islamaumaroc

نظرات في تاريخ المذهب المالكي. -6-

  عمر الجيدي

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

يذهب البعض إلى أن الإمام مالكا لم يدون أصوله التي بنى عليها مذهبه، واستخرج على أساسها أحكام الفروع التي استنتجهـا، والتي قيـد نفسه في الاستنباط بقيودها(1). إلا أن الحافظ ابن العربي لا يـرى هـذا الرأى ، ويثبت جازمـا أن الإمام مالكا بين في كتابـه «الموطأ» ، أصول الفقه وفروعه (2) كما يثبت أنه بنـاه على تمهيد الأصـول للفروع، ونبه فيـه على معظـم أصول الففه التي ترجع إليها مسائله وفروعه (3)، ويستفـاد مما ذكره عياض أن  مالكا أخـذ فعلا بهـذه الأصول وعلى هديهـا كان يستنبط القواعـد ويصدر الأحكام..(4)
والحق أن الإمـام مالك لم يصرح بأنه التزم فيمـا كان يستنبطه من أحكـام أصولا وقواعد،  اعتمدها أساسا في الاستنبـاط والاستنتاج، إلا ما يفهم من صنيعه في اعتمـاده على الأصلين ، وعمل أهل المدينـة، وما يستشف من عمله في «الموطأ» من أنـه كان يعتمـد أحيانا على القياس، إلا أن عمله هـذا يبقى دون إعطاء منهجيـة واضحة المعالـم، تنهـض دليلا على ما ذهب إليه ابن العربـي في «الـقبـس»، وعياض في «المدارك» ومن ثم يجـوز القول بأن ذلك يبقـى من عمـل أتباعه الذيـن جاءوا إلى الفـروع فتتبعوهـا ووازنوا بينهـا ، فاستنبطوا منها ما صح لديهم انه دليـل قام عليه الاستنباط، فدونوا ذلك الأصول وأضافوها على الإمام مـالك تساهلا، فقالوا،  كان مالك يأخـذ بكذا ويستدل بكـذا،  وهي ـ كما علمت ـ ليست أقوالا له رويـت عنه، وإنمـا هي من عمل أتباعه الذيـن حددوها بناء على ما فهمـوه من طريقته في استنبـاط الأحكام، وما دونـه من فتاوى ومسائل وجمعه من أحاديث وما أثـر عنه  من أقوال وآراء(5).
وسواء ما أشار إليها بنفسه، أم  دونهـا من أتى بعده من أتباعه، فإنها أصبحت تؤلف الأسس العامـة التي استند إليهـا المالكية في الاستنباط والتخريج وحتى ولو صحت نسبـة تدوينها إلى مالك، فإن ذلك لا يعنـي أن أتباعه ظلوا جامديـن على ما أصله، ومقيديـن بكل ما قاله ، وتوصل إليه من استنبـاط واستنتاج، بل كانوا ينظرون في الأدلـة كما  كان ينظر، ويستخرجون منها كمـا كان يفعل بدليل أنهم سيختلفون معه فيمـا بعد اختلافا واضحا في مسائل لا تعد كثـرة....   

الفـرق بين الأصول والقواعد:
وقبل أن نعدد الأصول التي قام عليهـا المذهب المالكي، نشير أولا إلى الفرق بين الأصـول والقواعد، ونعطي نظرة عابرة عن القاعـدة الفقهية من حيث تحديدهـا وأقسامها، والمراحل التي مرت بها، فالأصول هي الأدلة الإجمالية أو المصادر التي تستقي منها أحكام الفروع الجزئية كالكتاب والسنة وغيرهما من مصادر الاستنباط والاستدلال الراجعة إليهما.
