islamaumaroc

في ركاب ابن الخطيب النابغة الشهيد -2-

  محمد محي الدين المشرفي

العدد 231 ذو الحجة-محرم 1403-1404/ شتنبر-أكتوبر 1983

وإذا كان قانون الحياة يقضي بذهـاب الأجساد واضمحلالها مع الرضـى بقضاء الله ـ سبحانه وتعالى ـ فإنه مما يسلي النفس، ويطمئن الخاطـر أن يستطيع الإنسان الاستفادة من الآثـار التي تركها لنـا من ورائهم كبار المكفريـن... ومن ثم وجب أن نشير ـ قبـل الاستمرار في التعريـف بالذين يتحملون أمام التاريـخ عبء الجريمة التي ذهـب ضحيتها ابن الخطيب منذ مـا يزيد على ستة قرون ـ إلى نمـاذج من آثاره الخالـدة، وفي مقدمتها تلك الرسائل السياسيـة التي كان يكتبها باسم سلطانه إلى مختلف الملوك والرؤسـاء؛ وكلها رسائل قيمـة ممتازة بأسلوبها المشرق، وذلك لا للدلالـة فقط على ما كـان يتمتع به صاحبنـا من عمق في التفكير، وإدراك عميـق لأسرار اللغـة مع اطلاع واسع أيضا على ما كـان يحرك النفوس البشريـة أحيانـا من حقد دفين، وبغض قوي متيـن، ولكن لنقـدم  البرهان كذلك على أن إيمان ابن الخطيب الراسخ القـوي يتجلى بأوضح صورة في كل ما كتـبت يداه ؛ وفي ذلك كله مـا سوف يساعدنـا إن شاء الله على تحليـل التهمة الخطيـرة التي ألصقهـا به أبـو الحسن النباهـي، وهي تهمـة تثير عـدة تساؤلات لا نعتقـد أنه باستطاعـة قاضي القضاة أن يجيب عنهـا لو كان حيا يرزق.
وإذا كانت رسائل ابن الخطيب قد أكسبته حقا سمعة واسعة في المـشرق والمغرب، فإنه نـال شهرة مماثلة بسبب مـا تركه لنا من شعر رقيق رصيـن يؤثـر في النفس إلى أبعـد حد، وأمـا وصيته لأولاده فهـي قطعة أدبيـة رائعـة إن دلت علي شيء ، فإنهـا تدل على مـا كان عليه صاحبها من إيمـان ثابت، وعقيدة راسخـة، واتكل على الله وحـده ، سبحانه وتعالى، في أمـوره كلها، وباعتبـار أن ابن الخطيب كان يعيش وسط خضم من الأزمـات السياسيـة والتحركـات العسكريـة التي اضطلعت بها بلاد الأندلس المجاهـدة باستمرار، فـإن كتاباتـه إلى الملوك، وملـوك بني مريـن على الخصوص، كانت تفيض بما كـان يملأ قلبه مـن غيرة إسلاميـة  وثابـة، وروح وطنيـة متقـدة متأججـة، مـن ذلك ما جـاء في خطاب لـه باسـم سلطـان الأندلس إلى ملك بني مريـن، مستنهضـا عزيمتـه لنصرة الأندلس،  فيقـول:
«المقام الذي يؤثـر حظ الله إذا اختلفت الحظوظ، وتعـددت المقاصد... وتشمل عادة حمله وفضله الشـارد، ويسع وافـر ظله الصادر والوارد؛ مقـام محل أخينـا الذي حسنت في الملك سيره، وتعاضـد في الفضل خيره وخبره... السلطان كذا... ابن السلطان كذا..ابن السلطان كذا.. أبقاه الله رفيعا علاؤه، مزدانة بكواكب السعد سماؤه، محروسـة بعز النصر أرجاؤه، مكمـلا من فضل الله تعالى في نصر الإسلام وكبت عبـدة الأصنام أمله ورجـاؤه  معظـم قدره الذي يحـق له التعظيم، وموقر سلطانه الـذي له الحسب الأصيـل» والمجد الصميم، الداعي إلى الله باتصال سعادته حتى ينتصف من عدو الإسلام الغريم، ويناح على يـد سلطانه الفتح الجسيم، سلام كريم طيب عميم، ورحمة الله وبركاته.
أما بعـد حمدا لله الذي لا يضيع أجر من أحسن عمـلا، ولا يخيب لمن أخلص الرعية إليه أمـلا.. والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الذي أنزل عليـه الكتاب مفصلا، وواضح طريق الرشـد وكان مغفلا، وفتح باب السمـاء ولولا كان مقفـلا... وللرضى على آله وأصحابه وعترتـه وأحزابه الذيـن ساهموا فيما مر ومـا حلا... ورفعوا عماد دينه، فاستقام، لا يعرف ميلا، وكانوا في الحلم والعفو مثلا، والدعـاء لمقامكم الأسمى بالنصر والعز والسعـد.
