islamaumaroc

الطب الأندلسي بين هفوة الإهمال وغفوة النسيان.-3-

  عبد الله العمراني

العدد 231 ذو الحجة-محرم 1403-1404/ شتنبر-أكتوبر 1983

في الأعـوام التي تلت الفتح الأندلسي، كان يسود ميدان الطب نوع من الجبريـة، والاعتقاد بالقضاء والقدر، يتمشى مع تعاليم المجتمع الإسلامي، وتقاليـده وتطلعاته، فكان الأطباء ـ أو الحكمـاء حسب التعبير العصري آنذاك ـ يكتبون في مواضيع  كشف الطالع، وعن تأثيرات النجوم والأجواء Atmospheres  وعن تحول المعادن من خسيس إلى نفيس، وكانت عمليات الفصـد Flébotomia  والحجامة Cupping تجرى عندمـا يوجد القمر في وجه من أوجهه المعلومـة،  أو حينما يحتل منزلـة من  منازل المعروفـة، ثم إن الأعشاب الطبيـة يجب أن تجمع  تحت برج  نجم معين، ولكـي يكون عمـل «الحكمـاء»  مجديـا، كانوا يلجـأون أحيانا إلـــــــــــــى « الروحانية» فينطقون بكلمـات مبهمة ويعمدون إلى تعازيم ورقى. وكان بعض هؤلاء الحكمـاء يقيمون في ديارهـم ما يشبه المتحف أو الصيدلية، فيعلقون على جـدران بيوتهم جثثـا محنطة للبـوم OWLS والهام والتماسيح، ويعرضون في قنيناتهـم وقواريرهـم ضفـادع البر TOADS والأجنة FOETUS إلى غير ذلك من الحيوانـات التي قـد تثير الاشمئزاز نظرا لقدراتهـا أو قبح منظرهـا، وكانوا يبيعون بثمن الذهـب سوائل وأشربـة ومراهم ذات تركيب طبـي عجيب، وكان الطبيب يحرص على هـذا التركيب أو  ذاك، ويجعله سرا مكتوما لا يفشيه إلا لخلفه أو أحب الأقرباء إليه، وكان عـدد آخر من الحكماء يعالجون مرضـاهم على طريقة الكهانة الروحية Bécromancy  كما كانوا يحيطـون أنفسهم بمظاهر مميزة،  ويقومـون بطقوس خاصة تضفي على أنفسهم ألوانـا مـن الجدية والمهابة والوقار لمصطنع أحيانا.
وسرعـان ما يتضح جيل من الأطباء جديد، فيبدأ رد الفعل من جانبهـم ضد هذه الممارسات غير المعقولـة أحيانا، يأخذ هـذا الجيل في شق طـرق خاصة، وطرائق جديدة مثمرة، طبعت الطـب الأندلسي  الذي أصبح قائم الذات، ثابت الكيان بطابـع خاص يكاد يخلو من التأثيـرات المفترضة الغريبة، أو التأثيرات الموروثة المتعلقة  بالسلـف  ANCESTRAL .                    
 إن مذهب(1) الخبرة أو التجربة Empiricism  الذي كانت تعالج به الأمراض حسب المعتاد، قد وقـع التخلي عنه الآن في الأندلس، وتولى الأطباء الأندلسيون علاج مرضاهـم حسبما تتطلبه حالة كـل منهم على حدة، مع الالتفـات إلى شهية المريض، وبنيته، وخلقه ومزاجـه، إن الفكـرة التي أصبحت الآن مقبولـة على النطاق العالمي ـ فكرة أنه لا توجـد أمراض، وإنمـا يوجد مرضى ـ تبدو الآن واضحة جلية في الطب الأندلسي، سواء في ناحيته العلمية النظريـة، أو في ناحيته العملية التطبيقيـة.
وهكـذا، بعد أن كـان الطب يذهب عقيديـا ويسير سيرا نمطيـا معتادا «روتينيا» في الأعـوام الأولـى من تاريخ الإسـلام يشبه جزيرة إيبريا، أصبح في النهايـة، في أواخـر القرن الثالث الهجـري (أواخر التاسع الميلادي) يكسـر القوالب والأنماط القديمـة، ويفتح آفاقا جديـدة لم يكن يلمحهـا أحد  من قبل، وصـار الأطباء يسلكون طرقـا خاصة في التفكيـر، ويناقشـون القديم، يسمحون لأنفسهم بإبداء الرأي السديد النزيـه .

