islamaumaroc

قصة أكرم زعيتر مع الظهير البربري

  أكرم زعيتر

العدد 231 ذو الحجة-محرم 1403-1404/ شتنبر-أكتوبر 1983

** يعتبر الأستاذ الكبير المجاهـد الفلسطيني أكـرم زعيتر من أعـلام الكفاح العربي والإسلامي في هـذا العصر، وقد عاصـر معظم ملاحم الجهـاد السياسي الذي خاضـه العرب والمسلمون دفاعا عن شرفهـم وحريتهم واستقلالهم.
وكـان للأستاذ أكرم زعيتر الفضـل في إثـارة موضوع الظهير البربري على صفحات جريدة (الشرق الأوسط) في مقال قيم نشـر في العدد الصادر بتاريخ 16/09/1983 تحت هـذا العنوان: (في الذكـرى 53 للظهير البربري: رسالة تاريخية للأمير شكيب أرسلان حول محاولات فرنسا إخراج البربر من الإسلام).
ويعـد هذا المقال مـن المقالات الممتـازة التي عالجت موضـوعا مغربيا يعتبر مـن الموضوعات الهامة في تاريخ العرب والمسلمين في العصر الحديـث.
ولهذه الأهمية، ننقـل عن الزميلة  (الشرق الأوسط) مقال الأستاذ أكرم مـع تقديرنـا العميق لدوره ورسالته وسبقه في الجهـاد والدفاع عن حقوق أمتنا العربية الإسلامية **

احتفل المغـرب بمرور ثلاثـة وخمسين عامـا على صدور الظهير البربري سنة 1930.. والظهير  المرسوم ـ هو الذي أرادت فرنسا به أن تخرج البربر من إسلامهـم وأن ينتهي بها التدبير إلى تنصيرهم، فباءت بفضـل المقاومـة المغربية السياسيـة بالخسران المبين.
وما كـان احتفال المغرب بهذه الذكرى إلا لأن صدور الظهيـر كان بدء انطلاق حركـة وطنية إسلاميـة هدفت بادئ بدء إلـى الذود عن الإسـلام ودفع غارة صليبية شنهـا الفرنسيون على إخواننا البربر الذيـن عـرفوا بتمسكهـم بدينهم، حتـى إذا مني ذلك الظهير بالإخفاق واصـل أحـرار المغرب جهادهـم في سبيل  الاستقلال.                                    
وأنه مما يتصـل بذكرياتي سنة الظهيـر ما شرفتني بـه الأقـدار من أداء واجب الانتصار كتابة وخطابـة للحركة المغربية، ولعلي كنت متأثـرا بطلابي  المغاربة في مدرسـة النجاح النابلسية، أولئك الذيـن هبوا يثيرون حماستنـا القومية وغيرتنـا الإسلامية، وكانوا سنتئـذ: المرحوم عبد السلام بن جلـون والمرحـوم محمد بن عبد السلام الفاسي، والمرحـوم الطيب بنونـة والمرحوم محمد بن عبد السلام الخطيب، ومحمد محمد الخطيب والمهدي بنونة (أطال الله بقائهما)(1).
وأرى أنه مما يتصـل بذكرى الظهير أن أقتبس من رسالة مفاضة تلقينهـا من المرحوم الأمير شكيب  أرسلان من لوزان مؤرخـة في 11 ايار (مايو) 1931، مـا ورد فيها عـن الظهير البربري، وفيهـا يقول: « الحركة البربريـة كانت أول نتائجهـا نشاط المغاربة واندفاع شبانهم للعمل، وهـذه بذاتها نتيجة كافية، لأنهم كانوا من قبـل في حال اليأس لا يبدون ولا يعيدون فالآن الحركـة عمت عندهم جميع الطبقات، وجريـدة «الطان» اضطرت أن تعترف « أن المغرب بدا يسيـر على خطة مصر وسورية، نعم تأخر لكنه عـاد فتعقب الطريق» والآن المراقبـة من أشـد ما يكـون على طلبـة المغاربة بباريز الذين يقولون لهـم دائما: أنتم تسيـرون بإشـارة شكيب أرسلان، ولكن كـل هذا غير ثان من عزم هـذه الناشئـة المباركـة المغربية».