أمـا القواعد، فهي تحصل عن الاجتهاد في أحكام الفروع من طرف المجتهدين وأهل التخريج والاستنباط، باستقرائهم الأشباه والنظائر، وتبينهـم العلة الجامعة بين كل فئة منها مقيمين من هـذه العلة الجامعة، أو مناط الحكم قاعدة في شكل نص كلي يتضمن حكمـا تشريعيا عاما يطبق على كل المسائل والجزئيات المندرجة تحته، والمتضمنة لنفس المناط، فهناك إذن فرق بين أصول المذهب وقواعـده، فأصول المذهب، هي مصادر الاستنباط أي تلك التي تستقي منهـا الأحكام، أمـا القواعد فهي ضوابط كليـة توضح المنهج الذي سـار عليه الفقهـاء، في استقراء المسائل الجزئيـة، وتحديد العلة الجامعـة في كل فئة منها، مستنتجيـن قاعدة كلية عامة، تطبـق على كل الجزئيات المندرجـة  تحتها بجامـع وحدة المناط، وبذلك كانت القواعد متأخرة في وجودها عن الأصول فالقاعدة الفقهية إذن هـي الثمرة الناتجـة عن الاجتهاد في أحكام الفروع.

تعريف القاعدة:
وهكذا عرفت القاعـدة الفقهية اصطلاحـا، بأنها قضية كليـة من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها (6) وهي التي عناهـا المقري بقوله: كـل كلي هو أخص من الأصول، وسائر المعاني العقليـة العامة. وأعم من العقـود وجملة الضوابـط الفقهية الخاصة(7) أو بتعريف أوضح هـي: حكم أغلبـي ينطبق على  معظم جزئياتـه،  ومن خصائص القاعـدة الفقهية إيجـاز صياغتها وسعة استيعابها بكثير من الفروع الجزئيـة، والقاعـدة على ما سبق هي الأساس  والأصل لما فوقهـا، وهي تجمـع فروعا من أبواب شتى على خـلاف الضابط، فهـو يجمع فروعا من باب واحد.(8)

أقسامهــا:
ثم إن القواعـد الفقهية تنقسـم عموما إلى قسمين: عامة وخاصة، فالأولى تطلق على قواعـد جامعة لأحكام كثيرة تستوعب أحكامـا عديدة في عبـارة قصيرة ذات دلالـة واسعة، من خصائصها، أن صيغتهـا تكون خبريـة مثل درء المفاسـد مقدم على جلب المصالح والضرورات تبيح المحظورات، والأمور بمقاصدها واليقيـن لا يزال بالشك والأصـل براءة الذمـة، والأصل بقاء ما كان على ما كان الضرر لا يزال بمثله إذ اجتمع ضرران ارتكب أخفهما، الضـرورة تقدر بقدرهـا، التعيين بالعرف كالتعيين بالشرط، العـادة محكمة، المشقة تجلب التيسيـر، الضرر يزال.. وهكذا والثانيـة: قواعـد تندرج تحتهـا أحكام متشابهة، وهي التي تسمـى الضوابط أو الكليات، ومن أمثلتها، كل من لاعـن زوجته فلا تحـل له أبدا، كل نكاح اختلف فيه، فالطـلاق فيه قبل الفسخ لاحق والميـراث واجب، كل زوج عجـز قبل البناء عن رفـع الصداق طلق عليه بعد الأجـل والتلوم، كل فـرج يستبرأ من مسيس فلا يحتل وطؤه حتى يبرأ الرحـم، كل من نكـح امرأته في عدتهـا وأصابها فيها فلا تحل له أبدا، كل طعـام كان ثمنا للبيع فلا يجـوز بيعه قبل قبضته، كل ما يجوز فيه التفاضل ، فلا يجوز بيعه بشيء منه حتى يعلم التفاضـل، كل ولاء ضائـع فإنه للمسلمين وهكذا...
والقسم الأول هو مراد المقري في قواعـده، إذ يذكـر أنه قصد إلى تمهيد ألف ومائتي قاعـدة هي الأصول القريبة لأمهات مسائل الخلاف المبتذلـة والقريبة، وأضاف أنه يعنـي بالقاعـدة، كل كلي هو أخصـى من الأصول وسائر المعانـي العقلية العامة، وأعـم مـن العقود وجملة الضوابـط الفقهية الخاصة (9)، فهو لم يقصد في قواعده، القواعـد الأصولية العامة، ككـون الكتاب أو السنة أو الإجمـاع أو القياس حجة وكحجـة المفهوم والعموم وخبر الواحد. وكـون الأمر للوجوب والنهي والتحريم، ونحـو ذلك ولا القواعـد الفقهية الخاصة ككل، ما لـم يتغير أوصافه ، وكـل طير مباح الأكل، وكـل عبادة بنية ونحو ذلك وإنمـا المراد ما توسط بين هذين الأول، وأعـم من الثاني، وإن  كـان قد ذكر قواعد أصولية وقواعـد فقهية تكميلا للفائـدة(10)..
