islamaumaroc

علامة مضيئة في الفكر العربي

  دعوة الحق

العدد 226 صفر 1403/ دجنبر 1982

 خلوت إلى عبد القاهر الجرجاني اقلب النظر في سيرته الزاخرة واستخرج من فكره الجبار عصارة تطفئ بعضا من الضما إلى القمم الشامخة التي يحفل بها الأدب العربي، فإذا الرجل علم من أعلام البلاغة العربية أوقف حياته معالجا للنصوص الأدبية ينظر في أسرارها نظرا ثاقبا، ويستجلي من بين سطورها صورا مشرقة للبيان العربي في سحره الآسر وطلاوته الرائقة الممتعة.  
   وإذا هو أيضا ممن أنكبوا على النحو يتدارسونه حتى بلغوا به شأوا مما جعل معاصريه يلقبونه بالنحوي ويعدونه من أكابره، ويشهدون له فيه بالغلبة والتفوق، وبالفضيلة التامة حسب تعبير صاحب شذرات الذهب.
   ويرى الدكتور أحمد أحمد بدوي أن العصر الذي عاش فيه عبد القاهر الجرجاني عصر حروب ومغامرات بين طلاب الملك والسلطان في الرقعة الواسعة التي كانت الدولة العباسية تحكمها.
   وتاريخ تلك الفترة مصبوغ بالدماء، ولعل كثيرا من العلماء رأى أن الحياة الهادئة أنما تكون في ظلال العلم، فأخلص لها، وعكف عليها، ولذلك حفظ التاريخ لنا أسماء كثير من العلماء المخلصين في فروع العلم المختلفة في ذلك الوقت.
   وأغلب الظن أن عبد القاهر الجرجاني كان من صنف العلماء الذين فضلوا الحياة الهادئة في ظلال العلم، فمضى منكبا على بعض ألوان المعرفة في عصره مبينا رأيه فيها، فالبيان مثلا بالنسبة إليه بلاغة القول التي تؤثر في السامعين والقارئين، ومن ثمة نجده يصور مفهوم عصره لهذا العلم قائلا:   "أنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبق فرعا، وأحلى جنى، وأعذب وردا، وأكرم نتاجا، وأنور سراجا، من علم البيان، الذي لولاه لم تر لسانا يحرك الوشي، ويصوغ الحلى، ويلفظ الدر، وينفث السحر، ويقرى الشهد، ويريك بدائع من الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، إلى فوائد لا يدركها الاحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء إلا أنك لن ترى على ذلك نوعا من العلم قد لقي من الضيم ما لقيه، ومني من ألحيف بما مني به، ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل عليهم فيه، فقد سبقت إلى نفوسهم اعتقادات فاسدة، وظنون رديئة، وركهبم فيه جهل عظيم، وخطأ فاحش.
   ومثلما نظر في البيان ومحاسنه، فقد شغلته البلاغة ومسائلها مما جعله يورد الونا من التشبيه وأقسامه لم يخطر لابي هلال العسكري على بال، كما أفرد بابا خاصا للاستعارة التصريحية والمكنية، وعرف الاستعارة التبعية في الفعل، مبينا سر الجمال فيها، ومنيها إلى المجاز العقلي في القرءان الكريم ومأثور كلام العرب.
    وإذا كان صاحب الطراز يرى في عبد القاهر الجرجاني دافع علم البلاغة، فان الذي لا شك فيه أن هناك جهودا سبقته، ولكن فضله على علم البلاغة يتميز بكونه أفاض في تحديد المصطلحات الدالة على سمو التعبير، مما يجعله بحق أحد الذين حددوا المنهج في اللغة، وتذوقوها بمستوى رفيع من الفهم والاستيعاب.
     وقد مضى عبد القاهر الجرجاني في شبه ثورة عارمة يعيد صياغه مفاهيم عصره بجرأة الرجل الواثق من نفسه المؤمن باستنتاجاته فتصدى للنجاة ناعيا عليهم فهمهم المغلوط، لوظيفة النحو من ضبط أواخر الكلمات بغير النظر إلى أسرار الكلمات بعضها ببعض، مبينا جهلهم، واضعا أمامهم منهجا قويما للدراسة والاستنتاج تعتبر من المبادئ التي جعلت من عبد القاهر رائدا طلائعيا لا في عصره فحسب، بل في العصر الحديث أيضا.