فإنـا كتبنا إليكم أصحب الله تعالى ركابكـم حلف التوفيق حلا ومرتحلا، من حمراء غرناطـة حرسها الله تعالى ولا زائـد بفضل الله تعالى، ثم بما عندنـا من التشيع لمقامكم حرس الله تعالـى سلطانه.. ومقامكم عندنـا العدة التي بها نصول ونرهب، والعمـدة التي نطيل في ذكرهـا ونسهب، «وقـد أوفدنا عليكم كل ما زاد علينا، أو فتح الله به علينـا، ونحن مهما شد المخنق بكم نستنصـر، أو تراخى، ففي ودكـم نستبصر، أو فتح الله تعالى فبأبوابكـم نهنئ ونبشـر؛ وقررنا عندكم أن العدو في هذه الأيام توقف عن بـلاد المسلمين، فلم تصل منه إليها سربة، ولا بطشت له يد جديـة، ولا افترعت من تلقائه ثنية؛ ولا ندري المكيدة تدبـر، أم آراء تنقض بحـول الله وتنبـر، أو لشاغل في الباطن لا يظهر... ».
ثم إنه يشير في هـذه الرسالة البليغة إلى ما ينتظره أهل الأندلس من مساعـدة أكيدة، لا سبيل للاستغنـاء عنها، ملحا على ضرورة تنفيذ الإسعاف المرتقب من المغـرب، بعد الصلح الذي سبق لسلطان غرناطـة أن ابرمه مع النصارى الآثمين؛ (إن المجرمين في عذاب جهنم خالـدين)، وأنت ترى أن الرسالة كلهـا تفيض إيمانا بالله وثقة بعظمـة ملكه وتأدبـا كذلك مع ملك المغرب الذي يعتقـد فيه كل خير وينتظـر منه المساعـدة بالمال والعتاد، فكلمـا ذكر اسم الله جلت قدرته، أو جرى على لسانه اسم نبينـا الكريم عليه أفضـل الصلاة وأزكى التسليم إلا وظهرك الإحساس بما يفيض به قلبه من خشـوع تعظيما لخالقه  وتكريمـا لأنبيائه وأصفيائـه المرسلين، معربا عـن استعداده في كل حين للتضحيـة والاستماتـة في سبيل رب العالمين، أفيسمح المرء لنفسه بعـد هذا كله أن يتوجه بالطعن في إيمان ابن الخطيب، ويرميه بالابتعاد عن قوانيـن الدولة وأحكام الشرع،  تلك الأحكام التي تربى في أحضانهـا، وعاش في كنفها، ومـات، اللهم أشهد، مستمسكـا بأذيالها؟ ولم هـذا الحرص من أعدائـه على تلويث سمعته ظلما؟ لكـن«زين لهم سوء عملهم، والله لا يهدي القوم الكـافرين»! وإليك رسالـة ثانية تستدل بها على براعـة ابن الخطيب في سبـك الرسائـل السلطانية وإعطائها رونقـا يجعلها نماذج حقا يقف عندهـا كبار الكتاب والمرسلين.
كتب إلى سلطان بني مرين على لسان أمير المسلمين يوسف بن إسماعيـل بن فرج، فقال:
« من أمير المسلمين عبد الله يوسف ابن أمير المسلمين ابن الوليـد إسماعيل بن فرج ابن نصر إلى محل أخينا الذي نثني على مجادتـه أكرم الثناء ونجدد له ما سلف بين الأسلاف الكرام من الولاء ونتحفـه من سعادة الإسلام وأهله بالأخبار السـارة والأنباء، السلطان فلان.. بن فلان.. بن فلان،  أبقاه الله تعالى رفيع المقدار، كريم المآثـر والآثار... سلام كريم، بـر عميم يخص جـلالكم الأرفع ورحمة الله وبركاته، أمـا بعد  حمدا لله على آلائه، وجزيل نعمـائه، ميسر الصعب بعد آبائه، والكفيل بتقريب الفـرج وأدنائه، له الحمـد والشكر ملؤ أرضه وسمائه، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانـا محمد، خاتم رسله الكرام وأنبيائـه، الهادي على سبيل الرشد وسوائه... والدعاء لمقامكـم بتيسير أملـه من فضـل الله سبحانه ورجائه، فإنـا كتبنا لكم كتبكم الله تعالى فيمن ارتضى قوله وعمله من أوليائه، وعرفكم عـوارف السعادة المعادة في نهاية كل أمـر وابتدائه؛ من حمراء غرنـاطة ـ حرسها الله تعالى ـ ولا زائد بفضـل الله سبحانه ثم ببركـة سيدنا محمد ومولانـا رسولـه الكريم الذي أوضح  برهانه، ثم بما عندنـا من الود الكريم، وتجديد العهد القديـم لمقامكم أعلى الله تعالى سلطانه... فإنه قد كـان بلغكم ما آلت الحال إليه بطاغيـة قشتالة الذي كلف على هـذه الأقطار الغربية مـن وراء البحـار وما سماهـا من الأوصاب  والأضرار.. نكث العهد الذي عقده ، وحل الميثاق الذي أكـده، وحمله الطمع الفاضح على أن أجلب على بلاد المسلمين بخيله ورجلـه.. وأمل أن يستولي على جبل الفتح... فضيقه حصارا واتخذه دارا... وعندمـا عظم الاشفاق، وأظلمت الآفاق ظهـر فينا لقدرة الله تعالى الصنيع العجيب، وطرق الطاغية جنـد من جنود الله تعالى، أخذه أخـذة رابية، ولم يبق لـه من باقيـة، فهلك على الجبل حتف أنفه... وأصبحت البلاد مستبشرة ورحمة الله منتشرة».
