islamaumaroc

مهام أساسية أمام الفكر الإسلامي

  عبد القادر الإدريسي

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

** لعل من سمات المجتمعات القوية القادرة ما يصطلح عليه في التنظير الاجتماعي الحديث بالاقتحـام الحضاري، الذي يقوم على أساس الغزو الفكـري، والهجوم العقلي، وليس مـن فرق بين (الفتح) و (الغزو) في هـذا المجال، فالإسلام أو لنقل الفكر الإسلامي، فتح آفاق الدنيا المعروفة في القرن السابع الميلادي، أو إن شئنـا الدقة بادرنا إلى القول بأن الفتح تم أولا بالإسلام كعقيـدة ودين وإيمان ويقين، ثم ما لبث أن انقلب إلى غزو بالفكر والـرأي والنظر، فكان نتاج هذا كله هو  ما نعبر عنه اليوم بالفكر الإسلامي، وهو الفكر الناتج عن العوامـل والوسائل والأدوات الآنفة الذكر.
* وحينمـا يتحول الفتح إلى الغزو، وتستكمل الدورة الحضارية حلقاتها،  وتتولـد القوة الفاعلـة القادرة على العطاء الخصب، والتأثير الإيجابي العميق في جميع مجالات النشاط الإنساني، وبذلك تنتج حالة  شديدة الخصوبة هي التي تقـود إلى قيـادة الحضارة والفكر، فتكون السيادة للذين اتقوا وفكروا واعملوا عقلهم في ملكوت الله.
** وليس شك أن من المهام الأساسية للفكر الإسلامي الحديث الخروج من الدائـرة الضيقة التي وضعته داخلها عوامـل وظروف التخلف والتقهقر، واجترار عطاء السلف، والقصور، والعجـز عن الإضافة إليه أو أحسن الاستفـادة منه، على أقل تقدير.
* ومن الحقائق المسلم بها في عقيـدة المسلمين أن لا شيء يعلو فوق القرآن وحديث رسول الله، وأن النصوص المقدسة هي كتاب الله الـذي لا يأتيه الباطل من بين يديـه ولا من خلفه وما صح حديث المصطفى على الصلاة والسلام، بالطرق والمعايير التي أجمع عليها علماء الأمة، والتي بلغت القمة  في الضبط والدقة والتوثيق،  وما خرج عـن هـذا النطاق، فهو فكر واجتهاد، وهـو عطاء بشري، وجهد، إنساني، يندرج تحت ما عرف عندنـا بالفكر الإسلامي قديمه وحديثه.
** ومتى كانت هـذه القاعدة أساس النظر والتحليل،ة  ومنطلقا للتعامـل مع الكون والإنسان، وما يصدر عنهمـا من إحداث وردود ومضاعفات، سهل فهم طبيعـة الفكر الإسلامي، والوقوف على كنه وظيفته،  ومعرفة حدوده وآفاقـه وإدراك مراميه ومقاصـده ومهامه.
* إن  مواجهة مشكلات العصر، بالشجاعـة الأدبية المدعمة بالثقة بالنفس، في مقدمـة المهام المنوطة بالفكـر الإسلامي، من أجـل الوصول إلى إيجـاد الحلول، وخلق البـدائل، وإقرار الصيغ الملائمـة لروح العصر، من  جهة، ولجوهـر الدين ولأصالـة تاريخ هذه الأمـة مـن  جهة أخرى، وبذلك يرتقي الفكر الإسلامي إلى مستوى التنظير لقضايا العصـر مما  يكسبه الريـادة والسبق، ويجعله فكرا  متحركـا في اتجاه الغـد، انطلاقـا من مقومـات وقيم وأصول، هـي مصدر قـوة على مـر الأزمان،  وهـو الأمر الـذي يجعل صفات الجمود والهمـود والتحجـر والتـزمت تنتفي بانتفاء الأسبـاب المؤديـة إليها الموجبـة لها.
