islamaumaroc

[كتاب] دراسة إسلامية في العمل والعمال، للبيب السعيد.

  دعوة الحق

العدد 226 صفر 1403/ دجنبر 1982

     اخترت أن أتناول في هذا العدد كتابا صدر ضمن سلسلة المكتبة الثقافية التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر للأستاذ لبيب السعيد.
     والكتاب الجديد من الحجم الصغير، يقع في 142 صفحة، في تبويب علمي دقيق جعل الكتاب في مجموعته صورة متكاملة لشبه برنامج يعطي للقارئ نظرة موضوعية محددة لعدد من النواحي العمالية في ظل الاسلام، خصوصا وقد استهدف المؤلف أن يضع هذا البحث أمام المشتغلين بالدراسات العمالية ليفتح أمامهم آفاقا جديدة في دراستهم على أساس التطورات الحضارية الحالية، وأن يثير اهتمامهم بهذه الزاوية البالغة الأهمية  من زوايا تراثنا الرحيب، وأن يدعوهم إلى آفاق الاسلام كلما التمسوا مزيدا من العناية والرعاية بشؤون العمال.
       ومن هنا، من هذا المنطلق فالمنطلق كما سنرى يستهدف إلى:
   أولا: تقديم إطار للعامل والعمل، وهو إطار أصيل وعريق في الوجود، يعتمد على الوضوح والواقع، لأنه ارتكز على كل كبيرة وصغيرة تهم الشغالين والمشغلين بما في ذلك (أداء أجر العامل قبل أن يجف عرقه) الذي هو قاعدة أساسية من قواعد الاسلام في المعاملات، مما نفاخر به كل المذاهب والاتجاهات المنظورة في تحديد القاعدة على الأسس الإنسانية، والوصول إلى الحل في المشاكل المتولدة، أو التي تدعو إليها سنة التطور والتجديد، مما نعثر له على الإطار الواقعي، والحل الذي يتطلبه.
    ثانيا: إن المؤلف ارتكز على تقديم الحلول الأصيلة لقضايا الشغل التي يعيشها العالم الثالث بصفة خاصة، وذلك ما يحاول الارتكاز عليه وهو ينجز فصلا قائما ( للدفاع عن فكرة الأخذ بالمبادئ الإسلامية في الشؤون العمالية) وعالمنا الإسلامي بالخصوص يعيش  محنة الارتجال في ميدان تحديد العلاقة بين الشغالين والمستغلين انطلاقا من الصراع الذي حلقته التنظيمات الإستعمارية التي تسلطت على بلداننا، ثم  ما أضيف إليها بعد ذلك من الصراعات الاستعمارية الغازية التي تختفي اليوم وراء الشعارات والمفاهيم الثقافية والاقتصادية التي أعلنت إفلاسها في مفهومها النظري قبل التطبيق في عدد كبير من الجهات وفي صور مختلفة.

     والكتاب الذي نحن بصدد تقديمه يقسمه مؤلفه الاستاذ لبيب السعيد بالإضافة إلى المقدمة إلى عشرة فصول تتناول بالدرس العميق، المتزن، بل والمرن:
- منزلة العمل في الإسلام.
- تاريخ النشاط الصناعي في المجتمعات الإسلامي.
- التنظيمات الثقافية للعمال والتحكيم في منازعات العمل في ظل النظم الإسلامية.
- تشغيل الأحداث والنساء في المجتمع الإسلامي.
- الرعاية الصحية للعمال في الإسلام.
- الأجور في الإسلام.  
- مكافحة البطالة في الإسلام.
- الجانب الإنساني في العلاقات العمالية في النظم الإسلامية.
- دفاع عن فكرة الاخذ بالمبادئ الإسلامية في الشؤون العمالية.
                                                      