ولما كان موضـوع الرسالة هو اطلاع سلطان المغرب على  اندحار جيش النصارى المعتديـن بعد انقضاض الحصار عن الجبل عقب هلاك ملك القشتاليين، فقـد ختم ابن الخطيب رسالتـه بقوله: «ورأينا أن هـذه الرسالة التي يأخـذ منها كل مسلم بالنصيب الموفور، ويشـارك فيمـا جلبته من السرور، أنتم أولى من أن نتحفـه  بطيب رياها ونطلع عليه جميل محياها، لما تقرر عندنـا من دينكم المتين، وفضلكم المبين، والله تعالـى يصل سعدكم، ويحرس مجدكـم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
ولما تقلص ظل الإسلام بالجزيرة ـ وهو ما كان يراه قريبا ـ واسترد الكفار ـ دمرهم الله ! ـ أكثر أمصارها وقرأها على وجه العنوة والصلح أو الاستسلام ، كتب لسان الدين ابن الخطيب من جملـة ما كتب العلمـاء والوعاظ والوزراء إلـى الأمصار يحث الناس فيهـا على الجهاد فيقول:
«أيها النـاس، رحمكم الله، إخوانكم المسلمون دهم العدو ـ قصمه الله ـ ساحتهم، ورام الكفـر ـ قبحه الله ـ استباحتهم؛ وزحفت أحزاب الطواغيت عليهم، ومـد الصليب ذراعيه إليهم؛ هـو دينكم فانصروه، وجواركم القريب فلا تخفروه، وسبيل الرشـد قد وضح فلتبصروه. الجهاد، الجهاد، فقد تعين، الجـار، الجار، فقد قـرر الشرع حقه وبين؛ الله الله في الإسـلام، الله الله في أمـة محمد عليه الصلاة والسلام؛ الله الله في المساجـد المعمورة بذكر الله؛  الله في وطـن الجهاد في سبيل الله؛ فقد استغاث بكم الدين فأغيثوه؛ قد تأكـد عهد الله حاشاكـم أن تنكثوه ! أعينوا إخوانكم بما أمكـن من الإعانـة، أعانكم الله عند الشدائـد؛ جددوا عوائـد الخير، يصل الله لكم جميل العوائـد، صلوا رحم الكلمة، وآسوا بأنفسكم وأموالكم تلك الطوائـف المسلمة» كتاب الله بين أيديكم، والسنة والآيـات تناديكم ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمة فيكم، والله يقول فيه: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم)؛ وممـا صح عنه قوله: ( من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار؛ لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم)؛ ( ومن جهز في سبيل الله فقد غزا)؛ أدركوا رمق الدين قبل أن يفـوت، بادروا عليل الإسلام قبل أن يموت، احفظوا وجوهكم مع الله يوم يسألكم عن عباده، جاهدوا في الانفس والاموال حق جهاده.
ما ذا يكـون جوابكـم لنبيكــم        وطريق هـذا العذر غير معمد
إن قـال لما فرطتـم في أمتـي       وتركمتوهـم للعـدو المهتدى؟
تالله لـو أن العقوبـة لـم تخف        لكفى الحيا  من وجه ذلك السيد
اللهم اعطف علينـا قلوب العباد، اللهم بث لنا الحميـة في البلاد، اللهم دافع عن الحريم الضعيف، والأولاد، اللهـم انصرنا على أعدائك بأحبابك وأوليائـك يا خير الناصرين، اللهم افرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنـا على القوم الكافرين! ».
وهـذه البراعـة في التحرير التي راحت صفة مميـزة لابن الخطيب لم تظهـر في رسالـة فحسب، بل ظهـرت قدرته البيانية أيضا في القصائـد التي ضمنها ما كـان يجيش به صدره من عواطف رقيقـة وإحساسات نبيلة في مـدح الملوك الذيـن سخر مواهبه لخدمتهم أو الذين رمت به الأقدار  إلى الاحتماء بجوارهم، وفعـلا، في خضم إحدى الأزمات التي حلت به نتيجـة تكالب الأعداء عليه، كان ابن الخطيب قد فكـر في القيام بفريضـة الحج فرارا من الجـو الخالق الذي كـان يعيشه وتقربـا من الله عـز وجل الذي لا يخدل أبدا عبـاده المتقين، فكتب في ذلك يقول:
إلاهـي بالبيت المقـدس  والمسعى          وجمع إذا ما الخلق نزاوا  جمعـا
وبالموقف المشهود، يارب في منى        إذا ما سأل الناس من خوفك الدمعا
وبالمصطفى والصحب عجل  اقالتي       وانجح دعائي فيك يا خير من  يدعى
صدعت وأنـت المستغات جنابــه           أقل عثرتي يا ماملي ومجبر الصدعا
ولما تمكن السلطان المخلوع محمد الغني بالله من استرداد عرشه، على نحو ما تقدم، نظم ابن الخطيب، وهـو ذاك بمدينة سلا، قصيدة عصماء ضمنها عواطفه وولاءه لملكه يقول فيها:
وإذا استحـالت حالــة وتبدلـت              فالله عـز وجــل لا  يتبــدل
واليسـر بعـد العسر موعـود به             والصبر بالفـرج القريب موكـل
ثم نراه متوسلا إلى النبي المصطفى  الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم، فيقول مناديا:
أمحمـد والحمــد منـك  سجيـه              بحليهـا دون الـورى تتجمــل
ولك السجايـا الغــر والشيم التي           بغريبهــا يتمثـــل المتمثـل
ثم يقـول:
تـاب الزمـان إليك مما قد جنـى            والله يأمـر بالمتــاب ويقبــل
إن كان ماض من زمانك قد مضى         بإساءة قـد سـرك  المستقبــل
واللـه قــد ولاك أمـر عبــاده               لمـا ارتضاك  ولايـة لا تعـزل
وإذا تغمـد الإلــــه بنصــره                وقضى لك الحسنى فمن ذا يخدل؟
لله موقفـك الــذي وثباتــــه                 وثباتـه مثــل بــه  يتمثـل!
