islamaumaroc

العلاقات الدولية في الإسلام.

  عبد الهادي التازي

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

لقد أثار جلالة الملك الحسن الثاني ملك المغرب أمام الجمعية العامة لهيأة الأمم المتحدة يوم 27 أكتوبر 1983 موضوعا يفرض نفسه بكل إلحاح بالنسبة لعالمنا المعاصر.. ولقد كان يتحدث - في هذا الصدد - من منطلق تجربة وممارسة طويلة مع التاريخ القديم والحديث.. ولذلك فقد كان لخطابه صداه الكبير لدى ممثلي سائر أعضاء الأمم المتحدة الذين يصلون اليوم إلى 150..
وإن الذي يهمنا اليوم من النطق الملكي هذه الإفادة التي أوردها بصفته رئيسا لمؤتمر القمة العربي ورئيسا للجنة السباعية كذلك، علاوة على أنه رئيس دولة ضرب تاريخها الدولي ومدرستها السياسية في جذور التاريخ.
قال في معرض حديثه عن المأساة اللبنانية:
«علينا أن نطلب إما من الولايات المتحدة الأمريكية... أو من الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة النظر من جديد في الاتفاقية اللبنانية الإسرائيلية، ذلك لسبب واحد، أن هذه الاتفاقية يمكن أن نسميها اتفاقية سبعية (بضم الباء) كما يقول الفرنسيون (             )، تلك الاتفاقية التي تجعل أن السبع يتفق ويلتزم مع الخروف! وهذا شيء لا يعقل، بل لا يمكن من خلال اتفاقية مثل هذه أن يطمئن كل ذي ضمير... وأن يرتاح كل ذي روح سياسية وذكاء وتفهم سياسي.
وإنكم تتذكرون أن سنة ألف وتسعمائة وخمس وسبعين وقعت اتفاقية في الجزائر بين إيران والعراق، وكانت تلك الاتفاقية بدورها اتفاقية سبعية، ذلك لما كان لا يزال آنذاك من تفوق تكنولوجي وعسكري على الجمهورية العراقية، ولم تمر بضع سنين حتى مزق العراقيون اتفاقية ألف وتسعمائة وخمس وسبعين نظرا لعدم توازنها، لأنها كانت اتفاقية سبعية، وها نحن بهذه الكيفية وعلى هذا الأساس نعيش مأساة الحرب العراقية الإيرانية بين دولتين إسلاميتين شقيقتين جمع بينهما التاريخ والحضارة وسيجمع بينهما التاريخ والحضارة والدين.
لذا فيما يخص العرب بكيفية خاصة أناشد كل ذي نية صالحة وحسنة، وأناشد كذلك خصمنا بنفسه ... لمراجعة هذه الاتفاقية التي عقدت مع لبنان ... لا يمكن لدولتين أن تبنيا مستقبلهما على الاتفاقيات السبعية التي تقضي بأن يعيش السبع مع الخروف في أمن وأمان...
هكذا خاطب جلالة الملك المنتظم العالمي الذي تتلخص رسالته العالمية في احترام الاتفاقيات وتعزيز القانون الدولي. ومن ثمت فقد كان الحديث عن «الاتفاقيات السبعية» حديثا في الصميم ومن الصميم سيما وقد كان للعاهل المغربي دوره المعروف إلى جانب والده رحمه الله في الإجهاز على اتفاقية الحماية الفرنسية التي كانت مثلا من الأمثلة العديدة للعقود التي يحرص عمالقتها على الاستئثار بحصة الأسد فيها.. أو نصيب السبع كما يقولون...
ومن وجهة النظر الإسلامية ينبغي أن نلتفت قليلا إلى ما تتضمنه بعض الآيات الشريفة حول هذا الموضوع بالذات، موضوع الحرص على تحقيق العدل بين المتعاقدين أو العلاقات الدولية في الإسلام.
لقد كان من المتأكد بالنسبة لتعاليم الإسلام الحنيف أن ترتكز المعاهدات في فصولها وبنودها على أساس متين من الصدق أولا، والوفاء ثانيا... وإلا كانت أدل على فساد النية وكانت أقرب إلى الفشل منها إلى النجاح..
نعتقد ذلك لأن الدين الإسلامي يقرر مبدئيا هذا ويثبته.. ويدعو في صراحة إلى أن المعاهدات يجب أن تجاري الحق وتحاذيه وتتنكب سبيل الدس وتجافيه..
هذا هو القرآن يقول (سورة النحل ، الآية 92) ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ).
لا تكونوا كتلك الخرفاء المغفلة، ريطة بنت عمرو بن كعب... كانت تنقض غزلها أنكاثا بعد أن تحكم فتله.