** إن صلاحيـة هذا الدين لكل زمـان ومكان حقيقة مسلم بهـا لا يرقى إليهـا الشك، ولكن المطلب الملح الذي يفرض نفسـه على المسلمين في كل عصر هـو جعل هـذه الصلاحيـة الدائمة واقعـا ملموسا، لا نقـول يتطور مع مقتضيات الحاجة، وطبيعة الحياة المعاصـرة ، ولكـن نقول يقبل أن يتحـاور مع ذلك كله على نحـو يحقق أهـداف الدين الساميـة، وغاياتـه النبيلة في إسعاد بني الإنسان وإحاطـة حياته بسياج من الضمانـات الواقيـة له  مـن السقوط والامتهان.
* وتلك من المهـام المستعجلة للفكر الإسلامي في العصر الحاضر تمليهـا الحاجة إلى الخروج من  وهـدة التخلف وهوة العجـز إلى حيث القوة والمنعـة والقدرة على فرض الرأي، وإثبات الوجود، والدفـاع عن الحقوق والتأثير الفاعل في الحضـارة والفكر والعلاقـات الدولية.
** ولا يمنعنـا هذا من التساؤل: أي فكر إسلامـي نريد؟ هل نريده فكرا منفتحـا؟ أم فكرا منغلقا؟ هل نريده فكرا يقوينـا ويشد من أزرنـا ويقودنـا إلى الأمام. أم نريده فكرا يزيد من ضعفنـا ويخذلنـا ويشدنـا إلى الوراء؟.              
* إننـا مطالبون ابتداء، أن ننبذ كل التقسيمات والتسميـات التي ما أنزل الله بها من سلطان، فليس صحيحا أو سليمـا أن نقول بالفكر الإسلامي اليميني، أو بالفكر الإسلامي اليساري، طالمـا أن الإسلام دين الله، ولا يمين ولا يسـار في الدين، وإنمـا هي قوالب ومقاييس وصيـغ ابتدعناهـا،  وإنمـا الصحيح أن نقول بالفكر الإسلامي القائم على الفهـم الصحيح والسليم لطبيعة الديـن، ورسالة الإسلام  في الحيـاة مما يقتضي التسليم جملة وتفصيلا، بحكم القـرآن  وتوجيه الحديث الصحيح،  فلا تفريط في هذين المصدريـن، فالخير والتقدم فيهمـا وليس في غيرهما، فلا اجتهـاد مع نص، كما يقول فقهاء الأمـة،  وإنما الاجتهاد مع نص،  كما فقهاء الأمة،  وإنمـا الاجتهاد، واعمال الفكر،  ومجاهدة النفس، وشجاعـة المواجهة والحركـة والاقتحام فيما لم يرد  فيه نص من قرآن كريم أو حديـث نبوي متفق عليه، وفي هـذا الإطـار يجوزـ بل يجب وجوبا  مؤكدا ـ إفراغ الوسـع، ما استطعنـا إلى ذلك سبيلا، من أجـل أن نثبت لأنفسنـا، وللناس أجمعين أحقيتنا، لا لنحيا فحسب وإنما لنصنع الحيـاة وفق سنة الله وبمقتضـى توجيهاته البالغة الحكمة في كتابه العزيز وسنة رسوله الكريم.
** فالفكـر الإسلامي ـ من هـذا المنظور ـ يقف أمـام اختيارين أساسيين: فأما أن يواجه العصر بالعقل والفطنة والمعرفة والعلم، وصحـوة الضمير، ويقظـة القلب، وتفتح الوجـدان وهي أمور يدعو إليهـا الدين ويحث عليها، وامـا ان يظل حيث هـو في موقف العجز وموقـع القصور، وفي هـذه الحالة ينحرف المفكرون المسلمون ـ أو الإسلاميون، الأمر سيان ـ عن المحجة البيضاء.
ولن يحسب انحرافهم أبدا على الإسلام، لأن هـذا الدين في خط تصاعدي، وفي تقدم مستمـر، لأنه دين الله، وهو وحـده الحق، وما عداه بالطل وقبض الريح .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here