islamaumaroc

المغرب وقضية فلسطين في ضوء أعمال لجنة القدس

  قاسم الزهيري

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

"تعتز فلسطين بقدسها وبأماكنهـا المقدسة الأخرى، وبأنها في قلب الوطـن العربي استحقت مع بقيـة أجزاء هذا الوطـن شهادة التاريخ لها بأن فضلها على رقي البشريـة فكريا وروحيا أجل شأنـا من أي بلد آخر حيث انطلقت منها الرسالة الأخلاقية، فعمت أجزاء واسعة من العالم".
                                                                                                فيليب حتى

إن الحديث عن فلسطين بقدسهـا يثير كوامن النفس ومشاعر الآلم والآمــل ، واليأس والرجاء، والتسامح والفداء.. ذلك أن فلسطين والقدس ليسا من المدائـن التي تمر في ذاكـرة الإنسان مرورا عابرا، بل همـا مهوى أفئـدة مئات ملايين المؤمنين وملتقى الديانات السماوية الثلاث، على أرض فلسطين نشأت أعرق الحضارات وفي سمائهـا ارتفع صوت مؤذني المساجـد إلى جانب قرع أجراس الكنائس في إطـار من التسامح والعدل الذي أتسـم به الحكم العربي الإسلامي عبر أربعة قرنـا من العهد العمري إلى الآن، إلا في فترات متقطعة من الحكم الصليبي.
ومدينـة القدس ـ مهبط الأنبياء ومسرى خاتمهم صلوات الله عليهم تشكل جزءا من إقليـم فلسطين تربتط به ارتباطـا عضويا وتتفاعـل معه، كما أن فلسطين شكلت ولا تـزال جزءا من الوطـن العربي الكبير ، وشاركت في صنـع أحداثـه وساهمت في ثقافتـه وحضارته « وما من مدينـة في التاريخ استأثرت باهتمام العالم والبشريـة عامة كما استأثرت به مدينـة القدس، هذا الاهتمام النابع من وجـدان الإنسانية وقيمها الروحيـة والحضارية.
هكذا بدأ حديثه عن القـدس الدكتور سالم الكسواني في ندوة عمـان عن الإسراء والمعراج يوم  20/5/1979.
فلا غرابـة أن تكون فلسطين بقدسهـا لما تتمتع به من مكانة دينية وتاريخية محـط أنظار المستعمرين قديما وحديثـا ممن خاضوا غمـار حروب طاحنة من أجلها، ولا غرابة كذلك أن تستنهض همم العرب والمسلمين في مختلف أنحـاء العالم، وتبرر القضيـة الفلسطينية وفي مضامينها قضية القدس في مقدمـة قضايا العالم المعاصر لتستقطب اهتمام الرأي العالمي منذ 1948 إلى اليوم في  مواجهـة المطامع التوسعية التي تتستـر وراء أهداف  «دينية وتاريخية» للوصـول إلى مآربها ولم  تتوان أي منظمـة عالمية أو إقليمية منذ أزيد من ثلاثـة عقود من اتخاذ موقف في هـذه القضية التي أصبحت تهدد الأمن والاستقرار وتحـدث تواترت تنذر بشر مستطير.
وأود أن أتحدث عن الدور الذي قامت به لجنـة القدس المنبثقـة عن منظمة المؤتمر الإسلامي والتي يرأسها عاهل المغرب جلالة الحسن الثاني وما حققته من إنجازات  على مدى أربع سنوات خلال الدورات السبع (1) التي عقدتها، وذلك حيث سنحـت لي فرصة حضور نشأة هـذه اللجنة والإسهـام في تسيير شؤونها حيث كنت أمينا عامـا مساعدا لمنظمـة المؤتمر الإسلامي مكلفا بدائرة الإعـلام والسياسة لمدة أربع سنوات، وأنتهز الفرصة لأتطرق في  حديثي إلى اهتمام المغاربة على مر التاريـخ بالقدس ومـا كان لها من مكانـة رفيعـة عند المسؤوليـن من مختلف الدول التي تعاقبت على الحكم في المغرب.
تأسست لجنة القدس، كمـا هو معلوم بتوصية من المؤتمر السادس لوزراء خارجيـة الدول الإسلامية الذي انعقـد بجدة من 3 إلى 6 رجب 1395 الموافق لـ 12 إلى 15 يوليو 1975، وحـددت أهداف اللجنة في :
ـ بحث تطور وضعيـة القدس.
ـ متابعة تنفيذ القرارات المتحذة من لدن المنظمـة الإسلامية بشأنها.
ـ متابعة التوصيات المتخذة من لدن مختلف المنظمات الدولية بشأنها.
ـ إجراء الاتصالات بالمنظمـات الدولية بهدف تأمين حماية وأمن القدس.
ـ حث الدول الأعضـاء في المنظمة الإسلامية وحث المنظمات الدولية على القيام بالمساعي الكفيلة بمواجهـة جميع التطورات المتعلق بالوضع في المدينة المقدسة.
تتألف لجنة القدس من أربع عشرة دولـة من أعضاء المنظمة الإسلامية عن طريق الانتخاب لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديـد، وهي المملكة العربية السعوديـة، جمهورية بنغلاديش،  جمهورية غينيا الشعبية الثورية، جمهورية أندونسيـا، جمهورية إيران الإسلامية، الجماهيرية العربية الليبية الشعبيـة الاشتراكية، المملكة الأردنية الهاشمية، الجمهورية اللبنانية ، المملكة المغربية، جمهورية باكستان الإسلامية، فلسطين، جمهورية السنغال،  جمهورية السودان الديمقراطية، الجمهورية العربية السورية، بالإضافـة إلى الأمانة العامة لمنظمـة المؤتمر الإسلامي.
