islamaumaroc

أصل الحضارة.

  دعوة الحق

العدد 226 صفر 1403/ دجنبر 1982

   هذه الحضارة الرائعة الباهرة التي ابتدعها الإنسان بعمله، ويسهر على تنميتها وتطويرها باجتهاداته وخيراته وتجاربه المتواصلة لكي يسعد بها في حياته الاجتماعية ويجعل بفضل وسائلها التي لتحسن باستمرار عيشه رغدا وافرا ومزدهرا انما هي في حقيقة أمرها عطاء من عطاءات الله الكثيرة، ونعمة من نعمه العديدة التي يتفضل عز وجل بالانعام بها على خلقه في كل آن من أوان الدهور، وفي كل حين من أحيان العهود والعصور.
     إن العلم الذي ينبثق من العقل المفكر الواعي انبثاقا استلهاميا أو الهاميا، أو يكاد يكونه، هو مصدر الخير في الوجود والحياة.
      ولا خير بدون علم أبدا...واذا أراد أحد أن ينبت عكس هذا فانما يريد أن يثبت أن السراب ماء، وان الوهم حقا، وان الكذب صدقا !
      فالله سبحانه الخالق هو العالم المطلق، ومنه فاض العلم فيوضا غزيرة تدفقت في الوجود والموجودات، وكل شيء خلقه بقدر بعلمه، ويأمر كينونته " كن"، وأودعه علما بمقدار.
    وما دامت الحضارة ناتجة عن العلم الذي أفاضه الله الخالق في الوجود والموجودات فهي بهذا ثمرة من فيض الله العميم، وعطاء من عطاءاته الجلى.
    بعملية تفكير " تاملية" سهلة بسيطة يتوصل الإنسان إلى فهم هذه النتيجة بدون أي عناء فكري، ودونما حاجة إلى وضع الغاز أو افتراضها، ولا إلى مصطلحات يستعين بها في حلها.
    وعليه، فالحضارة الإنسانية في هذه الحياة الدنيا، منذ كانت وعرفت، حضاره الاهية علما (وحيا والهاما وفيضا)، انسانية عقلا ( تفكيرا واستلهاما وبحثا واجتهادا وتوجيها).
     هكذا بواسطة " التلقين" الالاهي المباشر وغير المباشر يهتدي الإنسان إلى العلم وبالتالي إلى الحضارة بالتدريج تبعا لتطوره وارتقائه، وحسب مبلغه من العلم في كل مرحلة زمنية من مراحل مسيرته الحضارية الطويلة في الوجود والحياة.
    ولا ينبغي أن يستغرب الإنسان في أمر "التلقين" الالاهي المباشر، أو غير المباشر فهو، شاء، أم أبى، أحب أم كره، مخلوق من مخلوقات الله، آمن به أو كفر، كونه بأمره "كن" فكان، ونفخ فيه من روحه فكان إنسانا سويا، ووهبه عقلا يتدبر به، ويتفكر، ويعقل.
    الحضارة خبر، وأداة للخير والصلاح والعمران والتعاون والتآخي والسلام، ولكن الإنسان الضال بسلوكه المضاد المنافي للخير، والرامي إلى تحقيق "أطماع" و "أغراض" خاضعة بأساليب معوجة شائنة تهدد أمن الجماعات الإنسانية الآمنة يمكن أن يتجه بها إلى الشر والفساد والهدم والتناحر والخصام، ويستخدمها أداة في الاثم والعدوان.
الإنسان مسؤول عن استخدام الحضارة في الخير والشر، ويحاسب على هذا الاستخدام في الدنيا وفي الآخرة، ويتاب عليه بالجزاء الأوفى، أو يعاقب من أجله عقابا شديدا.
     هنا يتدخل الدين وهو أرفع قانون الاهي ينظم الحضارة في الوجود والحياة فيأمر الإنسان بإيمان بالله وبالخير والمعروف، وينهاه عن الفكر والشر والمنكر، ويعلمه تعاليم الحضارة الحقة ويوصيه بإتباعها.
  الإيمان والخير والمعروف من الله، والكفر والشر والمنكر من الشيطان.
  ومنذ أن اهتدى الانسان إلى العلم والحضارة وجد نفسه أمام طريقين يؤدي كل منهما الى نمط معين خاص من الحضارة:
- الأول : طريق اليمين، يتجه به إلى الحضارة الالاهية الايمانية (1).
- الثاني : طريق اليسار، ينعطف إلى الحضارة الكافرة الملحدة الشيطانية (2)
  روح الحضارة الالاهية الايمانية هو الايمان بالله الخالق، والالتزام بتعاليمه، وبأوامره ونواهيه الواردة في كتبه المنزلة على رسله والتخلق بمكارم الاخلاق، والعمل الواعي لبلوغ أنبل الغايات، وادرك أسمى المقاصد والحياة حياة طيبة.
