islamaumaroc

المنهج الظواهري في كتاب: الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، تأليف عباس الجراري

  دعوة الحق

العدد 228 جمادى 2-رجب 1403/ أبريل 1983

1. التراث المغربي والتاريخ له:
تتأسس المعرفة الإنسانية من نقطة بدء تمثل الانطلاقة نحو ارتقاب هدف منشود، وإذا كانت تلك المعرفة تتحدد بشروط تؤطرها قوالب، ويحكمها قانون، فإنها لن تمارس فاعليتها إلا في جدليتها مع ماضيها لتفسير حاضرها والتنبؤ بمستقبلها. وما دام الإنسان ـ وقد تجاوز بدائيته ـ قد استطاع أن يكون تاريخا لسلوكه الإنساني يختزل نشاطه الحضاري، فما من شك أن محاولة إلغاء هذا التاريخ/التراث تغدو أمرا مستبعدا، لأنه يحدد هوية الإنسان، ويقنن كينونته عبر آنات الـزمن، ولذلك اهتم الإنسان بتراثه، واعتبره وثيقة هامة في حياته، وسعى للكشف عنـه  بالحفريات والتنقيبات الأركيولوجية، وباقي المحاولات العلمية الأخرى من تحقيق وتوثيق ونشر، ومضى يؤرخ له باعتباره تاريخا يتجاوز الإلغاء.
والبحث في التراث بحـث في الشخصية الإنسانيـة، ورسـم لملامحها، واستجـلاء لأبعـادها، وترق إلى الكشف عـن خفاياها وأسرارها، وتواصـل صوفي ـ معرفي للذات مـع الذوات التي سبقتها ومهدت لها.
والبحث في التراث خـرق لتكلس معرفـة حاضرة لا تعـرف جدورها، ولا تعانق تربتها، ولا تحاصر بالنظر والتجوال مناخها ومحيطها.
والبحث في التراث جسر تلافح بين الماضي والحاضر، ورداء يندثران تحته لتوفير دفء الشخصية والذات.
والبحث في التراث متراس يكبح جماح الصائلين، الجائلين، الراغبين في إحالته مزقا مشردة لنشر التجهيل والتغريب والاحتواء.
والبحث في التراث إثراء للحاضر، واستفادة مـن خبرات الماضي، واعتمادها ـ أحيانا ـ ثارة مساعدة للمرور.
والبحـث في التراث لا يعني اجتراره ولـوكه واستنساخه، لأن النسخـة تظل دوما مشوهة بالقياس إلى المثال، ولأن الاجترار يعني لا تاريخية القراءة، ويعني أن البحـث في التراث احتوى الباحث، وصيره «كائنا تراثيا« بعـد أن كان «كائنا له تراث»(1).
إن البحـث في التراث يقتضي صبرا دؤوبا، وتعاملا رصينا ونظرا ثاقبـا، ونظرة علمية، تتوسل بالمعطيات الموضوعية لاستخلاص نتائج موضوعية بواسطة منهج موضوعي.
وإذا كان التراث الإنساني مشتركا بين الأمم والشعوب، فإن لكل أمة تراثها الخـاص بها، وداخل هذه الأمة يتفرع التراث/الأصل إلى فـروع تكتسب ماهيتها وألوانها من موقعها الجغرافي، وبيئتها الحضارية والثقافية.
والتراث المغربي جـزء مـن تراث الأمة العربية الإسلامية، ينظر إليـه من خـلال قوميته العربية واعتناقه للدين الإسلامي، ورغـم أن طـرق دراسته تتنوع بتنوع الدارسين، فإن الراجـح ـ في نظري ـ أن يتعامل معـه من موقع إقليمي يعتبر نقطة مـن دائرة قطب رحاها: التراث العربي الإسلامي.
وقـد تكونت الدراسات التي تناولته بين قديمة ومحدثة، وتفرعت المحدثة منها إلى عدة اتجاهات تباينت وسائلها، والتقت غايتها الهادفة إلى نشره والتعريف به، لأنه يضم دخائر أضحى الكشف عنها هما معرفيا ملازما لكل مثقف مسؤول.
يقول الدكتور عباس الجيراري: (... ويوم يلتفت إلى هذا التراث بجد وصدق، فتقام للنهوض به بمختلف مرافقه مؤسسات حية ترصد لها مخصصات كافية، ويضيـف فيه علماء قادرون على تنظيمه وفهرسته ودراسته، ويوم يتاح البحث في كل تراثنا بموضوعية وعلم وفكر متحرر من جميع ألوان القيود، يومئذ سيعاد النظر في تاريخنا الثقافي والحضاري، وسيكتب هذا التاريخ من جديد في إطار يبرز الخصائص الحقيقية للذات المغربية ، متخطيـا مختلف الفجوات والحواجز التي تجول دون تكميل ملامح هذه الذات في جوانبها الوطنية والقومية والإنسانية(2).