*  *  *
 وإذا كان هذا العرض لا يسمح باستعراض جميع النظريات التي ذهب إليها المؤلف فأنني أكتفي بالإشارة إلى إطار العام للكاتب من الناحية النظرية من أجل الوقوف على المنهج الإسلامي للعمل والعمال...
    وهنا أتوقف مع هذا السؤال:
    قد يقال في معرض الاخذ بالمبادئ الاسلامية في شؤون العمل والعمال أن هذه الشؤون ترد عليها التغييرات والتجديدات دائما، وأن الاختراعات الحديثة والأوضاع الصناعية والاقتصادية تجعل مقتضيات العمل وظروفه في تطور مستمر، وأن النظم الاسلامية جاءت والظروف العمالية على غير ما هي عليه الآن، ومن تم فهي – كما قد يقال- لا تناسب الاعصر الحديثة.    
  وربما كان الرد على ذلك بما يلي:
      إن للاسلام – وهذا معروف جيدا – منهجا خاصا في إجراء تنظيماته، فهو – بنصوصه وبما يجري عليه فعلا – يضع بما يناسب روحه ووجهته الأصول الكلية، والمبادئ العامة المرنة الواسعة، ولا يفرض قوانين صماء لا تلين، وإنما يدع للمجتمع تطبيق هذه الأصول والمبادئ بما يكفل مواجهة ظروف الحياة المتجددة، ومطالب الأزمنة والبيئات المتغيرة، وما يناسب ما تجري عليه أمور المجتمعات وما تستقيم عليه أحوالها، وإذن فللبشرية – كما يقول الاستاذ لبيب السعيد – أن تقرر على أسس الشريعة الاسلامية: نصوصها وروحها ومفعولها – ما تراه من التفصيلات كفيلا بمصالحها وملائما لاحوالها.
      والقرءان الكريم نفسه كله دعوة للعمل، وحرص على تكريم العاملين.
       ونحن نؤمن إيمانا جازما بأنه ليس يصعب إذا عرفنا الأشياء وقسمنا الأمور بنظائرها، وراعينا أحوال الناس، ورجعنا إلى أعرافهم في الاستطابة، واستجمعنا أدلة الصواب وانتفعنا بالاستدلالات، والتقريعات وسائر قواعد الاستمداد وقوانين الاستنباط، مما عنى به ولن يصعب- إذا فعلنا ذلك- أن تستخلص من أن القرءان الكريم، ومتون الحديث، ونظم المسلمين السابقين وآدابهم، مبادئ مثالية في العلاقات العمالية الإنسانية، نطبقها نحن العرب والمسلمين مستقلين متميزين، مسيغين ما نأخذ، وغير مترددين في قبوله، متبوعين لا تابعين، ضاربين المثل التطبيقي الحي لكل عربي وكل مسلم.
    كذلك قد يقال في معارضة الاخذ بالمبادئ الاسلامية في رسم سياسة العمل والعمال أن المجتمعات الحديثة في المغرب تنأى أحيانا في تنظيم شؤونها عن الأديان، ولم تعد تقيم لهذه وزنا كبيرا، فالأولى – بزعم المعارضين – أن نبعد بالنظم العمالية عن الدين، ما دمنا على آثار غيرنا نسير ونختار، لكن يدفعنا هذا إلى التساؤل: كيف يضرب المجتمع العربي والإسلامي صفحا عن حقيقته وهذا المجتمع نفسه كان منبع الاديان ومبهط الوحي وأثر في التطور الحضاري الجديد تأثيرا  يؤكده هؤلاء أنفسهم، ثم إن الكثير من النظريات الحضارية تستهدف خلق حضارة تبتلع حضارتنا كما يؤكد هؤلاء أنفسهم هذا بصريح العبارة...
   هذه وقفة لا بد منها ما دام الاسلام ليس بدين الكهنوت ولا العنصرية ويحارب في الاساس الطبقية والتفرقة ويختار للمسلم أن يلتزم ويستهدف فقط إلى :
     أولا: التقــــوى.
     ثانيا: العمل الصالح.
   أن هذا الالتزام إنساني في كل معانيه الظاهرة والباطنة خصوصا إذا صلحت النية، وأدرك هذا الفرد أن تقواه وهي مثالية، وعمله الصالح وهو حقيقته كمواطن مع المجموعة هو أساس الجماعة التي لا يزيغ عنها الا هالك.