وهي قصيدة طويلـة رائعة، كما يقول الشاعر كلها درر وفوائد.
هـذا ولما اضطر ابن الخطيب إلى مغادرة بلاد الأندلس من النكبة الأولى التي أطاحت بالسلطان أبي محمد عبد الله الغني بالله، كـان قد قرر الاستقرار بمدينة سلا،  كمـا ألمحنا إلى ذلك آنفا، انقطع لخدمـة ضريح أبي الحسن المريني ملتمسا شفاعته لدى ولـده أبي سالم كيمـا يواصل النعمة التي كان ينعم بها عليه، ويسترسـل في تقديم الجـرايات التي كان قد أمر بهـا إليه وذلك عن رسائـل كان يوجهها باسم الوالد إلى ولده ولا ينفك يختتمهـا بقصائد نقتطف من إحداهـا هذه الأبيات:
عـن باب والدك الرضا لا ابـرح        ياسـو الزمان لأجل ذلك ويجرح
ايسـوغ عن منواه سيري خـائـبا        ومنابـر الدنيـا بذكـرك تصدع؟
أنـا في حماه وأنت  أبصر بالـذي       يرضيه منك، فـوزن عقلك أرجح
وعسـى الذي بـدا الجميل بعيـده        وعسى الذي سـد المذاهب بفتح ! 
وابن الخطيب الذي عرف بتهافته على حب الدنيا نراه لا يتدرع بالصبـر في انتظار الجواب عـن رسالته الأولى، لكنـه يزدادا  إلحاحا في الطلـب بإضافـة قصيدة للكتاب الأول كأنه يستعجـل الجواب، فيقول:
مـولاي ها أنــا في جـوار أبيك        فابــدل من البـر المقـدر فيك
اسمعه ما يرضيـه من تحت الثرى    والله يسمعــك الـذي يرضيـك
* * *
وإذا قضيت  حـوائجـي وأريتنـي     أملـي فربـك مـا أردت بريكـا
أضفـى عليـك الله ستر عنايــة        من كـل محدور الطـرق يقيـك
ببقـائك الدنيـا تحـاط وأهلهــا          فالله جــل جلالــه  يبقيكــا
وسبق لابن الخطيب أن مدح الشيخ ابن البطـان الصنهاجي، فقال فيه هـذا البيت الرافع:
إن كـان في الدنيـا كريـم واحـد       يزن الجميـع فأنت ذاك  الواحـد
ولعل أن ابلغ ما ترك لنا لسـان الدين بن الخطيب في باب الإنشاء والكتابة، تلك الوصيـة الخالدة التي وجهها لأبنائه الثلاثـة، علي، وعبـد الله، ومحمد لما أحس بدنو أجله، وقد علم ـ كما قال ـ بأن أدوات السفر تجمـع، ومنادي الرحيل يسمع، والوصيـة عبارة عن قطعـة أدبية قليلة المثال بما حملتـه في طيهـا من شعور ديني  فياض يعطيـك الدليل على مـا كان يتمتع به صاحبهـا من إيمان قوي، راضيا بكل ما كتب الله له، وهو الذي يعلم أكثر مـن غيره أن الدنيا دار ممر وأن الآخرة، دار المقر وهي خير وأبقى لمن اتقى.
فهذا ابن الخطيب يوصي أولاده العزيزين بما أوصـى به لقمان ولده، إذ قال له وهو يعظـه:
«يا بنـي، لا تشرك بالله، إن الشـرك لظلم عظيم، يا بني، أقم الصلاة وأمر بالمعروف ، وانه عن المنكـر، واصبر على مـا أصابك، إن ذلك من عـزم الأمور؛  ولا تصعر خدك للنـاس، ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور... يا بني،  إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتـن إلا وأنتم مسلمون... ». جاءت وصية ابن الخطيب هـذه وصية مبوبـة أحسن تبويب، مرتبـة أحسن ترتيب بحيث ما غفلت عن ذكـر باب من الأبواب أو موضوع من المواضيع التي تتوقـف عليه حيـاة الإنسان حتى يضمن لنفسه السعـادة في الدنيـا والآخرة، والذي يعـود إلى مراجعـة هذه القطعة الأدبية يرى أنها آية الفصاحـة والوضوح، طافحـة بإيمان قوي عريض من رجل ملأ الدنيـا بالأعمـال الصالحـات، وها هو الآن آيب إلى ربه الكريم،  مفتقـر إلى عفوه ورضاه! يقدم لفلذات كبده صادق النصح وخالـص الإرشاد، داعيـا لهم بالتوفيق وراجيـا من الله عز  وجـل أن يهديهم سواء السبيل! ونراه يحثهـم بادئ ذي بدء على التمسك بأهـداب الدين الحنيف والشريعـة الإسلاميـة السمحة؛ فلا  تستميلنهـم الدنيا وبريقها عـن العمل بأوامر الدين القويم؛ فيقـول لهم بأسلوبه الفخم القوي الفصيـح: «بل دونكـم عقيـدة الإيمان حتى تعضوا عليهـا بالنواجـد والتمسك بكتاب الله وتلاوتـه؛ وتفكروا في آيـاته وامتثلوا أوامره؛ ثم الصلاة والطهـارة والزكاة ـ حق الله في مال من اغناه، وصيام رمضان، عبـادة السر المقربة إلى الله زلفى، والجهـاد وهي أعمدة الإسلام»، ثم أنه يحض أبناءه على طلب العلم والتمسـك بالصدق، والحرص على التحلـي بالأمانة في كل شيء مع اجتناب الزنـا والخمر؛ وبعـد ذلك يقول: لا تقربوا الربا وإيـاكم الظلم فهو ممقوت بكل لسان، واطرحوا الحسد، واجنحوا إلى الخـوف من الله عز وجـل، هذه أسعدكم الله وصيتي التي أصدرتهـا وتجارتي التي لربحكم أدرتها؛ فتلقوهـا بالقبول لنصحهـا والاهتداء بضـوء صبحها؛ وبقدر مـا أمضيتم من فروعها، واستغشيتم مـن دروعهـا، اقتنيتم من المناقب الفاخـرة، وحصلتم على سعـادة الدنيا والآخـرة؛ فاعلموا أن تقوى الله فذلكـة الحساب، وضابط هذا الباب؛ فأبدينا منـاخ ارتحال، وتأميل الإقامـة فـرض محال، فالموعـد للالتقاء دار البقاء؛ والسـلام عليكم مـن حبيبكـم المودع ورحمتـه تعالى وبركاته».