في اجتمـاع المؤتمر العاشر لوزراء خارجيـة الدول الإسلامية الذي انعقـد بمدينة فاس من  11 إلى 15 جمادى الثانية الموافق لـ: 12 مايو 1979 ، قدم وزير خارجيـة المملكة العربية السعوديـة التماسا باسم جلالة الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله طالبا من جلالة الملك الحسن الثاني ملك المـغرب أن يتفضل بقبول رئاسـة لجنة القدس «لما اشتهر به جلالته من حميد الخصال ومضاء الإرادة وقوة العزم للدفـع بهذه اللجنـة إلى الأمام  إلى أن ينعقد مؤتمـر القمة الإسلامي الثالث المتوقـع بمناسبة حلول القرن الخامس عشر الهجري»، وطلب  الأمير سعـود الفيصل أن يقدم المؤتمـر مساندتـه  لمناشدة الملك خالد حتى يتقبل جلالة الحسن الثاني رئاسة اللجنة. 
 فثنى المؤتمر بالإجمـاع على الملتمس السعودي ، وقبل العاهل المغربي الرئاسـة معلنا أنه «يعتبر قضية القدس الشريف قضيته الأولى، وقضية كل مواطـن مغربي وكل مسلم في جميع أنحاء العالم»، لقـد جاء إسناد رئاسـة لجنة القدس على العاهـل المغربي منسجما مع مواقفه من قضية فلسطين عامة والقـدس على وجه الخصوص، حيث كان أول من بادر عندمـا ارتكب الصهاينة جريمـة إحراق المسجد الأقصـى في 21 اغسطس 1969 إلى الدعـوة لعقد أول قمة إسلاميـة في الرباط وانشقت عنها منظمـة المؤتمر الإسلامي ، وكان جلالـة الملك فيصل بن عبد العزيز أكبـر داعيـة للتضامن الإسلامي.
وصادق المؤتمـر الإسلامي العاشر بفاس على اختصاصات جديدة بالإضافـة إلى ما  كان للجنة القدس من صلاحيـات لزيـادة فاعليتها من جملتها.
* أن تصبح على مستوى وزراء خارجية الدول الأعضاء برئاسة جلالة الحسن الثاني.
* أن تقوم بوضع وتنفيـذ برنامج سياسي وإعلامي في العالم غير الإسلامي بهدف دعم قرارات المنظمة الإسلامية على مختلف المستويات للمحافظـة على عروبة وإسلام المدينة المقدسة وعودتها على السيادة العربية.
* أن  تخول اللجنة الصلاحيـات اللازمة لأخـذ ما تراه من الإجراءات الكفيلة بتحقيق أهدافها.
ثم إن مؤتمـر القمة الإسلامي الثالث الذي اجتمع بمكـة المكرمة والطائف من الفترة ما بين 19 و 22 ربيع الأول 1401 الموافق من 25 إلى 28 ينـاير 1981 أشـاد بالمجهودات التي قامت بها لجنة القـدس ، وجـدد بالإجماع الرئاسة لجـلالة الملك الحسن الثاني، فصرح العاهل المغربي ببـالغ التأثـر: « أجـدد العهد أمامكم وفي هـذه الأرض الطاهـرة على أن أبقى ساهـرا على أعمال هذه اللجنة قلبا وقالبا إلى أن تصـل إلى الهدف المنشود».
وفعـلا منذ أربع سنوات من 12 مايـو 1979، قامت لجنة القدس برئاسة جلالة الحسن الثاني بمنجزات في منتهـى الأهمية مما طوق الخـلاف العربي ـ الإسرائيلي وأسهـم في دعـم قضية فلسطين والقدس الشريف عربيا وإسلاميا ودوليـا بقدر مـا زاد في عزلـة الكيان الصهيوني، وذلك وفق إستراتيجية دقيقة سهر على تخطيطها وتنفيذهـا عاهل المغرب بنفسه، وسنتعرض لأهم منجزات لجنة القدس في أثنـاء هذه الفترة لإلقـاء نظرة إلى الوراء على الطريق  الذي قطعته القضيـة وما تبقى لها من  مجهود على درب تحريـر فلسطين والقدس الشريف،  ونود أن نشيـر قبل ذلك إلى أن ما يقوم به الحسن الثانـي على رأس لجنة القدس ليس في الواقـع إلا استمرار لما قام به المغـرب منذ أقدم العصور في سبيل فلسطين والقدس الشريـف مما سجله التاريخ، فقد كان جلالته على صواب حين صرح في  كثير من التواضـع ردا على تنويـه مؤتمـر القمة الثالث بأعماله: « لا يمكنكم أن تتصوروا مدى تأثيري لأن  ما قيـل في شأني شيء لا أستحقه، ولكن شعبي المسلم المؤمـن يستحق اعترافكم له بما عمـل وبما سيعمل».
