islamaumaroc

أثر الشرق والغرب والإسلام في أدب غوته.

  دعوة الحق

العدد 226 صفر 1403/ دجنبر 1982

    في إطار احتفال العالم بالذكرى المائة والخمسين لوفاة الشاعر الألماني الكبير بوهان فولفغانغ غوته ( 1749 – 1832) التي تصادف هذا العام، رأيت أن أقف عند جانب هام من أدبه، كرس له جهود السنوات الأخيرة من حياته، الا وهو اهتمامه بالشرق عامة، والعرب والإسلام خاصة، حتى ليمكن تصنيفه بين علماء المشرقيات، رغم أنه لم يتقن أية لغة من لغات الشرق كالعربية والفارسية، أما العبرية فقطع في دراستها شوطا لا بأس به، مكنه من قراءة التوراة في لغتها الأصلية، وهو لا يزال في مطلع شبابه.
      كان غوته مولعا بحب التوسع والاطلاع، ولذلك قرأ السيرة النبوية وهو في الرابعة والعشرين، واطلع على القرءان الكريم بترجمة "ماراسيوس" ، وأمعن فيه امعان الاديب والباحث في الأديان، فاصطبغت كتاباته الدينية بصبغة قرآنية، كما سنرى في كلامه عن الله ووجوده، وخرج من هذه الدراسة عازما على أن يؤلف مسرحية شعرية في سيرة النبي العربي، فنظم بعض قصائدها وقسمها إلى  خمسة فصول، يبدأ الفصل الأول بالمناجاة والاعتكاف واستعراض العبادات الجاهلية، وينتهي بالهداية إلى الوجدانية، ويبدأ الفصل الثاني بالدعوة وينتهي الهجرة، ويبدأ الفصل الثالث بالنصر الرابع بالفتوحات وينتهي بالسم، أما الفصل الخامس والأخير فقد تجلت فيه نفس النبي محمد الربانية، بعد أن خير الدنيا، ووصل إلى ذروة الكمال وقمة المثالية.    
     لكن غوته توقف عند التقسيم فقط دون الشروع في هذا العمل الرائد الذي لم يخط فيه شذرات، وظل الحنين يعاوده إليه من حين لآخر، فلما عز عليه انجازه، اكتفى بترجمة رواية " محمد" لفولتير بعد أن تصرف فيها، وأعدها للتمثيل سنة 1800، ثم عكف على مطالعة كتاب " ألف ليلة وليلة"، ودواوين سعدى وحافظ الشيرازي والفردوسي التي ترجمت إلى الألمانية، وأخذ ينظم قصائده على الطريقة الشرقية في معاني الفرس والعرب كما يتخيلها الغربيون، واتصل بالمستشرقين، وقرأ صورا من الأدب العربي – كما يقول طه حسين – وحاول أن يترجم إلى الألمانية أو ترجم بالفعل قصيدة الشاعر الجاهلي " تأبط شرا" المشهورة:
    أن بالشعب الذي دون سلع
                        لقتيلا دمه ما يظل
    وهي قصيدة تعكس روح العصر الذي عاش فيه النبي محمد، وكان غوته قد قرأها في ترجمة لاتينية وردت في رسالة دكتوراه قدمها المستشرق الألماني "فرايتاغ" إلى جامعة " غوتنغن". 