وغني، عن البيان أن الوصيـة، كما ترى، مليئة بالحكم، طافحـة بالوصايا الثمينـة لمن شاء أن يعمل بها ليسلك بنفسه إلى بر السلامـة والنجاة.
يؤخذ إذن من كـل ما سبق أن الآثـار التي ترك لنـا ابن الخطيب تؤكـد بوضوح ما  كان يتصف به هـذا العلام الجليل من قوة إيمان، وصلابـة عقيـدة، وعلم واسع غزير، فقد كـان قدوة للغير في كل شيء ، ولم يكن الحد، مهما علا شأنـه أو نمت معارفه وانتشر صيته في المجتمـع الإسلامي بالأندلـس أو المغرب، أن يلقنه درسـا في موضوع الحمية الوطنيـة أو الغيرة الدينية ، ومع ذلك فقـد تعرض، كما سبقت الإشـارة إلى ذلك، لمقاومـة عنيفة ـ سنحاول الاطلاع على بواعثها في طي هـذا الحديث ـ من طرف خصمين لدوديـن هما القاضي أبو الحسن النباهـي والرئيس أبو عبد الله أبو زمرك،  ومن المعقول أن نتوقف ولو قليلا عند هاتيـن الشخصيتين المرموقتين للتعرف  على الأسباب التي دفعتهما إلى مقاومـة ابن الخطيب مقاومـة عنيفة شديدة أدت إلى مقتل هـذا العالـم الجليل؛ مع أن القاضـي النباهي كـان يعد من ذوي  المروءة والإحسان؛ قال فيه القاضـي المؤرخ أبو عبـد الله بن أبي عسكر: « هو من حسباء مالقـة وأعيانها وقضاتها؛ بيته بيت علم وقضـاء وجلالـة، لم يـزالوا يرثون ذلك كابرا عن كابر». وقـال فيه ابـن الزبير:                
«كان طالبـا نبيلا من أهـل الدين والفضل والنهـى والنباهة». وإذا كانت هذه حـال هذا القاضي الورع، فالسؤال المطروح هو لمـاذا حشر أنفه بمساعـدة ابن زمرك في خصومة ذهبت به إلى المشاركة في قتل عالم من علماء الأندلس الأجـلاء، لا لعلة واضحـة أو لسبب معقول؟ الم يعلم فقيهنـا النبيه أن مشاركـته في قتل ابن الخطيب تورثه لا محالة، وهو المطلع على أحكام الدين، عقابا لا مثيـل له من الله عز وجل الذي قال في محكم كتابه: « إن من قتل نفسا بغير نفـس أو فساد في الأرض فكأنما قتـل الناس جميعا؟»، ثم أن النباهـي لا يقتصر على اتهام موكلنا بالزندقـة، بل يواخـذ عليه فراره من الجزيرة كأنه يخاف أن يلاحقه عار تلك الجرائم التي يكـون ابن الخطيب قد ارتكبـها من قبل؛ على أن الهجرة لا تكون ـ بحسب قول أبي الحسن النباهي ـ إلا لمكة وطيبـة والقدس، أعاد الله لها سالف عزها! وهـا  هو يعيب عليه تدخله السافر في شؤون قضائيـة لا تعنيه من قريب أو بعيـد، متخذا فيها مواقف، والعهدة في هـذا كله على النباهي، منافيـة للسريعة الإسلامية.
