islamaumaroc

خواطر واقتناعات حول مقال "علي بيه الجاسوس الاسباني بالمغرب -2-

  دعوة الحق

العدد 226 صفر 1403/ دجنبر 1982

      لقد حاولنا في الفصل السابق الاحاطة ببعض من ظروف كان لها نصيب في التوجيه الغزوي للمغرب من طرف اسبانيا، تأكيدا لقصر النظرة الاسبانية، واثارة لظروف حجبت عن الواقع رؤية ما كانت الظروف الخارجية والداخلية أيضا تستوجبه بالنسبة لاسبانيا.
     واذا كنا لا نبرا باديه لوبرتش من نصيبه من المسؤولية عن ذلك، لان القسم الاكبر من مسؤوليات ذلك العمل، تقع على كاهل الجنرال كودوى الذي كان همه الاول البحث عن مخرج لما كانت بلاده تعانيه من الاوضاع، والتخطيط لذلك باستغلاله جميع الوسائل الممكنة، اذ القسم الاكبر من المسؤولية فيما نحن بعزم التعرض له يقع على عاتق كودوى وان كان باديه شريكا له في ذلك، فهو الذي أصدر التعليمات ثم الاوامر للقيام بما باء به في الاخير العمل والمحاولة من الفشل الكبير.
      نقول هذا، اعتمادا على الاستنتاجات التاريخية، لا على التكهنات العاطفية، ونعتمد له نفس ما جاء في مذكرات كودوى الذي يقول في قسم منها حول الموضوع:
     "لقد ادركت غرابة القصد بالنسبة لباديه ومحاولة انتقاله لا كاسباني بل كعربي مسلم وحاج وأمير من نسل النبي، بحثا عن ثقة سلطان المغرب.
    فاقترحت عليه طلب السلطان التعاون معنا والتحالف ضد الثوار، واذا ما قبل السلطان ذلك كان (باديه) هو المنفذ والمحاور رأسا في ذلك مع بلاطنا وحصوله على السلطات الواسعة لذلك، واذا لم يبلغ من ذلك ماربه يقوم بعملية الاكتشافات كرحالة والتعرف على قوات المغرب وراي شعوبه بعد ان يحاول التفاهم مع خصوم السلطان باعلان الحرب ضده وامداد الاعانات اللازمة مقابل التنازل لنا عن قسم من الامبراطورية طبق ما نريد".               
        وبهذا القول يتضح أن خطة باديه التي التزمها لم تكن تكليفا فقط، بل تحويلا لما كان يطمع فيه ويتوق اليه، وبذلك أصبحت له صفة الجاسوسية التي اشتهر بها، فهي كانت تحتوي على شقين، يكشف الاخير منها سوء نية الحكومة الاسبانية وما كانت له بالمرصاد بالنسبة للمغرب ومحاولة غزو ترابنا لبلورة الاختلاف والشقاق الذي ما كان ولا يلزم ان يكون بين البلدين.
    وان اكتشاف هذا من طرف سلطان المغرب المولى سليمان هو الذي جعله يقوم بالغاء ما كان بين المغرب واسبانيا من معاهدات للصلح والسلام بين البلدين، وشروعه في فرض الجبايات والضرائب على جميع الواردات الاسبانية، الامر الذي اعتمده كودوى لاقناع الدول الاروبية بما أصبح مصمما عليه من غزو الاراضي المغربية.   
     فموقف المولى سليمان والغاؤه ما كان بين المغرب واسبانيا كان نتيجة سوء نية الحكومة الاسبانية وتعنتها ومناوراتها ضد المغرب في محاولات اقناع الدول الاجنبية، فاضطر سلطان المغرب لاتخاذ ذلك الموقف الصارم حتى لا تتمادى اسبانيا في مناوراتها ولكي يفهمها أيضا أن سبل المجاملة التي كان يسلكها لم تكن لاستشعاره ضعف موقفه في الداخل، ومحاولات درا المعاناة التي كان يتكبدها، اذ ان كودوى قد زاد طمعا لما كان يصله من أخبار عن الحالة الداخلية، وتمرد الجنوب في سوس ضد الملك الشرعي للبلاد، فحاول ان يكون طمعه فيما كان يقصد اليه من احتلال الشمال المغربي بامداده ثوار الجنوب وتأييدهم بما كانوا يحتاجون له.
