذي أصبح لا يعدو قاعـة كبرى للصلاة دون زخرفـة خاصة، وحتى المحراب صار يقـام رمزيا في شكل قوس أصم  محـاط باسطوانتين دقيقتين.
وقد استمـر هذا الاتجاه فأسقط المحراب تمامـا بعد بضع سنوات من (المدرسة المصباحية)، إلا أن (مدرسة العطارين) وهـي آخر مدرسة بناهـا أبو سعيد تحتوي على محراب، ولعل ذلك راجـع لضرورة تبرير مزيد الزخرفة والنقش (28) بمظهـر ديني خاص. كمـا أن مدرسة سلا احتفظت بمسجدهـا ومحرابها نظرا لصبغتهـا الاستثنائية كمركز صوفي لا يحتـوي على أيـة غرفة لسكنى الطلبـة (ومدرسة أبي عنان) في مكناس تمثل مرحلـة انتقاليـة بين نوعين من المدارس يرجـع عهدهما لأبي الحسن وولده أبي عنان (مسجد مربع وأروقـة في الجوانب الثلاثـة من الصحن)، أمـا (المدرسة العنانية) بفاس فهي تتسـم بهيكلها الضخم وروعتها الأخـاذة لجامـع مزود بمنـار ومنبر لخطبـة الجمعة.
ولنضرب مثلا للفن المريني الرائـع ببعض المآثر التي ما زالت قائمـة برباط الفتح ومنها (الجامع الكبير) الواقـع قرب (باب شالة) الذي تحـده في الجنوب الشرقـي مقبرة تمتد إلى السور الأندلسي ، وقد كتب على إحـدى أبوابه تاريخ 1299هـ ( 1882م) وهو تاريخ تجديد البنـاء في عهد الحسن الأول ،  كمـا أن لوحـة التحبيس المرينية وهي صفيحـة مربعة من الرخـام مغروزة في إحدى الأساطين المحيطة) بمكان العنزة هي نفسها التي كانت على ضريح السلطان أبي الحسن بشالة، ونقلت إلى المسجد في عهـد (مولاي اليزيد) العلوي إلا أنهـا لا تشير إلى الجامع الكبير، كما يوجـد (المارستان العزيزي) قبالته، وقد أدخـل جلالة الملك المقدس المرحوم محمد الخامس، على المسـجد عدة إصلاحات وقد اختلف المؤرخون في تاريخ بناء هذا المسجد، فأكد مؤرخ سلا (محمد بن علي الدكالي) أنه من مؤسسات الأندلسيين الذين وردوا على المغرب في عهـد السعديين أي في القرن الحادي عشر مستندا إلى مـا استنتجه من كتاب «وصف إفريقيا» للحسـن الوزان من عدم وجود أي أثر لبنـاء بالرباط في عصره أي في القرن العاشر ، إلا أن مؤرخ الرباط محمد بوجنـدار(29) يرجح أن المسجـد من مآثر المرينيين ، ويعلل ذلك بوجود المارستان العزيزي قبالتـه، ويكون إحدى الأبواب وقد رممت في عهد السلطان المريني أبي الربيع وهي  وجهـة سديدة وإن  كانت التعديلات اللاحقـة قد غيرت معالم الأصل ويبلغ عرض المسجـد على طول جدار القبلة 47،5 م، ويزيـد عمقه بمتر واحد على عرضه بإدراج مقصورة الإمام ، إلا أن شكله الهندسي غير مربع نظرا لعـدم تساوى أضلاعـه، أمـا مساحته البالغة 1800م،م فإنها تجعل منـه أعظم مسجـد بالرباط بعد (جامع السنة) وهو يحتوي على سبعـة صحون موازيـة للقبلة وعشرة عموديـة أما الساحـة فشكلها مربع منحرف عرضه أكبر من طوله تحيط به ثلاثـة أبهاء أقيمت في أحدهـا (مقصورة للنساء) وبالجانب الشمالي الغربـي (المنارة) وللمسجـد ستة أبواب وعلى طول جدار القبلة عـدة مرافق تتصل بفرع للمكتبـة العامة بالرباط، يفصل اليوم المسجد عـن المقبرة ـ وهذه المرافق هي مستودع المنبـر ومقصورة الإمام وجامـع الجنائز، أمـا الأقواس فإنها ذات أشكال وأحجـام مختلفة ، إلا أن الحنايا التي يستنـد إليها الرواق أمـام المحراب تلفت الأنظار بميزاتهـا الخاصة إذ هي عبارة عن حنايا مفصصة قد