وكانت النتيجـة الثانيـة أن « المسألة البربريـة» وجـدت الآن ـ شاءت فرنسة أم أبت ـ ، وبدأ كتاب من الفرنسيين يخوضون فيها ، منهم ضدنـا ومنهم معنا، وإن حزبـا غير قليل ينتقدون هــذا الظهير ويطلبون إلغاءه، ومجلتنـا « لانا سيون اراب» تقرأ بكـل اهتمام وتعتبر هـي نبض الأمـة المغربية، هـذا يبلغنـا من نفس باريز، وكـل مركز عال سياسـي  من مراكـز الحكومـة الفرنسويـة يرسل بدل اشتراكها سلفا ويطلبهـا».
« نعم فرنسـة تخشى من إلغاء الظهير ازديـاد الجرأة على مطالب أخرى سياسية، فلهـذا لا تزال تتـردد في إلغائه، ولـو حصلت المقاطعة الفعلية لبضائعها واشتدت الحركـة عليها في العالـم الإسلامي لم يكن لها مناص من إلغاء الظهير، فالمقاطعـة والاحتجاج همـا الآن أحد أسلحتنـا، فلنرهف هـذه الأسلحة، أفلم نر الهنـد كيف ذلت ثلاثة أرباع مطالبهـا بها؟ ومسألـة الهنـد هي أعظـم مسألة استعمارية في الدنيا». (2)                              
على أن أهم ما يتصل بهـذه الذكرى تلك الرسالـة الخطيرة البالغـة التأثير التي بعث بهـا الأمير شكيب إلى الدكتور عبد الحميـد سعيد، الرجل العمـلاق جسما وعملا، وكـان رئيسا لجمعية الشبان المسلمين في مصر، وحـدث أن عقد مؤتمـر لجمعيات الشباب المسلمين ترأسـه الدكتور عبد الحميد، وممـا طرح فيه من مواضيع واتخـذت فيه مقررات إغلاق السلطـة البريطـانية في فلسطين جمعية الشباب المسلمين بيفـا،  وكانت من أنشط جمعيـات فلسطين ويترأسها المسلم المؤمن المرحوم علي الدباغ، وموقف حكومـة أنقرة الكمالية من الإسلام في تركيا وإغلاقهـا عشرات المساجد، واستيلاء الطليـان على الزوايا السنوسيـة في طرابلس الغرب، وقـد بادر الدكتور عبد الحميد سعيد إلى إبلاغ الأمير شكيـب تلك المقررات بوصفه زعيمـا إسلاميـا يترأس  الوفـد السوري في جنيف، وجعـل زميله المرحوم احسان الجابري من مجلتة (لا ناسيون اراب) التي يصدرانها في جنيف لسانا للحركـات العربية والإسلامية .. ولكن الأمير شكيب كان في شغـل شاغل.. أنه الظهير البربري الذي آل الأمير على نفسه، فور عودتـه من زيارته لطنجـة وتطوان، أن يثيـر العالم الإسلامي عليه، فأجـاب على رسالة الدكتـور عبد الحميد برسالـة تاريخية تـوجيهية مهمـة، وهـي تروي حكايـة الظهير، وفي نشرهـا في «الشـرق الأوسط» التي لها في المغـرب مكانتها، أداء واجـب عربـي وإسلامي وتاريخـي.
ولعل الذي حثنـي على نبش هـذه الرسالة الوثيقة أن الأخ المغربي  التطوانـي المؤمـن، الذكـي الفؤاد، والزكـي الضمير، الأستاذ عبد القادر الإدريسـي، رئيس تحرير المجـلة الإسلامية الراقيـة (دعوة الحـق) و (جريـدة الرسالة) أهـدى إلي كتابه (مغرب مسلم) وفي فصله الأول وعنوانـه : «المغرب الأقصـى من غرفة نـوم إلى خندق جهاد»، أخــذ على عبارة وردت في مقال لي في مجلـة (العربي) الكويتية (العدد 254 يناير 1980) هـي: «وانبرت في العـام ذاته قضية الظهير البربري (أي المرسوم) الذي أرادت فرنسـا» تنصير البربر في الجزائـر عن طريق إحياء تقاليـد بربرية على حساب الشعائـر الإسلامية»، وعـد الأخ الإدريسي  وضعـي كلمة  «الجزائر» بدلا مـن «المغرب» خطأ تاريخيـا، وقـد عجبت أنا نفسي مـن هـذا الخطأ ورجحت أن أصل العبـارة ...« تنصير البربر في المـغرب والجزائر»، ولكن كلمة «المغـرب» سقطت في التبييض أو الطبـع... ولعل ما نشر اليوم تصحيحـا لتلك الأغلوطـة.