وقبلـه بنحو ثلاثين سنـة ارتفع صوت الأستاذ محمد الفاسي قائلا: (إن تاريخ الأدب العربي بالمغرب لم يكتب بعد  ولم يطرق أحد هذا الموضوع قط لا من المغاربة، ولا من المستشرقين المعتنين بالدراسات المغربية، فالأولون لأن الطرق الحديثة في البحث والتبويب والنقد كانت مجهولة لديهم، والآخرون لأنهم بدءوا في التعرف على المغرب بالتاريخ والجغرافيا وعلمي الآثار والأنسـاب(3).
وهما شهادتان صريحتان لعالمين تمرسا بالأدب المغربي قراءة وفهما، دراسة وضبطا، وتحقيقا ونشرا، والما بحواشيه وجميع أطرافه، وهما يلتقيان في كون التراث المغربي لم يدرس بعد.
وهذا الالتقاء يولد السؤال الآتي:
ترى هل بقي التراث المغربي دون بحث طوال العقود الثلاثة الأخيرة «أم إن ذلك يسحب على جزء منه» أم المستفاد أن الدراسة العلمية الموضوعية هي المقصودة؟.
إن الأستاذ الفاسي يقول ان تاريخ الأدب المغربي لم يكتب بعد.
والدكتور الجـراري يرى ضرورة الالتفات إلى التراث بجد وصدق.
والدلالة المستخلصة مـن الموقفين أنـه في الثلاثين عاما الفاصلة بين القولتين نظر في ذلك التراث، دراسة وتحقيقا، ولكن ذلك غير كاف ـ في رأي الدكتور الجراري ـ لأنه يربط بين البحث في التراث المغربي إبراز الذات المغربية بكل مقوماتها وخصائصها وسماتها.
أكيـد  أن الدراسات التي حامت حول الأدب المغربي في العقد الأخير، وحاولت محاصرته واقتحامه تتشعب إلى فئة عملت على تلمس مسار يعتمد اللملمة والتجميع  في ظل منهج تاريخي يفرض نوعية التعامل، ويجعلها تركب متن التصنيف، وتتوكأ على تقسيم الأدب المغربي إلى خمسة عصور، كما هـو الحال بالنسبة للعصور الأدبية المؤرخ لها في الشرق(4). ويمثل ذلك كتاب «الأدب المغربي» لمحمد بن تاويت ومحمد الصادق عفيفي في طبعتيه (60/69) حيث أدمج المؤلفان العصر السعدي مع العهد العلوي في الفصل الخامس لجعل العصور خمسة (5)، وبذلك يكون الكتاب تعريفا مدرسيا، و «محاكاة شاحبة جدا»(6)  لتواريخ الأدب في الشرق.
ويضاف إلى ذلك كتاب «الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى» (7)، وقد جنح فيه الأستاذ ابن تاويت أيضا إلى المنهج التاريخي في تناولـه للأدب المغربي تناولا مشبعا بالقراءة البلاغية للنصوص، وهي قراءة تحاور الذاكرة، ولا تحلل النصوص إلا لتقارنها بنصوص غائبة من التراث العربي، مما يعطل فرصة إبراز الإضافات التي قدمها الأدب المغربي للأدب العربي عموما(8).
أما كتاب الدكتور محمد حجي «الحركة الفكرية بالمغرب في عهـد السعديين» (9) ، فإنه وقف عند عصر واحد، هـو العصر السعدي ـ كما يلاحظ في عنوانه ـ وقـد سعى المؤلف فيه إلى الإحاطة بالأدب المغربي في هذه الحقبة، وهي محاولة قاربت كفاية تفسيرية لـه متصلة بالأنتروبولوجيا الثقافية(10)  للفكر المغربي.
ويأتي كتاب «الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية»(11) ليشكل استمرارية للدراسة المتخصصة في عصر واحد، وهو أيضا يتبنى المنهج التاريخي، ويجعل دراسة تاريخ الأدب المغربي مسبوقة  دومـا بتمهيد حول الوضعية السياسية للعصور الثلاثة التي جـزأ بها المؤلف «العصر العلوي».
