islamaumaroc

الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية بشفشاون وأحوازها، لعبد القادر العافية

  محمد بركاز

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

صدر أخيرا عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كتاب عن: «الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية بشفشاون وأحوازهـا خلال القرن  العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي» لمؤلفه الأستاذ الباحـث السيد عبد القادر العافية وبتصدير من السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامي الذي قـال عن الكتاب إنه: « ليعد بحق من خيرة البحوث والدراسات القيمـة النادرة التي اهتمت اهتمامـا بالغا بموضوع الحيـاة الفكرية في فترة من تاريخ أمتنـا العربية الإسلاميـة بالمغرب وفي ناحية مهمـة من هـذا المغرب بالشمـال على الخصوص، هي إقليــــم شفشاون العزيز... » إلخ ص3.
والكتاب هو في الأصل عبارة عن رسالة تقدم بهـا الأستاذ الباحث لنيل دبلوم الدراسات العليا بدار الحديث  الحسنية بالرباط عام  1400هـ/1980م.
يحتوي هـذا الكتاب على مقدمـة ومدخل تاريخ عـن منطقة شفشاون مع لمحـة سياسية لهذه المنطقة، وثلاثـة أقسام  ثم الخاتمة، فقائمـة لأهم المراجع والمصـادر المعتمدة في البحث مرتبة ترتيبا هجائيـا مع فهرس عام عن موضوعات الكتاب، ففي المقدمة عرض الباحث للحافـز الذي دفعـه إلى الاهتمام بهـذا الموضوع الصعب والى الصعوبات التي لاقاهـا أثناء علمية البحث، فقال إن : «الحافز على هـذا البحث في هـذا الموضوع الصعب هو إيمانـي بعراقة وأصالة ثقافتنا العربيـة الإسلاميـة، وإيماني بتغلغل حب الثقافـة في أعماق هذا الشعب المسلم سواء سكان الحواضـر الآهلـة بالسكان وبمظاهـر الرقي والتحضر أو سكان الجبال المرتفعـة والأماكن النائية، إيماني بذلك كله ـ كما يضيف الباحث ـ جعلني أتحمل صعوبـة هـذا البحث ومشاقه، تلك الصعوبـات التي تجلت في ندرة المصادر والوثائق وفي صعوبـة قراءة القليل الموجود  منهـا من  مخطوطـات وتقاييد وكنانيـش عبث الزمان بها وبكثير من صفحاتها وحروفها».
وإلى جانب هـذه الصعوبات هناك صعوبات أخرى تتمثـل أساسا حسب رأي المؤلف ـ في«أن المادة المكونـة لهذا البحث تلتقط من مصادر لا تمت إلى الموضوع بصلة ككتب النوازل والفتاوى الفقهيـة وكاستطرادات كتب الفقـه والمعلقين عليها وكتب التراجم وسير الصالحيـن، وفهارس الشيوخ والتقاييد الشخصيـة للأفراد والأسر».
ولتزكيـة هذا المجهود الجبار الذي قام بـه المؤلف في هذا الميدان ننقـل عنه ما قاله مؤرخ تطوان الأستاذ  محمـد داود ـ شفاه الله ـ عندمـا حاول التأليف في هـذا الموضوع الصعب، فقد قـال بالحرف«هـذا فصل لا نستطيع أن نكتب فيه سـوى كلمة مختصرة فقط لأننا لم  نجـد من المستندات والمعلومات ما يسمح لنا بالإفاضـة في القول».              
ثم عرض بعد ذلك للوصـف الطبيعي لهذه المنطقة،  فذكر أن «منطقة شفشاون هي إقليم من أقاليم المـال الغربي لجبال الريف بالمغرب الأقصى، وهـذا الإقليم يتسم بالسمات الجبلية ذات التضاريس الوعرة والانحدارات المفاجئـة والأودية المنخفضة والانكسارات الحادة.. الخ».
ثم إن «هـذه المنطقة تتسم بصفـة عامة بكثـرة الصخور وبالمظهر الغابوي الجميل والجبلي الصعب».