حقا ارتبـط تاريخ المغاربـة بالقدس الشريـف منذ الفتح الإسلامي حين أكرم الله  هـذه المدينة  بجعلها أولى القبلتين مدة ستة عشر شهرا واختارهـا لإسراء ومعراج نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم وهو القائـل: «لا تشد الرحال إلا لثلاثـة مساجـد، المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هـذا» وقوله عليه السلام:  «مـن أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجـد الحرام غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، فلا عجـب أن يتوافـد فيمن توافد عليها على مر العصور وامتدادها عشرات الزائريـن والعابدين من الديـار المغربية، وأن يسهم أبناء المغرب في الأحـداث التي جرت على أرضها  ويخلطوا دماءهـم بدمـاء أبنائهـا صيانة لعروبتها وتأكيدا لإسلامها.
ففي عهـد دولة المرابطين حل بالقدس الشريف فخـر المغرب القاضي أبو بكر بن العربي الذي رافق والده الإمـام عبد الله في سفارتـه إلى المستظهر بالله العباسي من قبل يوسف بن تاشفين عام 309هـ ـ 1097م، ثم توالـى على بيت المقدس أعـلام مغاربة نذكر منهم الشيخ صالح بن حرزهـم والقاضي بدر الدين بن سعيـد ومحمد بن سالم العزي والرحـالى المغربي الشهير ابن بطوطة، وأبا الحسن الواسطي  وأبا عبد الله بن سالم الكناني، وعلي بن أيوب  المقدسي، وشمس الدين الخولانـي، ومحمد بن تباتة، والمقري صاحب نفح الطيب.
ومن مظاهـر اهتمام المغاربـة بالقدس والمسجـد الأقصى بلاؤهـم الحسن في الحروب الدينية التي خاضها المسلمون لمدة قرنين ابتداء من أواخـر القرن الحادي عشر 
سبيل استردادهمـا من الصليبيين، خاصـة في عهد صلاح الدين الأيوبي الذي وافق حكم دولة الموحدين وسيطرة أبي يوسف يعقوب المنصور على بلاد المغرب بمعناه الشامل وعدوة الأندلس. وكانت الدولة المغربية إذ ذاك تتوفـر على أسطول عظيم في الوقت الذي كانت الدول النصرانية تحتل سواحل الشام وبيت المقدس وتتصدى لأسطـول صلاح الدين، وقد استنجـد مؤسس الدولـة الأيوبية بيعقـوب المنصور لإعانته بوحدات بحرية لمنازلة الأفرنج في عكـا وصور وطرابلس الشام ووجـه قائد جيشه الأمير أبـا الحزم عبد الرحمـن منقد الشيرزي إلى فاس حاضرة الدولـة الموحدية طالبا أن تقوم القوات المغربية في البحر لمنع إمـداد الحملات الصليبية المستقرة بالشـام بالذخيرة والعتـاد، فجهـز يعقوب المنصور أسطولا قوامه مائة وثلاثـون مركبا كان له أثر بالغ في وقف الزحف النصراني على الشـام حسب روايـة ابن خلدون، ومعلوم أن هـذا العدد من المراكب كانت بحاجـة إلى مجموعة من البحارين المدربين فضلا عن المتطوعين والمرشدين والمجاهدين من صناع وعمال وفقهـاء أمثال يوسف بن محمد المعروف بابن الشيخ الذي جاهـد بالمغرب مع الموحدين، وبالشام مـع صلاح الدين.
ويذكـر الرحالة ابن جبير الذي زار بلاد المشرق ثلاث مرات وألف رحلـة عما شاهـده بها أن المغاربـة من شمال إفريقيـا والأندلس تطوعوا في جيش بطل الإسلام نور الديـن زنكي محرر الرهـا والذي استشهد في ساحـة الجهاد وأبلوا البـلاء الحسن في القتال واستولوا على حصون كثيرة وقلاع عديدة حتى أزعجوا الصليبيين.
وإلى الأفضـل علي بن صلاح الدين الأيوبي وخليفته على دمشق والقدس يرجـع الفضل في إنشاء الحي الذي يحمل إسم المغاربة ممن أثروا البقـاء في فلسطيـن بعد أداء واجب الجهاد، حيث خصص لهم هـذه البقعة التي اعتادوا أن يتجمعوا عندهـا وأنشأ لهم حـارة في اقرب مكان من المسجـد الأقصى يحدهـا من الجنوب سور المدينة ومن الشـرق حائط الحرم الشريف من الشمال طريق باب السلسلة ومن الغرب حارة الشرق كمـا ورد في الوقفيات الثابتة شرعا. ولم يكن هـذا الوقف كافيا لإيواء المغاربـة فاقتنوا أراضي وعقارات داخـل مدينة القدس وخارجها،  كمـا حبس كثير من الفضلاء المغاربة المحسنين أوقافـا على أبناء بلادهم لينتفعـوا بها،  منهـا الوقف المنسوب لحفيد  الإمـام أبي مدين شعيب المعروف  بأبي مدين الغوث دفيـن مدينة تلمسان، وكان الحفيـد يحمل اسم جـده، والوقف يشتمل على أراض وبساتين عديدة في قريـة عين كارم المعروفـة، وكـان لحفيد أبي مديـن الغوث وقف ثان بمدينة القدس نفسهـا يحد من جهته الشرقيـة بالحائـط الغربي المعروف بحائـط البراق الذي حمل الرسول صلوات الله عليه  من مكـة المكرمـة إلى بيت المقدس وجزء من هـذا الحائـط هو الذي اتخذه اليهود مبكى لهم زاعميـن أنه بقية سور الهيكل الذي دمـره هو ومدينة القدس القائـد الروماني طيطس للمـرة الثالثة سنة 70 للميلاد، وفي نص الوقفيـن وصف دقيق لهما وشـروط المستحقين للانتفاع بهمـا ووجـوه الانتفاع، كمـا تهتم الوثيقتـان بناظرهما المكلف بالعمـارة والإصـلاح والصيانـة مما يحفـظ للوقفيـن البقاء وينمي ريعهما.
