islamaumaroc

الأوضاع الثقافية لعهد الموحدين هدف التقليد في الأدب المغربي.

  عبد الكريم التواتي

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

كان  مـن أبرز مظاهر اهتمام دولة الموحدين بالثقافة عامة، عنايتهـم منذ قيامهم بإنشاء دور الطلبة والمتعلمين والإنفاق عليهم، ومراقبـة نشاطاتهم الفكرية والدينية معا، فقد حفـظ لنا التاريخ الناطق المكتوب والصامـت المتجلي  في الآثـار العمرانية الباقيـة عن هـذا العهد، ما يؤكدان حركـة كبيرة لبناء المدارس العلميـة قد بوشرت بمختلف العواصم المغربية.
وهكـذا، فبالإضافة إلى بيت الطلبة الرئيسي، الـذي كانوا أنشأوا بعاصمتهم مراكش، حيث استقبل علمـاء محدثون كبار، مثل أبي عمر بن عاث الذي تولـى لفترة ما أدارته كانت هناك مدارس أخرى، كمدرسـة سبتة التي أنشأهـا أبو الحسن الشاوي، ومدرسـة مسجد سلا الأعظم التي ما زالت آثارهـا حية إلى اليوم.
وكـان للتربية التي نشأ عليهـا رجـال هـذه الدولـة منذ خطواتهم الأولى التي قطعوهـا،  وهم يدرجون إلى الشرق طلبا للاستزادة من العلم، وتطلعـا إلى المعرفة دخل عظيـم واثر طيب في تكويـن شخصيـة الدولة الموحديـة العلمية وشحذ تذوق ملوكهـا للعلوم والآداب،  وتعميق إدراكهم لقيمـة مـا يلقـى بين أيديهم. 
وفي سنهم استدراج أقطاب الفكر الإسلامي، وخاصـة من الأندلس إلى حضرتهم ثم الاحتفاظ بولاء هؤلاء الأقطاب الذي كـان دعما لمركز الدولـة الناشئة وتثبيتـا لوجودهـا العلمي، وشخصيتهـا في مجالات الثقافـة والحضارة، ففي هـذا المجال يذكرون أن عبد المومن مثلا كـان يشجع العلماء ورجـال الشعر إلى الدرجة التي جعلتهـم يتقاطرون على بلاطـه من كل أصقـاع العالـم الإسلامي بما فيـه مصر،  وأن مـن أيـة تشجيعه إجازتـه محمـد بن أبي العباس السمعاني بألف دينـار على بيت مفرد من الشعر.
وذكـروا أن عبد المومن استعاده هـذا البيت مرات آمرا إياه بالاقتصار عليه وهـذا البيت المفرد هو:
ما هــز عطفيـه بين البيض والأسـل      مثـل الخليفـة عبـد المومـن بن علـي
على أن المؤرخيـن يؤكدون بأن جـل أمراء هذه الدولـة كانوا شعراء ، أو  كانوا يقرضـون الشعر ويعالجونه،  وأن يكن أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المومن الموحدي واسطـة عقدهم، في هـذا الميدان، حيث حفظ له ديوان شعر متداول معروف.
أمـا ابن تومرت، فقـد نسبوا إليه الأبيات التالية:
أخــذت بأعطادهـم إذ نــــأوا              وخلفـك القـوم إذ  ودعـــــوا
فكـم  أنـت  تنهــى  ولا  تنتهي           وتسمـع  وعظا، ولا تسمـــــع
فيا حجـر السـن حتــى منــى             تسـن الحديـــد ولا  تقطـــع؟
أما عبد المومن بن علي فقد أوردوا له شعرا يستنفر  به عرب بني هلال لغزو جزيرة الأندلس، ومنه هذه الأبيات:
أقيمـوا إلى العلياء هـوج الرواحل       وقـودوا إلى الهيجاء جرد  الصواهل
وقـوموا لنصـر الديـن قومـة ثائر        وشـدوا على الأعـداء شـدة  صائل
فمــا العز الأظهر أجـرد سابــح         يفــوت الصبا في شـدة  المتواصل
وأبيـض مأثــور كان فـــرنده            على المــاء منســوج وليس سائل
بني العــم من عليا هلال  بن عامر      وما جمعـت مـن باسل وابـن باسل
تعالـوا فقـد شـدت إلى الغـزونية         عـواقبها منصـورة بالأوائــــل
هي الغـزوة الغـراء والمـوعد الذي      تنجـز مـن بعـد المـدى المتطاول
بها تفتـح الدنيا، بها تبلـغ المــنى         بها ينصـف التحقيق مـن كل  باطل
أهبنا بكـم للخـير والله حســــنا           وحسبكــم والله  أعــدل عــادل
فمـا همنا الإصــلاح  جميعــكم           وتسريحكم في ظــل  أخضر هاطل
فـلا تتوانـوا فالبــدار غنيمـــة            وللمدلـج الساري صفــاء  المناهل
ونسبوا لحفيده المنصور أبياتـا كان وجههـا لبني سليم النازلين بإفريقيـا (تونس) يحذرهـم مغبة التمرد والعصيان وهذه هـي:
 