نحتت فيهـا قوسيات تصل إلى ثلاثـة عشر متشابهـة عدا قويس الانطلاق وقويس الانفتاح ، أمـا الأقواس الأخرى فمعظمها حنايـا مكسورة وحدويـة (على شكل حدوة الفرس أي نعله) أو مشرعـة (أي سهمها أكبـر من نصف الانفتاح)، كمـا أن معظم السطوح ذات انحدار مزدوج في شكـل برشلات، أو جملونيـات دون قرميد ولا تليق، أمـا المحراب فإن قوس انفتاحـه حدوي الشكل كنعل الفرس الحديدي متقارب المركزين غير بارز الكسر يستنـد إلى عضادتيـن عاليتين. وقد  ازدوج بقوس آخـر خارج عن المركز في جوف قد نحتت نقوش رائعـة في جيبـه اللامـع وعلته قبة مثمنـة بنفذ  منها النور من ثغرة مثمناتهـا مع المجموع.
أما (الصومعة) فإنها مربعة الشكـل تبلغ أضلاعها 5،10م وقد زيـد في ارتفاعها عام  1358هـ 1939م، فبلغت من العلو 33،15م، بينمـا لم  تكن تصل من قبل على أكثر من 27م وتحتوي الصومعـة على ست غرف مربعـة الواحـدة فوق الأخرى تغطيها أقيبة متصالبة الروافد تؤدي إحداهـا إلى مخدع الموقف الواقع فـوق المصرية (أي العلية وهي من مصطلحات المغرب الأقصى(30)  وينفذ الضوء إلى دورات الدرج من ثغرات واسعـة مقوسة وملتويـة في انحناء مستقيم،  ويتسم المجموع بطابع البساطـة الذي يزيده روعة، أمـا ملحقات الجامع الكبير فإنهـا لا تمتاز بأهمية خـاصة، فإلى جانب ممر ضيـق يؤدي إلى (جامع الجنائز) على طول جدار القبلـة توجد  مقصورة الامام، وهي تضم غرفتين تتصل إحداهما بمستودع المنبر.
وإذا استثنينـا النحت على الحجر في خصوص الأبواب، فإن النقش على الجبس يتوافر في المحراب وفي الوجه الداخلي للباب الكبرى وفوق الحنايا المفصصة أمام المحراب مع رسوم زهريـة متكاتفة تحيط بها خطـوط هندسية وأنضاد متراكمة من الواردات بين الأقواس دون أصباغ مع ضالـة النقوش الخشبية وتبرز في مواضع أخرى سعفيات (موردة) أو كتابات بالخـط النسخي، أمـا المنبر فهو من صنع علوي عادي برسومه الخشبيـة المنحوتة على لوحات (مأطورة) ، تلك صورة عن الجامـع الكبير كما هو الآن والبابان الشارعتـان إلى زنقة (باب شالة) قد أضيفتا كمنفذ خاص إلى رواق النساء، وكذلك الباب المؤديـة إلى زاوية سيدي التلمساني والفسقيتان الفوارتان في البهـو الجديد شمالـي غربي الصحن ومن الزوائـد الطريفة في المسجـد نقوش المحراب ورواق الجنائز وترخيمات بعض الحنايا مما حفظ للجامـع هيكله العام دون كبير تعديل ، ويظهـر أن الجامع لم يكن فيـه أكثر من خمسة صحون طويلة مركزية بدل عشرة بجانب الصحون السبعة الموجودة الآن، وكانت المساكـن تحيط به  من جهتين ، وهـذا التخطيط متناسق الأجزاء بالنسبة للتصميم الحالـي الذي يخلو نوعـا ما من التوازن والانتظام، أضف إلى ذلك ما كانت تمتـاز به الحنايا المفصصة والمكسورة والحدويـة من تنوع ويذكرنـا الهندام المعماري في الجامع الكبير بالمساجـد المرينية في تلمسان ،  وخاصة في مدينة «العباد»  حيث مدفـن (أبي مدين الغوث) فعدد الصحون الطويلة واحد فيهما مع ثمانيـة صحون  موازية للقبلة هناك بدل سبعة بالرباط، ومن مظاهـر العتاقة في الجامع الكبير ضخامـة القواس المفصصة أمام المحراب وهي من خواص المساجـد المرابطية والموحديـة بكيفيـة عامة مع وجودهـا أحيانا في عهد المرينيين كما هو الحال في جامع (فاس الجديد).