ثم إن هـذه القواعد أغلبيـة في معظمها غير مطـردة وترد عليهـا استثناءات في فروع الأحكام التطبيقية طبقـا للقاعـدة القائلة «إن أكثـر قواعد الفقه أغلبيـة»(11)، إلا أن هـذه الاستثناءات التي ترد على القاعـدة لا تضيرهـا، ولا تقدح في قيمتها وأثرهـا، فقد أفادت الفقه الإسلامي فائـدة عظمـى رغم هذه الاستثناءات ، وفي هذا يقول القرافي ( 684 ـ 1285)، إن الشريعـة الإسلامية اشتملت على أصول وفروع ، وبعـد أن تحدث عن الجانب الأول خلص إلى القول بأن القواعـد الفقهيـة الكلية جليلـة كثيرة العدد، عظيمـة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمـه، لكل قاعـدة من الفروع في الشريعـة ما لا يحصى(12) إلى أن يقول: «وهـذه القواعـد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطـة بها يعظم قدر الفقه ويشرف، ويظهـر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهـج الفتوى وتكشف فيها تنافـس العلماء وتفاضـل الفضلاء، وبرز القارح على الخـدع وحـاز قصب السبق من فيهـا برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعـد الكلية، تناقضت عليه الفـروع واختلفت وتزلزلت خواطـره فيها واضطربت ، وضاقت نفسه بذلك وقنطت واحتاج إلى حفظ الجزئيـات التي لا تتناهـى ، ومن ضبط الفقه بقواعـده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيـات لاندراجها في الكليات »(13)، والحق ما قاله رحمـه الله ، فإن هـذه القواعـد أدت دورا هامـا في تنظيم الفروع وأكسبت الفقهاء ملكـة عملية مهمة لضبطهـا فروع الأحكام بضوابط يجمـع كل طائفة منها  وحـدة المناط، فإذا كـان الأصولي ينظر إلى الأصـول على أنها مصادر لاستنباط الأحكام الشرعية، فإن الفقيـه يعتمد على القواعـد الفقهية مسلكـا لتجميع فروع الفقه في مجموعات يجمعها وحـدة المناط ، وبذلك تأتـي للفقهاء أن يكتشفوا أسرار التشريع وقيمتـه، وسهل عليه تتبـع الجزئيات وإدراجها في الكليات فارتقوا بذلك من دراسـة الجزئيات على درس ما يسمـى في العرف الحالي بالنظريـات العامة، التي تهدف إلى نقـل الفقه من شكله الفرعي إلى الشكل الموضوعي.(14)

المراحـل التي مرت بهـا القواعد الفقهية:  
والجديـر بالذكر أن هـذه القواعد لم توضح  دفعة واحدة، كمـا أنها لا تنسب لشخص معين، وإنمـا صيغت نصوصها بالتدريج في مختلف العصور، وعلى يد فقهاء كبـار وصلوا درجـة من النضج الفقهي أهلهم لأن يصوغـوا هذه القواعـد استنباطـا من الأدلة التشريعية العامة، ومن ثـم فلا نستطيع أن ننسب أي قاعـدة لفقيـه معين، ومن المؤكـد أن هـذه الصياغات القاعديـة مرت بمراحل قبل أن تستقر على هـذه الصيـغ المعروفـة لدينـا اليوم، تناولهـا الفقهاء بالصقـل والتحوير تابعا عن تابع، ويقال أن فقهـاء  الأحناف كانوا هم السباقين إلى صياغـة هذه القواعـد، والاحتجاج بها، وعنهـم نقلها غيرهم من أصحاب المذاهب(15) .   