وهـذه  هي رسالة الأمير شكيب، وقد أرخت في أيلول (سبتمبر1930):
«سيـدي الأخ عبد الحميد بك سعيـد رئيس جمعية الشبان المسلمين الأفخم، أطـال الله بقاءه.»
بيد الإجـلال تناولت كتابكم الكريم وفهمت ما ذكرتموه عن مؤتمـر جمعيات الشبان المسلمين وقراراته، وبهذه المناسبة أعرض لكم أن العالم الإسلامـي اليوم هو بإزاء مسألـة أهم جـدا من منع حكومـة فلسطين لالتئـام جمعية الشبان المسلمين ببـافا، ومن إغلاق أنقـرة لثمانين مسجـدا، وحتى من استيلاء إيطاليا على بعض زويا السنوسيـة.
وهذه المسألـة هي مسألة تشبث فرنسا بإخراج البربر من الإسـلام بحجة أن أصلهم نصارى وأنهم من عرق أوروبي، وهـذه المشكلة كانت تحلـم أنها لا يستتب لها حكم المغرب إلا بفرنسـة أهله، وأن هـذه الفرنسيـة لا تمكن إلا بإزالـة الدين الإسـلامي، وأن العـرب لا يمكـن أن يخرجوا من الإسلام بمكانهـم من اللغة العربية، فالأقـرب  تناولا هـم البربر، لأنهم أبعد عن الإسلام من العـرب، ولأنهـم القسـم الأكثـر عـددا مـن أهـل المغـرب، فثلثا السلطنة المراكشية بربر، ونصف بـلاد الجزائر بربر.
وقـد كانت هـذه النغمـة بادئ ذي بـدء منحصـرة في كتاب الفرنسيين، لا سيما الكتاب الكاثوليك منهم.  
ولم  تجرؤ الحكومـة الافرنسيـة أن تأخـذ به بصورة رسمية ، وجـل ما كانت تفعله هـو الأخذ بيد الكردينال لا فيجري ورهبانـية الآبـاء البيض وغيرها من الرهبانيات  لبث الدعاية المسيحية بين البربر، وقد فعلت هذه الرهبانيات بقدر استطاعتها، وتمكنت من تنصير عدد من المسلمين أكثرهم من الأيتام والفقـراء، ولكن هذا العدد بقـي ضئيلا بالنسبة إلى مقاصد فرنسا.. فأخذت تمنع التعليم الدينـي شيئا فشيئا مما كـان مآله مروق كثير من ناشئة الجزائر من الدين أو تركهم شعائر الإسلام، وهـذا أيضا لم يكـن كافيا ولا شافيـا ما بنفس فرنسـا من القضاء على الإسلام أو على أكثريتـه بالبلدان المغربية، فأخـذت تمنع تعليم اللغة العربيـة بين البربر وتفتح مكاتـب لتعليم البربريـة وبجانبهـا اللغة الفرنسيـة لا غير.
ولقـد كان شكيب ارسلان في مقدمـة من تنبهوا إلـى هذه الدسـائس المقصود بها قلـع الإسلام مـن المغرب أو نقل ثلثي أهلـه بالأقل من الإسلام إلى النصرانيـة، وأشار إلى ذلك في هوامش كتاب حاضر العالم الإسلامـي، فضلا عن المقالات المتفرقـة في الجرائد.
ولكن الحكومة الفرنسية لم تجاهـر في هذه المسالة مجاهرتهـا الأخيرة إلا بما جراهـا من عمل الكماليين الذيـن يحاولون هـدم الإسلام في تركيـا والذين سلكوا إلى ذلك طريـق التدريج منذ ثمانـي سنوات، فهي أي فرنسا ترى أنـه إذا كانت حكومة إسلامية تلغي الشريعـة الإسلاميـة ولا حرج عليها، فـلا يكون حرج على حكومـة غير إسلاميـة إذا حاولت إلغاء هذه الشريعـة.