ومن المناسب أن نشير عرضا وبإيجـاز على ثورة عرب فلسطين 1929 المعروفـة بثورة «البراق» قام اليهـود في فلسطين إذ ذاك بأول محاولـة لتغيير الوضع القانونـي والطابع الديني للقدس الشريـف بإدخـال المقاعـد والكراسي ثم ستارا حاجبـا إلى ساحة البراق بمناسبة عيـد الغفران، وكـان الهدف من مبادرة اليهـود الاستيلاء على الحائـط الغربي للمسجـد الأقصى المبارك، فمنعتهم سلطـات الانتداب، ولكنهم قامـوا معززيـن بأعضاء «هاغـاناه» الإرهابية بالزحف في اتجـاه حائط المبكى ورفعوا العلم الصهيوني ، فكان عملا استفزازيـا صادف احتفال المسلمين بعيد المولد الشريف وكان يوم جمعـة، فاندلعت تظاهرات غاضبـة تطورت إلى اضطرابات واسعة النطـاق على امتداد فلسطين كلها سقط في أثنائهـا ضحايا من الجانبين، فاثأر اليهود ضجـة ضخمـة في العالم الغربي، كان  من نتائجهـا تأليف لجنـة دولية برئاسة وزير خارجيـة سابق للسويـد وبموافقة عصبـة الأمم، وبعـد بحث مستفيض للوثائق الثبوتيـة والإنصاف إلى الشهود، أصدرت اللجنة في شهر ديسمبر 1930 قرارا بالإجمـاع جاء فيه:
أولا: للمسلمين حق الملكيـة وحدهم دون منازع في امتلاك الحائط الغربي كجـزء لا يتجـزأ من منطقة الحرم الشريف.                       
ثانيا: ملكية الساحـة أمام الحائط الغربي تعـود أيضا للمسلمين، وكذلك حي المغاربـة المجاور والمقابل الذي يعتبر وقفا ثابتـا مطابقا للشريعة الإسلامي ويعود ريعه للأعمال الخيرية.
ثالثا: يحق لليهود الوصول بحرية إلى البراق لأغراض العبادة في جميع الأوقاف على أن يخضع ذلك لشروط معينة.
نعود إلى الأوقاف المغربية التي ألمحنـا إليها والتي لم تكن فريدة من  نوعهـا، حيث تحدث الرحالة ابن بطوطـة والعلامـة المقري وأبو القاسم الزياني وغيرهم من عقارات ومدرسة للمالكيـة ومساجد تنسب للمغاربة في القدس كالوقف المنسوب للمجاهـد الشهير الشيخ عبد الله المصمودي المغربي ويتعلق بثلاث دور وما يناسبها  داخلا وخارجا، وقد وجدت وثيقة الإثبات في شأنه وتنص على تحبيسه على المغاربة المحتاجين، المقيمين منهم بالقدس والعابرين.
واجتهدت الدولة المرينيـة التي خلفت دولة الموحديـن بالمغرب ـ ويرجع إليهـا الفضل في تشجيع الثفافة والعلم ـ في تنمية الأوقاف المغربية في الحرمين الشريفين والقدس، وكان ملوك هـذه الدولـة أنفسهم ينسخون المصاحف بخط أيديهم ويبعثونها لمكتبات الرحاب المقدسة تعبيرا عن تعلقهم بها، فلـم يكن قدس من الأقـداس في الحجاز أو فلسطيـن خلوا من مصحف بخط يد هؤلاء الملوك.
واستمرت صلـة الدولـة المغربية بعد ذلك بتلك الرحـاب الشريفة ليس فقط لما تتمتع به من قدسيـة، ولكن لأن المغاربة كانوا يتعلقون بها ويعتبرونها جسورا بين بلادهـم وبين منبع الرسالـة ومنزل الوحـي، وكان السلطان أبو العباس أحمد المنصور وهو أعظم ملوك الدولة السعدية يستقبل في قصر «البديع» بمراكش عاصمة المغرب إذ ذاك العديد من علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة والقـدس الشريف، وظل الشأن على مـا كان عليه في العهود السابقـة، حيث بقيت القدس مـزار المغاربـة يقصدونه جيئة وذهـابا «يقدسـون ويخللون» على حـد تعبيرهم ـ أي يزورون مدينة السلام والخليـل ـ سواء كان  اتجاههم نحو الحجـاز للقيام بمناسك الحج أو  نحو استمبول عاصمـة الخلافـة في مهمات سياسية.