    وفي هذا جهل كبير بحقيقة النفسية المغربية وأوضاع البلاد الحقيقية، وعدم ادراك ان المغاربة ككل أمة لها مشاكلها الداخلية، الا انها تقف وقفة واحدة موحدة عند ما يتعلق الامر بطغيان المطامع الخارجية، فتخطيط كودوى كان خاطئا منذ البداية، ونظرته كانت قصيرة، طغى عليها ما كان يعانيه داخليا وجهله بحقيقة النفسية المغربية.
     والموقف الذي وقفه المغرب سواء ازاء ثورة الجنوب، أو انتفاضات الوسط والشمال قد أبان عن وعي متكامل وتمسك وتزكية لرأي جلالة السلطان سيدي محمد بن عبد الله في من يخلفه في الحكم بعد وفاته، اننا لا ننكر ان هذا لم يكن أمرا يسيرا بالنسبة لجلالة السلطان مولاي سليمان الذي صرف وقتا غير قير، وبذل جهودا كبيرة للتغلب على الصعوبات التي اعترضت سبيله، وهو بتلك المواقف قد أبان صدق التفاف الامة حوله، ومصداقية ما كان والده قد توسمه فيه.
    ففي الصفحة 12 من الجزء الثامن من كتاب الاستقصا ورد ما يأتي:
   " كان هذا السلطان رحمه الله موصوفا بالعدل، معروفا بالخير، مرفوع الذكر عند الخاصة والعامة، فقد ألقى الله عليه منه المحبة فأحبته القلوب ولهجت به الالسنة لحسن سيرته وطيب سريرته"
     الى ان يقول:
   " فمما هيأ الله له من أسباب الخير والسعادة أنه بويع مطلوبا لا طالبا، ومرغوبا لا راغبا، ثم لما بويع كان ثلاثة من اخوته كلهم يزاحمه في المنصب، ثم لم يزل أمرهم يضعف وأمره يقوى الى أن كفى الجميع من غير ضرب ولا طعن، ولا بارز أحدا منهم قط ولا واجههم بسوء".
    وفي هذا الموضوع يقول المؤرخ الاسباني الاب مانويل كاسطيانوس في كتابه عن "تاريخ المغرب" صفحة 494:  
    " كان مولاي سليمان بن محمد شهما، رشيق بشوشا، ولم يفتأ بذلك ان استولى على ادارة القبائل فأحبته وبايعته ملكا وسيدا عليها، ومنها ألف جيشه الذي ضمه الى "الحرس الأسود" للدفاع عما كان يسعى له، فبعد تكوين ذلك الجيش نصب نفسه للدفاع عما كان يعمل من أجله، ونصب نفسه رئيسا عليه مصمما العزم على دحر اخوته الذين كان يعتبرهم ضعافا، وسعى لتوحيد المغرب تحت سيادته".
    " ولم يلبث مولاي سليمان غير قليل حتى تغلب على اخوين من اخوته، ولم يتغلب على مولاي هشام بنفس السهولة نظرا لكونه كان أشد قوة، الا انه خاض معارك كثيرة ضده انتهت بهزيمته (يعني المولى هشام) محاصرا في مدينة مراكش وضواحيها، ولما رأى المولى هشام انهزاماته وقلة حب رعاياه له وما كانت تجل به أخاه وشاهد استحالة مقابلة أخيه مولاي سليمان، تخلى عن الملك وانسحب لاحد الاضرحة التي توفي بها بعد قليل، وبهذا أصبح مولاي سليمان سيدا على جميع أطراف الامبراطورية وحمل لقب أمير المؤمنين"
   ويقـــول: 
   " كان مولاي سليمان بن محمد داهية الى حد كبير، وسياسيا محنكا، ومحبا للفنون، ومتطلعا لجعل جميع رعاياه سعداء، وأن يكون جديرا بالخلافة عن والده".
    هذا ما كتبه كل من الناصري وكاسطيانوس عن عهد المولى سليمان وايامه، وعن الصفات التي كان يتميز بها وحب الرعية المغربية له، وقد كان جديرا بكودوى وهو رئيس حكومة جارة أن يدرك ذلك ويعمل على ضوئه، والا تغريه اندفاعاته وعدم ادراك حقيقة مالك المغرب وشعبه، ويترك لباديه لوبرتش محاولاته وما كان يسمى اليه.
