islamaumaroc

الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لعهد الموحدين

  دعوة الحق

العدد 226 صفر 1403/ دجنبر 1982

....فاذن كان الجو العام الذي فتح عليه جميع شعراء وأدباء دولة الموحدين عيونهم – وكما رأينا في النقطة قبل هذه – جوا مشحونا بالحروب، أما مباشرة وعمليا، أو أهبة واستعدادا، حروب الغزو والفتح، أو التأديب والتهدئة، عن جانب الدولة، وحروب التشويش وبعثرة الجهود وأحداث الشغب والانشقاق من جانب الغز المصريين، وعرب بني هلال بقيادة (شرف الدين الشرقية، أي ليبيا، وذلك تنغيصا على المسؤولين الموحدين راحتهم حتى لا يستمرئوا لذة النصر والاستقرار، وتنقيصا لنفوذهم حتى لا يشرئبوا لتحقيق ما كان يتطلع إليه ملكهم أبو يوسف من الرحلة إلى المشرق وغزو مصر لتطهيرها من المناكر والبدع، كما كان يقول: وقد ذكر المراكشي صاحب المعجم عند قوله: ( أنا أن شاء الله مطهروها.....) قال: ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات سنة 585 هـ.
    ثم كانت هناك حروب الانتقاضات والثورات من طرف بني عبيد في تونس أبناء ابن غانية الميورقيين في الجزائر، وحروب بعض المتنطعين الضالين من البيت المالك الذين انتقضوا أو أثاروا في نقاط مختلفة من بلاد المغرب والأندلس رغبة في الاستئثار بالحكم، والاصطياد في الماء العكر.
   ولكن كان هذا الجو نفسه، وفي ذات الوقت  من الجانبين الاقتصادي والاجتماعي مزدهرا رخيا نشيطا، تواصلت نعماؤه، وبشرت بالثراء الدائم أنواءه وتواصلت بالعطاء الثر انداؤه، لسعة رقعة الإمبراطورية الموحدية التي كانت تمتد مملكتها من طرابلس إلى المغرب إلى السوس الأقصى من بلاد المصامدة وأكثر جزيرة الأندلس، وكل هذه الأصقاع لا ينازعهم أحد، ولا يمتنع عليهم منها درهم ثم لسعة الخراج، وكثرة الوجوه التي تتحصل منها الأموال، فقد كان خراج افريقيا أي تونس وحدها في كل سنة، وقر مائة وخمسين بغلا، خلا بجاية وأعمالها، وتلمسان وأعمالها، وخلا المغرب والأندلس.
     قال صاحب المعجب: ( وقد بلغني من جهة رجل من أصحابنا كان يتولى بيوت الأموال أنه وجدت خرائط كثيرة مما كان يرفع إلى أمير المؤمنين ابن يعقوب لختمها، قال: ولم تزل أيام أبي يعقوب هذا أعيادا أعراسا ومواسيم، كثرة خطب، وانتشار أمن، وذرور رزق، واتساع معايش).
    ولا شك أن هذا الرخاء العظيم كان يعم سائر طبقات الأمة، ويشمل كافة أفرادها، ولتحقيق هذا التعميم، وإبراز هذه الشمولية، كان ملوك دولة الموحدين، يلتزمون – كلما تعمدوا بالخروج إلى غزوة – توزيع مبالغ مالية ضخمة لا يقل مقدارها – فيما تتحدث عنه كتب التاريخ- عن أربعين ألف دينار، كانوا يوزعونها على مختلف الطبقات الشعبية.
   وقد دفعتهم الرغبة في إشاعة الرخاء وتعميم النعماء أن قسموا مدينة مراكش عاصمتهم أرباعا، وجعلوا في كل ربع أمناء، معهم أموال يتجرون بها المساتير وأرباب البيوتات.
     وكانوا كلما دخلت السنة يأمرون أن يكتسب الأيتام المنقطعون فيجمعون إلى موضع قريب من القصر فيختنون ويعطى كل صبي مثقالا ونوبا، ورغيفا ورمنة، وربما زيد على المثقال درهمين جديدين. 
   وفي هذا المناخ الرخاء، وهذه السعة في الأرزاق، والكرم العام الشامل، لا غرابة أن تختفي الدولة رجالات الثقافة والفكر والأدب والشعر، وأن تقام لمرتادي هذه الميادين الإنسانية، الموازين، وأن يعار أصحابها المزيد من العناية والاهتمام.
      وكانت الضمانة الوحيدة لتوفير ذلك الرخاء وتعميم ذلك الازدهار الجهود الجبارة المبذولة لحماية الثغور، واتخاذ المواقف الحاسمة ضد أعداء الدين.
