islamaumaroc

تعقيب على كتاب "وزير غرناطة "، لعبد الهادي بوطالب

  دعوة الحق

العدد 226 صفر 1403/ دجنبر 1982

   المعروف أن ظاهرة الاقليمية أو مسألة الطوائف الدينية أو العرقية كان يبثها ويمثلها دعاه الاستعمار ...يحاولون ذيوعها أو تركيزها عن طريق الكتابة أو النشر أو التبشير...وانجرف مع التيار أناس عن وعي أو عدم وعي... فانبرى لهم مفكرون صرحاء شجعان أمثال شكيب أرسلان، وجمال الدين الافغاني ومحمد عبده والكواكبي وغيرهم من الذين جندوا أنفسهم لخدمة المعرفة والدفاع عن الوطنية ودفع الشبهات والاباطيل عن العرب والاسلام والمسلمين...يفندون أقوال الدعاة... ويردون كيد الكائدين...ومن هنا انبثقت حركة الاصلاح والمصلحين العاملين على التوعية ومحاولة تخليص الامة من ربقة الاستعمار والتصدي للاعيبه والتشديد على رفض ما دعا اليه وتحذير شعوبهم من أخطار بوادر... أو ظهور الانشقاق ومخلفاتها وما تتركه من الاشكاليات... وكما ظهرت المسألة الطائفية والعرقية في المشرق، ظهرت في المغرب...وكان من أخطر بوادرها صدور الظهير البربري على يد الاقامة الفرنسية العامة...والذي قاومه المغاربة عامة، كانوا عربا أو برابرة، ومن الذين تصدوا لمقاومته على سبيل المثل لا الحصر نذكر من سوس السيد المختار السوسي وأستاذي وأستاذه السيد ابراهيم السوسي، ومن مراكش الاستاذ بن لحسن والأستاذ بنفضيل والسيد عبد الله ابراهيم وكان طالبا أذاك والفقيه الجليل السيد الرحالي الفاروقي.
     كما تصدى له علماء اجلاء من كل من فاس ومكناس وتطوان وسلا والرباط الى غير ذلك من المناطق والمراكز التي وقفت صفا واحدا وسدا منيعا حالت دون الاعيب الاستعمار ودون تحقيق أغراضه الدنيئة وانتهت المسرحية – اذ قضي على النعرة الاقليمية أو العرقية في مهدها، ولكن الاسف ما كدنا نظفر بالاستقلال ونعمل على بناء الوطن يدا واحدة أو صفا واحدا حتى بدأت تحيى هذه النعيرة من جديد، هذا سوسي وذاك بدوي أو صحراوي، والكل مغاربة مع الاسف... وبدأنا نسمع ونقرأ قصصا وكتبا برزت من جديد... لا أقول من ذلك القبيل ولكنها يا حسرة...تمثل لونا من التفاخر والمساجلات تشيد ببلد وتتغاض عن أخرى – كان لها نفس الدور الطلائعي – سواء كان العمل عن قصد أو غير قصد... لما تتسم به من طابع القبلية المحدودة وروح الاقليمية الضيقة حيث سقط أولئك الكتاب في فخ تلك النزعات المحلية الضيقة... وحصروا الأفق العلمي أو التاريخي في قنوات ضيقة، وصبوه في قواليب صغيرة ضيقوا بذلك دائرة البحث حتى اذا كان من الممتع أن تعين الفروق التشريحية التي تشتق عما يفصل بين الناس من تفاوت حضاري ونفسي... وكادت تلك الكتب التاريخية أو الأدبية تكون ذات قيمة فنية أو مراجع لو لم يجنح مؤلفوها الى التنويه المبالغ فيه بقبيلته أو أهل بلدته وغض الطرف عما سواهم مما انتجته القبائل الاخرى أفرادا كانوا أم جماعات حيث أنهم ساهموا معالم هذه  الحضارة أو تلك، ونبغوا في عدة ميادين، ورغم هذا وذاك طمست معارفهم ومعالمهم ونعتوا بالعقوق والاجحاف.. وأصبحنا نسمع ونقرأ ونشاهد في السوق كتبا أقل ما نقول عنها هو ما ذكرنا في معرض حديثنا، لان أصحابها أضفوا على أعمال قبائلهم أوصافا، وعلى أهاليهم نعوتا قد لا تتوفر على نذرتها الا في شعب الله المختار: ذلك أنهم أطلقوا أعنتهم وجنحوا بخيالهم حتى كنا نسمع مصر أم العالم، ولينان جنة الدنيا، وفاس بلاد الثقافة ورسول المعرفة وام الوطنية، وبغداد أرض الحضارة والعمران، وفارس مهبط السياسة، والهند مقر الحكمة، واليونان منبع الوحي، والجزيرة الابرية أرض الحب والحنان...