وهنا يحق لنـا أن نسأل حضرة القاضي المحترم عن الأسباب التي منعته من التعرض لابن الخطيب عن أن يحشـر أنفه في أمور كانت فعلا من اختصاص السيد القاضـي وحده؟ فإذا كان ابن الخطيب إذ ذاك من الحظوة والحياة بحيث لم يكن في استطاعـة حضرة القاضي أن يقوم  في وجه ابن الخطيب متعرضا لتدخلاته، فلِمَ لم يتقدم للسلطان بملتمس يرجـو به إعفاءه من منصب لم يعـد بإمكانه القيام به على الوجـه المطلوب؟  ثم إن القاضي أبا الحسن النباهـي يستمر في تعداد مثالب ابن الخطيب ويقول:
« وكلامكم في الهجـو والمدح هو عندي من قبـل اللغـو الذي نمر بـه كراما...! ». يا سبحـان الله!  وهل كان باستطاعة حضرة القاضي أن يمر بذي الوزارتين مر الكرام، كما يقول، يـوم إن كان موظفا متواضعا يكـد ويبذل ما في طاقته ليرضـى عن ابن الخطيب، حتى إذا نكبه الدهـر راح ينعته بالعبث بالإبشار، وهتك الأعراض ، وإفشاء الأسرار، واستعمال المـكر والغدر إلى غير ذلك من التهم الخطيرة...؟ ويمكن القول بأن هـذه التهم الثقيلـة التي الصقهـا القاضي ابن الحسن النباهي برئيسه سابقـا هي التي حملت ابن الخطيب ردا على  ما جـاء فيها من تحامل سافر على أن يفرد تأليفا مستقلا بالقاضي، كلـه دم وتشنيع به سمـاه : « خلع الـزمن في وصف القاضي أبي الحسن»، فيه كـلام لاذع علم القاضي قـدرة ابن الخطيب على الانتقام، انتقامـا مرا من عدوه ، ملقبا إياه بأفحش الألقاب ، وأبشـع النعوت؛ فإذا لم يستطـع صبرا على ما نعته به ابن الخطيب فاللـوم يقع عليه أولا وبالذات لأنه هـو المعتدي، وفي هـذا الموضوع  تقول العرب: «الخير بالخير والبادي أكرم، والشر بالشر والبادي أظلم».
أما ابن زمـرك الأديب النبيه، فلم يكن دون أبي الحسن تعلقـا بابن الخطيب،  في أول الأمر، ولا أقل منه تقربـا واعترافا بفضله عليه؛ ولذلك كـان يقول ـ قبل أن تحل النكبة بأستاذه طبعا ـ : «أنت ولـي نعمتي، ومقوم كمالي»؛ ثم إنه ينعته بأنبل الصفات، ويضيف له أحسن الأخـلاق والعلامـات، بل يزيـد مبالغا في المدح، فيقول:
خليلـي هل أبصرتمـا  أو رأيتمـا        بأكـرم من  يمشـي إليه عبيـد؟
ومما لا شك فيه أن ابن الخطيب كان محسودا على ما كـان يتمتع به من نعمـة ، وما كان ينعم به من جـاء خاصة من أولئك المقربيـن من البلاط الملكي أمثال أبي الحسن النباهـي والرئيس  ابن زمرك واضرابهما الذين ما أن تغيرت الأحوال السياسيـة بالنسبة إليه حتى بادروا إلى طـرح طاعته ومواجهتـه ـ يا للعار !ـ بالعداوة السافـرة... وقل لي بربك، هل يخلو زمن من حساد ومتنكريـن للمعروف؟ كذلك والصديق الصدوق في زمـن ابن الخطيب كان قليلا؛ قال صاحب«نفح الطيب» مؤكـدا على هذا المعنى لمـا سبق:
أبنـــاء دهـــرك فالقهـــم              مثـل العــدا  بـسـلاحكــا
 ولا تغتـــرد  بتبســــــم              فالسيـف يقتـــل  ضاحكــا
وصحيح أن داء الحسد والتنكر أعيى الأول والآخر، إلا أن أمره عظم في الزمان الذي كـان يعيش فيه لسان الدين ابن الخطيب، حيث كثر فيه المزدري والساخـر نتيجـة فساد المجتمع، وتعفن النفوس الحقيـرة والضمائر الصغيرة، وغني عن التوضيح أن عاطفة الحسد جارية متواترة بين الناس، وخاصـة منهم ذوي المناصب والرتب العالية، قال مسهب الحجاري في هذا المعنى، وهو يتحدث عن خصال موسى بن نصير: « كان قد جمـع ـ رحمه الله ـ من خلال الخير ما أعانـه الله به على ما بنى له من المجد المشيد، والذكـر الشهير المخلد الذي لا يبليـه الليل والنهار، ولا يعفن جديده بلى الإعصار إلا أنه كـان يغلب عليه ما لا يكاد رئيس يسلـم منه، وهو الحقـد والحسد، ذلك أن السيد  إذا ترك أضمار الخير والشر والمجازاة عليهما اجترئ عليه، ونسب للضعـف والغفلة، وذلك ما يرويـه لنا التاريخ فيما صدر من غل وحسـد وانتقام من موسى بن نصير تجـاه رفيقه طارق بن زيـاد بعدمـا تحقق لديه فتحه لعدد كبير من المدن الأندلسية، واستئثـاره بالغزو دونه ».
والواقع أن النفوس بقيت عرضـة للحسد والانتقام طيلـة حكم المسلمين للأنـدلس، سواء كان ذلك في أيام الولاة، أو في خلافـة بني أمية، أو انتقلت الأمور إلى ملوك الطوائف حيث تسرب إليهـا الضعف والانحلال نتيجـة تخاذل ملوك المسلمين في ارض الجزيرة... ويعلمنـا التاريخ ـ للأسف الشديد ـ أن تلك الحالة ستبقـى على ما كانت عليه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليهـا وهو خير الوارثين.
