islamaumaroc

مع طه حسين.

  محمد ابن تاويت

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

في أواخر العقد الخامس، من القرن الهجـري الفائت، كانت أنباء طه حسن ترد على المغرب، بمـا تبعث على النفور منه، وفي نفس الحقبـة كانت توجد بفاس، بعثة تطوانية تربـو على عشرين طالبا، يتلقون دروسهم بالقرويين قبل النظام الدراسي بها.
وللذكرى، فإن هـذه الجماعة، قررت أن تثبت وجودهـا في صورة فتوغرافيـة، فكتب عليها أحدهم، وهو الفقيـه الطنجي قصيدة ابتدأهـا بقوله: (إن هـذه صورة البعثة).
لما انتهت إلي الصورة الفوتوغرافية اعتاضت علي كلمة «بعثة» إذ حسبت الباء حرف جـر، وصرت أقلب كمـا أظن في المصبـاح المنير، عن معنى «عثـة» أو «عتـة» بالتاء ـ لا أدري ـ فانتهيت إلى أنها المكـان، البعيد عن البحر، إذن فالأمر واضح لأن فاسا بعيدة  عن البحـر (ليس بيدي الآن المصباح لأتأكد).
ثم فكـرت تطوان في إرسال بعثة على المـشرق،  وكان باعث الفكرة المرحوم الحاج عبد السلام بنونـة (الذي يقتضينا مقالا خاصا) فكان الذيـن سيتوجهون من هـذه الجماعة إلى الشرق،  الطيب ابنه، وعبـد الخالق الطريس والحسين بن عبد الوهـاب ، ومحمد أفيلال، ثم لحـق بهم عبد العزيـز الركيك، الذي لجـأ إلى فاس فرارا من الإسبان لمساهمته بالجهاد مـع ابن عبد الكريم رحم الله الجميع، كما لحق بهم  امحمـد عزيمان، ومحمـد الطنجي (1) الذي كان سيرافقه أخـي لولا إبايـة والدي إذ كان كلاهمـا سيتوجه بنفقة أهـل تطوان ويسعـى  من الحاج عبد السلام بنونة رحمه الله.
وبذلك فقد  انهمك الجميع في استعدادهـم للسفر، إلى مصر ، غالبهم ، وسمعت المرحوم  محمد عميز يقول لأخي: سوف تسمع من طـه حسين في درسه كيت، وكيت لا، أذكـر ما  كان، ولكنه إلحـاد وأي إلحاد، فأجابه، نعوذ بالله، وقبحه الله …
بعد هـذا بسنـوات كثيرة توفي مصطفى صادق الرافعي، وأقيم له بتطوان حفل تأبين، بمناسبـة ذكراه، فكنت من المشاركين في هـذا التأبين وركزت في التنويه  بالرافعـي، على مجموعة مقلاته، تحت «رايـة القرءان» وكانت هـذه المداهمة بالوصف لا بالنعيين لطه حسين.
  ولما التحقت بكلية الآداب، من جامعـة فؤاد الأول وجدت في رفقتـي ابنه الرافعي فأسرعت في طلب الكلمة التي كانت قد نشـرت بجريدة الوحـدة المغربية ، وحملها إلى البريد، لكني احتفظت بها، ولم أجرؤ على تسلميهـا إلى ابنه المرحوم الرافعي.
وفي نفس الصدفة،  وجـدت ابنة مصطفى لطفي المنفلوطـي، قد التحقت بنفس الكليـة ، ولكنها في القسم الإنجليزي ، فقلت في نفسي، رحم الله المنفلوطي الذي داهم السفور، في إحدى قصصه المأساوية بكتابه «النظرات» .
كانت أصـداء طه، وهو عميد الكلية آنذاك ، في كل مكان، كثائـر على الأدب الجاهلي، وقد قرأت في الردود عليه، ما يربو على عشـرة كتب، لا أذكـر منها إلا كتابا لمحام شهير أديب، ماهـر، هو المرحوم لطفي جمعة.
واستمر طه حسين حاملا للواء الثـورة في كل ما يكتب، وكان آخر ذلك كتابه عن «مستقبل الثقافة في مصر» الذي رد عليه منتقـدا الشهيد السيد قطب، وكان قبـل من المنضوين إلى العقاد، والمداهمين للرافعي رحمهم الله.