الى غير ذلك من الاطراء والمبالغة التي تخرج بالكاتب على الحدود اللياقة والموضوعية والبحث النزيه، ونحن أحوج ما تكون الى بناء مستقبل واقعي لا مبالغة فيه... فقد قطعت الدول الغربية أشواط كبيرة في عالم الحضارة وخطوات جبارة نحو التقدم الاقتصادي والتقني، ولم نفعل نحن سوى اجترار تلك المساجلات والمطارحات، ورحم الله الشاعر العربي القديم اذ يقول:
    الهى بني تغلب عن كل مكرمة  
                    قصيدة قالها عمر بن كلثوم
    كفى تزويقا أو مبالغة... ومن بين تلك المغالطات والمبالغات كتب الفت في الجزائر تزيف التاريخ تزييفا ملحوظا دون أن يختشى أهلها أو يتحرجوا من قول الباطل وتثبيت الزور.. ومن المؤسف له أن تدرس هذه الكتب للتلاميذ ويتلقنها الناشئة، ولا يخفى ما في هذا وذاك من تأثير قوى على نفسية الطلبة وعقولهم، ومن بين تلك الكتب المبالغ في بعض صفحاتها كتاب صغير تحت عنوان "وزير غرناطة لسان الدين ابن الخطيب" بقلم الاستاذ الجليل عبد الهادي بوطالب، هو كتاب طريف وشيق استعمل فيه أسلوب أدبي عذب يدل عن حسن الذوق وصفاء النفس... لم أستطيع أن أرفع بصري عنه حتى أتيت على آخره، الا انه مع الاسف في صفحة 82 –وصفحة 197 – انجرف مع ذلك التبار المتفشي نحو المفاخرة أو النزعة الاقليمية....
   ويحسن بنا أن نورد ما جاء في ص 82 – اذ يقول بالحرف : (كانت فاس على عهد الدولة المرينية آهلة بالسكان وافرة الثروة يشقها واديها سبو فتنتعش حدائقها ويعظم خصبها وتستمد من الارباض حولها وما تحتاجه فتستغنى بذلك عن خيرات بلاد المغرب الاخرى !... ولذلك كانت واسعة التجارة كما كانت آخذة من الصناعة بحظ غير يسير، ومنذ كان أهلها وهم يمتازون عن بقية سكان المغرب بسعة الفكر، ومرونة الطبع...
      ماذا أقول لصديقنا الاديب الكبير أمدح هذا المسقط رأسه ؟ أم هجاء صريح للمغاربة ؟ لا تستنى منه الا فاس ! الم يساهم أهل تلك البلاد الاخرى في الحضارة والوطنية والبناء ؟ أم كانوا غائبين ؟ حين حظى بهذا الشرف اخوانهم أهل فاس وحدهم ! وما كنت أخال أن زميلنا الفطين الذكي يقع في فخ ذلك الشرك الذي سقط فيه غيره من المنجرفين في هوة مروجي تلك الافكار القبلية أو النعرة الاقليمية المنحصرة.
    والذي اعرفه عن كاتبنا الفذ هو النزاهة....
   وكما عهدته منذ صغره ذا اطلاع واسع ونفس طيبة ووجه صبوح، ولا أشك الآن في ثقافته وتجربته الواسعة بعد ما تدرج على كراسي الوزارة وارتقى الى مراقي المحافل الثقافية العليا.. وما أشك كذلك انه يجهل أن تجارة فاس لم تكن واسعة الا بسبب مرور القوافل من السودان بفاس، أو من أواسط افريقيا مرورا بالاطلس عن طريق فاس حيث تأخذ منها حاجتها .. وبضائع اوربا التي تفد على المغرب عن طريق طنجة قادمة الى فاس، ولم يكن اذاك للمغرب ميناء صالح الا مرفا طنجة...وجميع أنواع التسويق والتصدير كانت تمر أغلبها على فاس، ولم تزدهر الا على هذه الطريقة... فكيف يستغنى عن المغرب... وهناك أدلة كثيرة، منها أن فاس لما تحولت عنها التجارة أو قوافل المرور الى الدار البيضاء تقلصت المدينة وافتقر كثير من أهلها، الامر الذي جعلهم يرحلون عنها الى الدار البيضاء أو افريقيا الوسطى.