      واذا كان صحيحا ما أورده الاب كاسطيانوس من كون شارل الرابع، ملك اسبانيا، عند ما اطلع على خطة باديه وعلى المعاملة التي عومل بها من طرف سلطان المغرب، وما لاقاه لوبريتش من الحفاوة وحسن التقدير، أظهر عدم موافقته على خطة باديه وانكاره الوسائل التحايلية والطرق الغير أخلاقية التي استعملها باديه، فان ذلك لا يعفى من ان كودوى وبمعيته عميله مسؤولية السعي ضد المغرب، ويؤكد الاب كاسطيانوس أن عدم موافق شارل الرابع هي التي افشلت خطة العمل والسعي ضد المغرب.
    وسواء كان ذلك صحيحا أم غير واقع، فالذي كان يلزم أن يكون في حساب كودوى حقيقة الوضع النفساني في المغرب وحقائق شخصية سلطانه وما كان يتمتع به من سمعة طيبة والتفاف المغرب كله حوله ومؤازرته لكل مواقفه.
    لقد وصل باديه لويرتش طنجة ومنها انتقل بصحبة السلطان مولاي سليمان لفاس، ومن طنجة بدا عمل الجاسوس، ومن فاس شرع في تنفيذ خطته للاتصال بالمتمردين في الجنوب، وكان يراسل سريا الحكومة الاسبانية ويحيطها علما بخطته أولا بأول طبق ما كان متفقا عليه بينه وبين كودوى.
    ومن فاس وجه كتابا لكودوى يطلب ارسال المواد والمعاونة الحربية وحشدها في الجزيرة الخضراء وقادس وسان لو كار وذلك بقصد توجيهها للمغرب قصد معاونة الثوار ضد العرش وصاحبه.
    وفي الصفحة التاسعة والتسعين بعد الاربع مائة من كتاب كسطيانوس جاء ما يأتي:  
    " لقد قام علي بيه ( وهو الاسم الجديد الذي انتحله باديه لنفسه) بما كان عليه من ذكائه كبير بعد استلائه على ارادة السلطان وما كان قد ربطه من صداقة مع شقيقه المولى عبد السلام الذي كان دوما بجانب السلطان والمؤيدين له بالشروع في الاتصال بمولاي هشام حسبما كان قد اتفق عليه مع كودوى وأبلغه وساطته مع حكومة مدريد التي تؤيده ضد السلطان بالاستلاء على عرش المغرب مقابل التنازل لاسبانيا عن مملكة فاس".
    والرسائل التي كانت تصدر من فاس لمدريد، وتبادل المعلومات بين كودوى وبادية لوبريتش تؤكد كلها جهل الطرفين بحقيقة الملك والشعب المغربي وتطلعاتهما لتنفيذ العمل، الا ان الامر كان متوقف على مصادقة الملك الاسباني عليها، ولذا حدث ووقع ما لم يكن بالحسبان من انتشال الخطة حيث لم تحظ بتزكية الملك لها.
    وسواء كان ذلك فهما من الملك لواقع المغرب، أم كما جاء في كتاب كاسطيانوس من تمسك شارل الرابع بالقيم الانسانية فان عدم موافقة ملك اسبانيا على الخطة هو الذي اقبرها في مهد تكوينها.
      اذ ان باديه وبمعيته كودوى قد سعيا لدى الملك للموافقة على حشد القوات في الموانئ الآنفة الذكر وتهييء ذخيرة ألف بندقية وأربعة آلاف حربة وألفين من المسدسات ومدافع ميدانية وأربعا وعشرين مدفعيا تحت اشراف ضابطين وثلاثة من المهندسين ومركبين للالغام وبعض الجراحين مع تزويدهم بالآلات الضرورية ومواد تطبيبية، وكذا حشد عشرة آلاف من الجنود الاسبانيين في سبتة للشروع في العمل.
    وسواء كانت معارضة شارل الرابع هي التي افشلت الخطة، أم كان بلوغ علم سلطان المغرب ما كان يهيأ هي التي غيرت الموقف الرسمي من اسبانيا، فان النتيجة الاولى قد كانت الغاء ما كان يربط البلدين من معاهدات، كما كان السبب في قيام المغرب بالحملات ضد مراكز الاحتلال الاسباني في سبتة ومليلية وبينهما، وبذلك دخلت علاقات المغرب واسبانيا في مرحلة جديدة وخطة عدائية.