ولم يعد المهندس المعماري يستعمل هـذا النوع من الترخيمات في العصر العلوي وحتى بالنسبة لنقوش الحنايا يمكن التنظير بين المشبكات الهندسيـة في (الجامع الكبير) ومثيلاتهـا في منبر (المدرسة العنانية) بفاس وباب ( العنانية) أيضا بمكناس، ومع ذلك فإن  جامـع الرباط لا يوحي في مجموعه بنفس الارتسامـة التي يشعر بها الزائر لمدارس فاس ومساجـد تلمسان المرينية  التي تمتاز بعدة ظواهر جزئيـة كبعض الأشكال الصنوبريـة (على شكل ثمرة الصنوبر) أو الزهيرات (أي زخارف نورية الشكل) تلك معالم تشهـد بأن الجامع الكبير يرجع تاريخه إلى العهد المريني، وذلك بالإضافة إلى بعض النصوص التاريخية التي تعـزز هذه النظرية لا سيما وأن  مؤرخي العلويين مثل (الضعيف) و(الزياني) و(الناصري) لم يدمجوا هـذا المسجد في لائحة المساجـد العلوية وربما كانت المجموعة المركبة من المسجد والسقايـة والمارستان العزيزي هي نفس ذلك الثالوث الملحوظ في جميع المساجـد مع اعتبار أن هـذا المارستان كان مدرسة كما يدل عليه شكلـه، وهنا يجب أن نتساءل كما فعل الأستاذ كايبي (ص 199) عن تاريخ التعديلات والإضافات الطارئـة على الجامع الكبير ويمكن أن نقارن بين هـذه وبين المظاهـر المعمارية في (جامع مولا ي سليمان) بالرباط، وقد أسسه السلطان العلوي (مولاي سليمان بن محمد بن عبد الله (فالمنارتان متساويتـان في الأضلاع والترتيبـات الداخلية والنسق الفني واحـد في السطوح والحزات الجدرانيـة التي تنصب منها مياه العظر بدل الميازيب ، وذلك عـلاوة على تشابه بعض الأبـواب ويدعـم هذا الشبه الواضـح ما أشار إليه (محمد الضعيف) من أن السلطان مولاي سليمـان وجه من  طنجة أحد أعوانـه لمخاطبـة (المعلم الحسن السوداني)  فيمـا يجب انجازه من أعمال في جامع الرباط (31)، وهكذا يمكـن التأكيد بأن الزيادات العلوية في هـذا الجامع يرجع الفضل فيها على الملك الصالـح المولى سليمان الذي قـام بهذه البادرة المثلى فوسـع المسجـد وجدد سطوحه.
تلك هي المظاهـر الجوهرية التي يمكن أن نستخلص منها صورة عن الفـن المريني الذي بدأت تتبلور فيه مجالي الازدواج بين الطابعين الأندلسي والمغربـي في شكل جديد سمي بالفن الإسباني الموريسكي.