هديـة امبراطور بيزنطـة:
ازدهـر الحكم الأمـوي بالأندلس،  واعتلى عرش البلاد عبد الرحمـن الثالث الذي لم يلبث أن أعلن نفسه خليفة وأميرا للمؤمنين، وتلقب بلقب «الناصر لدين الله»، خطب وده ملوك أوروبا، وأرسلوا إليه سفراءهم وهداياهـم، ومـن هؤلاء إمبراطور بيزنطـة قسطنطين(2) السابع  الذي أرسـل إليه في أوائــل سنـة 338هـ (949م) سفارة تحمل هدايا ثمينـة من جملتها نسخـة إغريقية أصيلة من كـتاب  ( ديوسقوريدس)(3) المعروف عن المادة الطبية :  DE MATERIAMEDICA .  
وبما أن الأندلسيين لم يكونوا يتقنون اللسان اليوناني، فإن الخليفة أرسل إلى الإمبراطور البيزنطي يسأله إرسال أحد العارفين باللغتين الإغريقيـة واللاتينيـة، ليسهم في ترجمـة الكتاب إلى العربية، فبعث له الراهب نيقولاس الذي وصـل إلى قرطبة سنة 340هـ (951م).
وتم تعريب الكتاب على أيدي فريق من العلماء فيهم المسلم والمسيحي واليهودي، لأن البحث العلمي من جهة، وروح الإسلام السمحـة من جهة ثانية، لا يعترفان بالميز العنصري أو الديني بأي حـال من الأحوال،  وكان هـذا الفريق العلمي يتألف من الآتية أسماؤهم(4):
1) الراهب نيقوس
2) حسداي بن شبروط الإسرائيلي
3) محمد المعروف بالشجـار أي النباتي
4) رجل يعرف بالبسبــاسي.
5) أبو عثمان الجزار الملقب باليابسة.
6) محمد بن سعيد الطبيب.
7) عبد الرحمن بن إسحق بن الهيثم.
8) أبو عبد الله الصقلي وكان يتكلم الإغريقية.
قامت اللجنة بمهمتها خير قيام، فبحثت عن مقابل  الاسم الإغريقي في اللغـة العربية أو في اللهجـة الأندلسية،  وكـان لزامـا أن تسقط اللجنة من اعتبارها النباتات التي لا تنمو بالأندلس، وان تترجم فقط تلك التي تنمو بهـا، مع إضافـة النباتات الخاصة بالأندلس، والتي لا توجـد في الأصل الإغريقي، ولأجـل تحقيـق هـذا الهدف، كان لا بـد من الطواف بأنحاء المملكة، في رحـلات استكشافية  تجول في السهل والجبل، في الداخل والساحـل، بغية جمع الأعشاب والنباتـات، وجمع الملاحظات والموازنة بينهمـا، وبعبارة أخرى: إنجاز مهمة الدراسة والبحث، على خير وجه  ممكن، في ميادين علـوم النبات  Botany  والصيدلـة: Phatmacology والطب ـ وسيظل كتاب « المادة الطبية» لديسقوريديس، قطب رحـى البحث العلمي في الأندلس ردحـا في الزمان، حيث سيدرسه وينقحه ويؤلف في موضوعه علماء أندلسيون عـديدون من بينهم سليمـان بن حسان المعروف بابن جلجل، وأبـو جعفر أحمد بن محمد بن السيد الغافقي، وهـو غير الغافقي طبيب العيون ومؤلف كتاب (المرشد في الكحل) الذي سيأتي  الحديث عنه، ومن بينهـم أيضا الوزير المطرف عبد الرحمـن ابن وافد اللخمي، وبعبارة أخـرى يمكن القـول أن علم المعالجـة النباتية: قـد بدا يؤتي ثماره الناضجـة المرجـوة... وهكذا أنجزت دراسات هامة عديدة عن نبـاتات مثل خالق الذئب (5)، وحب الانبوس، أو( حبـة الحلاوة كما يسميه المغاربة)، والحمـاض(6)، والترياق... وأنتجت أدويـة كثيرة مثل الحبوب الكبيرة: والأقراص، وقطرات العيون، واللعـوقات، والزيوت، والمراهـم، واللازوقات، والحقن الشرجيـة ( للجهاز والمادة معا)... إلى غير ذلك.  