إثـر هذا تجد طه حسين يغادر العمـادة ويلتحق بالوزارة مباشرة، كرئيس لقسم الثقافـة بها، وكـان كتابه السابق، قد مهـد لذلك ،  كمـا أن  كتاب منتقده السيد قطب مهد لأن يصبح كتابه الخـاص في هذه الوظيفـة الجديدة..
ومع تخلي طه حسين عن العمـادة ، فإنه لم يتخـل عن الكلية، فظل بها يتابع إلقاء محاضراته  في الأدب الجاهلي والأدب الأموي، فكنت أتلقي عنه في السنـة الثالثـة محاضراته في الأدب الجاهلي ( وكانت معيدته آنذاك سهير القلماوي) وفي السنة الرابعة  كنت أتلقى عنه في الأدب الأموي (وكان معيده نجيب البهبيتي).
في هذه السنة أتيح لي أن كلفني الدكتور بإلقاء درس عن أبي دهبـل الجمجمي، فألقيت الدرس الذي استمـع  إليه باهتمام، وعلق عليـه بعد الإلقاء بكلمة مفعمـة بالشكر الجزيل الذي ليس وراءه غاية، ملاحظـا شيئا ـ نسبته ـ في نقلي عن «نكلسون» والمجلة الأسيوية كما أظـن...
 ثم كلفني بإلقاء درس آخـر عن الوصف في شعر ذي الرمـة فحضرت الموضوع ، الذي ساعدتني أيام الإضرابات المتوالية بالتفـرغ للتوسع فيه والاستيعاب لمعلوماته، فكان في هـذا تخمة للمستمعيـن، طال بها الإلقـاء، بحيث لم أتـرك من الزمان لحظة للتعليق عليه، إلا بكلمـة أو كلمتين متتاليتين...
وتلانـي محمد عبد السلام الكفافي، رحمه الله فألقـى درسه في الأسبوع التالي،  وانتقـده الأستاذ انتقادا شديـدا ، فقال لي (إنـي أخطأت حيث تركت من الوقـت زمنا مكنـه من هذا الانتقـاد، ولو  كنت أعلم  الغيب لفعلت ما فعلـت، يعني أستغرق كل الوقت وعـدم تمكين الأستاذ من الانتقـاد، وكـان عطـن الزميل الكفافي يضيق بالانتقاد، حتى ولو كـان في صالحه، وتقويم عوده شأن أهـل المنصورة كالشاعـر المهندس والموسيقار السنباطـي( وكان ذا همة ، جعلته الأول في ترتيب النجاح بنيل الدبلـوم العالي ـ  وكنت الثاني ـ ثم صار أستاذ اللغات الشرقيـة، في نفس الجامعـة بعد أن نال الدكتوراه من أنجلترا).
وبعد الكفافي جـاء دور المعيد نجيب البهبيتي الذي  كلف بإلقاء درس، فاشتد في انتقـاده بل كان يقهقه ضحكـا عليه مستنقصا له فيما قـرر بذلك الفدرس.
وكان من الزملاء، محمد بن عبد الله (المترجم المحلـف بالرباط الآن)، فسجل كل ذلك حتى تصويـر تلك القهقهات بأصواتهـا الحرفية ، ها ، ها ، ها..
وهكذا استمرت السنة الدراسيـة بهذه الأنشطـة وأخيرا كان الامتحان التحريري ووفقنـا فيه ، أنا والمرحومان ابن تاويت الطنجي وعبد المجيد بن جلون.
وفي الامتحان الشفوي، وجـدت على رأس الممتحنين طه حسين إلى جانبـه أحمد الشايب رحمه الله الذي سلـم إلى نصا من الأغانـي اقرأه ، فابتدأت في القراءة ثم توقف، فقال طه لأحمد الشايب (بإسرار) أنظر سبب التوقف ، فلما نظر، وجد تعبيـرا نابيـا بكلماته المكشوفة فأسر على الأستاذ طه بذلك، فاستبدل  النص بنص آخـر، كان شعره يدعو فيه الشاعـر على صاحبه بأن تكثر الفيران بداره....
فسأل الأستاذ طه ما معنـى هذا الذي تضمنه  الهجـوم، قلت : إنه ليس هجوا ، بل دعـاء بالخيرات وأن تكثر النعم لهـذا الرجل، فسر من ذلك كثيـرا، وأردف بسؤال  آخـر بم يسمى هـذا في البلاغة، قلت الكناية فازداد سروره وحصـل الاكتفاء بالإجابة .