وتشير بعض الروايات إلى أن أول من جمـع هذه القواعـد الكلية في المذهب الحنفي هـو أبو طاهر الدباس من علماء القرن الرابع الهجـري، فحصر مذهب امامه في سبع عشرة قاعـدة كلية، ثم أتـى بعده الحسن الكرفي ( 340  951)، فأضاف إليها قواعـد عديدة أوصلهـا إلى سبع وثلاثيـن قاعـدة، ولاحـظ الشيخ الزرقاء أن بعضها ليس من قبيل القواعـد بالمعنى الحقيقي للقاعـدة(16)، ثم أعقبه أبو زيـد الدبوسي (430 ـ 1038)، فزاد عليهـا زيادات مهمة في كتابـه «تأسيس النظر»، ثم جـاء بعده ابن نجيم ( 970 ـ 1562)، فجمع في كتابـه «الأشبـاه والنظائر»، عديدا من القواعـد، ثم جـاء بعده الخادمي ( 1176 ـ 1762) فجمع مجموعـة كبيرة من القواعـد الفقهية رتبهـا على حروف المعجم فبلغت أربعا وخمسين ومائة قاعدة...                             
هـذا بالنسبة للمذهب الحنفي، أمـا المذهب الشافعي فيذكر القاضي الحسين (642ـ1244) أن مبنى الفقـه الشافعـي على خمس قواعد وهي:  الضرر يزال، والعـادة محكمة، والأمور بمقاصدها، واليقين لا يزال بالشك والمشقـة تجلب التيسير (17) وقد  نظمهـا بعض الشافعية فقال:
خـس مقررة قواعـد مذهـب    *     للشافعي فكن، بهـن  خبيــرا
ضرر يزال وعـادة قد  حكمت *    وكـذا المشقة  تجلب التيسيـرا
والشـك لا ترفع بـه  متيقنـا     *    والقصد أخلص ان أردت أجورا
وقد صنف في ذلك بعض الشافعيـة، ولعل أهم مؤلف في ذلك هـو« المنثـور في القواعد»، لبدر الديـن الزركشي، إذ يعد في أهـم وأنفع الكتب المعنية بالقواعـد الفقهية الكلية ، وقد حقق أخيــــرا(18).
وقـد جمع ابن رجب الحنبلي (795 ـ 1392) في كتابه القيـم «القواعـد»، مائة وستين قاعـدة هي المعروفـة في المذهب الحنبلي..
أمـا المذهب المالكي فـلا شك أنه أغزر هـذه المذاهب من حيث القواعـد، ومن الذيـن ألفـوا فيها ووصلتنـا مؤلفاتهم: الإمـام القرافي الذي ضمن كتابـه «الفروق» ثمانيـة وأربعين وخمسمائة قاعـدة (وضمن هـذه القواعد توجد قواعـد وكليات عديدة متناثـرة هنا  وهناك)، ثم جاء بعده  أبو عبد الله المقري (756 ـ 1355) فألف قواعـده المؤلفـة من مائتين وألف قاعدة، وجـاء بعدهمـا أبو الحسن الـزقاق (912 ـ 1506)، فألف «نظم المنهج المنتخب في قواعـد المذهب»، وألف بعده أبو العـباس الونشريسي  (914 ـ 1508) «إيضاح المسالك»  كما ألف فيهـا عصريـة ابن غازي المكناسي (919 ـ 1513) «كلياته» وجـاء بعد هؤلاء أبو مالك عبـد الواحـد الونشريسي ( 955 ـ 1548) والشيخ ميـارة (1072 ـ 1661) فألفـا بدورهما فيهـا، وفي القرن الحادي عشر الهجري ألف أبـو الحسن علي بن عبد الواحـد بن أبي بكر الأنصاري السجلماسي «اليواقيث الثمينة» ، وهـو نظم في قواعـد المذهب ونظائـر الفقه على غرار المنهج المنتخب للزقاق  ـ سابق الذكر ـ وقد كـان هذا الكتاب من ممتلكات الفقيه الحجوي(19).
وهكذا نـرى أن كل المذاهب الفقهيـة الإسلامية الكبرى ساهمت بنصيب في هـذا المجال الفقهـي، إذ اختار أتباع كل مذهـب قواعـد وأصـولا اعتمدوا عليها في الاستنباط والتطبيق، وكـل مذهب أراد أصحابـه أن يجعلوه  مبنيا على عـدد  محصور  من القواعـد والأصول..