رابعـا: استمر اهتمام الدولـة العلوية بالقدس الشريف منذ تسلمت الحكم في القرن السابع عشر، فوسعـت أوقاف الحي المغربي حيث اكتظت جوانبه وأصبح يشكل القلب النابـض لهذه المدينة، ولم يتوان ملك من ملوكهـا حتى في أحلك الظروف التي مر بهـا المغرب عن ابتعاث الوفود المحملة بالهبات كـل سنة إلى القدس الشريف لإسعـاف المحتاجين من القائميـن علـى الرحاب المقدسة أو من سلالـة المغاربة الذين اختاروا فلسطين دار قرار على مـر الحقب والأجيال، ولم تنقطع هـذه الصلة بوقوع المغرب تحت الحمايـة الأجنبية حيث واصلهـا جلالة الملك محمـد الخامس رحمه الله وسلفه المولى يوسف فدأبـا على توجيه الهبات السنية إلى الرحاب المقدسـة في المشرق وفي مقدمتها القدس الشريف.  ومما قام بـه والد الملك الحسن الثاني في أعقاب زيارته لبيت المقدس أواخر الخمسينات، فرش المسجد الأقصـى بالزرابي المغربية، وقد شاهدنـاه مفروشا بها عند زيارتنـا للقدس الشريف قبيل الغزو الإسرائيلي.
وعندمـا سقطت فلسطين في يد الصهيونيـة، وقام بها الحكم الإسرائيلي سنة 1948 سطت عصابات على جانب من أوقاف حفيد أبي مدين الغوث وهو الجانب الذي يقـع خارج المدينة بقريـة كارم حيث الأراضي الخصبة، كمـا أسلفنا، ويتعلق الأمر بما ينيف عن أربعين عقارا بما فيهـا دور السكنى ومخازن التجارة، ويمكن  تصور فداحـة الشعور بالأسى عند المواطنين المقيمين بالقدس وما حولها يشاهدون أملاكهـم التي تناقلوها أبا عن جـد تقع تحت هيمنة الصهاينـة، ولم يكن في وسع الدولـة المغربية،  وكانت إذ ذاك تحت الحجر الأجنبي أن تقوم بأي إجراء فعـال، لكن تظاهرات شعبية قامت في المـدن والقرى معبرة عن سخطهـا لانتهاك الوقفيات كما قامت تظاهرات قبل ذلك تضامنـا مع الشعب الفلسطيني في كفاحـه وتعبيرا عن الشعور بالتعلق بأولى القبلتين والحرم الثالث.
ثم صادرت الدولـة الصهيونية البقية الباقيـة من أوقاف المغاربة بعد  احتلال القدس بكامله يوم 7 يونيه 1967 تمهيدا لضمه، فأخلت الأوقاف من سكانها بالتدريج مستعملة           
كل وسائل الضغط والعنف، ثم قامت بنسف الحي المغربي مستعيضـة عنه بساحة عامة قريبة من حائط المبكى، وفي ظرف بضعة أيام أتت المعاول على مائـة وثمان وثلاثين بناية بما فيهـا زاوية وجامع ومكتب إدارة الأوقاف وبيوت عوائـل مغربية شهيرة، ولم تمض سنة على هـذه الكارثة المهولة حتى عمـدت إسرائيل على إصدار قرار يقضي باستملاك عدد من الأراضي والعقارات التي سبق أن أوقفهـا المحسنون المغاربة في القدس  ولا زلنـا نذكر يوم قام موشي دايان  وزيـر الدفاع الإسرائيلي غـداة غزو القدس عنـد حائط المبكى قريبا من الحي المغربي وصرح « لقد أعدنـا توحيد المدينة الممزقـة عاصمة إسرائيل ، لقد عدنـا إلى هذا الهيكل الأقدس ولن نبارحـه أبدا مرة أخـرى»، وهو تصريح يذكرنا بتصرح مماثل للجنرال البريطاني اللينـي عند  غزوه للقدس في أثناء الحرب لعالميـة الثانية إذ قال: « الآن سوينـا حسابنا وأنهينا الحروب الصليبية» كمـا يذكرنا بتصريح للجنرال الفرنسي غورو أمام ضريح صلاح الديـن عند دخـول جيشه على دمشق، « هـا  نحن أولاء عدنـا يا صلاح الدين».
بعد نهب الأوقاف المغربية في القدس أعـد المغاربـة المقيمـون عليها جـردا كاملا أودعوه المكاتب الرسمية ولا زال موجودا، كما سجلوا اعتراضهـم على القرارات الإسرائيلية الجائرة في حق تلك الأوقاف منبهين إلى أن القانون الدولي لا يجيـز لسلطات الاحتلال  أن تستملك أي جـزء من الأراضي التي تحتلها، خاصة وأن ما بهـا من عقارات وأوقاف تخضع لأحكام الشريعـة الإسلامية وشروط من أوقفوهـا، فلا يسوغ تفويتها بأي ذريعـة كانت، وأعلن المغاربة كذلـك احتفاظهم بحقهم في اتخاذ الإجراءات القانونية الكفيلة بإبطال مفعول القرارات المتخذة من طرف سلطـات الاحتلال، لكن هـذه أصمت أذنهـا واستمرت في هـدم العقارات وإزالتها من الوجـود.