     و"محرك" الحضارة الكافرة الملحدة " الشيطانية " الكفر والالحاد والجهل بمفهومه الجاهلي السائد في كل جاهلية منذ سيدنا آدم وسيدنا محمد حتى يوم القيامة.
     هذا هو الاصل الذي انطلقت منه الحضارة، وقصة خلق سيدنا آدم محورها.
    أما تجارب الانسان الحياتية (المهنية والتنظيمية والإنتاجية والاستهلاكية) الدائمة عبر العصور، وسعيه الدؤوب المثابر من أجل تأمين عيش رغيد، وحياة سعيدة مثلى في مجتمعات مثالية آمنة مطمئنة في عالم أفضل فقد بدأت من مبدئها العملي التطبيقي لمفاهيمه الحضارية العليا التي اهتدى إليها حسب مبلغه من العلم، وتبعا لاختياره الحضاري بالتلاؤم مع ظروفه المكانية والزمانية.
   وهذه التجارب تقصها كتب التاريخ والحضارات اجمالا أو تفصيلا مبينة نشوءها، وتطورها وارتقاءها ومنجزاتها، وخصائصها، واضمحلالها، وتلاشيها.
   وفي ضوء هذا نستطيع أن نفهم أيضا حقائق الصراعات الحضارية المتلاحقة بين الايمان والكفر، أو بين الخير والشر، أو بين الصلاح والفساد، أو بين النور والديجور، أو بين المعروف والمنكر، أو بين مكارم الاخلاق وأضدادها، أنها صراعات تدور في الحقيقة بين المؤمنين والكفار من أجل سيادة الايمان بالله والحضارة الالاهية الربانية في الحياة، لو هيمنة الكفر والالحاد والحضارة الشيطانية فيها.
     أما الأسباب الأخرى للصراعات الحضارية فهي أسباب شكلية تبريرية (سياسية وادارية ) فقط ليس الا.
   إذن، جوهر الصراع الحضاري دائما هو المواجهة المباشرة أو الغير المباشرة (المقنعة بمبررات خاصة) بين الايمان بالله وبين الكفر به ، أي بين المؤمنين والكافرين.
                                                   *   *   *
 وعليه، الله هو الخالق للوجود والموجودات.
 وفي الوجود تسود حضارة الله الخالق، الحضارة الالاهية الايمانية، حضارة الاسلام الذي أوحاه إلى جميع أنبيائه ورسله من عهد سيدنا آدم الى سيدنا محمد، وهي الحضارة الأصل، الحضارة الأم.
    ومنذ أن خلق الله سيدنا آدام في الجنة، ومنذ عصيان إبليس (الشيطان) أمره الالاهي بالسجود لآدم وأبى، بدأت أيضا الحضارة المضادة، الحضارة المعاكسة، حضارة الكفر بالله، وبجميع القيم العليا، والتعاليم التي أمر بها في دينه الاسلام.
   ومنذ ذلك الحين كان الله وليا للذين آمنوا، وأصبح إبليس (الشيطان الرجيم) وليا للكفر والذين كفروا.
    وجاءت حضارات الكفر "بعبادات" و" طقوس" بديلة كعبادة الكواكب والنجوم وعبادة الأصنام والأوثان، وعبادة الحيوانات والبشر، وعبادات أخرى، وصيغ فكرية متعددة متنوعة تعوض بها الايمان بالله ودينه الحق، ونصوصه وتعاليمه العليا القيمة.
   يتأكد لنا هنا أن الدين هو الأصل الأساسي الجوهري للحضارة الإنسانية على الأرض منذ كان الانسان وكانت الحضارة.
    وقد لعب الدين دورا أساسيا في كل الحضارات.
     وفي غياب الدين الحق، دين الله، الاسلام قامت العبادات الوضعية الكافرة البديلة بدور فعال في الحضارة المضادة المعاكسة.
     وليست هذه العبادات الا تعويضا وهميا سرابيا عن الدين الالاهي الحق، ولذلك يفر منها الكثيرون من أبناء الانسان إلى اللادين لانها لا تقنع لهم أفئدة ولا عقولا، ولا ترشدهم إلى الحقيقة اليقينة.
   وبقراءة تمعنية في القرءان الكريم يتوصل القارئ إلى فهم هذه الحقيقة.
      ولله في خلقه شؤون.

(1) و (2) تسمية طريق اليمن وطريق اليسار واردة في القرءان الكريم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here