وفي المدخل التاريخي لمنطقـة شفشاون أكد الباحث أن هـذه المنطقة عرفهـا الإنسان منذ القديـم بحكم قربها من أوربا ومن بوغاز جبل طارق و«تلقت هجرات بشرية مـن مختلف الأجناس كالفينيقيين والرومان والوندال وغيرهم..».
وأن السكـان الأصليين فيها هم «ضمن المجموعـة القوقزية من شعوب البحر المتوســــط» ، ص21.
هـذا وأن المنطقة ما تزال لحد الآن تحتفـظ ببعض الآثـار القديمة التي يرجع تاريخهـا إلى ما قبل الفتح الإسلامي كالقنطرة الرومانية بـ « تلميوط»  وقنطرة مدشر «ماكـو» وقنطرة الصبانيـن بالمدينة وكآثـار مدينة «تامودة» قرب تطوان وآثـار مدينة «تيفيـاس» و «ترغـة» .. الخ.
وبعد الفتح الإسلامي اتخذت المنطقـة من طرف بعض القواد المسلمين مقرا لتجييش الجيوش الإسلاميـة ، وخاصة في عهـد موسى ابن نصير وقائـده طارق بن زيـاد.
ولا زالت آثارهم لحـد الآن تشهد بذلك ، فهناك مسجـد موسى ابن نصير وسط قبيلـة بني حسان الواقع في منتصف الطريق المؤديـة من شفشاون إلى تطوان،  وهناك أيضا مسجد طارق بن زيـاد الذي يحمل اليوم اسم مسجد الشرافات وفي منطقـة قبور لعدد من القـواد والفاتحين المسلمين كقبر القائـد يلصو العثماني القرشي، وقبر القائـد حبيب بن يوسف الفهري، والقائد  محمـد زجل القرشي الذي تنسب إليه قبيلـة بني زجل الغمارية.
وغير بعيد عن هـذه المنطقة شرقا وعلى مقربـة من بادس أسس القائـد العربي سعيد بن صالح إمـارة بني صالح «بالنكور» التي كان لهـا الصدى الكبير كإمـارة مستقلة عن الدولـة المركزية في المغرب وعن دولتين قويتين في ذلك العصر إحداهمـا في الشرق والأخرى في الغرب أي في الأندلس.
ثم يضيف المؤلف بأن من أبنـاء هذه المنطقـة كان طارق بن زيـاد يختار جيوشه وأبطالـه الأشاوش الذين توجه بهم لفتح شبه جزيـرة ابيريا سنة (92هـ).
وبعبارة موجـزة فإن تاريخ هـذه المنطقة هو تاريخ شيق وحافل بالاحداث والوقائع ومليئ بالمفاجآت السياسيـة التي وقعت خـلال الحقب التاريخية التي شهدتهـا هذه الناحيـة سواء تلك التي وقعت في عهـد الادارسة أو في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين أو في عهد المرينيين والوطاسيين ويرجع سبب تأسيس مدينـة شفشاون بهذه الناحيـة إلى الأحداث التي وقعت سنة 876هـ / 1471م، والتي انتهت باحتلال مدينة أصيلا من طرف البرتغاليين مما دعـا بالمجاهديـن المغاربة إلى التفكيـر في اتخاذ موقـع حصين ليصبح مركـز تخطيط للعمليـات الحربية، وكان« المكان الذي وقع عليـه الاختيار هو  موقع مدينة شفشاون»، حاليا، وهـذا يفسر لنا ـ  كما يقول المؤلف ـ ربط تاريـخ تأسيس هذه المدينـة بتاريخ احتلال مدينة أصيلا سنة 876هـ/ 1471م.
وبعـد تأسيسها أصبحت دار إمـارة ومركز تخطيط للدفـاع والهجـوم ومـأوى لأسـر المجاهدين و«اختير موقعها ليكون في مأمـن من متناول الغارات البرتغالية ، وبذلك أصبحت شفشاون مركز قيـادة ودار إمارة ومكان تجمع للمجاهدين ومقر سكن لهم»، ص 42.