ولعل من المناسب أن نثبت هنا نص وثيقـة تاريخية  ترجع إلى مائتي سنة وتبيـن الفرق الشاسـع بين معاملة المسؤولين في بلادنـا للمواطنين من أتباع الديانـة الموسوية وسلوك السلطات الإسرائيلية إزاء المواطنين المسلمين الذيـن هاجروا أجدادهـم إلى فلسطيـن منذ القرن الثالث عشـر الميلادي فاختاروا واختـار آباؤهم من بعدهـم القدس الشريف دار قرار، هـذه الوثيقة عبارة عن أمر أصدره جد العائلة المالكـة السلطان محمد بن عبد الله إلى عماله،  وهنا نص الوثيقة:
«نأمر من يقف على كتابنـا هذا.. من  سائر خدامنا وعمالنـا من القائمين بوظائف أعمالنا أن يعاملوا اليهـود بسائر إيالتنـا بما أوجبـه الله من نصب ميزان الحق والتسوية بينهـم وبين غيرهم في الأحكام حتى لا يلحق أحدا منهم مثقـال ذرة من الظلم ولا يضام، ولا ينالهم مكروه ولا اهتضام،  وأن لا يعتدوا هم ولا غيرهم على أحـد منهم لا في أنفسهم ولا في أموالهم، وأن لا يستعملـوا أهل الحرف إلا عن طيب أنفسهم، وعلى شـرط توفيتهم بما يستحقون على عملهم لأن الظلم ظلمان يوم القيامة، ونحـن لا نوافق عليه لا في حقهم ولا في حق غيرهـم ولا نرضاه، لأن الناس كلهم في الحـق سواء،  ومن ظلم أحدا منهم أو تعدى عليه فإننـا نعاقبه بحول الله، وهـذا الأمر الذي قررنـاه وأوضحنـاه وبيناه كان مقررا ومعروفا ومحررا، ولكـن زدنـا هذا المسطور تقريرا وتأكيدا ووعيـدا في حق من يريد ظلمهم، وتشديدا ليـزيد اليهود أمنـا إلى أمنهم،  ومن يريد التعدي عليهـم خوفا إلى خوفه صدر به أمرنـا المعتز بالله في السادس والعشرين من شعبان المبارك سنة 1198هـ».
نص هـذه الوثيقة غني عن التعليق سار على نهجه والد الملك الحسـن الثاني بطل التحرير محمد الخامس طيب الذكر حين رفض رفضا باتـا أن يضام اليهود المغاربة في عهده أو تمس مصالحهم بسوء في أثناء الحرب العالمية الثانيـة حين حمل إليه ممثل الحكومـة الفرنسية الجنرال نوجيس،  وكانت فرنسا تحت الاحتلال النازي، مشروع تدابير استثنائيـة جائرة لتطبق على أولئك اليهود أسوة بمثلها كانت تطبق على اليهود الفرنسيين.
نعود إلى لجنـة القدس للتحدث في كثير من الإيجـاز عما قامت به  من الأعمـال برئاسة جلالة الحسن الثاني، وبتوجيه منه، وقد لا يتسع المقام لاستقصاء هذه الأعمال والنتائج المترتبـة عنها، فنكتفي باجتزاء أهمها، لقد عقدت لجنـة القدس ، كمـا مر بنا سبع دورات بفاس ومراكش والرباط، ودورتين طارئتين إحداهما بالدار البيضاء، والثانيـة بإسلام اباد، ودورة قمة ثلاثيـة للمنظمة وللجنـة القدس  وكانت الدورة السابعـة العادية تتويجا لأعمالها، حيث انعقدت بمراكش يومي 7 ربيع الثاني 1403هـ/ 21 و 22 يناير 1983، وشاركت فيها اللجنة السباعيـة العربية المنبثقة عن مؤتمـر القمة العربي بفاس الذي سبق انعقاده في سبتمبر 1982 واعتمـد خطة عربية تكفل تحقيق السلام القائـم على العدل في الشرق الأوسـط، وكان له دوي كبير في العالم  أجمع.
يمكن التأكيد بأن لجنـة القدس في شكلها الحاضر توفقت في تطويق مشكلة فلسطين والشرق الأوسط من جميع جوانبها ووضعت إستراتيجية متكاملـة حرصت على تنفيذهـا سياسيا وإعلاميـا، عربيا وإسلاميا ودوليا، فأتت النتائج على مستوى المجهود المبذول، لقد واجهـت اللجنة ظروفا في غايـة الصعوبة وتحديـات في منتهى الخطورة قابلتها بما يلزم من الانضباط والحزم، من ضمـن التحديات إقدام الكيان الإسرائيلي على ما أسماه بالقانون الأساسي بضم القدس الشريف وجعله عاصمـة موحدة وأبديـة لإسرائيل، وذلك في صيف 1980، وشروع إسرائيل كذلك في غزو لنبان في يونيو 1982 ، وما قامت به وشجعته من مذابـح في مخيمي صبرا وشاتيلا، ومضاعفـة زرع المستعمرات اليهوديـة في الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف وقطاع غزة. 

وقد صادقت لجنـة القدس على برنامج عمل إسلامي:
ـ أكـد على اعتبار قضيـة فلسطين قضية الأمـة الإسلامية الأولى وعدم جواز التنازل من لدن أي طرف من الأطراف عن هـذا الالتزام في أي ظرف من الظروف مع التعهـد بتحرير كل الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ عـدوان 1967 بما ف يذلك القدس الشريف وعدم قبـول أي شروط أو أي بديل بالسيـادة العربية على المدينة المقدسة.