     لسنا بصدد ذكر تاريخ المغرب، وانما القصد من إيراد ما سبق ذكره من كون المغرب كان يريد صداقة اسبانيا لا خصومتها، وان البادئ بالمعاداة كانت اسبانيا نفسها حيث أبانت عن سوء نيتها بالتدبير الذي أبان بجانب ذلك عن قصر النظر ازاء ما كان في المغرب.
  نقول هذا تعليقا على ما جاء به مقال بمجلة "التاريخ 16" حول جاسوسية "علي بيه".
   اذ ان المقال لا يعكس غير وجهة نظر واحدة بتجميد ما لا داعي لتجميده، متناسيا صاحبه
  اندفاعات كودى الانانية ومحاولاته طمس الواقع الذي كانت تعاني منه اسبانيا اذ ذاك سواء بالنسبة لاوضاعها الداخلية أو ما يتعلق منه بالخارج.
    وبالمقارنة التاريخية من الناحية الزمنية يكون كودوى وبمعيته باديه هما المسؤولان عن تحويل الاتجاه التعاوني بين البلدين، ويكون موقف المغرب موقفا سليما عند ما أقدم على الغاء المعاهدات التصالحية وشن الحملات ضد المراكز الاسبانية في المغرب.
فاسبانيا هي المسؤولية مما أحاط العلاقات بينها وبين المغرب من توترات سواء كان ذلك من نصيب كودوى وباديه لوبريتش وحدهما، ام كان ذلك قصد الحكومة الاسبانية باجمعها.
     ولاشك ان كودوى يجهل المغرب ولا يعلم شيئا عن نفسية شعبه وتعلقاته بسلطانه، اذ لو لم يكن يجهل ذلك لما أقدم على ما أقدم عليه ولما آلت علاقات البلدين الى ما آلت اليه أيام حكمه، ولاستمر السماح بشراء اسبانيا للحبوب المغربية، ولما سحبت الامتيازات في المعاملة بالنسبة للاسطول الاسباني في الموانئ المغربية، اذ أن ذلك كان معمولا به على العهد السليماني وقبله أيام الملك السلطان محمد بن عبد الله والد المولى سليمان الذي يسجل التاريخ أن العلاقات بين المغرب واسبانيا على أيامه الاولى كانت علاقات طبيعية تم خلالها تبادل العديد من السفارات التي منها سفارة السنيور غونساليس سالمون وارسال بن عثمان لمدريد مرة ثانية في سفارة جديدة.
    واذ نشير هنا لتبادل تلك السفارات، فلذلك لاثبات ان روابط بين البلدين كانت وثيقة تشمل الناحيتين المادية والمعنوية.
    ونستطيع ان نثبت الناحية الدينية أيضا كان لها نفس الاعتبار، فوصول البعثة الدينية الاسبانية سنة 1794 والتي كانت مكونة من أربعة رهبان اسبانيين وكذلك استقرار بعثة دينية أخرى بمدينة طنجة، وتدشين مستشفيات اسبانية في العرائش والجديدة.
     وقد أكد حسن معاملة السلطان نفس السنيور كانوفاس الذي أشار في كتابه عن المغرب الى ما لقيته اسبانيا من حسن معاملة المولى سليمان للبعثات الاسبانية، وما كان قد تم على عهده من فسح مجالات حرية التنقل لتلك البعثات والتسامح معها لاقامة شعائرها الدينية مقابل الاعتراف بنفس الحقوق في اسبانيا للجالية المغربية.
       ولم يكتف الاب كسطيانوس بذكر هذا بل زاد قائلا أن المولى سليمان قد قام بازالة فكرة الرق من الذهنية الاسبانية واتخاذ قرار تبادل أسرى الحرب بين البلدين.
       ولعل مسلك هذه السياسة واتخاذ مثل هاته المواقف كان مما ساعد على فتح مجالات التفاهم بين القبائل المغربية والاسبانيين الذين كانوا يقيمون بسبتة ومليلية وباديس، ومهد ما كان هناك من هدنة بين الطرفين، فكل الارتباطات وجميع المعاهدات التي كانت قائمة بين المغرب واسبانيا خصوصا على أيام السلطان سيدي محمد بن عبد الله تكد ذلك، وهو نفس السلوك الذي حاول اتباعه السلطان مولاي سليمان، الا ان الاستجابة له من طرف الاسبانيين وخصوصا أيام كودوى كانت ضعيفة بل معدومة بالمرة.