لذلك قـررت إخراج البربر من الإسلام بصورة رسمية غير مكتفيـة ببث دعايـة تنصير ولا بإرسـال مبشرين، ولمـا كانت الحكمـة تقتضي التدريج كما لا يخفى اتقاء الانفجاريات التي تحدثها الطفرة، بدأت فرنسا بقضيـة إلغاء المحاكـم الشرعية من بين البربر وحاولت أخذ ظهير بذلك من السلطـان مولاي يوسف رحمه الله فامتنع برغـم وضعـه وبرغم إغـراء الوزير المقري الذي هـو آلة بيد فرنسا، أما في الجزائـر فأصدرت أوامرهـا بحمل البربر على عوائدهم القديمة، وأنشـأت لهم محاكم خاصة، قضاتها فرنسيون، وقطعت كـل علاقة لهم بالشريعة حتى في الأحـوال الشخصية. ثم لمـا توفي السلطـان مولاي يوسف بادرت بتنصيب أحد أولاده، ووضعت للسلطان الفتي مديرا اسمـه (المعمري) هو آلـة في يدهـا.
وأعظم سبب كان لترجيحهـا هذا السلطان الحديث السن على إخوته وهو أملها بأخذ الظهير القاضـي بإخراج البربر من حظيـرة الشريعة الإسلاميـة ، فإني سمعت منذ بضعـة أيام أتانـا في (طنجة) من أحـد وزراء المغرب السابقيـن أن السلطان يوسف صرح له بأن الفرنسيين يلحون عليه في إصدار هـذا الأمـر وهو يجاوبهم بأنه يستحيل عليه إصدار أمر كهذا.
فمـا أغمض السلطان مولاي يوسف عينه حتى استصدروا الظهير الذي أرادوه بمواطـأة المقري والمعمري، وهـو ظهير يخرج ثلث أهالـي سلطنة المغرب من الإسلام، لأنه يلغـي الشريعة الإسلامية من بين جميع قبائـل البربر ويردهـم إلى محاكم تحكم بعاداتهم، وإذا استؤنفت أحكامهـا، فلا يكون إلى محاكم السلطنة المغربية الاستئنافيـة بل إلى محاكم افرنسية، فالمكيدة مصنوعـة في وقت واحد على الدين الإسلامي وعلى سلطنـة السلطان نفسه، ثم أنهم مع إلغـاء القضاء الشرعي من بين البربـر أسسوا مكاتب لتعليم البربريـة والافرنسية معا وحاولوا بيـن البربر واللغـة العربية تمامـا، هـذا وبثوا المبشريـن بالدين المسيحي بين البربر ليعملوا عملهم.
وكما كان ( شكيب أرسلان) في مقدمـة من نبه إلى هـذه المرامي السيئـة بحق الإسلام في المغرب وأضح ذلك منذ ست سنوات في حواشـي حاضر العالم الإسلامي، فقد نبه أيضا إلى عمـل فرنسا هذا بالصورة الرسمية وما فيه من التعـرض للحريـة الدينية ومن العبث بحقوق الأمم، وذلك منذ ظهـور هـذا الظهير من نحو ثلاثـة أشهر، وكان اعتراضه هذا في المجلة الفرنسية العبارة La Nation Arabe التي يصدرها وهو احسان بك الجابري في جنيف (سويسرا) وهـذا هـو السبب في كون الحكومة الفرنسيـة منعت هذه المجلة رسميا من دخول المغرب ، ولقـد أوضح فيها كيف أن حكومة فرنسا تعـدت في هـذا الأمر على الديـن الإسلامي، ودخلت ـ وهي الحكومـة التي تزعم أنها حكومـة مدنية لا دينية ـ في أمور دينية إسلاميـة