islamaumaroc

القراءات القرآنية واللهجات العربية -9-

  دعوة الحق

العدد 226 صفر 1403/ دجنبر 1982

35-ربيــون :
تهمنا هنا "ربيون" المقروءة بالضم، ومعلوم أن قبيلة تميم العريقة في البداوة هي التي تنطق بها بالضم، لان الضم يناسب خشونة القبائل التي لم تهذب الحضارة طبائعها كقبيلة تميم.
وغريب أن يعتقد الإمام أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي في كتابه " المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" أن الفتح في راء "ربيون" لغة لتميم (1)، ويزيدنا غرابة حين يقول أنه ينقل هذا عن ابن جني، وابن جني براء من هذا، لانه ينص في كتابه " المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والايضاح عنها(2) أن الضم في "ربيون" تميمية، وقبلها نص على قراءة الفتح المعزوة لابن عباس رضي الله عنه.
لكن الأغرب من هذا كله الا يتنبه لهذا الخطأ البشع محققو المحرر الوجيز، وكم من مرة طلبت، على صفحات هذه المجلة، من محققي هذا المؤلف العظيم التروي فيما ينشرونه على الناس.
الغرناطي – وما ادربك ما أبو حيان الغرناطي – ينقل نفس الشيء في كتابه "البحر المحيط" ناصا، هو أيضا، على أن الفتح في "ربيون" لغة تميم(3).
سيكون جوابي، ان فعلوا: ان أبا حيان، رحمه الله، ينقل نقلا عن ابن عطية، ينقل الخطأ والصواب على حد سواء، أما نحن الآن فلا يليق بنا، بتاتا، وبحال من الأحوال، الاكتفاء بالنقل عن الوسيط واعتماده حجة، لا سيما اذا كان الاصل، الذي يجب أن يعتمد عليه الكل، موجودا منشورا نشرا واسعا عاما، مثل كتاب المحتسب لابي جني.
اقول ان الذي يهمنا هو "ربيون" بضم الراء لانها تناسب  نطق قبيلة تميم التي اهتم بها الآن، قرأ بها مضمومة الراء كل من علي وابن مسعود وابن عباس وعكرمة والحسن وابو الرجاء وعمر بن عبيد وعطاء بن السائب.
اعتقد أن الذي كان له الفضل في غزو كل قراءة شاذة لاهلها هو ابن حني في كتابه العظيم المحتسب، لا كما (يعتقد كثير من الناس) أستاذه أبو علي الفارسي، لان هذا لم يترك لنا، في هذا الميدان، الا الحجة في علل القراءات السبع(4).
لهذا سنرى في جميع التفاسير التي تورد أسماء القراء المهتمين بالقراءات الشاذة نفس الاسماء التي أوردها أبو الفتح عثمان بن جني مرتبة، دائما، كما رتبها، نرى ذلك في المحرر الوجيز لابن عطية، وفي الكشاف للزمخشري، ودائما في البحر المحيط لابي حيان الغرناطي، وفي بعض الاحيان في "الجامع لاحكام القرءان" للقرطبي.
أقول هذا حتى لا يعتمد من لا صلة له بفن القراءات ويجرؤ فيتطاول عليه، ان أسماء القراء المذكورين في البحر أو في المحرر الوجيز أو في غيرهما هي من صنع هؤلاء المفسرين، جمعوها بكدهم واجتهادهم، وعليه، يجوز في نظر هؤلاء أن يكونوا مصادر ثقة يعتمد عليها، في حين أنهم ليسوا الا وسطاء يخطئون ويصيبون.
وهناك طبعا قراءتان أخريان:
أ‌) قراءة متواترة، وهي القراءة الوحيدة التي يتعبد بها في هذه اللفظة، هذه القراءة هي "ربيون" بالكسر، قرأ بها السبعة وجماعة من الناس.
ب‌)  قراءة شاذة، هي القراءة بالفتح، لم يقرأ بها الا ابن عباس فيما رواه قتادة عنه، أقول شاذة رغم ان الفتح هو القياس، لان "ربيون" المفتوح الراء منسوب إلى الرب.
 حان الوقت أن نضع السؤال الآتي: ما هي هذه اللفظة؟ وما أصلها؟.
  قال الاخفش الاوسط مجيبا عن هذا السؤال: " وقوله (ربيون)، يعني الذين يعبدون الرب تعالى، وواحدها "ربي"(5)، وافقه على ذلك اسماعيل بن حماد الجوهري فقال صحاحه: " والربي: واحد "الربيين"، وهم الالوف من الناس" (6)، ولكن أحسن من جمع الاراء في هذه اللفظة، بشكل علمي دقيق، هو أبو منصور محمد بن أحمد الازهري الذي قال: " والأربة: الجماعات، وأحدتها: ربة، وقال عز وجل: (يذكر الآية أعلاه) ، قال الفراء: الربيون: الآلاف، وقال أبو العباس أحمد بن يحيى، قال الاخفش: الربيون منسوبون إلى الرب، قال أبو العباس: ينبغي أن نفتح الراء على قوله، قال: وعلى قراءة القراء من "الربة" وهي الجماعة...."(7)
 
    تكون القراءة بالكسر، اذا اعتبرنا قول الاخفش الاوسط قياسية هي أيضا، لان "ربيون" المكسور الراء منسوب إلى "ربي"، قال الخليل شارحا هذه اللفظة: "الربي الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء، وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية لله تعالى(8)، وكلهم كما نلاحظ ينسبونه إلى "الربة" بضم الراء وكسرها ومعناها "الجماعة".
    نجد هذه اللفظة قديما عند الآراميين أنهم يقولون عن جماعة كثيرة من الناس (Rebairto (9      هذا ولقد أخبرنا جلال الدين السيوطي في كتاب " المهذب فيما وقع في القرءان من المغرب" نقلا عن أبي حاتم اللغوي في ككتابه "الزينة: أن هذه اللفظة سريانية(10).