إن دراسة النبات كعلم، وممارسة الطب، كمهنة وتطبيـق النظريات العلمية كفن، كل ذلـك أصبح الآن عملا قوميا ممتازا، وبات في الإمكان حينئـذ التحدث عن طب إسلامي ـ أندلسي صميم،  وعن مـدرسة علمية شاملة، تزعمهـا عالم أندلسي قح، هـو أبـو القاسم مسلمة بن أحمـد المجريطي ثم القرطبي ( تـ: 394هـ/ 1004م) الذي عاش  في زمـن الخليفتين الأمويين  الحكم الثاني، وابنه هشام المؤيد، ولم يلتحق بالرفيق الأعلى، إلا بعـد أن شغل بنبوغه، وشمل بفضله وعلمه وتعليمه عدة أجيـال، وعلى الرغم من أن أبا القاسـم المجريبطي كان مهندسـا وفكليا أكثر منه طبيبا، نجـده أنجب أتباعـا وتلاميـذ عديدين، لم ينجب عالم بالأندلس مثلهم، معظمهم برع في الرياضيات والهندسـة والتنجيم إلى جانب فن التطبيب،  ونذكـر منهم على سبيل التمثيل لا الاستقصاء.
1) أبا القاسم أصبغ بن محمد بن السمح المهندس الغرناطي، كان بارعا في علم النجـوم وفي الهندسة، وله مع ذلك عنايـة بالطب،  توفي في رجب 426 (أبريل 1035) بعد أن عمـر ستا وخمسين سنة شمسية.
2) أبا القاسـم أحمد بن عبد الله بن عمر بن الصفار القرطبي ثم الداني، كان عالمـا بالهندسة والعدد والنجوم، وتوفي في دانية ، قاعـدة حكم الأمير مجاهد العامري.
3) أبا الحسن علي بن سليمان الزهراوي ـ نسبة إلى مدينة الزهراء بالقرب من قرطبة، وهـو غير أبي القاسم الزهراوي الذي سيأتي الحديث  عنه ـ فقد تتلمذ أبو الحسـن هذا على مسلمة المجريطي، وصحبه مـدة من الزمان،  وكان أبو الحسن الزهراوي عالمـا بالعدد وبالطب والهندسة.
4) أبا الحكم عمرو بن أحمد بن علي الكرماني القرطبي ثم السرقسطي،  كـان من الراسخين في علم  العدد والهندسة، رحل إلى المشرق ، وجلب إلى الأندلس، لأول مرة فيما نعلم ـ كتاب (رسائل إخوان الصفا)، كـان أبو الحكم الكرماني مهندسا وطبيبا جراحا يقول عنه ابن أصيبعة:  «وله عناية بالطب، ومجربات فاضلة فيه، ونفوذ  مشهور في  الكي، والقطع، والشق، والبط، وغير ذلك من أعمـال الصناعة الطبية».
5) أبا مسلم عمر بن أحمد بن خلدون الحضرمي، من أعيان إشبيليـة، من تلاميذ أبي القاسم المجريطي ، كان فيلسوفا ومهندسا، ومنجما، وطبيبا، توفي سنة (449هـ/1057م)،  تاركا وراءه تلامـذه عديدين من مهندسين، وفلكيين، وأطباء أمثـال أبي جعفر أحمد بن عبد الله المعروف بابن الصفار المتطبب، وعبد الله بن أحمد السرقسطي، وابن البوقشى الطليطلي.