أربعة مؤلفات سقناها ـ على سبيل الاستئناس والتمثيل لنبين ـ مـن خلالها ـ المناهـج المتوسل بها في دراسة الأدب المغربي، وغير خـاف أن المنهج التاريخي يستبد بالقسـط الأوفر منهـا، ولنوطئ لبحثنا حـول المنهج الظواهري في كتاب « الأدب المغربي مـن خلال ظواهـره وقضايـاه»(12) للدكتور عباس الجراري.

2 ـ حول المنهج الظواهري:
نسأل بدءا: هل يمكـن الحديث عن منهج ظواهري دونما إشارة للخلفية المعرفية والنهجية الناوية خفله؟ وكيف توصل الدكتور الجراري إلى فاعلية هذا المنهج  وإجرائيته من الدرس الأدبي؟ ولماذا انتقل من منهج تاريخي اعتمده في «القصيدة»(13) ورديفاتها من مؤلفاته إلى التوسل بمنهج ظواهري ؟ وكيف تولد لديه هذا الاقتناع؟
ترتسم الإجابة على هذه الأسئلة عبر المحورين الآتيين:
أ ـ يحدد الكاتب في مقدمة «الأدب المغربي» طبيعة المادة المدروسة في علاقتها مع تاريخها الذي عرف (فجوات بين المراحل المتعاقبة (...) وتحول دون وجـود الكيان المتوحد المتكامل عبر التاريخ ... بل إن العهد الواحد قد يشهد توقفات إثر انهيار دولة وقيام أخرى غالبا ما تحاول جهدها لمحو الآثار السابقة (...) ، وهذه ظاهرة تولد نتوءات وتمزقات تمنـع الرؤية الواضحة لتاريخ المغرب(14).
وعلى ضوء ما سبق، لا يمكن دراسة الأدب المغربي وتاريخه توكؤا على منهج تاريخي فحسب، وذلك لعلتين تتمثل أولاهما في أن المنهج التاريخي الذي يسلك مسارا تطوريا لن يكون ذا فاعلية في دراسة تاريخ تتجاذبه الفجوات وتتقاذفه الثغرات، وتتجسد الثانية في كون سبعينيات هذا القرن قدمت دراسات مهمة حول الأدب المغربي، وبذلك أخرجته من العتمة إلى تجليات الدرس مستغلة المنهج التاريخي ـ الوارد آنفا ـ ، والذي يختلف من استعمال لآخر، لكنه يرتبط ـ أساسا ـ بمهمة إخبارية، وبموجب ذلك ، و ـ منهجيا ـ أصبح البحث عن منهج بدليل ينبني على (نظرة فكرية عقلانية)(15) تعطي الأسبقية للتمثل العقلي على النقد الثانوي)(16) ، ويقف (على النصـوص والأخبار لاستنطاقها)(17) ، ويرفض (الأحكام السابقة للنقد)(18) هما منهجيا للمؤلف لأن (المنهج التاريخي في عمومـه لا يسعف في تلبية ما تطمح إلى تحقيقه في مضمار الدرس (19)، ومـن ثمة ينبغي النظر إلى الأدب المغربي مـن خلال ظـواهره وقضاياه داخل إطار إقليمي.
ب ـ الإقليمية في الدرس الأدبي:
لن نقف عنـد «الجدل الصاعد» حول الإقليمية والقومية(20)، ولا إلى الحجج التي يلوح بها كل فريق، ولكننا نشير إلى أن إطار الدراسة عند الدكتور الجراري يتحدد تبعا لشروط إقليمية في الطرح والتناول يختلف عن المحلية، لأنه يسعى إلى لـم شتات الأدب المغربي وتصنيفه، وهي ظاهرة ليست مستحدثة، إذ أن أسـلافنا عرفوها بكيفية أكثر تجزيئا وتفصيلا(21)، على نحـو ما نجد في سلوة الكتاني(22)، واتحاف عبد الرحمن بن زيدان(23)، وأعلام عباس بن ابراهيم المراكشي(24)  ، وهي تآليف في التاريخ لمدينة واحدة والترجمة لصلحائها وأدبائها، بيد أن الدكتور الجراري يتخطى هذه «الإقليمية المدينية» الضيقـة ليعانق مجالا أفسح وأرحب، وهو مجال الإقليمية على مستوى الوطن، يبحث في فكرة ويقارنه بالتراث، ويضع الأصبع على طابعي الإضافة أو التقصير.
