islamaumaroc

مقارنة بين حضارتين

  محمد العربي الزكاري

العدد 232 صفر 1404/ نونبر 1983

تصويـر قصير للإيمان:
من البديهيات أن الإنسان متى نطق بالشهادتين انخلعت عليه صفة المسلم، لكـن البعض يظن أن الشهادتيـن تعفيانه من التكاليف والمسؤوليات التي تكفل سعادة الدنيا والآخرة للأفراد والجماعات، وغاب عنه أن من أوليات  الإيمان الالتزام بتطبيق تعاليم الإسـلام في سلوكه الخـاص وتصرفاته العامة.
وكثيرا ما أتساءل في قرارة نفسـي عما آل إليه أكثر المسلمين  في هذه الفترة العصيبـة من حيرة وارتباك وخذلان، ومـا اعتراهم من تفكك وضعف وهوان، وما هـم فيه من تأخر وتيـه وخسران، فلم أجد جوابا جامعـا ومقنعا سوى تصورهم القصير لمعنى الإيمان في مفهومـه العام، ونتيجـة لهذا الفهم المحدود خالفوا سنة الله في الكـون القاضية بتطبيق ما جـاء به الإسلام من ممارسة دقيقـة للتعاليم المتفرعة عن الإيمان نفسه والمنبثقة منه تلقائيا.

ســؤال مغرض: 
ونصيح بأسماعنـا إلى سؤال مغرض يردده أعداء الأديان، وتلوكه ألسنـة الملحدين،  وتطفح به  كتابات المعاندين، وتتبارى في التركيز عليه أقلام المخربين، ويتلخص في أن الدول المسلمة والشعوب الملحـدة تقدمت صناعيـا وتيكنولوجيا واجتماعيا وحضاريـا وعلميا وإشعاعا فكريـا قادها إلى غـزو القضاء، وبلغت شأوا كبيـرا في الغنى المالي والقـوة العسكرية ، مما أهلها للتصرف في مصير كثير من الشعوب والتحكم في مستقبل العديد من الأمـم ونتيجـة لهذا التفوق الكبير أمسـى غيرها خاضعا لإرادتهـا وراكعا أمام جبروتها ومستجديـا معونتها الغذائيـة والثقافية والفنية.
وتبعا لهذه المفاهيـم المدخولة والتساؤلات المغرضة يدعـون أن وضعية جل المسلمين اليوم مردهـا في الأساس إلى الدين باعتباره حجر عثرة بينهم وبيـن اللحاق بركب الحضارة الحديثة ( كبـرت كلمة تخـرج من أفواههم، إن يقولوا إلا كذبا)(1).
وإن نحن تعمقنـا في دراسة هذا الادعاء المغرض وجدنـاه فريـة لا تلبث أن تتبدد أمام الحقيقـة الأزلية الخالدة، إذ ما هـو الادعاء لا يستنـد على أساس معقول، ولا ينسجـم مع ابسط قواعد الحقيقة والمنطـق، ولا تؤازره أحداث تاريخ هـذا الدين عندمـا كان الإسلام يطبق في  المجتمعات المسلمة تطبيقا عمليا.                                         

مراجـع التاريخ النزيه:
ويكفي أن نحيل المعاندين والمرجفيـن وأعداء الرسالات السماوية على مراجـع التاريخ النزيه، فهي خيـر حجة وأسطع برهـان على بطلان هذا الادعاء، حيث تثبت بصفة لا تقبل  الجدل أن المسلمين استطاعوا في فترة وجيـزة أن يشيدوا حضارة حقيقـة وعظيمة بهرت العالـم وانتزعت إعجاب المصنفين من عباقـرة الدنيا، ويكفينـا في هذا الباب اعتراف العلماء والمصنفيـن في جميع القارات بأن أوربا تتلمـذت للعلماء المسلمين في جل ميادين المعرفة، واقتبست أسس نهضتهـا الحديثة مما وصل إليه علماء الإسلام من ابتكارات في الطب والهندسة والفلك والرياضيات وغيرها من مجالات التقدم، إضافة إلى الميدان الحضاري في الأخـلاق الرفيعة والسلوك الممتـاز والمعاملات الدولية النابعة من تعليـم الإسلام.