غوته والمعلقات
يبدو من حديث غوته عن المعلقات أنه اطلع على الأدب الجاهلي اطلاعا واسعا، ويصفها بأنهـــــا " قصائد مديح نالت الجوائز في المباريات الشعرية، نظمت في العصر السابق على مجيء النبي محمد، وكتبت بحروف من ذهب، وعلقت على أبواب بيت الله الحرام في مكة، وتعطي فكرة عن شعب بدري راع محارب، تمزقه من الداخل المنازعات بين القبائل التي يصارع بعضها بعضا، وتعبر عن التعلق الراسخ بالرجال الذين من نفس العنصر، وعن الشعور بالشرف والشجاعة، والرغبة العارمة في النار التي يوحي بها الحزن في العشق، والكرم، والإخلاص، وكل هذا بغير حدود، وهذه القصائد تزودنا بفكرة وافية عن علو الثقافة التي تميزت بها قبيلة قريش التي منها النبي محمد، ولكنه أضفى عليها غلالة من الدين، وعرف كيف ينتزع منها كل مطمع في تقدم مادي خالص".
     ثم يقيم هذه القصائد الممتازة التي يعدها كنوزا رائعة، ويصفها بالرفعة والتنوع والسمو، ويقارن بين قصيدة فرجيل الرعوية ومعلقة لبيد الأنيقة الرقيقة التي يشكو فيها من كبرياء الحبيبة ويعدد مناقبه، ويفخر بقبيلته، أما معلقة عنترة فتبدو متكبرة، مهددة، حافلة بالتعبير، لكنها لا تخلوا من جمال في أوصافها وصورها، وهكذا يفعل بالمعلقات الخمس الباقية.

  غوته والقرءان الكريم
يقول غوته عن القرءان الكريم أنه كتاب مقدس نزل على النبي محمد، وهو آية في البلاغة والسمو والإعجاز، يعبر عن المعاني بكلمات قليلة، ويصور الجنة والنار تصويرا رائعا، وفيه آيات تؤدي نفس المعاني، تشعر وأنت تقرؤه بالجاذبية والإعجاب، وفي النهاية يفرض علينا توفيره واحترامه.
   لكن السبب الذي يجعل القرءان على أكبر درجة من الأهمية، وهو أنه ضم اتباع الديانات   الثلاث السائدة آنذاك في بلاد العرب الآهلة بالسكان، وكانوا مختلطين بعضهم ببعض في الغالب، ويعيشون يوما بيوم، ويتجولون كيفما اتفق بغير راع ولا دليل، لان الغالبية منهم كانوا من الوثنيين، والآخرين – من يهود ونصارى – كانت معتقداتهم خاطئة ومبتدعة، وكان على القرءان أن يوحدهم جميعا في معرفة وعبادة الله الواحد الأحد الصمد الذي لا تراه الأبصار، والذي خلق كل شيء بقدرته البالغة، ويمكن أن يخلق ما لم يوجد بعد، الله سبحانه وتعالى الحاكم الأعلى الذي يفصل بين الناس، رب الأرباب، وهذه العقيدة التي وضع بعضها من قديم، والبعض الآخر أحدث، وتجازى بتمثيل الثواب والعقاب الوقتيين أو الأبديين، قد دعتهم جميعا إلى أتباع محمد النبي المرسل من الله، الذي نشر ونصر على الأرض دين الله الحق، بعد النذر المتوالية والوعد والوعيد في العصور السابقة، ونصر هذا الدين بقوة السلاح، حتى يكون الإمام الأكبر والمرجع في الأمور الروحية والزعيم الأعلى أيضا في الأمور الدنيوية.
    ويؤكد غوته أن النور والحكمة لم يبدأ الا بالإسلام، وأن القرءان الكريم يتفق مع مضمونه وعرضه: محكم، سام، يثير الدهشة، ويبلغ قيمة السمو في موضوعات عديدة، ولهذا ينبغي الا يدهش أحد من التأثير الهائل لهذا الكتاب الذي سيظل فعالا إلى الأبد، لأنه عملي في جوهره، ويتلاءم تلاؤما تاما مع شعب يؤسس مجده على تقاليده العريقة، ويظل متمسكا بعاداته الموروثة.
    كان النبي منطقيا جدا في كراهيته للشعر، لانه يحرم كل نوع من أنواع الخرافة، ويحارب الخيال الذي يتذبذب بين الواقع والمستحيل، ويصور غير المحتمل على أنه حقيقي.
     لقد دفعه إعجابه الشديد بالقرءان الكريم إلى ترجمة ست آيات منه، وهي الآيات من ( 74- 89) من سورة " الانعام"، وأكدت هذه الترجمة عمق فهم غوته لاساس الايمان، وتشبعه بمعاني القرءان الكريم وألفاظه، يقول في إحدى قصائده المنشورة في الديوان الشرقي:
لقد جعل الله لكم الـنـجـوم
لتهديكم في الـبـر والبحـر،
وزينة تتمتعـون بهــــا ...
عند ما تنظرون فوقكم في السماء
   فهو بذلك متأثر بقوله تعالى: "وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون".          
  أن الديوان الشرقي أعظم وثيقة عبر فيها غوته عم موقفه من الأديان عامة، والدين الإسلامي خاصة الذي كان معجبا به كما قلنا إلى أبعد الحدود، وقد نظم هذا الديوان تحت تأثير إسلامي خالص تقريبا، ولهذا نرى الطابع الإسلامي غالبا على كل شيء فيه، حتى القصص التي وجدت أصولها في المسيحية، ووردت في القرءان الكريم، لم يشأ غوته أن يأخذها عن مصادرها الأصلية، بل أخذها عن القرءان الكريم، كما فعل في قصة أهل الكهف، وكان يرى أن الاسلام هو الدين المميز الرئيسي للشرق القريب، بينما المسيحية غريبة أكثر منها شرقية.