إن إقليمية الدرس الأدبي تتم من خلال منظور لا يفرق بين الأدب المدرسي والشعبي، وكأنها تتبنى المدلول «الخلدوني»(25)  للأدب من حيث (اعتباره «الأدب« شاملا لكل الإنتاج الفكري لامتنا دون حصره في نطاق الشعر والنثر الفني كما يحدده الاصطلاح الضيق لمدلول «الأدب»)(26).
إنها الإقليمية تستمد مشروعيتها مـن كون تاريخ المغرب تاريخا متميزا، ومـن كون تراثه مازال متناثـرا، ومـن كون تناوله سيبرز (الخصائص) الحقيقية للذات المغـربية)(27) في زمن تعرضت للاغتراب والتنسيق، والدخول في متاهات حضارية مستوردة.
وهي إقليمية لا تنفصل عن قوميتها، لأنها مرتبطة بها عقيدة وفكرا وتاريخيا، ولأنها من دائرة مركزها: التراث العربي، وبناء على ذلك تبطل المقارنة بين إقليمية الدكتور الجراري ، وبين ما دعى إليه ـ سابقا ـ من تعصب إقليمي يكرس لإحياء ثغرات قبلية ميتة(28).

3 ـ جدلية المنهج والتصور:
لم تعد الدراسة الأدبية فوضى منهجية تتعامل مـع النصـوص بانطباعية وتاثرية وذوقية، لأنها ـ  في عهد تداخل العلوم والفنون ـ غدت مؤطرة بمجموعة قوانين تحدد مسيرتها، وترسم غايتها ، وهي موزعة تتفاوت وتتعد بتفاوت وتعدد ممارسيها، وتلتقي لأنها تتجلى في كونها الوسيلة يتبعها الباحث في دراسته للمشكلة لاكتشاف حقيقتها(29)  (بواسطة مجموعة مـن القواعد التي تهيمن على سير العقل، وتحدد معطياته حتى يصل إلى النتيجة المعلومة)(30) إن المنهج هو ذاته علم لأنه تأسيس للعلم؛ وهذا العلم مسبوق بتصور المعطى المدروس، ومن هنا تبرز جدلية المنهج المنبني على تصـور مـع المادة التي يدرسها، ومن هـنا ـ أيضا ـ يحدد الموضوع منهجـه، ويؤثر المنهج في الموضوع قراءة وتمثلا، وتنشأ جدلية المنهج والتصور، وتلغى الأطروحة القائلية بأسبقية المنهج على التصور.
إن دارس الأدب المغربي لا يحدد المنهج قبل ملامسته طبيعة الموضوع المدروس، ويختلف هذا المنهج من باحث لآخر حسب الموقع الفكري الذي ينتمي إليه، والذي يفرض موقفا يطرح أدواته المنهجية في التعامل الأدبي.
أسبقية التصور على المنهج مفروضة بالبداهة، ومتعلقة بامتلاك كل باحث لنسق فكري ولخط منهجي يوظفهما في الإدراك والتحليل.
والدكتور الجراري يـدرس الأدب المغربي مـن خلال حركيته وفاعليته وتأثيره فـي الواقع والمجتمع. ويدرسه كأداة مـن أدوات التنمية والتحرر للانعتاق من التخلف،  وهذا الدرس يمتلك محددات خمسة:(31).
1 ـ الثقافة هي كل نشاط إنساني.
2 ـ دور الثقافة في تغيير الواقع المتخلف.
3 ـ وهي المنفق لأوضاع بلاده بعمق.
4 ـ جماهيرية الثقافة.
5 ـ توظيف الثقافة الوطنية في التخطيط التنموي.
ونستخلص من هذه المحددات أن المنهج في التصور الجراري يخضع لعاملين:
أ ـ استخدامه في البحث العلمي لإبراز هوية الثقافة الوطنية وسماتها.
ب ـ ارتباط تلك الثقافة بالتغيير.
وهما عاملان يوضحان بعمق كيفية ونوعية انتقال الدكتور الجراري من منهج تاريخي يصف بمعزل عن فاعلية الإنسان فيما يصفه إلى منهج تكاملي يهتم بالظواهر ويحتفل بالقضايا، ويحاول تفسير الأدب المغربي في جدليته مع واقعه، ويبدو أن هذا الاقتناع بضرورة الانتقال يبرره أمران:
1 ـ حيوية الفكر الجراري ورخصته للثبات والتكلس داخل محارة منهج مكرور.           
2 ـ طبيعة المعطيبات الموضوعية.