المصـدر الأول يتكلم:
ولكي نقطع الطريق على المرجفيـن والمعاندين، وحتى نرشد شبابنا المفتون بالغرب وحضارتـه الصماءإلى الطريق السوي، ورغبـة في الدفـاع عن عقيدتنـا وإزالة الشبهات عنها، ومساهمـة في إبراز الصورة الحقيقية للمؤمـن الذي وعـده الله بنصره لا مناص من العـودة إلى المصدر الأول في التشريـع الإسلامي وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن استقرائي لآيات الله في دستورنا المقدس أحصيت ستة وخمسين موضوعا لا يذكر الله فيه «الإيمان» إلا متبوعـا بـ  «العمل الصالح» باعتباره المعيار الأوحـد الذي يجازي عنه الخالق سبحانـه عباده أحسن جزاء وأوفره وأشرفـه، مما يؤكـد أن «الإيمان» مفتاح أبواب السماء و «العمل» وسيلة لتحقيق الغايات،  على أن الإسلام يشترط في هـذا العمل أن يكون «صالحا» ليحقـق النتائج المرجوة ويرشح المؤمن لنيل الجوائز الإلهيـة وتلقي الهبات الربانيـة في الدنيا والآخرة.
ومن الواضح أن ورود ذلك العـدد الضخم من آيات القرآن الحكيم، وفي سيـاقات مختلفة وسور متعددة لم يأت جزافا واعتباطـا، وإنما هو توجيه من الله تعالـى وتأكيد لعباده المؤمنين بأنه لا سبيل لتحقيـق تفوقهم إلا باتباع نهجه القويـم، وانه سبحانه لا يقبل إلا العمل الصالـح المقرون بالإيمان الصريح لمـن يريد الحظوة في هـذه الدار وفي الدار الآخـرة، وما سوى ذلك، إنما هو هبـة دنيويـة عابرة وعمل مرفوض يوم الجزاء الأوفى.

إيجابيات وسلبيـات:
ومن هنـا نستنبط أن الحضـارة الحديثة لها إيجابياتها وسلبياتها بمعنـى أنها عادت على الإنسانية بكثير من المنافع الدنيوية لا ينكرهـا إلا متنطـع، ولكن من المؤكـد أيضا أن إثمهـا أكبر من نفعها كما هو مشاهد  وملموس، ويشهـد به عقلاء الغرب وفلاسفـة الدنيا الذين يزنون الأمور بميزان العقل، إذ لا يستطيع أحد أن يتجاهـل ما عليه القائمون على هـذه الحضـارة من عجرفـة وعنصرية وهـدر لحقوق الضعفاء وحصد للأرواح البريئـة  في كثير من بقاع الدنيـا المنكوبـة بتدخلهم الخفي والمكشوف.

نواميس الله تعالـى:
ولا جـدال في أن الله تعالى قد أوجـد الكون بقدرته القاهـرة وحكمته الباهرة وأودع فيـه نواميس لا بد من تطبيقهـا كاملة لتسير أمور كوكبنـا الأرضي طبقا لمشيئـته تعالى، حتى إذا ما وقـع إهمال لبعضها أو إبطال لها بالمرة انحرفت المجتمعات عن الحكمة الربانية وتعثرت الإنسانيـة في مسيرتهـا واختلت موازينها وتعرض المخالفون للعقاب الإلهـي العادل المتمثل في الكثير من الأنواع والعديد من الأشكال،  ومن ضمنهـا هذا الخوف والهلع والرعب المصاحب لإنسان اليوم.
والمسلمون عندمـا أهملوا نواميـس الكون تقهقروا إلى الوراء ليحتل غيرهم مكانهم، وبعدمـا كانوا سادة الموقف أصبحـوا يلهثون وراء حضـارة  لا تمت إلى دين ولا تقيم وزنا لخلق ، ونلاحـظ أن الوضع عند غيرهـم مختلف تمام الاختلاف في المظهـر لا في العمق الذي هـو أصل الدين، فقـد اهتدوا إلى استخدام نواميس الطبيعـة التي طبع الله هـذا الكون عليهـا في سلوكهم الخاص، وواضح أن الأخـذ بهذه النواميـس يضمن التقدم الدنيوي ولا شك ويأخـذ بيد الإنسان الملتزم بها إلى الانتفـاع بما أودع الله في الدنيـا من مزايا ماديـة صرفة.                      
فالزارع المجـد يحصد أوفر الحبوب وأجود الثمـار، والصانع المخلص ينتج ابرع المصنوعات وأثمنها، والعامـل الوفي ينال أكثر المكافآت وأعلاهـا، والتاجر الصدوق تنمو تجارته وتتسع مكتسباته وتتكاثـر أرزاقه، والموظف النزيه يرقى أعلى الدرجـات وارفعها، والمؤتمـن على مصالح الأفراد والجماعات والمصانـع والشركات والهيآت والمؤسسات يصل إلى ذروة المراتب وأشرفها. وهكذا يتضح أن الإخـلاص والوفاء والصدق والأمانة من النواميس الأساسية الكفيلـة بالتقدم والرقـي والحضارة في هـذه الدار (سنـة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجـد لسنة الله تبديلا)(2).

