islamaumaroc

معركة اللغة العربية

  دعوة الحق

28 العدد

إن الدعوة لنشر الثقافة العربية في كافة مرافق الحياة المغربية كانت من أبرز مظاهر الصراع القائم بين عقليتين مختلفتين خلال فترة الاستقلال، وكلما تقدمت بنا الأيام نشعر أن الوازع لإثارة هذه الخصومة يعود في جميع صوره وأشكاله إلى فرض اللغة العربية كأداة فعالة وتكييفها مع واقعنا القومي باعتبارنا أمة أصيلة ف يجسم الأمة العربية منذ قديم العهود.
والمتتبعون لحوادث هذا الصراع يلاحظون أن المعركة نشبت هزيلة وعارية عن كل العناصر والمقومات التاريخية التي يمكن أن تجعل من هذا الموضوع مادة لحملة مظفرة يغلب على الظن أن يكتب لها النصر في يومي من الأيام.
وقبل أن نسير مع الأشواط التي قطعناها في سبيل تحقيق أهدافنا يجدر بنا أن نقرر حقيقة نثبتها خالصة لوجه التاريخ، هي أن أسسا الكفاح من أجل نصرة اللغة وتثبيت لأقدامها ابتدأ في عهد الحماية عندما وضعت الهيآت الوطنية «دفتر المطالب المغربية» فهناك يكمن بند يطالب في صراحة بتعميم اللغة العربية في البلاد وبتها داخل جميع المنشآت والمنظمات الرسمية بل كل ما يمس حياتنا الخاصة والعامة، ولا يجمل بنا أن ننسى فكرة المقاومة السياسية ضد الوجود الأجنبي في البلاد قد ألهتنا طويلا حتى ظفرنا بعد جهد جهيد بالاستقلال الناجز، ولكننا لم نكد نطوي صفحة النظام الاستعماري حتى وجدنا أنفسنا مثقلين بأعباء خلفتها في عقولنا وأرواحنا المدرسة الفرنسية التي صنعت لنا جيلا ما لبث أن أصبح يواجه مسؤوليات التي أنطقه بها المعلم الدخيل، ومن هنا تكونت العقلية المتطرفة بآرائها وثقافتها وحنينها إلى تمجيد فرنسا في لغتنا وآدابها وجميع مظاهر حضارتها، وكان من سخرية القدر أن نتحمل هذا العبء رغم علاته ونسير طوعا في ركاب المسيرين الجدد، ونتقبل على مضض هذا الوضع الغريب الذي أصبح على تعاقب الحكومات شيئا لا محيد لنا عنه، ولم يكن هذا الاستسلام المزري منا إلا نتيجة حتمية بسبب ضعف إرادتنا ووسائلنا على مواجهة حملة التحول، وذلك بتنسيق الجهود وفتح باب الجدل على مصراعيه ومناوءة الجانب الرسمي لإشراكه في هذا الجدل، حتى تلين أمامنا العقبات للبحث عن أدنى الحلول لندنو بأنفسنا إلى ما يجعل حدا للتيار الذي يجرفنا كرها إلى الاندماج في الحياة الفرنسية الصرفة، وهذا الاختيار المنافي لمشاعرنا جعلنا متخلفين عن أشقائنا في أجمل الخصائص التي تتلخص في وحدة اللغة والفكر والروح.
وبالرغم من أننا طأطأنا رؤوسنا للفرنسة المطلقة في البلاد، فإن محاولات برزت على صعيد الصحافة يهدف أصحابها إلى تدعيم مبدأ الدفاع عن قداسة اللغة وإظهارها بالمظهر اللائق بتاريخها وحرمتها، فتوثبت العزائم واحتدمت المعركة بدون انقطاع، فبدأنا نشاهد كل يوم أمهات الصحف والمجلات تطلع علينا بفصول رائعة مشبعة بالروح العربية والعزة القومية مدعمة بآراء وأفكار مستخلصة من التاريخ الذي حدد وجودنا منذ القدم داخل السلالة العربية والإسلامية، وأهم مرمى لهذه الحملة العنيفة كان مجرد التخلص من أثقال السيطرة الروحية على مختلف أجهزتنا الحيوية في الدولة المستقلة الفتية.
هكذا ابتدأنا تجربتنا الأولى، وهي كما يبدو نشأت ضعيفة، شأنها شأن كل دعوة وليدة تخضع لسنة التطور والارتقاء حتى تصل مع المثابرة والجهد إلى أوج الكمال، والآن وقد توفرنا على وسائلنا وعدتنا، فلا مناص من أن نعلن بصراحة وبدون وجل إننا انتقلنا من طور الفردية إلى طور الجماعية، ومن مرحلة الفوضى إلى مرحلة النظام، ومن تمام الحظ ان تجاوبا في الأوساط الرسمية بدأ يلوح للعيان، وأصبح جانبنا يحظى بمزيد الاهتمام والرهبة، وأروع ما شاهدناه ف يبحر هذا الشهر هو ثلاثة أحداث ينبغي أن لا نستهين بها، ولعلها ستكون في مجموعها أساسا راسخا بالتعجيل للتخلص من تبعية الاستعمار الروحي الذي أبى إلا أن يسيطر على شخصيتنا القومية وسلبها من جميع مقوماتها المقدسة.
ويحسن في هذه المناسبة أن نسوق هذه الأحداث ونجسمها أمام القارئ حتى لا يبقى له مجال للشك في أهمية حركتنا الروحية المقدسة ومبلغ نجاحها :