وبالرغم عن التأثيرات الأندلسية التي وسمت هـذا الفن، فإنه اصطبغ بسمة خاصة إذ عوضـا عما  كان يذكي المهندس الأندلسي من رغبة في تحقيق التوازن بين القوى في المعالم المعماريـة هدف المهندس المغربي إلى ضمان متانة الهيكل ، بالإضافـة إلى ما  كان  يشعر به من  حاجة إلى مزيد من الزخرفة والتنميق ، وهـذا هو الطابع العام الذي يتسم به  مجموع الفن الإسلامـي من تسطيرات ناتئـة ومقربصات وتلوينات، علاوة على روعـة الهندام ، ورغما عمـا يتسم به الفن المعماري الذي بلغ في العصر المريني أوج عنفوانه من إيغال في التوريق والتسطيـر والنقش مع قلة توازن بين الأجـزاء، وعـدم جودة المواد فإن المجموع ظل كما يصفه المؤرخ أندرى جوليان واضح المعالـم متوازي النسب تتجانس نقوشـه تجانسا رائعا ضمن الحيـز الذي يملأه ، وهـذا بالإضافة على ما انطوت عليه الألوان من دقـة وجناس كاملين(32)، وقد أشبـع الفن المريني شرقا وغربا بثروتـه التي لا تضاهي وروعتـه الطريفة الأصلية، فكان فنا أندلسيا مغربيا تتناسق عناصره في (العدوتين).       
وهـذا التناسق الفني يرجـع الفضل فيه على نشاط المهندس الأندلسي الذي كـان تأثيره ملحوظا في مجموع المآثر المعمارية(33).
وكان للفنانين والمنتجين المغاربـة صيت رائع وحظوة لا باس بها حتى في الشرق ، غير أن درجـة النضج الذي بلغها هذا الفن كانت  تنطوي على عناصـر انهياره ، فقد استنفذ كثيرا من قواه  منـذ عهد أبي الحسن، وحال قيام الفتن دون تحقيق أعمـال عمرانية كبرى بعد ذلك.
وإذا كـان الفن قد استطاع الصمـود في نهاية العهـد المريني فما ذلك إلا بفضل العناصر الأندلسية التي هاجرت إلى المغرب، بحيث اصحب المغاربة منذ عهـد الوطاسيين عالة في كثير من الفنون والحرف على الأندلس(34)، مع ذلك فإن الفـن المغربي نشطت مقوماته العمرانيـة ظل محتفظا بجودتـه النادرة رغما عن  انعدام الفخامة في مجاليه ذلك أن وفـرة الزخرفة وثراءهـا وروعتها انتظمت في إطـار من الوضوح والدقـة لا غبار عليـه، وكان المجهود الفني الـذي بذلـه المرينيون قد تقلص ـ كما يقول طيراس ـ في الذي انهارت قوتهم العسكرية. 
وقد اتخـذ تدخل (السعديين) صورة ثوريـة ضد عجـز (الوطاسيين) عن إيقاف الحملة المسيحية وهبوب الإسبان لغزو المـغرب بعد سقوط المعاقل الغربية في الأندلس وقد تم احتلال سبتة (عام 818هـ)، فثارت ثائرة الأمة المغربية وطاف دعاة الجهاد في القبائل يحدون الناس إلى مقاومـة المغير، وقد تركزت هـذه الحركة التحريرية حول مراكـز إقليمية للتجمـع وهي (الزوايا) واستغل الشرفاء السعديون الموقف ، فتزعموا هـذه الشعبية، ونصبوا أنفسهم قوادا للثورة.
وقد عرف السعديون كيف يوجهون هـذا الحماس الشعبي الرائع الذي كـان يعززه العلماء والصوفية  فاخرجوا العدو من (أكادير) و( آسفي)و (آزمور) و(أصيلا) و(القصر الصغير) وكللت سلسلة الانتصارات هذه بهزيمـة شنعاء مني بها البرتغاليون في (معركة وادي المخازن) التي فقدت (البرتغال) بعدهـا استقلالها السياسي طوال اثنتين وستين سنة،  واندرج المغرب بفضل انتصاره الفذ في صف الدول العظمـى تخطب وده بلاطات أوربا وتسعـى في الخطوة بمعونته.