احذروا المخاتلات والدخل في العهود فيما بينكم.. لا تكن مرتكزة على حب التغلب والهيمنة والتسلط وأن تكون أمة أربى من أمة !! هكذا يقرر كتاب الإسلام الأول في أمر الاتفاقيات. ولما أن الموضوع مهم، ولما أن المخاطبين به أحوج ما يكونون إلى تقريره في أذهانهم، فقد رأينا هذه الآية الكريمة تتبع بآية أخرى تؤكد على الموضوع: ( وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ (عهودكم) دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [النحل: 94].
وهكذا يزداد وضوحا بالنسبة للذين يحاولون أن يركبوا الدخل (بتشديد الدال المفتوحة وفتح الخاء) في عهودهم..
وحتى يزداد الأمر بيانا أشاد القرآن الكريم بأهمية الكسب المعنوي في بناء المواثيق على الصدق والعدل: 5وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّ مَا عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ) [النحل: 95-96]
الكسب المدسوس لا يساوي إزاء العهود الشريفة العادلة جناح بعوضة، لكن الكسب الصحيح هو الذي يبقى نافعا مدى الأيام..
ولعل من المفيد أن نستعرض أمامنا في هذه العجالة بعض المواثيق التي تعرضت للزلزال بعد أن كان بعض الأطراف فيها يعتقدون أنها باقية إلى الأبد ويحلمون إزاءها بعمر طويل!.
أمامنا في التاريخ الإسلامي مثلا: معاهدة الحديبية... لنقرأ بنودها فقد كانت بحق شاقة لم يكد أصحاب رسول الله أن ينصاعوا لها لولا ما رأوه من إذعان هاديهم الأمين، لقد كان شق على الكفار حشد النبي صلى الله عليه وسلم لقومه قاصدا مكة مع أن الباعث لهم لم يكن إلا أن يعتمروا وليس أن يستعمروا، لكن أنصار الباطل ساءت نيتهم كالعادة، فقرروا ثم حالوا بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مبتغاه..
وأخيرا انعقد كما نعلم « صلح» على شروط معروفة في وثائق الإسلام السياسية، كان بعضها يرمي إلى خنق الإسلام والحيلولة دون انتشار النور... لكن معاهدة ترتكز على أساس كهذا الأساس ليست مضمونة الاستقرار حتما.. لقد كان من الشروط « أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا»! وهو شرط قاس على الأصحاب كما نرى، كان من ضحاياه عدد من الناس.. أبو جندل ، وأبو بصير..
ولقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم الاتفاقية التي فرضت عليه فرضا، وكان طبيعيا أن ينقاد المؤمنون إلى رئيسهم .. لكن هل كنا نضمن لتلك المعاهدة حياة أو عمرا؟ ذلك ما نترك الجواب عليه للواقع أيضا... لم يمض على تلك المعاهدة زمن يسير حتى انهار صرحها وتقوضت أركانها، لا فقط لأن قوم الرسول صلى الله عليه وسلم عملوا على نسفها وبذل جهدهم في سبيل تقويضها، ولكن لأن فصول المعاهدة كانت جائرة ، والجور أقرب إلى الانحدار والانهيار..
وكيف كان ذلك؟ لقد انتحرت المعاهدة من تلقاء نفسها وأمست صريعة لا حراك بها في أعقاب الظروف التي زامنتها..
وهكذا يمكن القول في معظم الاتفاقيات التي مرت بنا في تاريخ العالم القديم والحديث مما كان يتخذ صفة السبعية ويعتمد على أن تكون طائفة أقوى من الأخرى..
أمامنا  كما قلت، معاهدة الحماية التي أصبحت خبرا بعد كان... وأمامنا اليوم «اتفاقيات سبعية» أخرى تتصل بالثغور المغربية المحتلة وهي «تلك الاتفاقيات» التي تنتظر بدورها أن تنهار وتصل إلى نهايتها كما كان الشأن بالنسبة إلى سوابقها في الشمال والجنوب!!
وبعد فقد أعاد خطاب جلالة الملك إلى ذاكرة الناس مبدأ في التعامل، ما كان أحرانا باتخاذه شعارا حتى نتجنب كل الاحتكاكات والتوترات والاصطدامات...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here