صرفة، مما هـو خرق للمعاهدات واعتداء على حقوق البشر، فأما كـون البربر أصلهم من الأوروبيين وأنهم كانـوا نصارى الخ. فهـو غير صحيح، فالبربـر ما عدا فئة قليلـة جدا أصلهم ساميون من آسيا، ولم يكـن منهم نصارى إلا قسـم ضئيل، وبالتالي، فهذا الأمـر خارج عن صلاحيـة فرنسا لأن الناس لا يسألون عمـا كان عليه آباؤهـم، بل يسألون عما يقولونه هم، فالبربـر إذا سئلوا يقولون أنهـم مسلمون، فبأي حق تتعرض فرنسا لأمورهـم الدينية؟
أمـا أهالي المغرب، فلم ينتشـر بينهم الخبر إلا بعد صدور الظهير بنحو شهرين فبرغم الضعف الذي هم فيه أكبروا هـذا الأمر اكبارا بلغ الحـد الأقصى، وقـام الشبان منهم فخطبوا في جامع القرويين بفاس، ووقـع هيجـان شديد عم مـدن المغرب: فاس ومراكـش والرباط، وسلا، والدار البيضاء، وإنمـا كان أشده بفاس والرباط،  فأول ما شاهـدت فرنسا من شبان المغـرب هذه العربـدات عمدت إلى استعمال القوة، ووكلت بها أولئك المرتدين من رجـال حكومـة المخزن ـ مثل الوزير المقري وناظـر شرطة بفاس اسمه البغدادي  وإضرابهم ـ فساقوا مئـات من هؤلاء الشبان إلى السجون، وضربوا بالسيـط نحو ستين شابا بفـاس وعـددا لا أعرف مقداره في المـدن الأخرى، ولقد شاهـدت شابا من طلبـة العلم بفاس جاء إلى طنجـة مع آخرين فقيل لـي أنه كان من جملة المضروبين، وهـو الذي أخبرنـي بأنهم جلدوا بالسيـاط نحو ستين أو سبعين شخصا في فاس، وأنه لا يزال أناس رهناء السجون وبرغـم هذا كله بقي الهيجـان يشتد.
فعنـد ذلك أعلنت فرنسا أنها ليس من هـذا الأمر في ورد ولا صدر، وأن المسألة كلهـا من الحكومـة الشريفية واليها، وأنه لا دخـل لفرنساوي بها، فيظهـر أنها خشيت ثورة عامـة في المغرب، وفضيحـة في الدنيا كلها، ومن التمويهات التي أعلنتها أن هـذا الظهير ليس بجديد، وإنمـا هو مبني على ظهير سابق صدر من السلطـان يوسف، وهـذا ليس بصحيح ، بل هو كـذب محض، لأن السلطان يوسف لم يصدر أدنى ظهير بإلغـاء المحاكم الشرعيـة من بين البربر.
هـذا ولما اتصل الخبر بالبربر أنفسهـم أنكروا ذلك أشـد الإنكار، وجـاء زعماء عدة قبائل منهم من أكبـر قبائلهم وطلبوا إعـادة قضاة الشرع بينهم، ففي البدايـة القوهم في السجـن، ولكنهم لم يثنـوا عن عزمهم، وازداد الهيجان، فاضطر الفرنسيون إلى أخـذ أوامـر بإعـادة خمسة قضاة شرعيين إلى البربـر، ولما كـان الخبر قد فشا بين البربـر بأن المقصود تنصيرهـم ارتاعـوا وتقاضوا الحكومـة المرتدة اكمـال جوامـع كانت هذه الحكومـة قد توقفت عن بنائها عمـلا بإشارة فرنسا، فلم يسـع الحكومة هذه المـرة إلا أن تسكن خواطرهـم وتباشر إكمـال المساجـد التي كـان الفرنسيون قد  أوقفوا تشييدها.