وفي اللمحة التاريخية عن الوضـع السياسي لهذا الإقليم في القرن العاشر الهجري وهي فترة تجمـع بين العهدين الوطاسـي والسعدي يبرز المؤلف في البداية مدى الصعوبات التي يلاقيهـا الباحث لهذه الفترة نظرا لعدم الاهتمام بتدويـن أحداث هذه الفترة بصفة عامة، ولتشعب أحداثها تشعبا كبيرا وخاصة في هـذه المنطقة موضوع البحث ولضياع عدد كبير من الوثائق الهامـة في الموضوع.
ورغم كل ذلك فإن المؤلف حاول أن يصور لنا الوضع السياسي العام للبلاد خلال هذه الحقبة والوضع السياسي الخاص بالمنطقة، فذكر أن إمارة بني راشـد كان لها نفوذ قوي خـلال هذه الفترة بهذا الإقليم وكان لها من الأبهة والعظمة مثل ما للدول المستقلة فـ «الغنائم كانت تدخل شفشاون على يـد  ولاتهـا الأشراف بني راشد،  وكـان لهم اعتناء بذلك جدا، ويدخلونها في أبهـة عظيمة وزي عظيـم ومعها آلات عظام من آلات الطرب كالطبـل والترجل والغيطـة والأبواق، ويمر ذلك ويخرج أهل البلد رجالا ونساء وصبيانـا، بحيث لا يبقى في الدار إلا مريض أو صاحب عذر اعتناء بذلك وإظهـارا لمزية الإسلام على الكفر»، (ص 52).
واستمر نفوذ الامارة الراشديـة في المنطقة حوالي  قرن من الزمان إلى أن قضي عليها من طرف السلطان عبد الله الغالب السعدي بواسطة جيش قوي بقيادة الأمير محمد بن عبد القادر سنة 969هـ/ 1561م، وبذلك دخلت منطقة شفشاون تحت النفوذ السعدي بصفـة نهائية.
وفي القسم الأول من الكتاب الذي خصه الباحث لشفشاون وأحوازهـا يتنازل فيه بكيفية دقيقة ومفصلـة المباحث التالية على التوالي: مدينة شفشاون، وبني راشد مؤسسي هـذه المدينة، والحالة الاجتماعيـة بالمنطقة، وظاهرة التصوف بها خلال هذه الحقبة ثم العنصر اليهودي بهذه  الناحية مع دراسة عن المرأة في هـذا الإقليم.
ومما قاله عن سبب تأسيس مدينة شفشاون كما جاء في نشر المتاني « أن شرفاء العلم اختطوا مدينة شفشاون بقصد تحصين المسلمين من نصـارى سبتة، إذ كانوا بعد استيلائهم عليها يتطاولون على تلك المداشر»، ص 63.
ومن أجل ذلك روعـي في تأسيسها أمران هامان هما:
1) البعد عن المناطق المهـددة بأخطار الهجومات المتوالية من طرف البرتغاليين.
2) الحصانة والمتعة الطبيعية حتى لا تباغث المدينة بسهولـة ولا ننس ما ذكر سابقا من أن تأسيس المدينة كان بعد احتلال أصيلا مباشرة من طرف البرتغال.
وعن بني راشد مؤسسي هـذه المدينة قال المؤلف: «هذه الأسرة من الشرفاء العلميين من ذريـة الشيخ الأكبر عبد السلام بن مشيش الـذي هو من ذرية المولى إدريس الأصغر ابن المولى إدريس الأكبر بن عبد الله ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه»، ص 82.
وعن مؤسس المدينة الأمير علي بن راشد يحدثنـا صاحب الكتاب فيقول: «استمر علي بن راشد أميرا على شفشاون وإقليمها مدة طويلة تقدر بنحو أربعين سنـة، إلا أنه بالرغم من طول هـذه المدة، فإن المصادر لا تحدثنـا عنه إلا باختصار كبير».
ثم ينتقل بعد ذلـك على الحديث عن ابنه الأمير إبراهيم الذي كان في نظر المؤلف من ألمـع شخصيات هذه الأسرة إذ  كـان مثالا للأناقـة والشجاعـة واللباقـة السياسية مما جعله يحظى بزواج أخت السلطان أحمد الوطاسـي «للا عائشة» على إثر المصالحة التي قام بهـا بني السلطان الوطاسي وبين ابن عمـه مسعود الذي كان قد تمرد عليه وأعلن العصيان بمكناس، ومما نقل عن هـذا  الأمير أنه «عاش يحكم المملكة ـ وهكذا ـ كأمير عظيم وقائـد منوه به  من الجميع مسلمين ومسيحيين ويهود على السواء»، ص 108.