جراثيم الفناء:
وهنا لا منـاص من وقفة لكشف الغطاء عن حقيقة يجهلها الغافلون ويتجاهلها المغرضون، وهـي أن ما يتصف به الذيـن تقدموا ماديا وتأخروا روحيا لا يتعدى ـ كما أسلفنا ـ حضارة مزيفـة لا جزاء أخروي عنها، ذلك أن النواميس التي أخذوا بها لا يطبقونها إلا فيمـا بينهم،  وحـظ غيرهم المرواغـة والاحتكار والاستعلاء والدسائس كعملة رائجـة وبضاعة صالحـة للتصدير إلى من لا يدور في فلكهم ولا يخضـع لتوجيهاتهم وجبروتهم.
ومما يؤكـد أن الله تعالى لا يقبل من عبـاده إلا الإيمان الصادق والعمل الصالح لم يوفق هؤلاء للانتفاع بحضارتهم الماديـة أحسن انتفاع في الدنيـا نفسها، فمجتمعاتهم اعتراهـا التفسخ العائلي والانحلال الخلقي والارتباك النفسي، ودولهم في نزاعات متلاحقة وسباق مريع لإعـداد وسائل الدمار ولإتقان صواريخ الخراب التي لا يستطيع أحد التكهـن بنتائجها المفجعـة عند لحظة جنونية تعتري المهيمنيـن عليها أو حدوث خلل بسيط  في جهاز من أجهـزة مراقبتها أو انطلاقها، الأمر الذي يدل على أن هـذه الحضارة تحمل في تضاعيفها جراثيم الفناء والبوار وميكروبات المـوت العاجل أو الأجل، وإن  نحـن عدنـا إلى دستورنا المقدس نستلهمه الحكم القاطـع والنهائي لهذه الحضارة ومثيلاتها أسعفنا بقوله تعالى: ( وقدمنـا إلى ما عملوا من عمل فجعلنـاه هباء منثــــورا)(3).
ولعل السـر في هـذه القضية الإلهيـة التي تمحق مثل تلك الأعمال يـوم الجزاء العـادل يكمن في أنها أعمال مجردة من لب اللباب المتمثل في الإيمان بالله وبرسالة خاتـم أنبيائه، والقاعـدة التي تكررت عبر مراحل تاريخ الإنسانية أن كل شيء لا يرتكز على الإيمان بالله والانصياع لتوجيهاته لا بـد وأن يفشل في نهايـة المطاف ويلاقي ما يستحق من عقاب في الدنيـا أولا وفي الآخرة ثانيا (وما ربك بظلام للعبيد)(4).
ونستخلص من هـذا أن المسلمين متى أرادوا استرجـاع مجدهـم وتطلعوا إلى تحقيق عزتهم لا وسيلة لهم إلى بلوغ هذه الأهـداف سوى تطبيق سنن الله ومناهجـه كما طبقهـا السلف الصالح في فجر نهضته، وهـذا ما أعتقـد أنهم فهموه حق الفهم بعدمـا استيقظوا  من غفلتهم وبعدمـا تخلصوا من سيطرة الأقزام.

الصحـوة الإسلاميـة:
ومما يلفت النظر ويسترعي الانتباه أن المهيمنين على حضـارة هذا العصر أصابهم الذهول عندمـا ظهرت في الأفق بوادر الصحوة الإسلامية الجديـدة، فجندوا ساستهم للكشف عن مصـادر هذه الصحـوة ومدى فعاليتها، مما يؤكـد خشيتهم من يقظـة العالم الإسلامي وخوفهم على مصيـر حضارتهم المزيفـة،  وهلعهم من أن يستفيق العمـلاق الإسلامي من غفوته، مع أننـا على يقين راسخ بأن الصحـوة الإسلامية سوف لا تكون إلا في صالح الإنسانية بأجمعها كما  كانت في عهد الرسالة المحمديـة وأثناء حكم الخلفاء الراشديـن، ولن يقوم بنيانهـا إن شاء الله إلا على أساس ديننـا الذي لا يعرف ولن يعرف ولن يعرف تعصبا ولا طغيانـا ولا هضما ولا تطاولا على حقوق العباد.      

على هــدى من الله
وبعد، فأملنا أن لا تنطلق مسيرة المسلمين إلا على هـدى من الله وشعارها قوله تعالى ( وعـد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعـد خوفهم أمنا)(5).
فهـذا الوعد الإلهي الصريح بالنصر والتمكين هو الشحنـة التي ينبغي للمسلمين أن يستخدموها في انطلاقتهم المباركـة والله ولي التوفيق.



1) سـورة الكهف (5)
2) سورة الفتح، 23
3) سورة الفرقان، 23.
4) سورة فصلت 46.
5)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here