islamaumaroc

مع أحمد أمين.

  محمد ابن تاويت

العدد 231 ذو الحجة-محرم 1403-1404/ شتنبر-أكتوبر 1983

كان أستاذنا أحمد أمين، طاقة من نشاط دائب، لا يعرف الفتور، بالرغم من المرض الملازم له، مرض الاستسقاء أو السكر المتصاعد، وكان نشاطه لا يقف عند الميدان العلمي والثقافي، بل كان يتخطى ذلك، فيقتحم ميادين شتى، بشجاعة ومهارة فذة.
من هذا وذاك ما قصه علي أستاذي إبراهيم أمين الشواربي، رحمه الله، قال: إن جماعة «التأليف والترجمة والنشر» لما فكرت في إحداث هذه المؤسسة جمعت من بينها أموالا ساهمت بها، فكانت لا تتعدى مائتي جنيه مصري أو استرليني، فلما وضعتها بين يديه، قال لهم: إنها لا تكفي لإنشاء هذا المشروع، ولا تفي بحاجاته المتطلبة، والخير أراه الآن في استثمار هذا المال، حتى ينمى ويصبح ملائما لإنشاء هذه المؤسسة التي نعتزمها.
وعلى هذا فقد وجه الأستاذ رحمه الله هذه الأموال توجيها نحو زراعة القطن، واستغلال محصوله، لمدة سنوات، تمكن في نهايتها من وفر مالي محترم، يستطاع به أن يقدم على تنفيذ هذه الخطة، ولكن كانت هناك عقبة أخرى، هي البناية التي تضم المطبعة برجالها وعمالها، وموادها الاستهلاكية والإنتاجية.
حينئذ فكر القوم في أن يطلبوا من السراي الخديوي أن يمنحهم بناية تساعدهم على تحقيق مشروعهم النبيل، فكانت أميرة من هذا البيت الحاكم تتبرع بالبناية التي أصبحت ملكا للجنة التأليف والترجمة والنشر، وبدأ العمل، واستمر الأستاذ أحمد أمين، رئيسا لهذه اللجنة التي كرس لها وقت ما بين العشاءين، يوميا وبدون انقطاع مختار، يحضر على مكتبه، فيراجع الأعمال، ويحاسب العمال، ويقرضهم المال عند الحاجة، ويتقاضى كل ما يتطلب منه.
وجاءت البعثة المغربية على مصر، وعرض على الأستاذ أحمد أمين أن يقوم بتسيير مكتبها الثقافي، فقبل، وما اعتذر، ووجد نفسه إثر ذلك مطوقا بمهام ومشاكل أخرى، فلم يعتذر ولم يتخل عنها،،.
وصار المكتب يضم علماء ومكفرين، يحاضرون به، من مثل عبد الحميد العبادي وأحمد الزيات، إلى جانب الأستاذ نفسه رحم الله الجميع، كما كان منهم الأستاذ عبد الله عنان، حفظه الله.
ومن محاضرات الأستاذ أمين كانت كما أظن في موضوع الخلافة أو الخلفاء الراشدين ، فكانت هذه أول محاضراته ألقيت بذلك المكتب، ولما تم إلقاؤها، وطلب الأستاذ من الحضور إلقاء أسئلة في الموضوع، تصدى شيخ من مشايخ الأزهر وطلابه، فاعترض على الأستاذ أنه ذكر الأمويين، بفتح الهمزة، مع أن النسبه إنما هي لأمية، بضم الهمزة، مما هو معروف عن هؤلاء الأزاهرة..
فأجاب الأستاذ - رحمه الله - بأن الفتح صحيح، صحة الضم كذلك، علل هذا بأن من فتح رجع إلى الاسم قبل التصغير، وهو « أمة»، ومن ضم لم يرجع إلى ما قبل التصغير، ونسب إلى «أمية » المصغرة.
فكان هذا الجواب أول ما استفدته من علوم، عن أستاذنا، بل كان أول ما استفدته، منذ وطئت قدماي أرض الكنانة، وكان لي - أيضا - سؤال، أتوجه به على أستاذنا، ولكن الحياء المغربي، أو الخجل المستحيي، حال ما بيني وبين إلقاء السؤال، فكتبت إلى الأستاذ، بمضمونه كما تجد في نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة الأستاذ الكبير أحمد أمين
السلام عليكم ورحمة الله
سيدي الأستاذ، ذكرتم في محاضرتكم القيمة، التي سبق أن غذيتم بها عقولنا، أن الخليفة الأول، كان في إقدامه، على قتال المرتدين مستبدا،، الخ.
سمعت ذلك فوقع مني موقع الاستغراب، وهممت أن استوضح جنابكم في المسألة، حينما تصديتم لتلقي الأسئلة، لكني خشيت حصر اللسان، فاخترت أن يكون السؤال كتابيا.
لأجل هذا أقدم إليكم ما خامر ذهني في القضية، راجيا منكم توضيح وجه السداد فيها،،
ظهر لي أن الخليفة لم يكن مستبدا فيما أقدم عليه، حيث كان مستندا في ذلك إلى كتاب الله وسنة نبيه، فرد ما وقع فيه النزاع إلى الله والرسول، من غير ما يستبد برأيه، أما الكتاب فقوله تعالى: ( ‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ ) [التوبة: 123].
وأما السنة، فقوله صلى الله عليه وسلم: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلاه إلا الله».
فعدوله عن رأي المشيرين عليه بعدم القتال، إنما هو - كما يظهر - لمعارضة النصوص لذلك الرأي، وأكبر ظاهرة عرف بها أبو بكر، اتباع الرسول وتنفيذ أوامره، على خط مستقيم، ويشعر قوله في تلك القضية بعلة عدم أخذه برأي المشيرين: « والله لو منعوني عقالا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم عليه».
وغير خاف على جنابكم، أن الكلام إذا قيد بقيد فروح الكلام هو ذلك القيد.
ويزيد المقام توضيحا، قوله تعالى في قضية إبدال أسامة « أيوليه النبي ويعزله أبو بكر؟».
فلم يستمع لقول المشيرين ، لمخالفته أمر الرسول، والقضية هذه - كما لا يخفاكم - هي أشبه بأختها من الماء بالماء،.
وهذه قضية جمع المصحف، انظروا كيف أجاب المشير عليه بجمعه «كيف أفعل شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟».
هكذا أجاب من أشار عليه بذلك، ولكنه لم يلبث أن أدرك أن المسألة ليس فيها مخالفة، إذ لم يرد فيها نص يحرم، حينئذ أذعن للرأي ( فلم يزل أبي عمر حتى شرح الله صدري لذلك)، فأمر بجمع المصحف وتدوينه،،
هذا ما خالج صدري، وأرجو سيدي الأستاذ أن يتفضل بالإجابة عن هذا السؤال وتوضيح ما أشكل، والله لا يضيع أجر المحسنين.
13/1/1939    محمد بن تاويت التطواني عضو بالبعثة المغربية.

