islamaumaroc

محمد بن أحمد العبدي الكانوني.-9-

  دعوة الحق

العدد 226 صفر 1403/ دجنبر 1982

       سنتحدث  في هاته الحلقة عن القسم الاخير من كتاب آسفي وما إليه وهو القسم المتعلق بالحركة العلمية والعمرانية في هاته البلاد، ولم يكتف في عرضه بتدوين الاخبار وبالحديث عن الآثار، بل كان يتدخل من حين لآخر لابداء رأيه في بعض الجزئيات ولابراز وجهة نظره في بعض المواقف، وساعد القراء بوضوح جدول دقيق للملوك المغاربة عبر التاريخ حسب دولهم المتعاقبة مع ذكر النشاط الفكري والعمراني في كل دولة.
   ومما أثار انتباهه ضعف المغرب في عهد الوطاسيين وسقوط كثير من اجزائه من جراء هذا الضعف في أيدي البرتغاليين الذين تطاولوا على هاته البلاد آنذاك، الشيء الذي دفع بالمواطنين المغاربة إلى العمل من أجل التخلص من هؤلاء الوطاسيين الذين لم يستطيعوا الدفاع عن حوزة الوطن، فأدى ذلك إلى تأسيس دولة السعديين أولا ثم إلى تأسيس دولة العلويين بعدها، وأشار الى      أن دولة العلويين قمعت كثيرا من الفتن وعملت على تحرير البلاد، وأبعدت كثيرا من الفتن وعملت على تحرير البلاد، وأبعدت أطماع المستعمرين، ومما قال في ذلك (ص 148) : "أن هذه الدولة وجدت المغرب في القرن الحادي عشر يعاني من الفتن ألوانا ومن الأمراض الفتاكة به صنوفا، حيث انتصب كل رئيس على قمة جبل أو في مدينة ودعا لنفسه وحارب من خالفه، فكان ذلك العصر عصر فوضى وفتن وأهوال كادت تذهب العلم بالضروريات، فضلا عن الكماليات، حتى جاء الله بالسلطان الرشيد، فأخذ العصا بيد من حديد وضرب بها على أيدي أولئك الدعاة، فجمع الله به الشمل بعد التفريق، ورتق به الفتق بعد التمزيق، وتلاه السلطان المولى اسماعيل والمولى محمد بن عبد الله والمولى سليمان والمولى عبد الرحمن، فمن بعدهم حاشا فترات كانت تتخلل هذه المدة كأوساط القرن الثاني عشر، حيث تنازع أولاد المولى اسماعيل على الملك، ولعب عبيد الجيش في ذلك دورا خطيرا نشأ عنه تأخر محسوس، وإلا فقد كان ملوك هذه الدولة ينشطون الحركة العلمية ويسنون لأهلها الجوائز ويرفعون شأن العلم، فكان أدنى ما يعامل به قارئ القرءان أو الضارب من العلم بأدنى سهم أن يعظم ويحترم، ولا يحترم، ولا يعامل بما تعامل به الرعية من أداء المفارم".
    وأثناء حديثه عن النشاط العلمي تعرض الى الطريقة التي أصبحت عليها الدراسة في بعض كتاتيب القرءان، وقال أنها طريقة عقيمة، لأنها تقتصر على تحفيظ القرءان ولا تمزج ذلك بتعليم اللغة وأصول الدين، الشيء الذي يجعل أولئك الحفاظ غير مواصلين لمدارج المعرفة، فلا يستغلون القرءان استغلالا كافيا يعلي من شأن المسلمين ويرفع من قيمتهم، ولهذا كان يهيب بالمصلحين أن يضيفوا الى حفظ القرءان دروسا علمية مفيدة، ترفع من مستوى الفرد المغربي، وذكر في هذا السياق وجوب الاهتمام بالطفل ذكرا وأنثى، لان التربية أساس للنجاح، وليس أمرها مقصورا على الرجال دون النساء، فهو يومن أتم الايمان بأن المرأة شريكة الرجل في طلب العلم والمعرفة، وأنها مسؤولة عن تربية أولادها، واستدل في هذا الموضوع بالبيت الذي اشتهر من شعر حافظ فأصبح كالمثل السائر وهو قوله:
     الام مدرسة اذا أعددتهــا
                        أعددت شعبا طيب الاعراق
   ولكثرة عنايته بشؤون التربية وبدراسة أحوال الأطفال الصغار نقل نصا من كتاب احياء علوم الدين للغزالي يوضح ضرورة التنشيط في اكتساب المعارف وفي تربية الجسم، لان الانسان لا يصلح للحياة الا اذا كان يهدف الى أبعاد كل ما من شأنه أن يجعله خاملا أو بعيدا عن استغلال قدراته التي منحه الله اياها ولهذا كانت العناية بالتربية الصحيحة والرياضية واجبة في اعداد برامج التعليم، وقال في اثناء حديثه عن هذا الموضوع صفحة 160 : "...فقد عقد الغزالي في الاحياء فصلا لرياضة الصبيان، منه قوله: ينبغي أن يأخذه بحظ وافر من الرياضة البدنية فان ذلك يقوي جسمه ويملؤه نشاطا، ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل...وقال في محل آخر ينبغي ان يؤذن له بعد الانصراف من المكتب أن يلعب لعبا جميلا يستريح اليه من تعب التعلم بحيث يتعب في اللعب فان منع الصبي من اللعب وارهاقه الى التعلم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه".