* والتزم باستعـادة الحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني بما في ذلك حقه في تقرير المصير والعودة، وإقامـة الدولـة الفلسطينية على ترابه الوطني بقيـادة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني مع مواصلـة دعم هـذه المنظمة وتعزيز استقلالهـا ودعم صمود الشعب الفلسطيني ونضاله كذلك داخـل الوطن المحتل وخارجه حتى يتم تحقيق استعادة حقوقه الوطنية الثابتـة مع الالتزام باستخدام جميع الإمكانـات العسكرية والسياسية والاقتصاديـة والموارد الطبيعية لدعـم الحقوق الثابتـة للشعب الفلسطيني في مواجهة الكيان الصهيوني.
ـ والتزم برنامج لجنة القدس بتكثيف السعي لكسب المزيد من التأييـد العالمي لقضية فلسطين ومواصلة العمل في نطاق منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وملاحقـة محكمة العدل الدوليـة واليونيسكو والجمعيـة  العمومية وغيرها لاستصدار قرارات في إدانـة إسرائيل وممارساتها الراميـة لانتهاك الحقوق الثابتـة للشعب الفلسطيني ، وتحمل مسؤوليتهـا في مواجهة الرفض الإسرائيلي المستمر لتطبيق القرارات الأممية.
ـ والتزم أيضا برفض أيـة تسوية لقضية فلسطيـن والصراع العربي ـ الإسرائيلي لا تكفل المبادئ المتقدمة.
ـ وطالب بتعزيز علاقات الدول الإسلامية بالخارج وتوثيق اتصالاتهـا مع دول أمريكا اللاتينية وحاضرة الفاتكـان واتحاد الكنائس العالمي والمقامـات والمؤسسات المسيحية لضمان وقوفها إلى جانب السيادة العربية الكاملة على القدس وتأييد الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.
ـ كما حث برنامج العمل الإسلامي على مطالبة حكومـة الولايـات المتحدة الأمريكية بتغيير موقفهـا نحو قضية فلسطيـن والحقـوق الثابتـة للشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير واعتبار دعم الولايـات المتحدة المتواصـل للكيان الصهيوني موقفا عدائيـا تجاه العالم الإسلامي وتحديـا لمشاعر المسلمين.
وفيما يتعلق بقضيـة القدس التزم، برنامج لجنـة القدس بالخصوص.
ـ بمجابهة القرار الإسرائيلي بالضم وعـدم قبول أي وضع من شأنه أن يمس بالسيـادة العربية على القدس وتطبيق المقاطعـة السياسية والاقتصاديـة على الدول التي تعترف بالقرار الإسرائيلي أو تقيم سفارات في القدس وتوجيه الدعـوة في هـذا الشأن إلى جميع دول العالم والمجوعة الأوربية لاحترام الشرعية الدولية.
ـ وقيام الدول الإسلامية عبر وسائل الإعلام بالتعبئـة النفسية باتجاه الجهاد لتحرير فلسطيـن والتأكيد على تغطيـة رأسمال صندوق القدس ووقفيـة هذا الصندوق للقيـام بمواجهة الاحتياجـات الضرورية والملحة إلى غير ذلك من القرارات التي تضمنها برنامج العمل الإسلامي وتكفلت لجنة القدس بمتابعتها والسهر على تنفيذهـا.

هذه القرارات، فما هي الأعمال والمنجزات؟
بذلت لجنة القدس برئاسـة جلالة الملك الحسن الثاني نشاطا مكثفا على جميع المستويات لمواجهة التحديات التي كانت تتمثل في مبادرات الكيان الإسرائيلي داخلا وخارجـا، وركزت بالأخص على العمل الدبلوماسي في المحافل والمجموعات الدوليـة لفضح الكيان الصهيوني والسعي لإحباط مخططاتـه وعزله مستعملة كل الوسائل المتاحـة لها  من اتصالات ووفود وبعثات ومذكرات وغيرها من الوسائـل،  لقد توجه الملك الحسن الثاني على رأس وفد إسلامي إلى حاضرة الفاتكان وباريس حيث اجتمع بقداسـة البابا يوحنا الثاني والرئيس السابق جيسكار ديستان والرئيس الحالي فرنسوا ميتران، ثم  توجـه جلالته إلى الولايات المتحدة الأمريكية على رأس وفـد عربي كذلك لشرح خطة السلام العربي، كما وجهت لجنة القدس المذكرات والوفود لبعض الحكومات التي كانت تنوي نقـل سفاراتها إلى القدس تلبية  لرغبة الحكومة الإسرائيليـة ودعت الجمعية العمومية ومجلس الأمن للانعقاد بشأن الممارسات الإسرائيلية وقرار الكنيست بضم القـدس إلى غير ذلك من المبادرات.
وكان لعمل اللجنـة نتائج إيجابية نذكر منها موقف قداسـة البابا من قضيـة القدس الشريف عنـد زيارته للأمم المتحدة في خريف 1980 واستقبالـه لوفد فلسطيني في بدايـة سنة 1983 ، كمـا  أن السياسية الفرنسية عرفت تطـورا ملحوظـا لصالح القضية الفلسطينية، وكذلك موقف الجماعـة الأوربيـة كما أسفرت عنه مختلف دوراتها وخاصة اجتماعهـا الأخير في بروكسيل غـداة اجتماع للجنة السباعيـة بالمسؤولين البريطانيين.