4 ـ مكونات المنهج الظواهري:
اعتقدنا ـ بدءا ـ إمكانية عقد مقارنة بين المنهج الجراري والمنهج الهوسرلي(32)  Hasserl باعتبارهما يدعوان معا إلى منهج ظواهري، وبعد الاستقصاء والتملي واستعراض خطوط المنهجين معا تبين أنهما ـ معرفيا ومنهجيا ـ يختلفان:
ـ هوسرل ينص وصفيـة الظاهرة،  والجراري يتغبأ تفسيرها.
ـ هورسل يرمي بالتاريخ ويعلقه، والجراري يوظفه في استقصاء جذور الظاهرة.
ـ هورسل يرى النظر في الظاهرة إبرازا للعلاقات المتحكمة دون إدخال أي عنصر خارجي، والجراري يدرسها من الداخل ومن الخارج.
والمستفاد من ذلك أن الظاهرة الأدبية تختلف عن الظاهرة الفلسفية مما يستدعي  ـ تبعا لذلك ـ اختلافا في الرؤية والمنهج، وأي ربط بين الاتجاهين يظل منحصرا في عملية منهجهما.

حـد الظاهــرة:
تعتبر الظاهرة عند الدكتور حسن حنفي (محاولة العثور على كيفية تحويل النص إلى معنى عن طريق منهج في التفسير، وكيفية تحويل المعنى إلى نظرية عن طريق البناء العقلي لها)(33) ويضيف متحدثا عن علاقتها بالتاريخ:
(... لها أصلها في التاريخ الذي أعطاها أساسها، وفي المجتمع الذي أعطاها طبيعتها)(34) ، ويرى الدكتور شكري فيصل أن (الحكم بالرقى والانحطاط، والتقدم والجمود ليس هو الغرض الأصيل من الدرس الأدبي، وإنما الغرض الأصيل شرح الظواهر ودرس النصوص واستكناه ما وراء النصوص من دلائل نفسية تنبئ عن الفرد، ودلائل اجتماعية تشير إلى روح الجماعة، ومعرفة مكانة الثروة الأدبية لعصر من الأصالة والعمق، ومن التمييز والجدة)(35) ، فالظاهرة الأدبية يجب أن تكون أصلا في ذاتها، ثم قـد تتكثف دراستها عن صلتها بألوان من أحداث السياسة، أو أوضاع المجتمع. وقد تكون هذه الصلة قابلة أو فاعلة، قد تكون تأثرا بها أو تأثيرا فيها)(36) وبناء على ذلك يمكن استخلاص ما يلي:
1 ـ تجدر الظاهرة في التاريخ .
2 ـ صلتها بالمجتمع والفرد.
3 ـ رصدها للعلاقة بين المجتمع والفرد
4 ـ استخدامها للنصوص كوثائق أساسية في التعامل.
إن كتاب «الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه بتبني المرتكزات السابقة في قيام الظاهرة الأدبية داخل نظام قائم هو الفكر. ورغم ورودها في سياقات متعددة داخل المتن، فإنها لا تخرج عن ذلك الإطار الذي رسمه لها المؤلف حيث كان يبحث دوما عن جذورها التاريخية عن طريق النصوص المستخرجة من مصادر الفكر المغربي، ويدرسها في صلتها بالمجتمع والفكر ليبين وحداتها من خلال الكشف عن علاقتها داخل نسق مجتمعي/فكري هو: المجتمع المغربي.
ومن ثم كان المنهج الظواهري الذي يقــم بالتكامل، وقد أورد المؤلف في مقدمة الكتاب إشارة يستقي منها أن طبيعة الأدب المغربي فرضت عليه الاستفادة من كل المناهج المتداولة، على نحو ما يشير الدكتور شوقي ضيف من أن (الباحث الأدبي ينبغي أن يستضئ في عمله بكل المناهج والدراسات السابقة، إذ لا يكفي منهج واحد ولا دراسة واحدة لكي ينهض بعمله على الوجه الأكمل. بل لا بد أن يستعين بها جميعا حتى يمكن أن يضطلع ببحث أدبي قيم(37).
ويبدو أن الدكتور الجراري استفاد من معظم تلك المناهج، وركز على اثنين منها:
1 ـ المنهج التاريخي.
2 ـ المنهج التحليل الفتي .