غوته والإسلام
    وكما كان غوته يظهر اعجابه الشديد بالقرءان الكريم، كان يظهر اعجابه بالاسلام، حتى اعتبره هو والتقوى شيئا واحدا، وهذا واضح من تعريفه للتقوى، مما أدى به القول: "إذا كان الاسلام معناه التسليم لله، فعلى الاسلام نحيا ونموت جميعا".
    لعل السبب في اعجاب غوته بالاسلام هذا الاعجاب الشديد يعود إلى ما رآه فيه من جوانب ايجابية، فهو يميل إلى التسليم، وتوكيد الحياة عن طريق الفعل، ولهذا نراه في كتاب " الخلد" في الديوان الشرقي، لا يعنيه من بين الذين دخلوا الجنة من المسلمين غير الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، فيصور النبي بعد معركة بدر وقد وقف تحت سماء صافية مرصعة بالنجوم يؤبن الشهداء فيقول: "ليبك الكفار موتاهم، فقد ماتوا إلى غير رجعة، أما أنتم معشر المؤمنين، فلا تبكوا اخواننا، لانهم صعدوا الى أعلى عليين في جنات النعيم".
     ثم يصف كيف دخلوا الجنة، وكيف ينعمون فيها وصفا دقيقا، كالوصف الذي ورد في القرآن الكريم، وبنوع خاص في سورتي "الرحمن " و" الواقعة"، ويورد حديثا شائقا بين الحورية الواقفة تحرس باب الجنة، وبين الشاعر الذي يريد دخولها، فتسأله هل هو يشبه المسلمين الحقيقيين الصادقين الذين استحقوا الجنة بجهادهم في سبيل الله، وتقول له: "أ أنت بين هؤلاء الابطال ؟ أرني إذن جراحك التي تنبئ عن المجد والشرف، وأنا أدخلك الجنة"، فإن تشفع للشاعر في دخول قصائده وأغانيه، بل جراحه وما أصيب به من طعنات... وهنا يكشف الشاعر لها عن جراحه في معارك الحرب فيدخل، وهذا مقطع من كلام الحورية في قصيدة " السماح بالدخول":
أنا الـيــوم حـارســة
أمــام بـــاب الفردوس ،
ولسـت أدري جيدا ماذا أفعل
فـأنت تـبدو لي مـربـيـا
            * * *
هـل أنت حـقـا شـبـيـه
بالمسلـمين الصـادقـيـن ؟
هل جهـادك وفضـائـلـك
هي التي بعثت بك إلى الجنة؟
            * * *
إن كنت واحدا من هؤلاء الابطال،
فـــأرني جـــراحـــك
التي تنـبـئ عن أفـعال مجيدة،
وحينئذ أسـمح لك بـالـدخـول
            * * *
 أما " نشيد محمد أو فيض الاسلام" ، فقد نشر لأول مرة بشكل مقطعات يتناوب انشادها الامام علي وزوجته فاطمة بنت الرسول، ثم عاد الشاعر فنشره في الديوان الشرقي غير مقطع الى حوار، وجعل عنوانه " نشيد محمد "، وهو وصف لسرعة ذيوع الدين الاسلامي في العالمين، وهذا مقطع منه ترجمه عبد الرحمن صدقي:
    انظر الى يتبوع الجبل جائثا صافيا، كأنما هو فوق السحب شعاع درى، وقد أرضعت ملائكة الخير طفولته في مهده، بين أفلاق الصخور المعشوشبة.
انه ينحدر من السحابة فتيا نميرا على صلد الجلاميد، ويتنزى منها جذلان فرحا الى العلا.  
انه يسيل في وعر الاخاديد، يجرف أمامه الحصباء التي لا تحصى، ويسحب في أثر أقدامه العجلى اخوة من العيون الثرارة، كأنه المرشد الامين.....     