يا أيهـا الراكب المزجـي مطيتــه        على عـذاقـرة تشقـى بها الأكــم
بلغ سليمـا على بعـد  الديار بهــا         بيني وبينكـم  الرحمـن والرحيــم
يا قومنا لا تشبوا الحرب أن خمـدت    واستمسكوا بعرى الإيمان  واعتصموا
كمجرب الحرب من قـد كـان قبلكم      من القـرون فبــادت دونها الأمـم
 
الله يعلـم أنــي ما دعـوتكـــم             دعـاء ذي قـوة يومـا  قينتقـــم
ولا لجـأت لأمر يستعـان بــــه          من الأمور، وهـذا الخلـق قد علموا
لكـن لا جزي رسول الله عن سبب      ننمـى إليه وترعـى تلكم الذمـــم
فإن أبيتـم فخيل الوصـل متصــل        وإن أبيتـم فعنـد السيـف نحتكــم

وكان  للمرأة الموحديـة في كل المجالات التي عالجتها ثقافـة هذه الدولـة مشاركة واهتمام، فقـد برزت في ميدان علم الكلام والعقائـد كل من ابنة الخليفة يوسف بن عبد المومن، والسيدة المدعوة (خيرونـة الفاسية)، ولهذه ألف ( السلالجي) كتابه: ( العقيدة البرهانية)،  وكانت السيدة المدعوة  (محلة المراكشية) من اللائي برزن في الفقـه،  كما اشتهرت ابنة أبي الحسن الشاري، مؤسس مدرسة (سبتة) المدعوة (مريم) في علم الحديث والسنـة، أمـا في التصوف فقد اشتهرت (مينة بنت ميمون الدكالي).
أمـا في الأدب والشعر، فقد خلد التاريخ الكثيرات منهن مثل:
1)  الشريفة أمة العزيز بنت أبي محمد بن الحسن بن أبي الحسام السبتي ومن شعرها:

لحاظكـم تجرحنـا في الحشــــا           ولحظنـا بجرحكــم في الخــدود
جــرح بجـرح فاجعلوا، ذا بــذا          فمـا الذي أوجـب جـرح الصدود ؟
2) حفصة بنت القاضي بن حفص بن عمر، وإن لم يثبتوا لها شعار.
3) أم النساء بنت عبد المومن التاجر الفاسـي التي ورد جنون في كتابه (النبوغ) ـ نقلا عن  محاضرات بن عربي لحاتمي الأبيات التالية التي أنشدتها في أبي علي صاحب فاس، قالت:

جـاء لبشير بوعـد كـان ينتظــر            فأصبـح الـحق ما في وصفته كـدر
مـن خير هاد، غـدا بالهدي يأمرنـا        وفي أوامـره التسديـد  والنظـــر
ليث  إذا اقتحـم الأبطال حومتهــا         يفنـي الكتائـب لا يبقـى ولا يـذ ر
ليث  إذا اقتحـم الأبطال حومتهــا         يفنـي الكتائـب لا يبقـى ولا يـذ ر
4) رميلة الموحديـة، عشيقـة ابن غرلة الرجـال، الذي قتل بسبب إنشاده فيهـا موشحـته المعنونة بـ ( العروس) والتي مطلعها:
مـــن يصـيـد  صيـــــدا     فليكــن كمـــا صيــــدي
صيـــدي الغزالـــــــة      مــن مراتـــــع الأســــد
ونحب أن  ننبه إلى أنه إذا كانت الموسوعيـة أو المشاركـة بالتعبير القديـم هي السمة الغالبـة على مثقفي عصور المغرب الأولى، بل وحتى على مثقفي عصرنـا الحديث، وبالأخص أولئك الذيـن تخرجوا من المدارس المسجديـة، وكانت العنايـة بالفقه وعلم التشريع من تفسير وسنـة وأصول من أهـم ما يميز مثقف ذلك العصر، ويجعله محط أنظار مؤرخـي رجال الطبقات، فإنه في العصر الموحدي لوحظ وجود طبقـة مثقفـة ذات اختصاص تقني  إن صح التعبير،  وكانت هــذه الطبقة تختفي وراء الفقهيات حتى لا تثير شكوك الناس الذيـن كانوا يومئذ يعتبـرون كل من يبحث في غير علـوم الدين مارقا من الدين.
ولعل هـذا الاعتبار هـو الذي حدا بالخليفـة عبد المومـن بن علي أن يقف من ابن رشـد الحفيد موقفه الشائـن في  الأندلس، وأن يحاول إصلاحه إثـر عودته  إلى عاصمـة ملكه باستدعائه الرجـل إلى حضرتـه واغـداق حلل الرضـى عليه والكرم الحاتمي.
ومن بين هؤلاء المتخصصين (أبو العباس التيفاشي) القاضي الفهري (580هـ / 653)(1)، فقـد كان الرجل تخصص في موضعين اثنين هامين إحداهمـا (علاقات التوالد) الذي وضع فيـه كتابه ( نزهة الألباب فيما لا يوجـد في كتاب)، والموضوع الثاني دراسة الأحجار الكريمة، حيث وضع فيـه كتابا بعنوان (أزهـار الأفكار في جواهر الأحجار).
وتخصص ابن طفيـل وابن رشد في دراسة الفلسفـة بوجه عـام وتخصص كل من أبي بكر بن زهر الأندلسي والقاضي أبي حفص بن عمر، في الموشحات، أمـا ابن عمر الأندلسي وابن غرلة، فقد تخرجـا في الشعر الملحون (وعروض البلدي)، كما كانوا يسمونـه تابعهما ابن شجاع التازي والكفيف الزرهونـي على نفس الدرب، أي الرجـل أو عروض البلدي أي لشعر الملحون.
تلك نظرة عامـة ووجيزة عن أبرز مظاهـر الثقافـة لعهد الموحدين، ولكن رغم شموليتهـا الظاهرية فإن السمة الغالبـة عليها كانت الفقه وأصوله، والتشريـع وعلم الكلام، والعقائـد.
وكانت الآداب بمفهومها التقني، أو الحقيقي إن صح التعبير نادرة جـدا، إلا أن مططنـا ذلك المفهوم بما يشمـل متا رآه صاحب النبوغ المغربي من إدراج النحو واللغـة والعروض والتاريـخ والسير ضمنه الشيء الذي لا تستسيغه في نظرنا على الأقل المعايير الأدبية.
وهكذا، فنحـن حين نحاول وضع جـرد لأدبـاء هذا العصر المغاربة، بالمعنـى الضيق أو القومي أو لمؤلفاتهـم الأدبية لا نستطيع أن نعثر على شيء كبير يستحـق الذكر، وحتى كتاب ابن دحيـة أبي الخطاب المعنون بـ (المطرب من أشعار المغرب) مثلا ليس إلا تسجيلا للإنتاج الأندلسي، وليـس فيه  من شعر المغاربـة إلا النزر اليسير، كمـا أن الجذاذات التي عرفت من كتاب (صفوة الأدب وديوان العرب) لأبي العبـاس الجراوي ، كان معظمهـا من شعر القيروان وشعراء الأندلس والشرق ورغم مـا قيل من تشجيع الموحديـن للحركـة الأدبية ورعايـة روادهـا مما أوردنـا صورا منه فيمـا سبق، ورغم محاولـة أدباء المغرب منافسة أدبـاء الأندلس بالمناظرات والمساجلات بما فيهـا مثل تلك التي قامت بين أبي الوليـد الشقندي وأبي يحيى بن المعلم الطنجي، والتي كانــت فيما قبل بإيعاز من ولى سبتة أبي يحيـى بن أبي زكريـاء،  وانتهت بكتابـة كل واحد من المتنافسين رسالـة  تفضيل لبلده على بلد الآخـر، فإن الحركة العامـة لم تخـرج عن الإطار العلمي البعيد عن الأدب في مفهومـه القائم أو الذي يجب أن يقوم على  معالجة قضايا الإنسان في مجتمعه وأحـلامه وتطلعاته للمستقبل واستطلاعاته للماضي.