وعلى هذا انتهت السنة الدراسية،  وكتب لنا النجاح في الفوز بإجـازة «اللساينس» وكتبت الصحف،  ومنهـا الأزهر في فوزنـا لأنه كان عظيما لذلك العهـد الذي كان فيه مجرد الانتماء إلى الجامعة مفخرة تحل دروة الشرف والمجد، وقـد كان للجامعة وطلابهـا نشيد تغنيه أم كلتوم ، رحمها الله ـ وتنصت إليه كترتيل مقـدس ( يا شباب النيل يا عمـاد الجيل هذه مصـر تناديكم ) ومن قبل بسنتين كان المرحوم محمد الخطيب قد نـال نفس الإجـازة في التاريخ فاحتفل به المغاربـة جميعا معجبين به إعجاب عصرنـا بأول  نازل على القمر.
لكن التاريخ، أعاد نفسه به، فإنه لمـا عـاد إلى وطنه انصرف عنه، فاضطر إلى الانصراف عن عمله، وعمل بالتجارة ولم يصبح معلما إلا أخيرا.
وفي أوائل الاستقلال كان طه حسين مدعوا من صاحب الجلالـة محمد الخامس تغمده الله برحمته فلبى الدعـوة، وعينت من قبل وزارة التعليم لاستقبال الضيف الكريم بجبل طارق كما عين من وزارة الخارجيـة السيد بومهـدي (أحد سفرائنـا الآن) فتوجهنا،  ومعنا المرحوم العزيز الأهواني، كمستشار ثقافي بالسفـارة المصرية، وهكذا توجهنا إلى جبل طارق الذي وصلنـاه ليلا، قضيناه بنزل الصخـرة.
وفي الصبـاح خففنا إلى الميناء،  معنا حرم السيد بومهـدي فصعدنـا السفينة التي كانت تقل الضيف وحرمه ، وكاتبه الزيات، وداعيه عبد السلام الدكتور الأهواني،  تلميذه القديم، بالبيت الذي أنشده صاحبه الشاعـر الأندلسي في الخلفية عبد المومن وهو:
غمض عن الشمس واستقصر مدى رجل  *  وانظـر إلى الجبـل الراسـي على جبل
فلم يعجب الخليفة، و قـال كما في المعجب للشاعر (أثقلتنـا يا رجل ونحي جانبا).
فلما  قص على الدكتور طه هـذه القصة ضحك لها ضحكا عظيما، وقهقه قهقهات متتالية.
ولا شك أنه تأثر في داخلـه لكلمة «غمض» وكلمة « انظر» كمـا تشاءم عبد المومن من الأولى، وعبر عن نفوره منها، مرددا مع نفسه كلمـة « غمض» كما في المـن بالامامة.
وسنرى بعيـد هذا أن مثل هذه الأشياء، تحز في نفس الدكتور ويصاحبه الشعور منها بالحرمـان والعاهة المتأصلة .
وهكذا اتجهت السفينة بنا إلى طنجة التي ما وصلنـا إلى رصيفها حتى وجدنـا  حشدا حشيدا من الجمهور وغيرهم كما كانت ضجـة الدراجـات النارية، لكوكبـة الدرك تصك الآذان، وهي تستعد لتحركها، فسألنـي الدكتور عن مبعث هـذه الضجة ، فقلت هي لدراجات البوليس، فقال  محتـدا،  البوليس! لا، لا .. أنا لا أحب هـذه الأشياء، مطلقا، فقلت له إن هـذا احتفاء واحتفـال بقدومه، فقال: ولو، ولو فإنـي لا أحبه..
عجبت اشد العجب من هـذا الانفعال، ولكني أدركت سببه هو الحرمـان من البصر، والتضايق من تشخيص وتفسير المبصرين، ولمـا نزلنـا إلى الرصيف، انطلقت السيـارة التي أقلت الضيف الكريم، إلى قصر الجبل الكبير، حيث سكنـى العامـل، الذي كان آنذاك الدكتور بن جلون (والذي تولى عمالة الرباط فيمـا بعد، ثم  كان سفيرنا بألمانيـا وفرنسا).