1) رحلة صاحب الجلالة على الشرق العربي : من أية زاوية نظرنا إلى الرحلة الملكية إلى الشرق العربي يتملكنا شعور الإيمان بكثرة مكاسبها التي ستعود على المغترب بالخير العميم، وتقتضي المناسبة التي نحن بصددها أن لا نبرز جميع المزايا التي تحلت بها هذه الرحلة التاريخية في جميع وجوهها حتى لا نقع في تكرار ما سبق للقراء معرفته سلفا بواسطة الصحافة والإذاعة. 
إن الجو الذي عاش فيه جلالة الملك عبر البلاد الشقيقة كان مفعما في جميع أحجامه وأشكاله بالعروبة الأصلية، فاللغة القومية هي الوسيلة الوحيدة للتفاهم والتعبير عن شتى المشاعر، فهي بذاتها الطاقة المحركة لموكب الحياة وأجهزته في مختلف الميادين، فلم يخل نشاط شعبي أو حكومي دون أن تسلط عليه أضواء هذه اللغة في جميع الجوانب، ومن المؤكد أن جلالة الملك قد ملك عليه مشاعره هذه الظواهر التي ينسجم فيها الكيان العربي الذي حرمنا منه منذ نكبة الاحتلال البغيض حتى أيام استقلالنا، فالرحلة المباركة ستكون إيذانا بتقويض معالم الفرنسة بعدما مهد لتحقيق هذه الغايات بربط العلاقات الثقافية مع مختلف البلاد العربية التي زارها.

2) الندوة الصحافية لوزير التعليم حول التعريب : فوجئنا هذه الأيام بالندوة الصحفية التي عقدها معالي وزير التعليم حول التعريب، فكانت بحق مظهرا من مظاهر التجاوب الرسمي للثورة التي نقودها في سبيل إعزاز اللغة القومية، وفرضها فرضا على حياتنا، وكم أخذتنا النخوة القومية عندما وقف معاليه في هذا الجمع موقف الرجل الحازم الذي لم يتردد في بسط أهمية التعريب وما يمكن أن يعود بالخير على وضعية البلاد من الناحية الثقافية والإدارية، ولم يخل حديثه من المصاعب التي ستعترينا في بداية الشوط الأول، إلا أنه لم يتبرم من هذه العراقيل بعدما وضع لها برنامجا واسعا للتخلص منها، وعلى العموم فهذا ربح آخر في سبيل نصرة دعوتنا.

3) معهد التعريب : لقد تسللت بنا الأحداث السارة حتى وجدنا أنفسنا أمام أبواب «معهد التعريب» وهي في نظري الخطوة الإيجابية للرغبة الشعبية التي عبر عنها رواد معركة اللغة العربية، ولعلنا بهذا الحدث قد خرجنا من مرحلة التمني إلى مرحلة الواقع التي تفهمتها المحافل الرسمية، فجندت لها الكفاءات وصهرتها في كتلة واحدة ستعمل عملا متقنا ومتواصلا على ضوء خطة مرسومة تتخلص في البرنامج الحافل الذي أعده معهد التعريب.
فهذه الأحداث الثلاثة ستجعلنا أكثر ثقة بنجاح معركتنا، فضلا عن أنها ستفتح لنا آفاقا جديدة لاستكمال خواصها حتى نتحرر قريبا من رواسب الاستعمار الروحي الذي أفسد منا الأدمغة والألسنة والأقلام.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here