فأما المنهج التاريخي ، فإنه يستغله ـ وكما ألمعنـا آنفا ـ في تعرية جـدور الظاهرة، إذ يعود إلى الماضي ليبحث عبر النصوص المستنطقة، وبين هـوية تلك الجـذور غير مقتصر على الوصف، ولكن مقارب لكفاية تفسيرية لها . وهـو بذلك يعطي حيوية للمنهج التاريخي، ويوظفـه بكيفية مغايرة للتوظيفات التي طبقها على الأدب المغربي بعض دارسيه، وإن كان ـ في الفصل الأول الذي خصصه لـوجود المغرب الحضاري والثقافي في العصر الجاهلي ـ قـد اعتمده بصفة رئيسية لاستيفاء أركان البحث، وليس لمطلب غالي، وغالبا ما كـان ذلك الاعتماد مرتبطا بتقديم النصوص ومعالجتها بنقد خارجي ـ سنـدي وآخر داخلي ـ تحليلي على نمو ما نلاحظ في وفقته عند خطبة طارق(38).
ويتخذ المنهج التاريخي عند الدكتور الجراري من الاستقراء قاعدة له من حيث أنه (استدلال يبدأ بعدد معين من القضايا الجزئية المتعلقة ببعض الوقائع أو الأفراد،  إذ ينتهي إلى قضية كلية تتعلق بكل الوقائع والأفراد من حنس معين)(39). ويفهم مـن ذلك أنه انتقال من الخاص إلى العام. ولعل ذلك يبدو في فصل (وجود المغرب الحضاري والثقافي في العصر الجاهلي)(40) حيث أنجز المؤلف قراءة تاريخية تطورية لتلك الحقبة محاولا لمها في إطـار يعطي لذلك الوجـود مشروعيته الحضارية، ويقدم الثقافة التي عرفها المغرب في العصر الجاهلي.
وقـد يحيد عنه ليستغل الاستنباط باعتباره (عملية منطقية تنتقل فيها من قضايا منظور إليها في ذاتها إلى قضايا أخرى ناتجة عنها بالضرورة ووفقا لقواعد منطقية صرفة)(41) . ونلمس ذلك في الذي عقده المؤلف للمرابطين حيث انطلق من قضية اتهامهم (بالاقتصار على الفقه والجمود عنده ومحاربة سواه)(42) ، ذلك الادعاء الذي روج لـه مـؤرخ موال للسلطة الموحدية: المراكشي(43)، وضخمته «رسالة الشقندي»(44) ، وتبناه المستشرقون المحدثون الذي أنجزوا أعمالا لا ينبغي اعتبارها (دراسات موضوعات) بل (موضوعات دراسات)، أي لا يمكن استعمالها كمراجع علمية(45)  .
إن تلك التهمة الخطيرة التي ألصقت بالمرابطين حفزت المؤلف على اتخاذها منطلقا للوصول إلى «قضايا أخرى ناتجة عنها» تقايلها وتدحضها وتردها بالبرهان العلمي الذي أكد وجود ازدهار أدبي وفكري عند المرابطين، إلا ما كان من أمور تمس الذوق العام.
وأن المنهـج التاريخي عند الدكتور الجراري يتلخص مـن الجمع والتراكم وأوصـف والتصنيف، تلك الحدود التي سيتجه عنـد آخرين، لأنـه لم يعتبره «توقيتا» بـل عاد إليه عـن طريق النصوص، وليس بالإخبار والحكي، واعتبره عامـلا مساعدا للكشف دون استدعاء الأصل . من هنا تبرز جدية التناول، وينبـري ذكاء التوسل، وتنتصب إجرائية المنهج عند الدكتور الجراري.
وأما المنهج التحليلي الفني، فإنه يقـوم ـ عـنده ـ على تفكيك البيئة العامة للظاهرة إلى بنياتها الجزئية التي تمهد ـ انطلاقا منها ـ لاستخراج العلاقات الضابطة لها، والتي يمكـن اعتبارها قانونا يحكم الظاهرة.
ويرى الدكتور حسن حنفي (أن الظاهرة الفنيـة ظاهرة مركبة تركيبا صناعيا يمكن تحليلها إلى عناصرها الأولية حتى يتم توضيحها وفهمها)(46).