  فتصرفات كودوى كلها تؤكد انه كان يسير مع الهوى والعواطف ويعتمد على الغريزة في تدبير الامور مجانيا استعمال العقل والروية، وذلك ما دفعه لاستغلال استعداد باديه لوبريتش في اندفاعاته العلمية.
    ان المغرب سواء أيام سيدي محمد بن عبد الله أو على عهد خلفه المولى سليمان لم يكن يتصور ما كان عليه من ضعف في غير ما كان عليه من عدم تطبيق روح العدالة وتقوية التعاون المثمر مع الخارج، وقد أبان عن ذلك في سلوك ملكيه وعزمهما على السير قدما نحو تنفيذ ما كان مسايرا لمعتقداته وطبيعته، وبذلك تشهد جميع الوثائق والمراجع التاريخية، ومن أجله كانت العلاقات الطيبة بين البلدين، وبالسعي اليه كان تبادل السفارات بين الحكومتين.
    وليس صحيحا ما أورده غارسيا بلانكو تيسرون في مقاله حول جاسوسية (علي بيه) من أن البلدين كانا يسعيان لتوسعات أرضية، فاذا كانت هناك مثل هذه الرغبة فالامر يتعلق باسبانيا وحدها، أما المغرب فان محاولاته من سبتة ومليلية كانت من أجل استرجاع قسم من ترابه وأرضه في تلك الجهات.       
   وأن مراسلات باديه لوبريتش مع كودوى تكشف هذه الحقيقة، وتؤكد مذكرات كودوى ذلك خصوصا في قسمها المتعلق بمحاولات تحييد الاسطول البريطاني تمهيدا للانقضاض على الاراضي للمغربية.
     وكما لم ينجح باديه في خطته الاولى، لم ينجح كذلك في الثانية بالتعاون ضد أعداء العرش المغربي والطامعين فيه من الثوار.
    انها صفحة تتراكم فوقها تواريخ عهود مظلمة من علاقات البلدين وتثبيت كودوى للوصول عن طريق المغرب والاستلاء عليه الى المعاقل الاولى للاسلام وتوجيه فكرة الاتساعات الاقتصادية والاستلاءات الارضية نحو الشرق.
   ان عوامل التكوين الفكري سواء من الناحية العلمية أو من الوجهة الاقتصادية هي التي جعلت كودوى يفكر في استغلال تلك الميولات لصالح ما كان يتوق اليه ويطمح فيه، وكان خيرا له قبل أن يفكر فيما أقدم عليه من محاولات مع باديه، ان يقيم أصول المجتمع الاسباني الذي كانت ثلاثة أرباعه تتكون من العاطلين عن العمل، بينما أربعون ألفا فقط من سكان اسبانيا هي التي كانت تكون الطبقة العليا والمترفهة والتي كانت بيدها جميع مقاليد البلاد، ومنهم سبع عشرة ألف من رجال الدين.
    والربع الآخر من السكان هو الذي كان ينتمي اليه باديه لوبيرتش على اعتباره ربعا فقط يتكون من سائر الموظفين والمزارعين والتجار وأصحاب الحرف والعسكريين.
   وفي هذا ما كان جديرا قبل أي شيء آخر بعناية الحكومة الاسبانية، لا تغطيته بالمطامع والمحاولات الخارجية.
    وقد صرف باديه ايامه الاولى بين برشلونة و "بيره" بمقاطعة غرناطة، ويثبت التاريخ ان باديه لم يزاول أية دراسة عليا لفقده روح الانضباط برغم ذكائه واستعداده.
     وهذا ما يؤكد أن باديه كان ذا مواهب خاصة انكب بها على دراسة علوم الرياضيات وتعاطي أصول الرسم، وكذلك دراسة علم الفلك والطبيعة، مع اهتماماته يتعاطي الموسيقى ودراسة اللغات الفرنسية والانجليزية والايطالية.