ثم إن الهيجان لم يقف ولم يمهـل برغم الجلد والإرهاب والحبس، وصـاروا يجتمعون في المساجـد كلها ويقرأون لطيفـا: (يا لطيف الطف بما جرت به المقادر، ولا تفرق بيننا وبين إخواننـا البرابر)،  وكانت قراءة الجمـوع في المدن كلها لهـذا اللطيف أشد من الصواعق على الفرنسيين، فاستعملوا كل الوسائـل لإبطاله فلم يفلحوا، فذهب المقـري  ـ رجل عمره ما يقرب من تسعين سنة وعنده ثروة عظيمـة غير محتـاج لشيء ، وهـو يسعى ضمنا بإبطـال دين الإسلام مـن دين المغرب لتبقيه فرنسا في الـوزارة، ـ فتأملوا ـ ذهب هـذا الرجل إلى فاس وجمـع وجـوه البلـد وطلب منهـم ترك قراءة اللطيف، فطلبوا منه إلغـاء الظهير الصـادر بعدم معاملـة البربر بالشريعـة الإسلامية وإعـادة المكاتب الإسلاميـة بين البربر فلم يقـدر أن يعدهم بشيء من هـذا، وزعـم زعمـا هو  من أغرب ما سمع من الترهات وهو أن السلطـان حر يفعل ما يشاء وأنـه ليس بمحجور للفقهاء والعلمـاء، إلا أن الأهالي أصروا على إلغـاء الظهير، وبعـد الأخذ والرد ذهب وفد من فـاس إلى الرباط لمقابلـة السلطان عـدده خمسة وثلاثـون شخصا ومرادهم أن لا يرجعوا إلا بإلغـاء الظهير، وقد كـان خروجي من طنجـة قبل أن أعرف نتيجـة عمل هـذا الوفد، وإنمـا سمعت بطنجة  وتطـوان أن السلطان ميال جدا إلى إلغاء الظهير، ولكن المعارضـة إنما هي من المقري الذي يخشـى إذا ألغي الظهير أن تغضب عليه فرنسا...
وبهذه المناسبة نذكـر أنه ظهر من بعض العلماء الرسميين في هـذه المسألـة ندالة تامـة، بل هي لأمراء نوع من الردة، لأنهم كانـوا يوبخـون الشبان والعامـة على هيجانهـم تزلفا للفرنسيين وبعضهم لأجـل تسويغ هـذه المخاسرة  على دينه كان يقول: إن البربر هـم أكفر الإفرنج.
أمـا الشبان الذين لم يتعلموا تقريبا شيئا مـن الفقه والدين، فهم الذين قامـوا بهذه الحركـة، وهم الذيـن كانوا يضربون بالسياط، وكلما ضربوا سوطـا يهتف الواحد منهم: فليحيى الإسلام.       
أما المنطقـة الإسبانية فلم يحصـل فيها تشبث بنقل البربر عن الإسلام، ولكـن من المحقق أنه إن نجحت فرنسا (لا قـدر الله) في هـذه الدسيسـة في المغرب والجزائر، كان لا مناص من الاقتداء في المنطقة الإسبانية..
وقـد علمت بتطوان ـ سرا ـ أن بعض الاسبانيول أخبر أحـد المسلمين بأنهم اطلعوا على كتابات من الفاتيكـان نفسه إلى بعض الرجال الرسميين من الفـرنسيين بأنه إن كان تم العمل ولزمت المباشرة بتنصير البربر، فالفاتيكـان حاضر لإنشاء المكاتب والمـدارس، وإرسال الدعاة وبذل الأموال الخ..
ثم إنـي حضرت بطنجة سابع المولـد النبوي وفيه يحصـل اجتماع كبير من طنجـة وجوارها احتفـالا على اسم الولي أبو عراقيـة رضي الله عنه، فجـاءت ألوف مؤلفة وسارت المواكب في الشوارع على يوميـن حاملة الأعلام الإسلاميـة، وهي تنشـد أناشيـد حماسية وتهتف: فليحيى الإسلام، ومن جملة ما سمعتهم ينشدونه بصوت واحد.
يـا شبابا، ســر أمامــا             لتوافـي كــل غيــــة
كلمـا استهلت صعبـــا             نلـت ألقابــا عليــــة
وكذلك سمعتهم ينشدون بصـوت واحـد أبياتا منهـا:
يـا رب وانصر ديننا المحمدي    واجعـل مآل عـزه كمـا بـدي
فطنجة برغـم أن أكثر من ثلثهـا افرنج ويهـود أثبتت أنها بلدة إسلامية، والفضل في ذلك كلـه للشبان، ففيهـا للشبان ثلاث جمعيات ـ وهي جمعية الهلال، وجمعيـة المغرب، وجمعية الشروق ـ وقد اشتدت حماستهم هـذه المرة أكثـر من قبل لما ظهـر لهم من نية فرنسا بحق إسلام المغرب..