فقد  كانت غايـة ما كان ينشده أولئك الأدباء محاكـاة أدباء الشرق والأندلس حتى يشبه كـل واحد هنا بآخـر، هناك فيقال مثلا: ابن هانئـي متنبئي المغرب، وسليمان الموحدي هو شبيه بابن المعتز العباسي.
وهكذا فكلمـا ذهبنا نتقصى للشعر المغربي في تلك العهـود ميزات خاصة، لم نر إلا تقليدا للشرق والأندلس التـي هي بدورهـا تقليد للشرق وشكلا ومضمونـا، صيغـة ومحتوى مع شيء قليل من البساطـة في التعبير وصدق في المقصـد اقتضتهمـا بساطـة الحيـاة هنا عنهـا هناك.
ذلك لأن العصر كان عصـر اهتمـام متزايـد بالعلوم الدينية التي كانت ترضـى رأي العامة في الشعب، وإغداق الهبات والصلات على بعض الشعـراء في الوقت الذي يحـرم فيه منها الحكمـاء دليل على أن تلك الهبات إنمـا أريد بها درء مثالب الشعـراء وإسكـات ألسنتهم الحداد، ما  دام الشعر كان وما يزال أسيـر على الألسن وأغلق بالنفوس.
ولكن ظاهـرة التقليـد في أدبنـا المغربي في نظري ذات مغزى عميق وجليل في نفس الوقت، إذ هـي تعبير صارخ عن رفـض هذه الأمة إحداث أي تفكك في وحـدة العروبـة ووحدة الديـن الإسلامي الذي جمع شملهـا وكون منها العمـلاق الذي أسس الإمبراطوريات  وكـون الإمـارات، فكان الشعراء حين أصروا على أن ينسجـوا جميعهم وبدون استثناء على منوال واحد، وأن يصبـو ا إنتاجهم في قالب  واحد، ويتجمعوا بشكل واحـد حول مضمون واحد، مهمـا تناءت ديـار العروبة، وتناثرت أصقاعهـا أرادوا أن يذكـروا الأجيال المتلاحقـة أن المنبت والمنطلق واحد، فيجب أن يكون الشكل لا الإنتـاج واحدا، وحيث أن المنبـع متحد فيجب أن يكون المصب كذلك متحدا إلا فيمـا تقتضيه صور التعبير التي هـي مرآة تعكس آثار البيئـة والمناخ.
ومن هنـا نرى أن تحامـل الأستاذ ابن تاويت التطواني على تقليـد شعرائنـا للشرق، ومحاولته رد جميع إنتاجهم إلى هناك وإلى الدرجـة التي أظهرت آثارهـم بمظهر ما يطلق عليه السرقات الأدبية أو الانتحال (2) فيـه أنه تجاهـل للحقيقة التي كـان يتعرف من معينهـا أولئك الشعراء الذيـن لم يعترفوا أبدا بتمزق وحـدة العرب، ولم يقيمـوا وزنـا للحدود السياسيـة لأنهم كانوا يعرفون أنهم طلائـع الأمة ويعرفون أن رسالتهـم هي بلورة أهـداف الأمة وتقييم وجودهـا.
على أن هناك جوا عامـا لا بد أن يسود فترة معينة مــن الدورات التاريخية فتـوحد فيها مظاهـر الحضارة الإنسانيـة كما يحدث حاليا في الموسيقى الصاخبـة والفنون التشكيلية التي اخترعهـا الرسام الإسباني (بيكاسو) وفي البحوث أيضا بما فيـه المقفـى والموزون والحر والمنثور، لأن وحـدة الإنسان تجعلـه مرغمـا على التجاوب مع التيارات العامـة المعيشة،  ومن هنـا صح لأبي خلدون أن يلاحـظ تقليـد الأمم الصغرى للكبرى أو المغلوبـة للغالبـة،  ولنقل نحن بلغـة عصرنـا تقليد الأمم الناميـة المختلفة للتي هي متقدمـة ومصنعة.
وهـا نحن الآن وقد بدأنـا ندرك دورنـا في الحياة العالمية، نرفض التمـزق للأمـة العربية الإسلاميـة، ونرفض تفكك عرى الإنسانية جمعاء، وندعو في حرارة وإيمان إلى قيام وحدة حقيقيـة لا في الأساليب والأشكال، ولكـن أيضا في كل شيء يتصل بالحيـاة مأكلا ومشربا وملبسـا وعادات.
ذلك لأن الإنسان مهمـا تناءت الديـار بين أجناسه وتباينت السياسات بين أقطـاره، يبقى في الأعماق إنسانـا واحدا شكلا ومضمونا.
ويوم يأتي نقـاد الشعر والآداب في العصور المقبلـة ليبحثوا وينقبوا عن خصائـص وامتيازات هذه المجموعـة البشريـة التي تقطـن هذا الجـزء من المعمور أو ذاك، فسيعوزهـم حـتما الوقوف على ميزات أو خصائص متمايـزة لأن الإنسانية منـذ  كانـت هي سائرة وتسير حثيثـا إلى رفض التمايز، وإن  حـاول بعض الضيقي الآفاق أن يعتبروا التمايـز بين مختلف الناس دليـلا على إثبات الوجـود وقيـام الذاتيـة...

(1) خص الأستاذ عبد القادر زمامـة بحثا خاصا له في مجلة (دعوة الحق) ص 45، عدد3، السنة7.
(2) دعوة الحق، ص 93، العدد 9، السنة 11.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here