ومن المؤسسات الدينية السعدية (مسجد باب دكالة) الذي بنته (مسعودة المزكيتية) والدة المنصور وبتناسق في هـذا المسجد الأسلوب المريني (الصحن المربع) مع بعض معالم الفـن الموحدي مثل هندام القباب وبعد ذلك بخمـس سنوات أسس (جامع المواسين) بمرافقه من قاعـة الوضوء والحمام والمدرسة والكتاب (أي المسيد) والسقاية مورد الماء المخصص للحيوانات وتنم هـذه المظاهر الجزئية عن استمرار تقاليـد  العصور السالفة في الحقل المعماري.
أما في جامع القرويين بفاس فإن السعديين بنوا قبتين في الصحن تتوسط كلتيهما خصة مرمرية شبيهـة بما يوجد في (ساحة الأسود) بالأندلس.
وقد أسهم السعديون في بناء مدارس صغرى مضافـة إلى المساجـد أو الزوايا، حيث توحـد مثلا في مراكش عاصمة السعديين أعظم مدرسة بالمغرب (35) يرجـع فضل تجديد بنائها إلى (الأمير مولاي عبد الله) وهي (مدرسة ابن يوسف) التي تستمد اسمها من الجامـع المجاور لها، وقد بناها (أبو الحسن المريني)(36) ،  وكـان أهم مأوى لطلبة جامعة ابن يوسف حيث تحتوي على نحو المائـة غرفة.
 وقد لاحـظ طيراس(37) أنه بالرغم عن الجهـود التي بذلها كبار الأمراء السعديين فإنهم لم يسهموا في انبعاث الحضارة الإسلاميـة بالمغرب، ذلك أن المدينة والفن كانـا  متجهين نحو الماضي ، فلم تستطع بعض التأثيرات الأجنبية تعديل الأصـول القديمة ولا تركيز بذور خلق جديـد ، فالفن المغربي إذن هو حسب (طيراس) (فن خال من كـل غض طريف تكتنـفه رواسب الماضي)، غير أن صلات عابرة وغير مباشرة بالفنون الإسلامية الشرقيـة تحققت من  جديد بفضل ما كـان للسعديين من عـلاقة بالأتراك ، ولعل بعض هـذه الآثار تتجلى في فن الطرز والنسيج والتجليد والتذهيب، وكذلك في بعض أزياء الرجـال، لا سيما منها العسكرية نظرا لتأثـر أمراء سعديين مثل (عبد المالك) الذي عـاش في تركيا ببعض مجالي الحياة في هذه البلاد. 

(1)  المغرب لابن عذارى ، ج1، ص 37.
(2)  مقدمة (كتاب الفن الإسلامي).
(3)  (الفن الإسلامي) جورج مارسي ج2، ص 469.
(4)  هذان الجامعان الأخيران هما نهاية في البساطـة الخلابـة، وهما خاليان من كل كتابة تتم عن مؤسسهما ، غير أن تأسيسهما يرجع في الغالب إلى ابن تاشفين (الهندسة المعمارية الإسلامية في المغرب مارسي ص 191).
(5)  ورد في معجم ياقوت (ج6، ص 184) أن عـدد الحمامات 180.
(6)  تقع (جراوة) حسب الإدريسي قرب مليلية على مسافة ستة أميال من البحر (مختصر النزهة ص 54).
(7)  وبنى أسواره (ابن الأشعث) عام 246هـ البيان لابن عذارى (ج1، ص83).
(8)  تاريخ المغرب ج، ص 252.
(9)  مقدمـة كتاب الفن الإسلامي لمارسي
(10)  في كتابه (وصف تاريخ المغرب ، ج  ص 174.