نضــج ونبوغ:
 من الصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ أن نتتبع في هـذا البحث كل النابغيـن من أطباء الأندلس وذلك لجملة أسباب:
أ ـ لطول الفترة الزمنية التي تستقطبها هذه الدراسة.
ب ـ لخصوبة تربة الأندلس، ووفـرة إنتاجها وجودته، في جميع الميادين بما في ذلك ميدان الطب.
ج ـ لأن النبوغ يمكن أن يتأتى في أعصر وبيئـات مختلفة، فيتدفق هنـا وهناك، ولا يتقيـد بزمن دون زمـن، أو جيل دون آخر، ولكننا هنـا نقتصر على فترة النضج، وبلوغ الأشد، في عمـر دولة الأندلس وهي الفترة المعطاء في عمـر الفرد كذلك، وللـدول ـ كما يقول ابن خلدون ـ أعمـار طبيعية كما للأشخاص.

(1)  اصطلاح مأخوذ من الكلمة الإغريقية PEIRAO  بمعنى اختبر أو جرب، والمذهب التجريبي في الفلسفة يتخذ التجربة أساسا وحيدا للمعرفة.
 وللمدرسة التجريبية في الطب طائفـة من الأطباء القدامى (أمثال الطبيب الروماني سيلسوس  CELSUS  والطبيب الإغريقي جالينوس GALNUS يسـروا لنا إدراك طرق تفكيرهم وممارساتهم الطبية، أما أتباع هذه الممارسة المتأخرون، فيجافون كل دراسة نظرية، حتى تلك التي تتعلق بالتشريح، ويسترشدون فقط بالعرف وبخبراتهم الفردية، والطبيب التجريبي ـ نظرا لنقصان المعرفة النظرية لديه ـ يصف العلاج لمرضاه عن طريق الحدس والتخمين، وطبقا لاسم المرض، أو الأعراض المرضية، دون نظر أو تكفير في بنية المريض، أو مزاجه، أو الظروف والملابسات المحيطة به.
(2)  Constantine الملقب بالأرجواني أي لابس الأرجوان: Porphyrogenitus  وهو ابن ليون السادس ابن باسيل الأول، حكم  من 913 على 959م ، يذكر اسم الإمبراطور أرمانيوس (او رومانين)  Rumanos  بدلا من قسطنطين، ويذكر البعض الآخر اسم رومانوس الثاني، والواقع أن رومانوس الأول (920 ـ 944) وهو الذي شارك قسطنطين في الحكم، وورد اسمهما مسطرا في الرسالة الإمبراطورية الموجهة إلى الخليفة: «قسطنطين ورومانين الملكان العظيمان ملكا الروم». أمـا روماننوس الثاني فخلف قسطنطين في الحكم سنة 959م... هذا ووصلت السفارة إلى قرطبة ـ كما عند المؤرخ الأندلسي ابن حيان ت في صفر وكان حفل الاستقبال الرسمي فقي 11 ربيع النبوي سنة 338 (8/9/948).
(3)  هو بيدانيوس (أو بيداسيوس) ديوسقوريديس العين زربي:  Pédacius Dioscordés Anazarbus طبيب إغريقي لشتهر في القرنين الأول والثاني الميلاديين، رافق الجيوش الرومـانية عبر أقطار عديدة بصفته طبيبا، فتمكن من جمـع أعشاب كثيرة شفعها بملاحظاته الشخصية، فكان بذلك كتابه الذي كان له التأثير البالغ خلال أزيد من 15 قرنا، وذلك في مجال علم النبات والمواد الطبية، يقول أصحاب موسوعة شامبيرس أن الكتاب لا زال له التأثير في الأوساط التركية والمغربية، ترجم الكتاب إلى اللغات الإيطالية والألمانية والفرنسية والإسبانيـة، وتوجـد ترجمته العربية مبثوثة في مختلف مكتبات أوروبا، ولكنها ما زالت مخطوطة لم تطبع.
(4)  أغفل فديل فرنانديت اسمي الشجار والبسباسي، وأتى بدلهمـا باسم جون دي كورث سفير الإمبراطور الجرماني آتون الكبير لدى البلاط القرطبي، وذكر كونثليث بالينثيا في كتابه عن الأدب العربي الإسبانـي اسم الخراز بدل الجزار.
(5)  خانق الذئب أو خانق النمر: Aconite هو نبات طبي من فصيلة الشقيقيات، ذو جذور معزلية الشكل ، أوراقه شسبيهة بالكف، وزهراته مسمومة، غير أنه يستعمل في العلاج الطبي كمهديء، ذكره ابن الحشاء في كتابه (مفيد العلوم ومبيد الهموم) وقال عنه أنه غير معروف بالمغرب، أما ابن حموش الجزائري فحاول أن يعرفه في كتابه ( كشف الرموز في بيان الأعشاب) قائلا: أظنـــــــــه « بوزعكة».
(6)  الحماض او الحميضي: نبات دائم الاخضرار، من فصيلة الحماضيات، يستعمل كتابل من التوابل، نظرا لحموضة  مذاقه، وهذه الحموضة  راجعة إلى ما يحتوي عليه من « أوقصلات البوتاس» ( البوتاس هو أكسيد البوتاسيوم)،  أوراق الحماض واسعـة كأوراق الهندياء ( القرعة)، وزهراته مخنثة، أي أنها تحتوي علـى التذكير والتأنيث معا
.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here