     ونظرا لهذه الصفات واستعداده لها، اسندت اليه وهو الرابعة عشرة من عمره مهمة الاشراف على الحرات البحرية، وأصبح كاسبا عسكريا في التاسعة عشرة من عمره، وفي الثانية والعشرون كان مديرا لادارة الدخان في قرطبة، فكانت كل العلاقات والدلائل تدل على أن اتجاهاته العلمية تهدف نحو السير في سلك الوظيفة العامة.
      واذا لم نكن نعلم بالتحقيق تاريخ ميلاده فانه سنة 1795 عقد زواجه مع مارية لويسة برميجو، وذلك في مقاطعة غرناطة، وتمكن بسبب هذه المصاهرة من الحصول من صهره والد زوجته على سلفة من مال لبناء منطاد اسباني، الا أن هذا المشروع قد باء بالفشل، وباديه ملتزما بالدين الذي كان في عنقه لصهره.
    ولهذا الدين شأن كبير في تحويل وجهة نظره، اذ بعد فشله في مهمته العلمية انتقل لمدريد للبحث عن وظيف يسد به رمق عيشه ويمكنه من اداء ما كان عليه من دين لصهره، ولا يهمنا هنا ذكر أمر ذلك الدين بقدر ما يهمنا أن نشير الى ان وظيفه الجديد قد مكنه من الاتصال بعدد من الاوساط العلمية والتعرف على العناصر الارستقراطية في المجتمع الاسباني، وهذه الاتصالات هي التي نمت فيه الميل لاكتشاف القارة الافريقية كما نمت فيه روح دراسة اللغة العربية.
    ولما كان باديا عليه من نمو فكري وميولات شخصية وثقت الارتباطات التي كانت بينه وبين روخاس كلمينتي الذي كان متتبعا حركات الاكتشافات الاثرية في مصر.
    واعتمادا منه على ذلك الميل وصداقته مع الاستاذ روخاس كلمينتي قام بارسال تقرير لاكاديمية التاريخ ضمنه معلومات عن المادة ورغبته للقيام برحلة لاراضي افريقية بطريق بوغاز جبل طارق والانتقال الى المغرب للسير منه الى أعماق القارة والوصول الى منابع النيل، وقدر لعمله ان يستغرق مدة أربع سنوات يقطع خلالها ثمانية عشرة الف كيلومتر.               
    الا أن الاكاديمية الاسبانية لم تعر تقرير باديه أي اهتمام، ولما اطلع عليه كودوى الذي كان مصمما على مغامرته السياسية احتض المشروع بعد الاطلاع عليه، وقام سنة 1801 بالاتصال  بباديه لوبريتش معربا عن تأييده للفكرة واستعداده لتمويلها.
   وذلك ما كان وسيلة للاتصال بين كودوى وباديه، ويذكر المؤرخون الاسبان أن محادثات كودوى مع باديه لم تدم أكثر من يومين استطاع خلالها كودوى اقناع باديه بالعدول عن الفكرة العلمية واستعمالها وسيلة للتجسس له في المغرب وتنفيذ خطته.
 فتحولت المهمة من دائرتها العلمية الى عمل سياسي وأصبح باديه لوبريتش جاسوسا بعد ما كان يريد العلم لوجهه، لهذا فقد فشلت المهمة برغم أن مكث باديه في ضيافة المغرب قد دام عامين كاملين.
    والذي كان يؤلم أيام الحماية ان شارعين من الشوارع المهمة في تطوان كانا يحملان اسم " باديا العباسي" و "الجنرال كودوى" جنب شارع آخر كان يسمى باسم "الكردنال لسنيروس"، وذلك ما يدل على أن الرغبة الاسبانية كانت تعتبر ان "الحماية" على الشمال كانت غزوا دينيا، وهذا الاعتبار هو الامتداد الحقيقي لنية الاحتلال السيئة التي دفعت الى ما عانته العلاقات المغربية الاسبانية خلال قرون ولا تزال تعاني منه ما لم يحل محله فهم حقيقي للظروف والاسباب التي تحيط علاقات البلدين، فاسبانيا والمغرب لم يهيئا ليكونا خصمين، بل صديقين مرتبطين ومتحابين.
      وهذا ما يهدف اليه المغرب ويسعى له ملكه الحالي، ولن يتم ذلك دون ادراك ما لتعاون البلدين من اثر على حياتهما المشتركة واعتبار ان المضيق بدل أن يكون فاصلا هو الربط الحقيقي اللامتين وتطلعاتهما المستقبلية.   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here