وبعـد هـذا العرض السريـع نعود على بدء لنعـدد الأصول التي اعتمدهـا المالكية، ونشير في البدايـة إلى أن المالكية قد اختلفوا في عـد  هذه الأصول، فالحافظ أبو بكر ابن العربي ( 543 ـ 1148) عدهـا  عشرة حسبما يفهم  في نقل ابن هـلال(20) والقاضي عيـاض (544 ـ 1149)، لم يذكر منها إلا أربعة: الكتاب والسنة وعمل أهل المدينـة والقياس (21)، ولما قسم القرافـــــي (684 ـ 1285) الأدلة(22) ، قال إنهـا تسعة عشر بالاستقراء وهي : الكتاب والسنة، وإجمـاع الأمة، وإجمـاع أهل المدينة، والقيـاس، وقول الصحابي، والمصلحـة المرسلة، والاستصحاب، والبراءة الأصليـة، والعوائد،  والاستقراء، وسـد الذرائع،  والاستدلال ، والاستحسان، والأخـذ بالأخف، والعصمـة، وإجمـاع أهل الكوفـة، وإجمـاع العترة، وإجمـاع الخلفاء الأربعة (23) ونلاحـظ أن هـذه الأصـول مشتركة بين جميـع المذاهب وبعضها لا يقـول به المالكية، وفيهـا ما هـو خاص بالفرق الشـاذة، فالعصمـة، وإجمـاع العترة لا يقول بهمـا إلا من شذ..
أما الفقيه أبو محمد صالح ( 653 ـ 1255)، فقـد عدها  ستة عشر أصلا، وهي نص الكتاب وظاهـره وهو العموم، ودليله وهو مفهـوم المخالفة، ومفهومـه (أي مفهوم الموافقة) والتنبيه على العلـة، ومثل هـذه الخمسة  من السنة، ثم الإجمـاع، وعمل أهل المدينـة، وقول الصحابي ، والاستحسان، والحكم بسد الذرائع مع اختلاف قوله  في مراعاة الخـلاف (24)
فمرة يراعيـه، ومرة لا يراعيه (25)، والشاطبـي ( 790 ـ 1388) رد الأدلة الشرعيـة إلى ضربين دون أن يفصلهـا، إحداهما ما يرجع إلى النقل،  والثانـي ما يرجع إلى الرأي(26)  واقتصاره على هـذا التقسيم كما قال المرحـوم أبو زهرة له وجـه معقول جدا لأن عمـل  أهل المدينة وقول الصحابي كان يعتبرهمـا مالك بن شعب السنة، كمـا أن كلمة الرأي تشمـل بعمومها، المصالح المرسلـة وسد الذرائع والعادات، والاستحسان، والاستصحاب، والقيـاس، لأن من هذه مشمولات الرأي، وبعبارة، ما يدخل تحت كلمة الاجتهاد مما عـدا النص... على أن بعض المالكيـة ينزل بها إلى أربعة كما يفهم من صنيع الشيخ ماء العينين (27)، ولا أراه إلا مشيـرا إلى رأي  القاضي الحسين الشافعي  وذكـره السبكي في «الطبقات»، أن أصول مذهـب مالك تزيـد عن خمسمائة، ولعله يشيـر إلى القواعـد التي استخرجت من فروعـه المذهبيـة، ولا حـظ المرحوم الشيخ أبو زهـرة أن مذهب مالك أكثـر المذاهب أصولا، حتى أن علماء الأصول من المذهب المالكـي يحاولون الدفـاع عن هـذه الكثرة وأفـاد بأن أقل أصولـه تسعة(28) وعلق على هـذه الكثرة بقوله، «وأن نوع الأصـول التي يزيد بها المذهب المالكي على غيره، ومسلكه في الأصول التي اتفق فيهـا مع غيره، يجعلانـه أكثر مرونة واقرب حيوية، وأدنـى إلى مصالح الناس،  وما يحسون، ما يشعرون، وبعبارة  جامعة أقرب على الفطـرة الإنسانية التي يشترك فيهـا الناس، ولا يختلفون إلا قليلا بحكم الإقليم والمنزع والعادات الموروثـة».(29)
أمـا ترتيب هـذه الأدلة من حيث الحجيـة والاعتبار، فهو ما أثبتـه القاضي عياض في المدارك إذ يقول:  «فأنت إذ نظرت لأول وهلـة منازع هؤلاء الأئمـة، وتقرير مآخـذهم في الفقه والاجتهـاد في الشرع،  وجـدت مالكا رحمه الله ناهجـا في هـذه الأصول مناهجهـا،  مرتبا لها  مراتبهـا ومدا رجها مقدمـا كتـاب الله ومرتبـا له على الآثار، ثم مقدمـا لها على القياس والاعتبار، تاركـا منها ما لم يتحمله عنده الثقات العارفون  بما تحملوه، أو مـا وجد الجمهور والحجم الغفير من أهـل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه»(30).