أما أنا والدكتور الاهواني ، فقد توجهنا تلو ذلك على نزل الريـف، ولما علمنـا بوجود الضيف بقصر الجبل الكبير منفصلا عنـا هرعنا إلى الدار أو القصر، فسـأل طه الأهواني عن سبب التأخير، فقلت له: الأهوانـي يسوق ويسوء (ناطقا القاف همزة) فلم يفهـم يسوء ويسوء أولا... إذ كان الأهواني يسيئ السياقـة لأنه كان حديث العهـد باستعمال السيـارة وسياقتهـا فتأخر بذلك عن الركب ولم يدر وجهته،  وكان قد اصطحب سيارتـه معه، إلى جبل طارق،  وكان انطلاقـه بها من الباخـرة إلى رصيف طنجة حائلا دون متابعة الركب الرسمي.
وفي الصباح عدنـا إلى زيارة الدكتور بمقره في الجبل الكبير، فوجدنـا حرمه غاضبة اشد الغضب ـ ولها الحق ـ لأنهم جعلوا لهم المبيت في غرفة تضم أسرة تتقدمهـا مباشرة لباب الغرفة ما كـان منها للضيف وحرمه. وتنتهي بسرير للسيد الزيات، وبهـذا اعتبرت حرم الدكتور الفرنسية، هـذا انتهاكـا للحرمة، حيث كانت وزوجهـا بمكانة مطروقـة المرور للسيد الزيـات، ذهابا وإيابـا، فاستغربت من السيـدة التي لازمتها وهي سويسريـة زوجة العامل، كيف لم تنتبـه لهذا، وقلت في نفسي لعل هـذه من الزوجات اللائي لم تتعـودن على استقبال ضيوف من هـذا النوع، أو من أي نوع، من سـادة البشر، ولو كانوا وزراء سابقيـن ولهم المقامـة التي لا تعدلهـا مقامة، والحقيقـة أن مبيت الضيف بالدار ليس معهودا عنـد عامة الأوربيين، فالمبيت لا يكون إلا بالأوطيلات أو بالدور الخاصة بالضيـوف، عند الأكابر وذوي الشأن من رؤسـاء الدول وملوكهم.
وجـاء الدكتور إلى الرباط وألقى محاضرة في مسـرح محمد الخامس، على  ما أظن،  وكتبت على المحاضرة، معلقا ونشرت ذلك بمجلة (دعوة الحق)، ثم رد علي صديقـي (السفير) أحمد بن مليح رحمه الله، فرددت عليه كذلك بعدمـا تحدثت مع الأستاذ الاهواني في شأنه، فقال لي: الحـق معك، وعـاد طه حسين إلى طنجة، التي اختـار إقامته هذه المرة، بأوطيل المنزه، وزرتـه فوجدته مستغرقا في إعـداد المحاضرة التي كـان سيلقيهـا بطنجة، وكانت عادته قبل الإلقاء، أن يعتكف بعض الوقت ليحضـر المحاضرة في نفسه.
وفي اليـوم التالي توجهنـا في رتل من السيارات إلى تطوان، حيث ألقى محاضرته الأخيرة وتنفست زوجتـه الصعداء لأنها كانت تخـاف على زوجها من هـذا الإنهاك خوف الأم الرؤوم على طفلها وهي فضيلة لهؤلاء الأزواج الفاضلات...
وبعـد  هذا عدنـا إلى طنجة، حيث ودعنـاه بالباخرة التي أقلته عائدا.. وكان هـذا آخر العهد به رحمه الله رحمة واسعة.

(1)  إلى جانب فوج آخر من مختلف الأعمار اتجهوا مباشرة من تطوان إلى فلسطين، حيث التحقوا بمدرسة النجاح في مدينة نابلس، وهم المرحوم عبد السلام بن جلون، والمرحوم محمد الفاسي الحلفاوي، (الوزير) ومحمد ابن محمد الخطيب (السفير) والمهدي بنونة الذي انضم إلى أخيه الطيب وعبد الله الطيب والمرحوم محمد الخطيب وبعد سنة أتوا على تطوان وغادروا ومعهم آخرون هم أحمد بن عبود (السفير) ومحمد بن حسين ومحمد الحسين التطواني أصلا والقصري منشأ وامحمد بن جلون وعبد الكريم الفاسي وأحمد مدينة (الملحق بالخارجية) ، فكان عدد المبعوثين على الشرق يقارب عدد الذيـن يدرسون بفاس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here