ومع ذلك فإن إحسان ابن الخطيب لمن كان يعيش في كنفه كـان معروفا شائعا، بل كـان يعطي إلى حـد أنه كثيرا ما كـان يمن عطاءه على الناس، وكـان يؤمن ـ رحمه الله ـ بأن الإحسان يجر على صاحبه الثناء الجميل، تحقيقا لقول الشاعـر الذي يقول: 
أحسن إلى الناس تستعبــد  قلوبهم           فطالمـا استعبـد الإنسان إحسان
لكن، ذلك لا يكـون عادة إلا إذا كانت النفس التي وقع عليهـا ذلك الإحسان نفسا طيبة خليقة بذلك الإكرام، أما إذا كانت تنتسب لوسط فاسد متعفن فإنهـا لا تلبث أن ترد السيئـة مكان الحسنة.
وهكذا حاول أعداء ابن الخطيب تلويث سمعته، فنسبوا لشيخ وقـور مفتريات من الأقـوال والأفعال ما لهم بها من سلطان، على أنهم لم يقفوا كما لم يقف أحـد من الكتاب والناقديـن في كل ما كتبه هـذا العالم الجليل، وحتى في «روضـة التعريف بالحب الشريف» على ما ينبئ بضعف عقيدتـه، أو ما يبرر الطعـن في إيمانه، على أن «روضـة التعريف» التي يقال عنهـا أنها  كانت مثار هـذه الضجـة المفتعلـة، كان ابن الخطيب قـد فرغ من وصفهـا قبل انتقالـه إلى المغرب بصفة نهائية، وتقديـم هذا الكتاب إلى السلطان محمد الغني بالله ابن الأحمر، فلو كان الكتاب يحتوي حقا على ما من شأنـه أن يقدح في سمعة مؤلفـه، أو  ما كان فيه يسيء إلى أحكام الشريعـة الإسلامية، ما كـان للسلطان أن يتقبلـه بسرور وترحاب، ثم لو كـان فيه ما يثيـر الشبهـات حول أخلاق ابن الخطيب وعقيدتـه أكان باستطاعـة خصومـه ـ قاتلهم الله ! ـ أن يكتموا عنه ذلك؟ .
وبالرغـم مما قيل وكتب في حق ابن الخطيب،  فهل أن الضجـة الكبرى التي أقامها أعداؤه عليه تفيـد أنه كـان منزهـا عن كل عيب، بعيدا عن كل نقيصـة نسبت إليه؟ أو أنـه مات ـ رحمه الله ـ بريئـا من كل سوء ، ليس عليه عتب ولا ملام؟ وإذا كـان القوم بمـا فيهم الأصفياء والخصوم يعترفـون له بلا جـدال بما أبداه دائمـا من تحمـس في الدفـاع عن أرض الوطن وحـرص على التمسك بالقوانيـن التي تحفظ كيان الدولة، فإنهم يعيبـون عليه مـع ذلك تهافتـه على متاع الدنيا، وحرصـه الشديد أيضا على جمـع المال بأي وسيلة كانت، من ذلك أنهـم كانوا ينشرون عنه أنه مـا وطئت قدمـاه بلاد المغرب ـ بعد النكبـة التي أطاحت بالغني بالله ـ حتى جعل يكاتب أبا سالم المريني ليتفضـل عليه ببعض الاقطـاع، مع الإشارة عليه بإلحاح إلى رغبته في توظيف أولاده بالبـلاط المريني.. هـذا وأن حب ابن الخطيب للمال والعقـار شيء معروف وطبيعي، ذلك أن النفوس البشريـة تعتقد ـ إلا من شـاذ، والشـاذ لا حكـم له، كما يقـول الفقهاء ـ إن الاستقلال الحقيقي بالنسبـة للناس في كل زمـان ومكـان، لا يقاس، ويا للأسـف!، بما يحملونه من علم ومعرفـة، أو ما يتمتعون به من حنكـة سياسيـة أو سمعة طيبـة حميدة، بل بما يقـع تحت أيديهم من مـال واسع عريض يجعلهم في غني عن النـاس ومأمـن من تقلبات الزمان، وهناك شيء آخـر كان يعاب على ابن الخطيب  هو اعتداده بنفسه، وترفعـه عن النـاس شعورا بعلو المكانـة التي أدركهـا، والمرتبة التي بلغهـا، والحظوة التي راح يتمتع بها لـدى كافة الملوك والرؤسـاء بفضل مواهبه الفكريـة وجرأته السياسية، وحاشاه أن يكون أقـل إخلاصا من غيره لوطنـه ولا اقل اهتمامـا بشؤون دينه، كما يزعم أعداؤه، لا لشيء  إلا لأنه كان يرى ـ وهو صاحب العقل الواسـع والعلم الغزير أن يحكم في هـذه القضية أو تلـك تجربته العلمية الفائقـة وإحساسه السياسي المرهف عوضا عن أن يميل فيهما إلى تطبيق النص الشرعـي بصورة عشوائية.
وصحيح أن ابن الخطيب كان سليـط اللسان ككل معتـز بنفسه الأمـارة بالسوء، حـاد الانتقاد، فويل لمن تعرض له ظلمـا في الطريق، فإنه لا يبرح أن ينال منه فوق ما يريـد طعنا وتعييرا وتحقيرا.
وغريب أمر هـذا الكاتب البارع كيـف كان يتنكر للمحسنين إليه، وكيف أنه كـان يتقلب مع الزمـان ويدور مع الأحوال، بحيث ما يتغيب وجـه أحد الكبار الذين كان يتعلق بهم انطلاقا من مسرح السياسـة حتى يلتفت إلى غيـره، وإن كـان عدوا للأول، كذلك مـا كان يمـوت السلطان عبـد العزيز المريني الذي كـان قـد التجأ إليه فرارا مـن الأعـداء ، ويثـوى في التراب حتى بعث رسالة تهنئـة إلى أبي حمـو موسى صاحب تلمسـان وخصـم بني مرين الألـد يحمد الله فيها على أن استرد ملكه مـن عـبد العزيز!.