   36- الرسل (بضم مسكون):
   لا أستبعد أن أجدا يوما "الرسل" التي تقرأ في المتواتر بضمتين متتابعتين مقروءة في الشاذ بضم فسكون حسب نطق لغة بكر بن وائل التي تشاركها تميم فيه.
  يقول أبو الحسن علي بن اسماعيل المعروف بابن سيدة في كتابه:(11) :"واذا تتابعت الضمتان خففوا أيضا وكرهوا ذلك كما يكرهون الواوين وانما الضمتان بين الواوين، وذلك قولك الرسل والطنب والعنق..." .
   سأعود لهذا الامر الذي يسميه بعض بالاقتصاد في النطق، وبعض آخر بالاشتراك الصوتي، وبعض ثالث بالمجانسة الصوتية، سأعود إليه لوفيه حقه من البيان في مناسبة أخرى قادمة، بحول الله.

37- رغــدا 
 وردت هذه اللفظة "رغدا" مشكولة على طريقة نطق لهجة تميم، أي بتسكين الغين(12)، في آيتين كريمتين من سورة البقرة.
 وردت الأولى  في قوله تعالى: ": وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجره فتكونا من الظالمين"(13).
   ووردت الثانية في قوله تعالى: " واذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين"(14).
   في هاتين الآيتين نكتة لا بد من ذكرها هنا، تتميما للفائدة، وهي نكتة تبين جمال نظم القرءان المعجز، نحن نعرف ان للآية الأولى أعلاه اختا لها مذكورة في سورة الاعراف هي :" قال اخرج منها مذموما مدحورا لمن تبعك منهم لآملأن جهنم منكم أجمعين، ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين"(15) لم يذكر فيها الحق سبحانه وتعالى اللفظة " رغدا" لا على صيغتها الحجازية بالفتح ولا على صيغتها التميمية بالسكون، وان للآية الثانية أخت لها في نفس السورة الاعراف هي: " واذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا..(16) ، لم يذكر فيها الحق سبحانه وتعالى اللفظة "رغدا" لا في صيغتها الحجازية ولا في صيغتها التميمية.
    ولذكرها في البقرة سبب، ولعدم ذكرها في الاعراف سبب آخر، يذكر الحق سبحانه وتعالى "رغدا" في البقر، لان الآيتين مبدوءتان بقوله "قلنا"، ولا يليق بالضمير العائد إلى ذاته الا لفظ التعظيم "رغدا".
   أما الآيتان الاخريان المذكورتان في سورة الاعراف فلم تبدأ الأولى منهما الا بـ "قال" المسند للغائب، ولم تبدأ الثانية الا بـ "قيل" المبني للمجهول، لذا لم يكن في حاجة إلى ذكر لفظ التعظيم "رغد".

(1)  المحرر الوجيز، الجزء الثالث، صفحة 255.
(2)  المحتسب، الجزء الأول، صفحة 173.
(3)  التفسير الكبير المسمى بالبحر المحيط، الجزء الثالث، صفحة 74، السطر :20.
(4)  طبع بالقاهرة سنة 1965 بتحقيق الاستاذ علي النجدي ناصف وعبد الحليم النجار وعبد الفتاح شلبي.
(5)  معنى القرءان للاخفش،  الجزء الأول،  صفحة 217 من الطبعة الثانية، الكويت 1401 هـ(1981 م).
(6)  الصحاح، الجزء الأول، صفحة 132 العمود الثاني.
(7)  تهذيب اللغة، الجزء الخامس عشر، صفحة 178، العمود الأول من الطبعة الأولى بالقاهرة 1967م، تحقيق ابراهيم الابياري.
(8)  الجامع لاحكام القرءان للقرطبي، الجزء الرابع، صفحة 230.
(9)  انظر غرائب اللغة العربية لرفائيل نخلة اليسوعي، صفحة 182، آخر العمود الأول.
(10)  المهذب فيما وقع في القرءان من المغرب لجلال الدين السيوطي، تحقيق الدكتور التهامي الراجي الهاشمي، صفحة 91.
(11)  المخصص، المجلد 14، صفحة 221، باب: "هذا ما يسكن استخفافا وهو في الاصل عندهم متحرك".
(12)  البحر المحيط لابي حيان الغرناطي، الجزء الأول، صفحة 155، السطر التاسع، وصفحة 157، السطر 32.
(13)  الآية 35 من سورة البقرة.
(14)  الآية 58 من سورة البقرة
(15)  السورة السابعة الاعراف، الآيتان 18 و 19.
(16)  السورة السابعة الاعراف، الآية 161.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here