غوته والشرق
على أثر مؤتمر فيينا، وهزيمة نابليون الأول في معركة "وأترلو" عام 1815، ونفيه إلى جزيرة "اليا " في عرض البحر، تحول غوته عن أوروبا تماما، وتركها وراء ظهره، وراح يلتمس وحيا جديدا ومثارا جديدا للخيال والشعر، بأن أخذ يدرس أدب الشرق، وبنوع خاص الادب الفارسي والعربي، فاستهواه شعر حافظ الشيرازي المترجم الى اللغة الألمانية، ويستعين ببعض المستشرقين للاستزادة من هذا البحر الفياض، وهكذا أقبل – وهو شيخ في السادسة والستين – اقبال التلميذ على دراسة القرءان الكريم، وكان اعجابه به لا يحد كما ذكرنا، رغم الترجمة التي افقدته الكثير من موسيقاه وبلاغته وروائه وسحره، فكيف لو أتيح له أن يقرأه بالعربية؟
    كانت ثمرة هذا الجهد ديوانا ضخما أسماه " الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" نشره عام 1819، وضمنه كثيرا من الصور الشرقية مرسومة بريئة غريبة، وقد أضاف الى القصائد شروحا يصف فيها حالة الشرق وتاريخه.
    اشتمل الديوان الشرقي على اثني عشر بابا هي: الشادي، وحافظ، والحب، والتأمل، والحزن، والحكم، وتيمور، وزليخا، والحانة، والامثال، والفرس، والفردوس، وحاول في جميع هذه الأبواب أن يقتدى بالشرقيين في مذاهب الغزل ومذهب التصوف، فتخذ رائده في المذهبين شعر حافظ الشيرازي الذي يراوح فيه بين عزل الحس وغزل الروح.
   يمثل الديوان الشرق كما يراه خيال شاعر الغرب من بعيد، ولا يمثل الشرقيين كما يراهم الشرقيون الا على سبيل الاتفاق، وقد راق لغوته أن يسم الديوان بالسمة الشرقية في شكله ومضمونه، فجعل له غلافا عربيا مزخرفا بالنقوش العربية، وكتب في أوله تحية شعرية ترجمها له المستشرق سلفستر دي ساسي بالكلمات الآتية: " يا أيها الكتاب سر الى سيدنا الاعز فسلم عليه بهذه الورقة التي هي أول الكتاب وآخره: يعني أوله في الشرق وآخره في الغرب" ويشير بذلك الى كتابه الشرقيين من اليمين الى الشمال، وكتابة الغربيين من الشمال الى اليمين، فتحيته هي الاول والآخر، لانها تأتي في أول الكتاب عند الشرقيين، وفي ختامه عند الغربيين.
   لقد أراد غوته أن "يستشرق" ما استطاع أثناء نظمه لهذا الديوان، فكان يقرأ الاشعار الشرقية، وينسخ الخطوط العربية، ويحس انه في هجرة دائمة الى الشرق، كما قال الشاعر الألماني "هيني".
يقول غوته في قصيدة " هجرة ": 
    الشمال والغرب والجنوب تتحطم وتتناثر والعروش تئل، والمماليك تتزعزع وتضطرب فلتهاجر اذن الى الشرق الطاهر الصافي كي تستروح جو الهداة والمرسلين.... 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here