وتقلد الحكـم من بعد موته أخوه القائـد محمد بن علي بن راشد الذي كانت له علاقـة ود وصداقـة مع السلطان محمد الشيخ السعدي أخرجه من السجـن بفاس عندمـا تغلب على منافسه في الحكم أبي حسون الوطاسي الذي سجن الأمير محمد من طرفه وفي عهد الأمير محمد هـذا قضى السلطان السعدي عبد الله  الغالب على إمارة بني راشد وفر أميرها  مع بعض أفراد أسرتـه إلى المدينة المنورة، فاستقر بها وبذلك  أسدل الستار على هذه الإمارة بصفة نهائية.
 وإذا  كان الستار قد اسدل على هذه الإمـارة من الناحية السياسية بقرار أميرهـا محمد وانضمامها إلى حكم السلطان السعدي عبد الله الغالب وبذلك ينتهي تاريخها،  فإن البحث  لا يتوقف عند هذه النهاية،  بل يستمر لوجود بعض الشخصيات الراشدية التي عاشت خارج الإمـارة، ومن أهم هـذه الشخصيات شخصية نسوية برزت خـلال هذه الفترة  وهي «الست الحرة» التي حظيت ـ كما يقول المؤلف ـ بشهرة واسعـة النطاق في الشمال الغربي من إفريقية الشماليـة، واعتنى المؤرخون الأجانب بالحديث عنها والتعرض بالذكر لأيام حكمها بتطوان، فهي أخت الامير محمد الفاروانيـة علي بن راشد مؤسس إمـارة بني راشد ـ كما سبق القول ـ وزوجـة قائد تطوان المشهور محمد المنظري، ثم زوجة السلطان أحمد الوطاسي، وهي حاكمة  تطوان في فترة من تاريخ المغرب، ومما قيل فيها  من طرف بعض المؤرخين ـ  حسب نقل المؤلف ـ أنها كانت شديدة الانفعال، ففي إحدى المناسبات تشاجرت مع حاكم سبة فلجأت إلى العنف و الحرب لأنها  كانت مهتمة بتجـارة الرقيق من المسيحيين على مستوى عال، وكانت سفنها دوما تجوب البحار،  وكانت المراكب الجزائرية تلقى حفاوة بمرسى تطوان. ص 135.
وهذه  مجموعة  من الحقائق تؤكد ما كان للمرأة المغربية من قـوة ودهـاء في ميدان المعركة ضد العدو الغاشم.
وهناك أيضا شخصيـة أخرى وهي شخصية أبي العلاء إدريس ابن علي بن راشد،  وكان أديبا وشاعـرا قال فيه المقري: «نشأ هـذا المولى ـ حفظه الله ـ بحضرة الإمامة  ذا أخلاق حميدة وسـراوة نفس وإيثار وبذل ولـه نظم رائق وجملة ميلاديات  يمـدح فيها أميـر المؤمنين مولانـا المنصور بالله أيده الله.. » ص، 141.
ويقصد مولانـا المنصور السلطان أحمـد المنصور الذهبي ثم إن بني راشد انقرضوا جميعا، كمـا يؤكد ذلك المؤلف في ختام حديثه عن هـذه الأسرة وحكمهـا في المنطقة وينقلنـا الباحث بعد ذلك إلى الحديث عن الحالة الاجتماعية في المنطقـة خلال هذه الحقبة فيركز على بعض العادات السيئـة التي كانت منتشرة  بين السكان آنذاك،  كعادة الوشم مثلا التي يقول عنها: «كانت المرأة توشم في ريعان صباهـا وكان النساء يباهين بالوشم ويفخرن به،  وكـان بعضهن يبالغـن في استعماله، بحيث يوشمن أعضاء كثيـرة من جسمهن كالذقن والجبين والعنق والكتـف والذراعيـن واليدين والساقين والقدمين»، ص 154.