     ومن المعلوم أن ما سار عليه الغزالي وما أشار اليه الكانوني يعد من أصول التربية الحديثة، وهو يتلاءم مع مبادئ الوقاية الصحية وينسجم مع الابعاد التربوية المعاصرة التي تحترم كيان الطفل وتحميه من الاهمال وتحفظه من الضياع.
      وبعد الانتهاء من الجانب العلمي انتقل الى الحديث عن المجال التجاري والزراعي والصناعي وأثار موضوعات اقتصادية ذات بال في بابها، فمن ذلك صيحته المدوية في تحريم المعاملات الربوية وفي اظهار مضارها الاجتماعية، ومن ذلك دعوته الى تصنيع البلاد والى اهتمام بمختلف الصناعات  لما في ذلك من الفائدة العملية في التنمية والازدهار، ولقد حرص كل الحرص على ربط الدعوة الى الصناعة بنصوص دينية ليكون تأثير أفكاره شديدا على المواطنين، ولهذا قال في هامش الكتاب ص 162 : " الصناعات من أغزر مواد الرزق وأهم الأمور الاجتماعية لها في الاسلام المقام الأول، اذ هي من الفروض التي تأثم الامة بتركها، وقد حض القرءان على السعي في غير ما آية، وكذلك السنة النبوية، ومن كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الحض على العمل:
- ان الله يحب العبد المؤمن المحترف.
- أطيب الكسب عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور.
- خير ما أكل العبد كسب العامل اذا نصح.
ثم قال المؤلف: فمن كان خاليا – من العمل والسعي، فهو جاهل بحكمة الدخول للميدان الحيوي وعضوا اشل في جسم الامة، وما أحسن قول الامام الراغب من تعطل وتبطل انسلخ من الانسانية، بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى".                   
   ولقد أهاب بالمواطنين أن يشجعوا الصناعات المحلية وأن يطوروها وان يتجنبوا شراء المنتوجات الاوروبية الا من تقبل شراء منتوجاتنا حتى لا يقع فيض في الاستيراد على التصدير فتحدث بسبب ذلك أزمات اقتصادية خطيرة ودعا الى نشر الوعي بين الصناع ليتقنوا أعمالهم، فهم باتقانهم سيساعدون على تلاقي أخطار هذا الاستيراد، ولهذا قال ص 164.
    " لا أريد أن أحمل مسؤولية هذه المسألة على عواتق الذين يشترون الامور الاجنبية فقط، بل كذلك هي ملقاة على عواتق صناعنا وتجارنا الذين غالبهم يرتكبون الغش في مصنوعاتهم فلا يعيرونها أدنى التفات من الاتقان والاحكام، وكثيرا ما صار مطروقا عندهم اذا ليم أخدهم على شيء من عدم الاكتراث بصنعته ان هذا تسواقي (سوقي) معتذرا عن سوء فعله ومعبرا عن خبث طويته كان السوق ليس بأهل للمصنوعات الحسنة وكأنه لا يشتريه منه أبناء جنسه، وما السوق الا معرض يتجلى فيه مقدار الامة، ومنه 
 تتبين منزلتها بين الامم، وما هو الا ميدان تتسابق فيه الافراد لاداء واجباتهم الاجتماعية بإتقان مصنوعاتهم وتقديمها برهانا على خدمتهم للهيئة الاجتماعية، ولجعلهم بهذه الحقيقة صاروا يستعملون الغش والكذب في نفاق بضائعهم، مع انه مبخس لها ومعرض صاحبها لسخط الله ورسوله والأمة وسائر الانسان، وقد قال صاحب الرسالة الاسلامية صلوات الله عليه: من غشنا فليس منا – ليس منا من غش مسلما أو ما كره – ان الله يحب اذا عمل أحدهم عملا ان يتقنه – ان الله يحب من العامل اذا عمل ان يحسن – ان أطيب الكسب كسب التجار الذين اذا حدثوا لم يكذبوا، واذا ائتمنوا لم يخونوا، واذا وعدوا لم يخلفوا، واذا اشتروا لم يذموا، واذا باعوا لم يطروا، واذا كان عليهم لم يمطلوا،  واذا كان لهم ثم يعسروا".