بعد إرسال هذه الرسالة بيومين أو ثلاثة، تلقيت الإجابة التالية من الأستاذ:
حضرة الفاضل محمد بن تاويت التطواني سلام عليكم ورحمة الله،
قرأت خطابكم، وسرني جدكم، وتمحيصكم لما يعرض عليكم،
كان غرضي من قولي: «إن أبا بكر عمل برأيه في مسألة الردة» أنه اجتهد، وكان اجتهاده في تطبيق الحادثة على ما ورد في الكتاب والسنة، ولكن عمر اجتهد أيضا.
والحادثة محل نظر، ومحل اجتهاد، لان أهل الردة لم يرتدوا عن الإسلام كما قد يظهر من تسميتهم، بل امتنعوا فقط عن أداء الزكاة مع إقرارهم بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فاجتهاد أبي بكر أنه يعاملهم معاملة المشركين، واجتهاد عمر أنه يعاملهم معاملة المسلمين العاصين.
فلما شاور أبو بكر عمر وبعض الصحابة أشاروا عليه ألا يقاتلهم، أي ألا يعاملهم معاملة الكفار، ولكن أبا بكر لم يرض عن رأيهم ولم يعمل بمشورتهم، لأنه رأى رأيه اقترب إلى النصوص.
فكانت الشورى غير ملزمة، ولذلك شاورهم ولم يعمل برأهيم ، بل عمل باجتهاده هو، وهذا كل ما أريد، فإني أريد أن أقول إن الشورى لم يكن لها قانون كالخضوع لرأي الأغلبية ونحو ذلك، بل إن الإمام حر في قبول الرأي وعدمه حسبما يؤديه إليه اجتهاده.
وأظن أنه بذلك يتضح رأيي.
وأكرر شكري على اجتهادكم وتحريكم الحق والسلام.
15/1/1939   أحمد أمين