       وكان الاحتفاظ على مستوى الحياة اللائق الكريم يعتمد أساسا على عنصرين اثنين:
        الأول: المغانم والاسلاب التي كانت تدرهما غزوات المسلمين في أراضي العدو وبجزيرة الأندلس، ومطاردة قراصنة البحر الأوروبيين.
        الثاني: الاستقرار الداخلي، الذي وحده يستطيع أن يمد الحياة الاقتصادية لامة ما بعناصر الانتاج، وروافد الانماء، وكانت دولة الموحدين – في كل حركاتها وأهدافها – لا تسير الا في سبيل ما يضمن ويحقق ذينك العنصرين معا.
        فمن الانهزامية إذن، ومن التخلي عن الشكر، ومن الرفض الشنيع للواجب أن يفكر الشعراء والأدباء في تناول غير هذه المجالات الأدبية والحاسمة التي تسهر الدولة على توفير أسبابها واستمرار عطائها.
       وهكذا فنحن حين سنتناول بالتحليل – إن شاء الله – آثار من اعتبروا شعراء هذه الدولة الرسميين – أي ابن حبوس – الجراوي- وأبا حفص عمر، ومحمد العابد الفاسي مع تجاوز، سنلمس هذا التجاوب العجيب الفريد الذي كان قائما – حسب الاشعار – وموجودا بين هؤلاء الشعراء وبين المناخ العام الذي كانت تسهر دولة الموحدين على توفيره لجميع رعاياها ومواطني امبراطوريتها الشاسعة الاطراف.........
     فقعقعة الألفاظ، والإغراق، والغلو، في لوصاف أعمال الدولة الحربية والإعجاز اللذان نجدهما في آثار أولئك الشعراء إنما هما تعبير حي يجسم حب الدولة للقوة، وتعلقها بأبهة الملك والسلطان، وإشادة أولئك الشعراء بالانتصارات الحربية التي كانت تحققها الدولة ضد النصارى، وضد الثوار، وضد المتربصين بها الدوائر، وانما هي شواهد ناطقة برغبة رعاياها في مواصلة النضال من أجل العزة والكرامة، والتفوق، وتلك النفحات الروحية والقلبية، والخلجات النفسية التي تعتز عليها بين الحين والآخر  في ثنايا آثار أولئك الشعراء، وعندما ينكفئون على أنفسهم يناجونها، وعلى أفكارهم الخاصة يداعبونها، هل هي الا صدى شهي ورجع حبيب لما يحسونه من زهو بازدهار أمنهم اقتصاديا، ورفع مستوى حياتها اجتماعيا ؟.
     ثم اليس هو في نفس الوقت تسجيلا لما يحسونه من طمأنينة على هذه الحياة وعلى المستقبل المأمول ؟ وتعبيرا عما يجدونه من نعمة الرعاية والاهتمام.
      ذلك لان الشعراء – كما نقرر دائما لو هكذا ينبغي أن يكونوا – إنما هم في الحقيقة والواقع الصدى لما يحسه مجتمعهم خيرا أو شرا، ازدهار أو كسادا، شهرة أو خمولا، وهم بالتالي مرايا تعكس صور ذلك المجتمع بكل اخلاصه الفاضلة ومباذل الرديئة، وبكل معتقداته وأوهامه.
      وحين يحسن الشاعر التعبير عن هذا المجتمع وبأسلوبه الخاص... يكون هذا الشاعر قد أدى مهمته خير أداء وقام برسالته أفضل قيام، ولن يكون من حق أحد حينئذ أن يطالب الشعراء بأن يسلكوا هذا النهج دون ذلك لو أن يعالجوا هذه القضايا دون تلك، لان الزوايا التي يحتلها الواحد منهم هي قطعا غير تلك التي يحتلها الآخر، ولان المؤثرات والرسوبات التي عملت أو أسهمت في تكييف نظرة 1لك الواحد إلى الحياة والناس والمجتمع الذي يكونانه هي بدون ريب غير تلك التي قولبت هذا الآخر، ومن ثم فان المجاهر التي ينظران بها إلى الأحداث لا يمكن أن يكون عدساتها من حجم واحد حتى من حيث الصفاء والدقة، وصدق الله العظيم " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة" وما يزالون مختلفين....سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا".     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here