وكان الوشام «يتزين بزي يجمـع بين زي النساء والرجـال فهو يلبس الشاشية الحمراء من تحت العمامـة البيضاء ويستعمل الكحل في عينيه ويصبغ شفتيه بلحاء شجرة الجوز كالنساء»، ص 155.
ويتولى أثنـاء عملية الوشم سرد الحكايات الخليعـة والنوادر الوقحـة ويحتفل به أهل المنزل ويقدمون له الطعام والشراب وترحب به ربة البيت، ولا تحتجب منه النسـاء «وهو يمارس عمله عادة وسط المنزل وتجلس الفتاة بين يديه وهـي في لباس خفيف لا يعوقه عن  مزاولة عمله في الوشم»، ص 155.
وكـان «الشاب يقصد بيت الوشـام  ليشاهدوه وهو يمارس عمله ويسمع الفتيات والفتيان حكاياتـه وقصصه ونكته الخليقة والفتاة بين يديـه ـ يداعبها بلمساته اللطيفـة ـ ويضحك من حوله بالنكت والنوادر»، ص 156.
وكانت هـذه العادة منتشرة إلى جانب عادات أخرى أقبح منها كعـادة تناول الخمر التي كادت أن  تكون عاديـة تشرب في المجامع و «بمحضر المئات والآلاف»، وعـادة «الزفان» الـذي كان يرقص ويغنـي غناء خليعـا يضحك له الحاضرون، وكانت حفلاتـه حفلات ماجنـة تصحبها الخمر ويصحبها رقص النساء.
وكانت عادتهم في الحفلات والولائم اختلاط النسـاء بالرجال ورقصهن أمام الجميع تحت تأثير أصوات الزفان ونغماتـه بالإضافة إلى  ما كان يسود هذه الحفلات من مظاهـر الخلاعـة والتهتك، حيث يقع التغرير بالشابـات والجميلات من النساء.
هذه العوائد السيئـة تجند لمحاربتها المصلحين والمشايـخ في المنطقة كالشيخ عبد الله الهبطـي وغيره من رجال الصلاح والإصلاح .
وإلى جانب ما  كانت تشهده هـذه المنطقة خـلال هذه الحقبة من  مظاهر الخلاعـة كانت  هناك ظاهرة أخرى على العكس منها تمامـا وهي ظاهرة التصوف، ففي هذه الفترة ازدهرت الحركة الصوفيـة بالمغرب وكثرت الزوايا والرباطات وتشبع المجتمع المغربي بالأفكار الصوفية ولا سيما بطريقة الغزالي في التصوف.
ومساهمة هذه المنطقة في ميدان التصوف كانت مساهمـة ملحوظة، حيث نجد عددا من أقطاب التصوف ينتمون إلى هـذه الناحية مثل: الشيخ عبد السلام بن مشيش، والشيخ أبي الحسن الشاذلـي والشيخ أبي الحسن علي بن ميمون الغماري الإدريسي، والشيخ عبـد الله الغزواني، والشيخ أبي المحـاس يوسف التليدي، والشيـخ أبي زيد عبد الرحمـان بن عيسى ابـن ريسون، والشيـخ عبد الله الهبطـي وغيرهم، ص 193.                                   
فظاهرة التصوف، إذن كانت من الظواهر السائدة بين أفراد مجتمع هـذه المنطقة في هذه الفترة التي يتحدث عنها الباحث في كتابه:
ومما يميز المنطقـة أيضا وجود العنصر اليهودي فيها بكثرة، فقـد استوطن العدد الكبير منهم بهذا الإقليم لأنهـم كانوا من جملة المهاجرين الأندلسيين الذين قصـدوا هذه الجهة من المغرب للاستيطان بها بعد الغزو الصليبي لبلاد الأندلس، وكانوا يعملون بصفة عامـة في التجارة وفي بعض المهن التي كادت أن تكون مقصورة عليهم وحدهم كالسروجية «البرادعيـة» أي صناع «البردعة» والصياغة والتلحيم..، وكانوا يعملون كذلك باعـة متجوليـن  وإسكافيين متنقلين.
وكعادة كل اليهـود في العالم كان المكـر والخداع والتعامـل بالربا مع المسلمين والكيد لهم من السمـات المميزة لهم، ففيهم يقول أحمد بن عرضون فقيه المنطقة «اليهود الذين يدورون على الديار فإنهم يتعاملون مع النساء وليس لهـم مقصود في الغالب سوى النساء »، ص 214.