وإخواننا المغاربـة فاهمـون جيدا أنه إن  تمكنت فرنسا من إلغاء الشريعـة الإسلامية من بين البربـر وإبطال كل تعليم إسلامي من بينهـم، لا تمضي سنوات معدودة  حتى ترفع الشريعة الإسلامية ويرفع القرءان الكريم من بيـن قبائل ومن المـدن أيضا، إذ أي فرق بين العـرب والبربر؟ فالكـل مسلمون، وما جاز على هؤلاء يجـوز على أولئك.
يا إخواننـا:  إن القضية الجارية الآن بالمغـرب هي قضية تنصيـر مسلمي الأندلس حذو القـدة، لا فرق بينهمـا إلا بأن الأولى جـرت قبل عهد « النور والحرية» بأربعمائة سنة، فلا ينبغي أن يظـن ظان أن تنصيـر مسلمي الأندلس جرى دفعـة واحدة، كلا، بـل قد اخـذ أكثر من مائـة وعشرين سنة، ولما سقطـت غرناطة ـ أو بالأحرى لما سلموها ـ سلموها على شروط وثيقـة صريحـة فصيحـة، أمضاهـا فردينانـد وايزابلا  والاساقفـة، وأمراء الاسبانيول وقوادهـم وعظماؤهم أجمع، وذلك بأن المسلمين يكـونون أمناء على دينهم ومساجدهـم وأملاكهـم وأعراضهم ودمائهم، وأنه لا يجـوز لنصراني حتى  ولا للملك ولا للملكـة أن يدخـلا جامعا بدون إذن المسلميـن وأنه من كان أسلم من النصارى لا يجبـر على الرجوع إلى النصرانيـة، وغير ذلك من الشروط التي هونـت على المسلمين أمر التسليم حتى صارت المساجد كنائس، وحتى ابطـل الآذان ثم منعت الصلاة ومنع الاستحمـام ثم منع الزي الإسلامي ثم قلبت الأسمـاء جبرا ثم منع التكلم بالعربي، وأحـرق المخالف بالنار مما جميعكم تعرفونه.
أي أن المسألة لم تقـع إلا تدريجيا، فاليـوم مرادهم إلغاء الشريعة الإسلامية من بين البربـر، والإجبـار على التعليم الافرنسي، ومن بعد عشرين سنة لا يبقـى من البربر مسلمـون، ثم لا يصبر  الفرنسيس مـدة عشرين سنة حتى يصدروا الأوامر نفسها بشأن العرب، وعند ذلك لا يبقى مسلم لا في المغـرب الأقصى ولا الأوسط ولا تونس حـرا بأن يكون مسلما بربريا كـان أو عربيا، إن الكماليين لو صودمـوا من أول خرق خرقوه لما تجرأوا على الاستمرار وحتى يصلوا إلى ما وصلوا إليـه، لكن الترك لأسباب عديدة صبروا على الكماليين وبالغـوا في الصبر فصاروا كلما اجتازوا مرحلـة ساروا على أخرى، وهؤلاء القـوم إن نجحوا في سياستهم البربرية فلا تمضـي خمسون سنة  حتى يصير المغرب مغربا لشمس الإسلام، هـذا بدون مبالغـة، والأسباب الداعية إلى ذلك كثيـرة، إن شئتم أبدي لكـم رأيي فيها بكتاب قادم ، لأن كتابي هـذا قد طال كثيرا...
لا سبيل لفرنسا ولا لأحد أن يزعم أن هـذا تدخل في شؤون فرنسا الداخلية، لا حريـة لفرنسا ـ مهما كانت حرة في مستعمراتهـا ـ أن تتعرض لشؤون أهالي المستعمرات الدينية، حتى أنه تجـوز مراجعة جمعية الأمم في قضايا كهـذه بحق أية دولـة تبت أنها تعرضت لدين رعاياها.