     ولما انتهى من الحديث عن الصناعات انتقل الى ابراز قيمة آسفي في التاريخ المغربي والى ما كانت تقوم به من دور عظيم في العلاقات التجارية الدولية وأنها كانت مرفا لنقل السكر المغربي الى أوربا، وذكر أنها كانت في عهد الدولة السعدية تتردد إليها تجارة فرنسا وانكلترا والبرتغال ثم ذكر أن سلطان فرنسا لما عين بالمغرب قنصلا عاما سنة 984 هـ موافق 1577 م جعل آسفي مكانا لإقامته، ثم ذكر ان معاهدتين تجاريتين اقيمتا بين فرنسا والدولة السعدية بمدينة آسفي، الأولى سنة 1040 هـ موافق 1631م، والثانية سنة 1044 هـ مواف 1635م، ثم ذكر ان ازدهار آسفي لم يضعف من الناحية التجارية الا في عهد المولى محمد بن عبد الله الذي أسس مدينة الصويرة لاغراض سياسية واقتصادية اقتضت التضييق على مرسى آسفي ومرسى أكادير.
         وهو عند حديثه عن التجارة أهاب بالمسلمين ان يعرفوا قيمة الشركات وحضهم على الاستفادة من تجارب أوربا في هذا الباب وقال ص 167:
    " أما المسلمون الوطنيون فانهم لا يزالون جاهلين بقوانين التجارة وأساليبها العصرية حيث لم يؤلفوا شركات ولم يستعن بعضهم ببعض في القيام بأعبائها، والفرد من حيث هو عاجز عن القيام بذلك كما يجب، فعلى مواطنينا أن يؤلفوا شركات وأن يجعلوا الصدق والأمانة والثقة رائدهم حتى يبلغوا من ذلك مناهم، فان المال حياة البلاد ولا تقوم أي مصلحة الا به فعليهم أن يأخذوا بالأساليب العصرية، وأن يقتدوا بالامم الحية الناهضة في ذلك".
     من خلال هذه النصوص السالفة يتجلى لنا أن المؤلف كان صادقا في وطنيته، وانه كان يهدف من كتاباته التاريخية رسم خطة صالحة توجه المواطنين المغاربة الى سبيل العزة وتهديهم الى أسباب الرخاء والرفاهية وتجعلهم في مامن من الانحلال الديني والدنيوي في آن واحد، ولهذا حاول أن يطلعهم على الاصول الدينية الدافعة الى الصدق والاخلاص والاتقان، وأن يفتح عيونهم على وسائل التقدم العلمي والتجاري، وأن يسجل لهم المناهج الكفيلة بالرقي الاجتماعي والاستقرار الحضاري، وأن يجعل لهم نوعا من التوازن بين ما عليه أصول التربية الاسلامية وما عليه نظام العصر الحديث.
   ولا ريب أن المصلحين من هذا النوع قد تتصدى لهم طبقات من المستغلين والجامدين فتعمل ما في وسعها على التضييق عليهم وتتآمر على افشال خطتهم، ولكنه رحمه الله لم يكن يبالي بالمعارضين، فتصدى لهم بكل قواه وقاومهم بكل ايمانه، فما كان مصيره الا مصير أولئك الذين لا يرضون بالاستسلام فنفي من مدينة آسفي الى مراكش، ثم فر من مراكش الى الدار البيضاء، وفيها عاش عيشة كفاح وجهاد حتى قضى وهو في الخامسة والاربعين من عمره سنة 1938 ميلادية، فرحمه الله وأعاننا على احياء ذكراه باحياء أفكاره وكتبه.
    وسنقتصر في هذه السلسلة على هذا البحث وانا لنرجو أن يتيسر لنا ان شاء الله في مناسبة أخرى ان نحلل بعض كتبه التي أطلب من الله أن تكون قد حققت ما نرجوه من احياء بعض اعلامنا ومن الاعتراف بفضلهم على حركتنا الوطنية والفكرية، والسلام. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here