وكان هدفهـم دائما هو الحصول على المال بمختلف الوسائل وسلوك كل الطرق، والاتصال بذوي السلطـة والنفوذ والتقرب إليهـم والتأثير عليهم مـن أجل تسخيرهـم لمصلحتهم، وقـد تحقق لهم ما أرادوا.
وعن المرأة في هـذا الإقليم يقول المؤلف كانت المرأة في هذا الإقليم الجبلي تقوم بدورهـا كعضو فعال في مجتمع ذلك العصر، فهـي في الباديـة تقوم بأشغال البيت إلى جانب أشغالهـا في الحقـل والغابـة... وهي في المدينة تزاول الخياطة والطرز والعمل في تصنيع الصوف من تصبين وحلج وغزل.. وتلوين. ص 221.
كل هـذا بالإضافة إلى شغال المنزل من خبز وطهي وغسل للثياب وتربيـة للأطفال والعناية بهم .. الخ.
وكانت العناية بها كبيرة حتى أن بعض الفقهاء في المنطقـة أعلن في فتوى جريئـة  عن  وجوب إنصاف المرأة البدوية وإعطائها النصف أو مـا يناسب عملها في ترك زوجها مما تجمـع لهما من عملهما المشترك، وبالرغم مما أثارته هـذه الفتوى من ردود فعل من طرف بعض الفقهاء فإن صاحبها ظل متشبثـا برأيـه في الموضوع، ص: 228.
كما اعتنى بتثقيفهـا وتعليمها أيضا، وخاصة في شؤون الدين، فظهرت المرأة المتعلمـة والفقيهة والحافظة للقرآن، كـلا أو بعضا..  كما كان الشأن بالنسبـة لوالدة صاحب الدوحـة السيدة عائشة أم أحمد الحسنية (تـ 969هـ) زوجة القاضي أبي حسن علي بن عسكر.. والسيدة الفقيهة آمنـة بن طبحو الحساني وزوجـة الشيخ  عبد الله الهبطي، والسيدة فاطمة بنت عبد الله أوثول من شرفـاء أولاد ثول ببني زجـل، ومنهـن أيضا السيدة المشهورة بـ «الست الحرة» التي تقـدم الحديث عنها. والسيدة الفقيهة خديجـة الحوات التي كانت تعلم النسـاء بزاوية الشيخ أبي الحجاج يوسف التادلي، ص226.
ومن المأثورات في موضوع تعلم المرأة بهذا الإقليـم قول أحمد بن عرضون : «أن المرأة إذا لها زوج يجب عليه أن يعلمهـا إن  كانت جاهلة فإن لم يفعـل ، طلبته بذلك، فإن لم يفعل طالبته بالخروج إلى التعلم، فـإن لم يأذن لها في الخروج خرجت بغير إذنه»، ص 226.
وفي القسم الثاني من الكتاب تحدث الباحث فيه على التوالي: عن مظاهـر الحياة الفكرية في هـذا العصر، وعن دور المسجـد وأثره الثقافي وعن الحياة الثقافيـة بمدينة شفشاون ومعهد المواهب بالجبل الأشهب، ومعهـد تلمبوط وقضاة شفشـاون ودورهم الثقافي، وعـن المراسلات العلميـة بين شفشاون وفاس.
ففي النشاط الثقافي في الناحيـة يقول الباحث: «يتضح من خلال التعرف على الصلات التي كانت تربط بين المثقفين في هـذه المنطقة وبين إخوانهم بجامعـة القرويين أن الحياة الفكريـة بشفشاون وأحوازها كانت وثيقة الصلة بالحياة الفكرية بفاس التي كانت تمثـل أهم مظهر من  مظاهر الحياة الفكرية بالمغرب في هـذا العصر»، ص 258.
فالمنطقة إذن من الناحيـة الثقافية،  كانت امتدادا للقرويين سواء من حيث مستوى التدريس بها، أو من حيث المواد المدروسة،  وعـدد كبير من علماء هذه المنطقة كانوا أساتذة في القرويين مما  يؤكـد الدور الثقافي لهذه المنطقة لا على الصعيد المحلي فحسب، بل على الصعيد المغربي ككل. 