(11)  مارسي (الفن الإسلامي 105)
(12)  مارسي الفن الإسلامي ج1، ص 303.
(13)  الهندسة المعمارية الإسلامية  في المغرب  ص 200
(14)  يوسف هو الذي شرع عام 567هـ في بناء المسجد الأعظم بإشبيلية (القرطاس) لابن أبي زرع (طبعة سلا، ج2، ص 186).
(15)  مجلة (هيسبريس) التي تصدرها كلية الآداب بالرباط (المجلد السادس، عام 1923، ص 107).
(16)  طيراس وباسي (هسبريس  مجلد 6، عام 1926، ص 107).
(17)  مقتطفات نشرها ليفي بروفنصال ف يمجلة هسبريس عام  1925، ص 65.
(18)  الحلل طبعة تونس 109.
(19)  هسبريس مجلد 6، عام 1926، ص 169.
(20)  راجع تاريخ إفرقيا الشمالية لأندري جوليان.
(21)  الجريدة الأسيوية الكتابات العربية بفاس عام 1917 و 1918(ج10، ص 152).
(22)  أبو يعقوب هو الذي بنى مسجد وجدة عـام 696هـ حسب (القرطاس)، وقد لاحـظ مؤلف (الذخيرة السنية) ص 150، أن أبا يوسف هـدم وجدة عام 670هـ
(23)  راجع مقتطفات ( المسند لابن مرزوق في (هسبريس ، ج5، ص 32 عام 1925) حيث لاحظ ابن مرزوق أن الرحالين مجموعون على اعتبار هذا المسجد كجامـع هو الأول من نوعه ، وقد أسس أبو الحسن مدرسة (هتين) التي اندرست معالمها منذ قرون.
(24)  تاريخ إفريقيا الشمالية 1931، هـ ص 446.
(25)  توجد لفظة الزاوية مكتوبة على الرخامـة المرمرية وعلى خزف عثر عليه عام 1930 خلال الحفريات (الهندسة المعمارية الإسلامية ص 283).
(26)  راجـع «المسند» لأبي مرزوق |، مقتطفات ليفي برفنصال هسبريس ج5، ص 15، عام 1925.
(27)  نص ابن مرزوق على أنها من بناء أبي سعيد في حين أن الكتابات الموجودة بها تدل على أن مؤسسهـا هو أبو الحسن (راجع الاستقصا ، ج2، ص 87 وكتابات فاس ( الانفريد بل) ص 229.
(28)  هذه المدرسة أبهى وأروع مدرسة من حيث الزخرف حتى في نظر الفنانين الأجانب (الهندسة المعمارية في المغرب ص 285).
(29)  الاعتباط ص 114( مخطوطة المكتبة العامة بالرباط، عدد 1287).
(30)  لا شك أن هـذه التسمية ترجع لكون مصر هي التي عرفت في العالم الإسلامي بكثرة طبقات دورها، وقد ذكر المقريزي في خططه ، ج1، ص 334 و341 أن مساكن الفسفاط كانت من سبع طبقات.
(31)  تاريخ الرباط للضعيف، ( ص531، ج4
(32)  تاريخ إفريقيا الشمالية ، ص 456.
(33)  كان ذلك منذ المرابطين وقد لاحظ (الناصري) نقلا عن صاحب (الجذوة) أن المهندس الإشبيلي محمد ابن علي هو الذي رسم تصميم (دار الصناعة البحرية بسلا)، واستعمل الأساليب المعروفة بالأندلس (الاستقصا، ج2، ص11) كما أن نقـل مياه (ودي فاس) لتزويد قصر يوسف بن يعقوب كان على يد مهندس إشبيلي اختصاصي في علم الحيـل هو (محمد بن الحاج).
(34)  كودار ، ج2، ص 461.
(35)  الهندس المعمارية الإسلامية، ص 392.
(36)  (الاستقصا) نقلا عن نزهة اليفرني (ج2، ص 36).
(37)  تاريخ المغرب (ج2، ص 234).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here