لهذا لن نقف على ظاهرة (المولد النبوي في الأدب المغربي)(47) دونما إتيان بالنصوص المؤسسة لها. قد نتفق أو تختلف مع المؤلف حول نمط التعامل والطرح، ولكننا لا نعدو الحقيقية إذ قلنا أنه كان عندها يحاول (الكشف عن مواطن الجمال وعن الدلالات الفنية، وما ينبثق عنها من حرارة يمكن تحسسها على إدراك ما يتكثف تلك الدلالات من مضامين فكرية باعتبار الجانب الفني المتحـور حول اللغة، وبنائها التركيبي ظاهرا يعطي فكرا، أو أنه يعد أولى أبعاد أخرى عميقة. وبذلك تبرز قيمة الإبداع، وتبرز من خلالها كـل الشحنات الشعرية والطاقات الفكرية والمضاميـن الإنسانية والأبعاد الصراعية سلبا أو إيجابا)(48)  وقـد تم هذا التحليل بإيراد مطول لمعظم الشعراء الذين نهجوا تلك السنة سواء بطريقة تعبيرية مدرسيـة أو شعبية مـع توضيح للأبعاد الفكـرية والدينية التي تطفـح بها تلك النصوص،  ومغزى ذلك أن المؤلف لا يتبنى الفلسفة الجمالية(49) خطا منهجيا، ولا يسلك مسار «الفن للفن» لأن الإبداع عنـده يرتبط بالمجتمع لتغيير الواقع. ونستشق ذلك ـ أيضا ـ مـن فصيلة (بوادر التجديد عنـد شعراء المغرب العربـــي) (50) و(الشعر المغربي في عصر النهضة)(51).
ونستشفه ـ أيضا ـ من مناقشته لخطبة طارق، وكيف سلك مسلكين: (أولهما نقد خارجي للخطبة، والثاني نقـد داخلي لها؛ حيث توصل إلى أن أسلـوبها يلتقي مع أسلوب (خطب الأمويين من حيث التأثير على المشاعر، وأثرة العواطف، وللجوء في ذلك إلى الاستفهام والتساؤل والتهني والترغيب واستعمال الألفاظ القوية في الجرس والمفهوم)(52).

5 ـ خـلاصـة:
إننا نعتقد أن المنهج الظواهري عند الدكتور الجراري يسعى لتشييد بناء منهجي تكاملي يتعامل بمرونة مع واقع الأدب المغربي حتى يمكن بحثه ودرسه، وحتى يهيمن عليه، ولا تكون الفجوات التي عرفها تاريخه مدعاة لتراجع البحث العلمي المنصب عليه.
وهذا البناء التكاملي يعتمد أساسين هما:
المنهـج التاريخي والمنهج التحليلي الفني، وقد عرف المؤلف كيف يزاوج بينهما، ومتى يغلب أحدهما على الآخر تحدوه من ذلك رغبة الدرس والبحث و«استكشاف الحقيقة» يزكي ذلك التوثيق العلمي الخطير الذي نهجه بإيراده المصادر والمراجع المعتمدة.
وإذا كـان هناك ذاتي للدكتور الجراري (يتلخص في التجربة الفكرية والنقدية التي (ب) شعر بها من معاناة البحث مع الموضوع مـن ردود فعـل تعتمل في العقل والإحساس بتلقائية وامتــــــــاع) (53)، مع رفض معرفي/منهجي لـ (الأحكام السابقة على النقد)(54) ، فإننا نراه قد حقق جملة أهداف علمية جليلة ندب لها نفسه منذ عشرين عاما.
وتبقى مسؤولية الجيل الجديد من الباحثين مسؤولية تاريخية لإتمام ما بداه الرواد من بحث لتراثنا لكي نؤكد هويتنا، ونبرز خصائص ذاتنا لنفرض «النبوغ المغربي في الأدب العربي (54) خصوصا والفكر العربي عموما.

هوامـــش:
1 ـ الأدب المغرب من خلال ظواهره وقضاياه للدكتور عباس الجراري 1979. ط1. مكتبة المعارف.
2 ـ نحن والتراث للدكتور محمد الجابري ـ 1980 ط & ـ دار الطليعة ـ بيروت.
3 ـ الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية للدكتور محمد الأخضر ـ 1977 ـ دار الرشاد الحديثة ـ البيضاء ط 1.
4 ـ مناهج الدراسة الأدبية للدكتور شكري فيصل دار العلم للملايين، ط 4 ـ مارس 1978.
5 ـ الأدب المغربي لمحمد بن تاويت ومحمد الصادق عفيفي ط 1 ـ 1960 ـ دار الكتاب اللبناني ـ بيروت.
6 ـ مؤرخو الشرق لليفي بروفنصال ـ تعريب عبد القادر الخلادي ط 1 ـ مطبوعة دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر 1977.
7 ـ الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى لمحمد بن تاويت، ط 1 دار الثقافة بالبيضاء 1982.
8 ـ الحركة الفكرية بالمغرب في عهد الدولة السعدية للدكتور محمد حجي، ط 1 مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر 1976.
9 ـ الأترولوجيا الثقافية للدكتور عاطف وصفي ط 1 ـ دار النهضة العربية ـ بيروت 1971.