ومن النتائج المهمـة صدور قرار مجلس الأمن بشأن ضم القدس يوم 20 أغسطس 1980 خلال اجتماع طارئ تحت رقم 418،  وجدير بالذكـر أن المجلس الذي كـان منعقدا لبحث هـذه القضية أجل اجتماعـه انتظارا لقرارات لجنة القـدس، ثم اتخـذ قراره المتقدم «شجب فيه بأشـد العبارات مصادقة إسرائيل على القانون الأساسي حول  القدس»، وقـرر عدم الاعتراف به وبالإجراءات الأخرى التي اتخذتهـا إسرائيل لتغيير طابع القدس ووضعهـا القانوني وطلب من الدول  التي أقامت سفارات في القدس أن تسحبها بالإضـافة إلى قرار سابـق اتخذه مجلس الأمن تحت رقم 465 حول المستوطنـات الإسرائيليـة وقرار تحت رقم 476 حول الممارسات الإسرائيليـة  في الضفة الغربية وقطاع غزة.
«إن وجـود القدس عاصمـة لفلسطين هي وحدهـا الكفيلة بأن تجعل منه مكانـا يتعايش فيه اليهـود والمسيحيون والمسلمون في كنـف الإخـاء إلى جانب مقدساتهم مردييـن آيات الثناء والشكر لله الواحد الأحد».
ومن المبادرات المهمة التي اتخذهـا عاهل المغرب الحسن الثاني بوصفه رئيسا للجنة القـدس ورئيسا لمؤتمـر القمة العربي الثانـي عشر الذي صدرت عنه خطـة السلام العربية استدعـاء اجتماع مشترك للجنـة القدس واللجنة السباعيـة المنبثقـة عن القمة العربية، وبذلك أكسب العاهل المغربي بعدا  جديـدا للخطة حيث وافق الاجتماع على بيان وتوصيات جاء فيها.
«تأكيد دعـم الدول الإسلامية القوي لجهـود الدول العربية في سبيل تحقيق أهداف الأمتين الإسلاميـة والعربية بخصوص قضيـة القدس الشريف وفلسطين... والاتفاق على أن خطة السلام العربية التي اعتمـدت من طرف مؤتمـر القمة العربي بفاس تعتبر منطلقـا جديدا للتحرك العربـي الإسلامي من أجـل الوصول إلى حل شامل ودائم وعادل في الشرق الأوسط  على أساس الحـق والعدل » ودعت اللجنـة المشتركـة في التوصيات إلى العمل المشترك بين اللجنـة السباعيـة العربية، ولجنـة القدس بما يحقق الأهـداف العربية والإسلاميـة، وإلى وضع خطـة لمواجهة الأخطار المتمثلـة في استمرار الاستيطان الإسرائيلي والقيام بتحرك دولي لشرح خطـة السلام العربية وكسب التأييـد لها من لدن دول عـدم الانحياز،  ودول العالم الثالث عامـة، وحاضرة الفاتكـان واتحاد الكنائس العالمي وغيره.
                                                * * *
هـذه أعمـال ومنجزات تعتبر تعبيرا عن صمـود الشعب الفلسطيني وثباته ورافدا من الروافـد في طريق النضال الذي يخوضه بجميع فئاتـه وتعينه فيه  شعوب ومنظمـات وإرادات مخلصة، إن قصـة نضال الشعب الفلسطيني مع الصهيونيـة في عصرنـا هذا  تحكي قصة كفاح كـل الشعوب المناضلـة في سبيل وجودهـا وإثبات ذاتها ضد العنصريـة والتسلط الأجنبي، وتلخص آمـاله آمـال الأمـة الإسلامية والعربية في الحرية والتقديم والسلام العـادل لقد بدأ بما لا جـدال فيه أن إسرائيل بتعنتهـا ورفضها الجلاء وإصرارها على زرع المستعمرات وتغيير الطبيعـة المادية والبشرية والحضاريـة لفلسطين والقدس إنمـا تسعى لإغلاق سبل السلام.
إن القدس الأسيرة وكل الضفـة الغربية وغـزة لتعاني المرائر تحت معاول التشويه بالرغم  عن صمود أهلها وما يستهدفون له من ضغط وحرب نفسية وفقدان الهوية الوطنيـة والتاريخية، فالكيان الصهيوني يريد أن يشطب عشرات القرون من التاريخ والتراث والحضـارة واقتلاع شعب بكامله من أرضه وحرمانه من ممارسـة تقرير مصيره، «إن إسرائيل أرادت وتريد الأرض العربية والسلام، أرادت وتريد بقاء  الشعب الفلسطيني مشردا خـارج وطنه أو أسيرا في ظل الاحتلال لا تحقيق الأمن والتعايش الإنساني».
ومن ثم فإن الطريق ما يزال طويلا... وما يزال شاقا ولا سبيل إلى بلـوغ منتهاه إلا بصمـود الشعب الفلسطيني في الكفـاح ومضاعفـة البذل والتضحيـة بمزيد من الإيمـان والإرادة كي يسترد كيانـه وحقوقه الإنسانية والقوميـة، يؤازره ويدعمـه في تحقيق هـذه الغايـة كافة ذوي النيات المخلصة.. وإنه لبالغ مطامحه بمشيئـة الله أحب من أحب وكره من كره.  

(1)  عقدت لجنة القدس «دورتها الثامنة يوم 10 سبتمبر 1983 بنيويورك برئاسة جلالة الملك الحسن الثاني رئيس اللجنة» وخصصت الدورة لموضوع المستوطنات الإسرائيلية في القدس والأراضي العربية المحتلة، ومواجهة محاولات إسرائيل الرامية إلى استعادة علاقاتها بالدول الإفريقي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here