في هذا التاريخ كان الأستاذ رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب، من جامعة فؤاد الأول، وكان العميد أستاذنا الدكتور طه حسين، الذي ألف كتابا، فيما بعد، بعنوان: «مستقبل الثقافة في مصر»، فتصدى لنقده المرحوم الشهيد السيد قطب، واندلعت الحرب العالمية، وعين الدكتور طه رئيسا لقسم الثقافة بوزارة المعارف، فاختار كاتبه الأول السيد قطب.
وتولى عمادة الكلية، أستاذنا محمد شفيق غربال رحمه الله، ولم تمر سنة حتى نقل إلى العمل بالوزارة، التي صار وكيلها الدكتور طه، فانتخب للعمادة الأستاذ أحمد أمين.
وتولى رئاسة الوزارة مصطفى النحاس، رحمه الله، وكانت قضية انضمام السودان، أو المطالبة بكونه جزءا لا يتجزأ من مصر، قضية المصريين جميعا، وفي مختلف الظروف والأحزاب، لدرجة أن كان رائجا أن « مصر تتنازل عن مصب النيل ولا تتنازل عن منبعه» وكان الوطنيون من طلبة السودان يرون هذا الرأي، وكان يتزعم الفكرة ويدافع عنها بحرارة طالب يكون كالشلال في مقدمة المظاهرات، وكان النحاس بصفة خاصة يعطف على هذا الطالب، ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان.
فقد دخلنا سرادق الامتحان في اليوم الثاني لنستأنف عملنا، وإذا بنا نجد على الباب «يافطة»
معلنا فيها أن الطالب السوداني فلان، ضبط متلبسا بالغش، فأقصي عن الجامعة بصفة نهائية.
وقامت الحكومة وقعدت وتدخلت لدى العميد بقبول الطالب، منتميا إلى الكلية، فما أفلحت في مسعاها وما خضع أحمد أمين لمطلبها، واستمر الطالب متقصيا أو مقصي، واستمر أحمد أمين عميدا، يقف في الصباح الباكر، بباب الكلية، ليمنع أية طالبة تحضر إليها وهي تلبس «فستان» بنصف كم، واستمرت الصرامة الخلقية التي طرد بها أستاذ إنكليزي لمجرد أنه استقبل طالبة بداره التي كان يسكنها وزوجته الإنجليزية، وكانت له مواقف غير هذه، كان آخرها أن الوزارة أرادت إخضاع الجامعة إليها، فاستقال مع من استقالوا، الأستاذ أحمد أمين، الذي أخلى عهدته وهرع إلى مصطاف رأس البر لقضاء شهر به.
في هذه الأثناء، زرته بغتة، أنا والزميل حسن صعب، فوجدناه ينعي على صديقه الحميم، الدكتور طه حسين، إذعانه لقرار الوزارة، مع أنه كان يرفع عقيرته، باستقلال الجامعة لما كان خارجا عن الوزارة، وما رعى أن الإنسان يكون له منطق وهو في الداخل يخالف منطقه وهو في الخارج، ليس ذلك تلونا ولا تملقا، ولكن النظرة تختلف باختلاف مواجهة الأمور والنظر إليها من زواياها المختلفة العديدة.
وحل شهر رمضان، وبدأ رأس البر يتخفف من رواده، وفي تماشاي على شاطئ المصب للنهر، لاحظت الأستاذ أمين جالسا عند باب أحد المقاهي وهو «يقزقز اللب» فسلمت عليه، وهنأته بحلول شهر الصوم، فأمرني بالجلوس، وجلست قبالته، بيننا «طربيزة» المقهى، فناولني سجارة، مع علبة الكبريت، وكنت حديث عهد بالتدخين، فلم أحسن توليع السجارة، والريح تهب تجاهي، وتظاهرت بكوني نجحت في المهمة، فاستمررت في حديث مع الأستاذ، وحسبت أن «الطربيزة» بيننا، قد سترت إخفافي في التوليع، ولكن الأستاذ بالرغم من نظراته الساهمة، أدرك الواقع، ولم يكن من السائغ «أن يولع سجارتي» فولع سجارته، ثم ناولني إياها لأولع بها...
كانت روسيا قد دخلت الحرب ضد ألمانيا وخطب «تشرتشل» قائلا: (إني لا أتأخر في وضع يدي بيد الشيطان) ..
وسألني الأستاذ أحمد أمين عن نشاط المكتب الخليفي الذي كان قد توقف، لمشاكل تدخلت فيها السفارة الاسبانية، قائلا: لم لا نستأنف العمل، في إنعاش هذه الحركة، التي أفادت في نشر التراث المغربي، وما يتصل به من مؤلفات قيمة؟
فأجبته، والله، كما تعلم: إن الأعمال الآن قد أنيطت بالسفارة الاسبانية، فقال لي بحزم وصرامة: اسمع، إني لا أتأخر في أن أضع يدي بيد الشيطان، إن كان في هذا الوضع مصلحة مرجوة...
وافترقنا ومضت سنون، وجاءني ابن عمي، محمد بن تاويت الطنجي، فقص علي ما حدث له مع أحمد أمين، وقد زاره مع رفقائه ببيته؛ حدث أن الأستاذ قدم إليهم السيجارة فتقبلها الرفقاء، واعتذر هو عنها، فسأله الأستاذ لم اعتذرت؟ أجابه بأني لا أدخن، فاستشاط الأستاذ، وقال: يا جذع ، كيف تقول إنك لا تدخن، وأنا بيدي ولعت السيجارة برأس البر؟؟
أترك هنا أستاذنا أحمد أمين، لأتفرغ للحديث عن أستاذنا طه حسن رحمهما الله، فإلى العدد القادم إن شاء الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here