بقي أن أشير إلى أن هـذه الأصول نظمها الفقيه أحمـد بن محمـد بن أبي كف في تسعة وعشريـن بيتا، وشرحهـا محمد يحيى بن عمر المختار بن الطالب عبد الله بشرح سمـاه «كتاب إيصال السالك في أصـول الإمـام مالك»، وقـد طبع بتونـس عام  1346هـ، هـذه نظرة عـابرة عن قواعـد المذهب وأصوله، وربما كانت لنا  عـودة إلى الموضوع ، إذ هـو خصب ثري...

(1)  الفكر السامي للحجوي 1/387، ط2، ومالك للشيخ أبي زهرة ص 215.
(2)  القيـس ، ص7، مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 1916 ك.
(3)  المصدر نفسه 1.
(4)  المدارك1، 89، ط المغرب.
(5)  نظير ما فعله المحدثون بصحيح البخاري فهو لم يبين الشروط التي اشترطها، وإنمـا ذلك عمل من أتى بعده من المحدثين بعد أن تتبعوا منهجيته في قبول الرواية وردها.
(6)  كليات أبي البقاء ص 290، وتسمى فروعا واستخراجها منها تفريعا.
(7)  قواعـد المقري 1.
(8)  كليات أبي البقاء ص 290
(9)  شرح المنجور لقواعـد الزقاق، ص 2، م 2 والفكر السامي 1/165.
(10)  المصدر نفسه
(11)  تهذيب الفروق،1/36، على هامش الفروق للقرافي.
(12)  الفروق 1/ 2.
(13)  الفروق 1/3
(14)  بعض النظر عن الفرق البسيط بين هـذه وتلك إذ كلتاهما يسعى إلى تجميع ما كان مفرقا..
(15)  أنظر المدخل الفقهي العام للفقيه الضليع الشيخ مصطفى الزرقاء 2/952
(16)  المدخل الفقهي العام، 2/952
(17)  فتح الباري 4/ 276.
(18)  أنظر أخبار التراث العربي، العدد 2، ص 9، 1982.
(19)  الفكر السامي 2/278.
(20)  نوازل ابن هلال ص8، م 29، ط ف.
(21)  ترتيب المدارك 1/89.
(22)  قسمها إلى قسمين، من حيث مشروعيتها،  ومن حيث وقوعها، انظر شرح تنقيح الفصول ص 445.
(23)  شرح تنقيح الفصول، 445.
(24)  ذكر أبو يحيى الغرناطي شارح التحفة وابن ناظمها في شأن مراعاة الخلاف ما نصه: « مراعاة الخلاف لا يطردونه في جميع المواضع، ثم مراعاة الخلاف، إما أن تكون صحيحة، وإمـا أن تكون غير صحيحة، فإن  كانت صحيحة جارية على أصول الشريعـة وجب اعتبارها على الإطلاق وإمـا اعتبارها في بعض المسائل دون بعض،  فذلك يفتقد إلى ضابط يعرف به الموضوع الذي يجب أو يجوز أو يراعي فيه الخـلاف من الذي لا يراعي فيه أنظر شرح التحفة ، مخطوط خ .م رقم 9856 ص 2، والموافقات 4/ 150».
(25)  نقل عن الإمـام الشاطبي قوله «قـد عد الناس الأولة ولم أر من عـد أصول مراعاة الخلاف أصلا منها، والظاهر أن الدليل هو المتبع ، فحيثمـا صار صير إليه»، أنظر المعيار 2/272، ط ف  والبهجة 2/133.
(26)  الموافقات 3/41.
(27)  أنظر دليل الرفاق على شمس الانفاق 1/35 ط. ف.
(28)  مالك ص 376، ط ثانية
(29)  المصدر نفسه
(30)  المداكر، 1/89.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here