    ولعل هذا ما جعل الوزير جمال الدين القفطي يترجم له في كتابه "أنباه الرواة" كما ترجم له السيوطي بين النجاة في بغية الوعاة، وترجم له تاج الدين السبكي طبقات الشافعية، كما أرخ له أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي في كتابه دمية القصر، وترجم له أبو البركات عبد الرحمان بن محمد الانباري في كتابه (نزهة الالباء في طبقات الأدباء).
     أن هذا الاهتمام بشخصية عبد القاهر الجرجاني أن دل على شيء فانما يدل على كعب الرجل في أكثر من مجال من المجالات المعرفة، كما أنه يؤكد تضلعه في مختلف الفنون والعلوم، كالنحو، والصرف، والبلاغة، والتفسير، والعروض، والشعر.
   غين أن ما أستأثر باهتمام عبد القادر وملأ عليه فكره هو أعجاز القرءان، فقد برهن في رسالته الشافعية بأن العرب عجزوا عن الاتيان بمثل القرءان لا لان الله صرفهم عن ذلك، ولكن لأنهم وجدوا أنفسهم أمام بلاغة لم يكونوا بقادرين على الاتيان بمثلها، كما أن إعجاز القرءان  ليس في بلاغته، ولكنه في النظم الذي نزل به وهو معجز بنفسه، وبواعث إعجازه كامنة فيه.
    وقد دفعته هذه الرحلة الفكرية – الوحدانية إلى الانكباب على تأليف " دلائل الإعجاز" مبينا بأسلوب بليغ آسر سر النظم، ووجوه الدلالة، رافضا أن يكون الإعجاز بسبب الاستعارة، والكفاية، والمجاز، التي توجد في ثنايا القرآن الكريم، مؤمنا بأن الجمال موضوعي يجب البحث عنه وعن أسبابه، كما أنه مطرد في كل موضع من القول، لذلك على الناقد أن يعلل لكل ما يقوله من أحكام لاستنباط القوانين وفهم الجزئيات لادراك ما في الكلام من جمال وبلاغة.
    كما انشغل عبد القاهر الجرجاني بمشكلة اللفظ والمعنى وإلى أيهما ترجع البلاغة؟ وأفاض في شرحهما أفاضة تنم عن ذوق رفيع وتمكن واسع من اللغة وأسرارها، ثم مضى يبحث في فكرة النظم مفرقا بين الحروف المنظومة والكلم المنظوم، مبينا أن النظم في الألفاظ تابع لترتيب المعاني في النفس، ثم بعد ذلك عالج مشكل النظم ومعاني النحو مبينا أنه من الخطل أن تعرف للفظ، موضعا من غير أن تعرف معناه ألا إذا فرغت من ترتيب المعاني لتضع بعد ذلك اللفظ، في موضعه من الكلام، كما اهتم بعدة قضايا أخرى مثل تطبيق التقديم، والتأخير، والحذف، والفصل والموصل، وغير ذلك من الأمور المتشبعة.
   أن الدلالة الوحيدة التي يمكن استخلاصها من دراسة تلك الشخصية الفذة هو أنها لم تكن شخصية جامدة متحجرة، ولا حافظة مستوعبة، تقترب من اللغة في خوف واستحياء، وإنما كانت شخصية في أقصى غاية الشجاعة والإقدام، رافضة لما تعارف عليه الناس من مناهج وطرائق، مقتحمة للمجاهل عن دراية وتعمق، مقدمة بذلك النموذج الحي للباحث الكفء القدير.
   وستظل اللغة العربية في مسيس الحاجة إلى أمثال عبد القاهر الجرجاني ممن لا يقمعون اللغة في سجون القوالب النحوية الجامدة، والمفاهيم الرثة التي تقتل طاقة الخلق والابداع أو تحد في الآن نفسه من قدرة المشتغلين بها عن الاضافة والتوليد، لولئك الذين يتحدثون عن الفكر العربي طويلا، ولا يقفون عنده الا قليلا.
   وتلك إذن علامة مضيئة في فكرنا المشرق... ما أجدر أن نشير بها في عصر الارتداد اللغوي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here