   وإذا ما انتقلنا مع المؤلف الاستاذ لبيب السعيد لنأخذ صورة من منهج الاسلام بخصوص أجر العامل، وهنا نتوقف قليلا مع الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال:
1) " من كان لنا عاملا وليس له زوجة فليكتسب زوجة، فان لم يكن له خادم، فليكتسب خادما، فان لم يكن له مسكن، فليتخذ مسكنا..."
2) وقال: "من استأجر أجيرا فليسم له أجرته".
   وهكذا نلمس بوضوح أن الإسلام كان صريحا ودقيقا في معرفة واقع العامل كصورة للعمل، ولذلك نجده يحبذ التعجيل بدفع أجر العامل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الاجير حقه قبل أن يجف عرقه" في حين نجد علماء الفقه الاسلامي يفضلون لكبار العاملين أن يتعجلوا صرف مرتباتهم عن أكثر من الشهر الذي يدخل...
    وإذا طلب العامل إلى رب العمل أن يزيد أجره، فلم يقل رب العمل شيئا، وترك العامل في عمله، وجبت عليه الزيادة المطلوبة.
    كذلك يجدد الفقه الاسلامي مكان صرف الاجور، حتى لا يقع على العامل غبن ما، وللفقه في هذا وفي أنواع النقود التي تؤدى بها الاجور تفاصيل دقيقة تحفظ حقوق العامل إلى أبعد حدود ما يشير إلى أهمية التطور الفقهي في هذا المجال حتى انتهى إلى نظام الحسبة التي كانت أول ما استهدفه الغزو والاستعمار كنظام اقتصادي واجتماعي فريد.
   وفي الاسلام: المعروف عرفا كالمشروط شرطا، فالعرف السائد والظاهر هو المرجع في أمور كثيرة من أمور العمل، هو مثلا المرجع في :
1- تحديد مواعيد العمل.
2- تحديد طبيعة عمل الاجير في البيت.
3- تحديد مواصفات الانتاج.
4- القيام بتوابع العمل أو عدم القيام بها، إذ لم يشترط ذلك في الاجارة.
5- تحديد أي الطرفين يكون مسؤولا عن أدوات العمل: رب العمل أم العامل.
6- تقرير مدى ضمان العامل لما يعمل.
7- تقرير مدى أحقية العامل على رب العمل في الطعام.   
وبعد، فقد حاولت أن أقدم لاخواني العمال في يومهم هذا صورة هي منهم واليهم، أيمانا منا جميعا بأن الاخذ بالمبادئ الاسلامية في الشؤون العمالية هو الكفيل لكي ننشيء مجتمعا عماليا سليما من الآفات التي تفسد أفراده، وتبث فيهم الخوف والذل والاستكانة والقلق والغمط والتمرد والتبعية لظروف واعتبارات ليست منهم وقد لا يعرفون حقيقتها....
 وعندئذ سترتكز العلاقات العمالية في العالم العربي والاسلامي على عقيدة هي عقيدتهم وعقيدة أمتهم، وسترتكز أيضا على قوة ذاتية هي الضمير الحي الموجه توجيها موحدا وسليما انسجاما مسع مبادئ الاسلام وبالخصوص في محاربة الفقر وتحقيق الرفاه للجميع، وتوفير أسباب القوة والمتعة له، وهو الذي قرر بخصوص المال: 
 "...كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم...."
وإذا كان المسلمون حقا ينشدون حياة أفضل، فان ما يمتاز به الاسلام وقواعده العامة عن الشرائع الوضعية كفيل بضمان الغد الأفضل الذي ينشدونه، والخلاص الذي يستهدفونه في معركته المتواصلة، لأن الاسلام لا يرتكز على القوة والمراقبة والشدة، ولكنه يمزج الأحكام القانونية مع القواعد الأخلاقية، بل ويدعم الاسلام أحكامه بفكرة الوازع الديني إلى جانب الوازع القضائي فيتكون الحلال والحرام فيه رقيبا روحيا يرافق العامل ورب العمل في كافة أعمالهم وأوقاتهم خصوصا وأن مبدأ الحلال والحرام لا وجود له في الشرائع الوضعية، وهذه رسالة الفرد التي حددتها في بداية هذا الحديث التي ترتكز على:
- التقـــــوى.
- العمل الصالـح .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here