وكانت الثقافـة هي إحدى الوظائف التي يضطلع بها المسجـد إلى جانب وظائفه الأخرى الدينية والاجتماعية، إذ  كـان طلبة العلم يفدون على العلماء بالمساجـد ويسكنون حولها في مأوى خاصة أعدت لسكناهم فيتعلمون عنهم قواعـد اللغة العربية والأحكام الفقهية، ويدرسون البلاغـة والعروض والأدب والحساب والتنجيم، والطب والتصوف... إلخ، ص 263.
وأهم المساجـد التي كانت تضطلع بهذا الدور في المنطقة مسجد «تلمبوط» ومسجد مدشر (سعادة) ومسجد بني  «جبارة» وبني زرويل... ومسجد قريـة (الخزانة)، الذي كان  من أشهر المساجد في الناحية والمسجد الجامع بشفشاون المدينة. ومسجد أبي خنشة بالمدينة أيضا ... إلخ
وكانت للمساجـد أوقاف أخذت بعنايـة بعض الفقهاء في المنطقة فضبطوها ونظموهـا تنظيما محكما لأنه بواسطة الأوقاف صان الحيـاة الفكرية والثقافية ـ كما يقول المؤلف ـ.
ولم يفت الباحث وهو يتحـدث عن الحركة الثقافيـة بالناحية أن يذكر أهم المثقفين والقضاة بها كأبـي الحسن علي بن عمر بن مصباح ابن عسكر، وعلي بن ميمون الإدريسي الحسني، والفقيه المفتـي أبي الحسن علي العلمي والـد القاضي أحمد العلمي المعروف بعلي الشريف، والقاضي أبي محمـد أحمد ابن الحاج، والحسن بن محمد العلمي..ص 277.
ثم يفرد المؤلف بعد ذلك المبحث الرابع لمعهـد المواهب بالجبل الأشهب فيعالج موضوعه في نقط خمسة وهي :
1) موقعه والغاية من تأسيسه
2) أهم المواد الدراسية التي كانت تدرس به.
3) أشهر شيوخ هـذا المعهد.     
4) أشهر تلامذة هـذا المعهد.
5) الإشعاع الثقافي لهذا المعهد.
فيذكر أن مؤسسه كان الشيخ عبد الله الهبطي (تـ  963هـ) في النصف الأول من القرن العاشر الهجري، ص 292.     
وأهم المواد التي كانت تدرس فيه هـي باختصار قواعد اللغة العربية من نحو وصرف ثم العروض والفقه والمنطق وعلم الكلام والتفسير والحساب، وعلم الجدول وفنون الصرف... إلخ.
أما أشهر شيـوخ المعهد، فهم عبد الله الهبطي مؤسسه وولده محمـد الكبير وأخوه محمد الصغيـر، والشيخ العلامـة أبو عمران موسى بن علي الوزاني، ومن زوار هـذا المعهد الشيخ أبو القاسم ابن خجـو.
وأشهر تلامذة المعهد هم: أبو القاسم بن  خجو الحساني وموسى ابن علي الوزاني وهذان من تلامـذة المعهد وأساتذته في نفس الوقت ص 301.
ثم محمد بن موسى القزوي، وأبو عبد الله محمد الحداد الزيـاتي ومحمد بن منصور (السكاج) ومسعود البكار،  وأخـوه سليمان وأبو العباس أحمد البوطي، والقاضي محمـد بن عسكر صاحب الدوحـة والقاضي أحمد بن عرضون وغيرهم كثير...
وفي المبحث الخامس تحدث عن معهـد «تلمبوط» فعرف بموقعه وبشيوخـه،  كما عرض في المبحث السادس إلى قضـاة شفشاون، فعرف بوظيفتهم القضائية وبأهم الشخصيات التي تولت هـذا المنصب في المدينة،  فذكر من بينهـم علي بن الحسين ابن عسكر وعلي بن ميمون الغماري ومحمد بن أحمد الحاج،  ومحمد بن علي بن عسكر، وأحمد بن الحسن ابن عرضون ومحمد بن الحسن ابن عرضون.