10 ـ التراث والتجديد للدكتور حسن حنفي ط 1 ـ دار التنوير للطباعة والنشر ـ بيروت 1981.
11 ـ البحث الأدبي للدكتور شوقي ضيف ـ دار المعارف ـ مصر 1976 ـ ط 2 .
12 ـ مجلة الفكر العربي المعاصر ـ عدد 8 و9 ـ 80 ـ 1981.

--------------------------------------------------------
(1)  نحن والتراث للدكتور محمد عابد الجابري ص 9.
(2)  الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية للدكتور محمد الأخضر ص 3.
(3)  الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية للدكتور محمد الأخضر ص 3.
(4)  مناهج الدراسة الأدبية للدكتور شكري فيصل ص 25.
(5)  الأدب المغربي لمحمد بن تاويت ومحمد الصادق عفيفي ص 299ـ 376 والحركة الفكرية الأدبية في عهد السعديين ص 8.
(6)  استعرنا هذه العبارة من ليفي بروفنصال في (مؤرخو الشرفا) عند حديثه عن السعادة الأدبية لابن الموقت ومحاكاتها لسلوة الأنفاس للكتاني ص ـ 275.
(7)  صدر سنة 1982 عن دار الثقافة بالبيضاء.
(8)  قمنا بدراسة نقدية للوافي سننشرها مستقبلا.
(9)  صدر سنة 1976 عن مطبعة فضالة، وهو أطروحة دكتوراه للمؤلف.
(10)  استعرنا المصطلح من كتاب (الأنتروبولوجيا الثقافية) للدكتور عاطف وصفي.
(11)  صدر سنة 1977 عن دار الرشاد الحديثة بالبيضاء، وهو أطروحة دكتوراه للمؤلف.
(12)  صدر سنة 1979 عن مكتبة المعارف بالرباط.
(13)  صدر سنة 1970 عن مكتبة الطالب بالرباط (طبع  بالأمنية ، وهو أطروحة دكتوراه للمؤلف.
(14)  الأدب المغربي ص 3ـ4.
(15)  نفس ص 9.
(16)  نفسه.
(17)   نفسه ص 10.
(18)  نفسه.
(19)  نسفه 8.
(20)  أنظر مناهج الدراسة الأدبية لشكري فيصل ص 157.
(21)  الحياة الأدبية ... للأخضر س 21.
(22)  تفصيل ذلك في الحياة الأدبية للأخضر ص 21.
(23)  نفسه.
(24) 
(25)  مقدمة ابن خلدون ص 1111.
(26)  الأدب المغربي ص 7-8.
(27)  نفسه ص 7.
(28)   تفصيل ذلك عند ألبرت حوراني في: «الفكر العربي في العصر النهضة »_دار النهار للنشر ص 3_1977
(29)  مناهج البحث العلمي لعبد الرحمن بدوي ص 5.
(30)  أصول البحث العلمي ومناهجه لأحمد بدر ص 33.
(31)  مجلة (دعوة الحق) ـ عدد 233 ـ يوليوز 1982 ـ ص 131.
(32)  الفكر العربي المعاصر عدد 8 ـ 9، 1981: (حول مقومات المنهج الفتمولوجي).
(33)  التراث والتجديد لحسن حنفي ص 62.
(34)  نفسه.
(35)  مناهج الدراسة الأدبية لشكري فيصل ص 41.
(36)  نفسه.
 (37)  البحث الأدبي لشوقي ضيف ص 144 ـ 145.
(38)  الأدب المغربي .. ص 39.
(39)  المنطق وفلسفة العلوم لوي بول ص 231.
(40)  الأدب المغربي ص 11.
(41)  مناهج البحث العلمي لعبد الرحمن بدوي ص 83.
(42)  الأدب المغربي .. ص 83.
(43)  المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 172.
(44)  نفح الطيب للمقري ج 3 ص 191 نقلا عن الأدب المغربي ص 110.
(45)  التراث والتجديد لحسن حنفي ص 63.
(46)  نفسه ص 73.
(47)  الأدب المغربي ص 139.
(48)  نفسه ص 9.
(49)  البحث الأدبي لشوقي ضيف ص 118.
(50)  الأدب المغربي ص 169.
(51)  نفسه ص 195.
(52)  نفسه ص 169.
(53)  نفسه ص 9.
(54)  كتاب لعبد الله كنون صدر في طبعته الأولى سنة 1938، وله طبعات متعددة. نال به صاحبه الدكتوراه الفخرية من جامعة مدريد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here