أنظروا إلى الأمـم الأوروبية كلها كيف قامت من كـل جهة تحتج على ضغط البلاشفـة، على الدين المسيحي، ولم يقل أحـد أن  هذا تدخل في الشؤون الروسية الداخلية ولا شك أن جلبت أوروبا التي ارتفعت من كل صوب لحماية النصرانية، والروسية قـد عدلت كثيـرا عن خطة البولشفيك، إذا يجب علـى المسلمين في كـل الدنيا أن يبرقوا إلى باريس أولا بصورة لطيفـة مستجلبين نظرهـا إلى ما هو جار بالمغرب مما هو مخالف لمبادئهـا من التعرض للأمـور الدينية، فإن لم تحصـل نتيجـة للشكوى يصيـر الإبراق بصورة شديدة ، ويبرق إلى جمعيـة الأمـم وإلى ملوك الإسلام ليتدخلـوا في الموضوع لأن مسالـة الدين ـ كما لا يخفى ـ يجوز التدخل فيها.
لا شك أن فرنسا مهيأة أعذارا منهـا البربر هـم طالبون العمـل بعوائدهـم لا بالشريعة الإسلاميـة.. وأنها لا تقدر أن تجبرهم على العقيـدة الإسلامية واللغة العربية، وأن الظهير صدر من السلطان لا مـدخل لفرنسا فيه إلى غير ذلك من الخزعبلات، فالجـواب سهل، وهو أن البرابر مسلمون كالعرب وأن إلغـاء المحاكم الشرعية من بينهم هو كإلغاؤهـا من بين العرب بلا فرق.
ثم لمـاذا يجبر البربر على تعلم الافرنسية  دون العربيـة؟ ثم ما معنى إلغـاء التعليم الإسلامـي من بين البربر؟ ثم ما معنـى إرسال القوس تحت حماية الحكومـة للدعاية المسيحيـة بين البربر؟ أما الظهيـر وما أدراك وما هو ـ فمن يصدق أن سلطانا مسلمـا يأمر بمجرد إرادته بإلغـاء دينه وشريعـة قومه من بين ثلثي رعاياه، ثم يحملهـم على أمـور تخرجهم من تحت سلطانه.
ثم من أعظـم العوامل لإبطال هـذه الدسيسة الفضيعـة وإرجاع فرنسا عنها هو فضيحـة القضية في الجرائد فينبغي أن الجرائد الإسلامية كلها تقوم وتكتب عن هذه المسألة بالإنكار والإكبار اللازمين ويكون ذلك بمصر وفلسطين والعراق وسورية والهند وجاوى.
وإشاعة هذه المسألة في الجرائد ممكنة بمساعي جمعية الشبان المسلمين، فلا يكفي أن (المنار) أو (الفتح) تنشر هـذه الفضيعـة، بل يجب على جميع الجرائد العربية نشرها.
والسلام عليكم ورحمـة الله وبركاته.


    
(1)  وما لبثت البعثة المغربية بعد ذلك حتى نمت وانضم إليها من فتيان المغرب: أحمد بن عبد الوهاب،  وامحمد بن جلون، وعبد الله الخطيب، وعبد المجيد حجي، وعبد القادر الرباحي، ومحمد بن احساين، وعبد الكريم الفاسي، ومحمد الحسين ، وإدريس بنونة، وأحمد بن عبود، وأحمد مدينة، وعبد الكريم بنونة.
(2)  جاء في رسالة زعيم تطوان المرحـوم الحاج عبد السلام بنونة إلى الأمير شكيب المؤرخـة في 9 أكتوبر 1930 في الموضوع قوله: « فكرة مقاطعـة البضائع الفرنساوية تسري سريـان الماء بالعود، وظهـر أثرهـا حتى في بعض القبائل البربرية كقبيلتي زعير وزمور، وبالرباط تأسست شركة لصنع الكولبك ( يدعوه المشارقة قلبق) الذي يقوم مقـام الطربوش المجلوب من فرنسا، وقام بعض أهـل فاس يعملون لتحسين الثياب الوطنية وجعلهـا صالحة للباس سكان المدن بدل الجوخ المجلوب من أوروبا، وربمـا جلبت لذلك مناسيـج ميكانيكية، فعلى كـل حال توجـد بعض حركـة لا بأس بها ترمي إلى محاربة اقتصادية».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here