ثم خص النقطـة الأخيرة في المبحث للـدور الثقافي لبعض القضاة بالمدينة، فذكر أن مشاركة هؤلاء« في الحياة الفكرية بهذه المدينـة تجلت في التدريس والتأليف والإفتاء وما إلى ذلك...»، ص 340.
أما في المبحث السابع الخـاص بالمراسلات الثقافية بين فاس وشفشاون، فركـز فيه على  نماذج من هـذه المراسلات التي تمت بين الشيخ محمد بن أحمد ابن الحاج وبين شيـخ الجماعة بفاس عبد الواحد الونشريسي وبين الشيخ محمد ابن عرضون وبين شيخ الجماعـة محمد القصار... وأيضا بين الشيخ محمـد القصار وبين الشيخ أحمد بن علي العلمي، ص 341.
ومما يميـز هذه المراسلات عموما،« أنها  كانت تجرى في جو من التواضح وحب البحث ، فهي مراسلات تكتسي بالإضافـة إلى صبغتها الثقافيـة رونقا من التفاني في حب المعرفة لذات المعرفة، ومسحـة من التواضع الذي هـو من أبرز صفات العلماء الباحثين »، ص 142.
وفي القسم الثالث من الكتاب نقف على نماذج من مثقفي هـذه المنطقة خلال الحقبة التاريخيـة التي تناولها موضوع البحث.
وممن عرف بهم المؤلف في هـذا القسم، أبو القاسم بن خجو وأبو محمـد عبد الله الهطبي وأبو الحجاج يوسف التليدي، وأبو عبد الله محمد بن عسكر وأبو عبد الله محمـد الصغير الهبطي، وأبو عبد الله محمـد بن الحسن ابن عرضون، وأبو العباس أحمد بن يحيى العلمي الشفشاوني، وأبو العبـاس أحمد بن علي العلمي، وبنو يلصويون، ص 349.
فأفاض في ترجمتهم وعرف بشيوخهم وتلامـذتهم، وفي الختام أوجـز الباحث مجموعة من الحقائق التي توصل إليهـا من خلال هذه الدراسة القيمـة فركز منها على ما يلي:
1) الكشف عن مظاهر ثقافية في منطقـة مجهولة لم يكتب عنها أحد لحد الآن.  
2) التعرف على أسرة بني راشد أمراء شفشاون تلك الأسرة التي حكمت المنطقـة ما يقرب من قرن من الزمن.
3) التعرف على  مدينة شفشاون وعلى الدور الثقافي الذي قامت به في وقت مسكرر من حياتها.
4) الكشف عن الدور الثقافي للمعاهـد الثقافية المحيطـة بشفشاون وعن  مدى الإشعاع الثقافي لها.
5) التعرف على مجتمع هذه المنطقة في ذلك العصر وعلى بعض عوائده والتعرف بصفة خاصـة على المرأة الجبلية ووظيفتها الاجتماعيـة في القرن العاشر الهجري.
6) التعرف على شخصيات عديدة كنا نجهـل مقدار ما ساهمـت به في الميدان الفكري وما بذلته من جهد في حمل مشعل الثقافـة والعرفان، إلى غير ذلك من الحقـائق والنتائج التي توصل إليها صاحـب البحث.
ثم بيبليوغرافيا للمراجـع والمصادر التي اعتمدت في البحث مرتبة ترتيبـا هجائيا، ففهرس الموضوعات التي تضمنها الكتاب.
ولا يفوتني بعد هـذا العرض الموجـز أن أشير إلى أن الكتاب مهم في بابه، وقيم في موضوعـه وأن أهميتـه تكمن في إعطائه صورة عامة وواضحـة عن الوضع السياسي والفكري والاجتماعي لمنطقـة شفشاون وأحوازها خـلال القرن العاشر الهجـري السادس عشـر الميلادي وهي فتـرة لا أبالغ، إذ قلت أنها ظلت مجهولة عنـد جل الباحثيـن إلى حين صدور هـذا المؤلف القيم لمؤلفه الأستاذ عبـد القادر العافية.
وعساني بهذا العرض المختصر أكون قد أعطيت صـورة عامة عن الكتـاب في مضمونـه الثقافي والسياسي والاجتماعي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here