                                                   * * *
ومع ذلك كله، فلا بـد من الاعتراف، في الختام، أن هـذا العلم الغزير، وهـذه البلاغـة الساحرة التي نلمسها في كل ما كتب ابن الخطيب، وكذلك هـذه الحظوة السياسيـة المطلقـة التي بز بهـا أقرانه ومعاصريـه هي التي حركت طبعـا ألسنة الحساد والحاقدين بنشـر ما لا يليق بكرامـة شيـخ وقور، وعالم جليل، وهـي هي التي دفعت بعض أدبائنـا النابهين كالشيخ أحمد بن محمـد المقري للعمل على إنصاف ابن الخطيب من جور الزمان وظلم الظالميـن المعتدين، فاستطاع بفضـل ما جمعه في كتاب  «النفح» و «أزهـار الرياض» من أن يرد كامـل الاعتبار ـ إن صح القول ـ إلى رجل لم يكن فيـه من عيب سوى أنـه حبته الطبيعـة بفكر واسع، وعقل ثاقب ونفس كريمة، وروح جياشـة بالخير، فياضـة بالغيرة الوطنيـة والحمية الإسلامية. وهـذا ما حمل بالذات الشيخ أحمد المقـري على القول إبرازا لهذه المزايـا العلمية الخارقة:
بهـر الأنـام ريـاسة وسياســة              وجـلالة فـي المنتمى والمحتـد
مـا شئت من شـر أرق من الصبا          وكتـابة أزهى من الزهـر الندي
ثم يقول:
ليت شعـري أي العبارات توفـي           واجب ابن الخطيب ممـا أروم ؟
ويتساءل المقـري عن الأسباب التي حملته على الإشـادة بذكر هذا العالـم الجليل، فيقول:
الحفـظ قـد ارتوى مـن معيــن  لصـواب عليه كـل يحـــوم؟
أم  لفهم يستخرج الـدر غـوصـا           مـن بحـار يخشى بها من يعوم؟
أم لفكـر مؤلـف فـي  فنــون               عـن دهـاء به تـداوى الكلوم ؟
أم لنـظم كأنـه جوهـر السلــ..              ـك غـلا قدره على من يسوم ؟
أم لنثـر وافـى بسحـر بيـــان               فهـو كالروح والمعانـي جسوم؟
ثم يختتم هاتـه الشهادة الصـادرة عن أديب معروف بنزاهته العلمية، فيقول:
«لم يكن جمعي، علم الله، هـذا التأليف لرفـد استهديه، أو غرض نائـل استجديـه، بل لحق ود اؤديه، ودين وعـد أقدمـه وأبديه، وتلبيـة داع أحييه وأفديـه »، حتى قال:
إن مـن يرجـو نـوالا ونــدى  مـن بني الدنيـا لذو حـظ غبين
ما لنـا من مخلـص نأتـي بــه             غير جاه المصطفى الهادي الأمين
ومع هـذا كله فلا بـد من الاعتراف بانتصار الباطـل على الحق ولو إلى حين، وتغلب الظلام على النـور، إذ ختمت أنفاس ابن الخطيب بأرض كان يضمر لها الحب العميق، رائيـا نفسه بتلك الأنشودة الموسيقيـة الرائعـة التي يقول فيها:
فقـل للعدا ذهـب ابن الخطيــب           وفـات ومن ذا الـذي لا يفـوت
مشيرا في نفس الوقت إلى مـا جاء من حكمـة شعبيـة على لسان أحمد بن محمد بن خاتمـة الأنصاري فيما يتعلق بصروف الزمان وضربات الدهر الغشوم:
هو الدهـر لا يبقى على عائـد به         فمـن شاء عيشا يصطبـر لنوائبه
فمن لـم يصب في نفسـه فمصابه        لفوت أمانيـه وفقـد  حبائبــه:
وقال أديب ومفكر من أكبر أدبـاء المغرب العربي ومفكريـه، هو مالك بن النبي، وكأنـه يشير إلى عظمـة ابن الخطيب وجلالـة قدره: «كانت ثقافتـه ثمرة جهد متواصـل في وسط منتحضـر متطور، وهبـة من الله الذي يهب الذكـور لمن يشاء كمـا يهب الخلد للأرواح الطاهـرة».

مـراجع هـذا البحث:
1 ـ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب،(ج1 و2، 6)، تأليف الشيخ الحافظ أحمد بن محمد المقري التلمساني ، تحقيق وتعليق محمد محيي الدين عبد المجيد ، نشر دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ القاهرة سنة 1949.
2 ـ أزهار الرياض في أخبار عياض، ج1، تأليف شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني، ضبط وتحقيق وتعليق مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ، شلبي، مطبعة التأليف  والترجمة والنشرـ القاهرة، 1949.
3 ـ الإحاطة في أخبار غرناطة ( ج1،2) تأليف ذي الوزارتين لسان الدين بن الخطيب، تحقيق وتقديم محمد عبد الله عنـان، نشر مكتبة الخانجي ـ القاهرة ، 1973.
4 ـ لسان الدين بن الخطيب: حياته وتراثه الفكـري، تأليف: محمد عبد الله عنان، نشر مكتبة الخانجي، القاهرة ـ 1968.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here