     والفرنسيون هم الذين تسببوا في نكبتها أخيرا لانهم ادركوا ما للتجارة من أهمية في رفع مستوى أهل فاس الثقافي والاقتصادي، فأرادوا قص جنحيها لتبقى مهيضة ... ولهذه الاسباب وتلك ثار أهل فاس..
    فبعد تحول بوصلة الخط التجاري تضررت المدينة العلمية جدا وأصبحت بلدا كغيرها تحتاج للمساعدة ومديد العون والانقاذ...ولو أن واد الجواهر (سبو) بقي على حاله والبساتين لا زالت هي هي الا ما كان من غزو المباني الجديدة ولم تغن تلك المزارع أو المياه في سد حاجة البلاد التجارية.. هذا من الناحية الاقتصادية... وأما من جهة المقاومة والصمود وقاموا حيث تضرروا كغيرهم.. وسجنوا وعذبوا...الا أنهم لم يكونوا وحدهم في المعركة، فكل بلاد من بلاد المغرب ساهمت بنصيبها الاوفر، وكان لهن نفس الدور...
       لكن اذا تصفحنا التاريخ نرى أن فاس فتحت أبوابها أكثر من ثلاثة عشر مرة، وهي مع الغالب تصفق من جديد.
       اذن فاس كغيرها من بلدان المغرب، ولا يمكن للدولة أن تستغنى على جزء من أجزائها مهما كان ذلك الجزء ضئيلا أو فقيرا...(مثل المومنين في تواددهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)... فلماذا اذن يصف الاستاذ أهل فاس وحدهم بالصفات الحسنة ويشح على غيرهم....        
    تعال بنا نقرء له صفحة -197 – اذ يقول بالحرف : (ولاهل فاس ذوق ممتاز في التفنن بالاحتفالات واقامة المهرجانات، وفيهم شعور راسخ يدفعهم الى العطف على الغريب فيندفعون يتبارون في رعايته ويمنعون في الحفاوة به، هذا وأن ملكة الاستطلاع راسخة في نفوسهم أكثر من أي بلاد آخر من بلاد المغرب) ...فلم هذه المطارحة أو التفاضل...أكثر....أحسن....أقل....
    ان هذا واضرابه مخالف كل المخالفة للمسطرة العلمية والنزاهة الفكرية... كما أن هناك خطأ مرسوما للتباهي والتفاخر بين الشعراء الاقدمين....وقد يكون بين الافراد الصغار.... 
      أما كتابة التاريخ أو كتبه فينبغي فيها الالتزام بالموضوعية والنزاهة والدقة المتناهية..ومن ألف في غير هذه الطريقة فقد استهدف..وان نسيت فما أنس حديث الاخ عبد الهادي بطالب، تعرفت عليه كما تعرفت على الاخوان المناضلين... كانت النجابة والنبوغ المبكرين يبدوان عليه منذ أن كان في جامعة القرويين...ولا انس حديثه القيم...كأنه الشهد ينفذ الى القلب... وما كنت أتصور في يوم ما أنه سيحصر الرصيد الفكري والعلمي أو الثقافي لبلادنا في فاس ومفكري فاس ومثقفي فاس وحدهم.
   فهل فاس الا جزء من بلاد المغرب كله.. وحصر الثقافة والموهبة والحضارة وقصرها عليه يكون في ذلك نقص للمغرب كله...واذا سئل سيادته عن هذا المسار وما يتركه من اشكاليات وما ينشأ عنه من خلفيات في بناء الحركة الفكرية والوطنية.....فماذا يجب، أكان هذا الخط الذي صوره أو سطره ودون عليه سليما ؟ موافقا لقواعد الموضوعية العلمية والتأليف المحكم...أم أنها جرة قلم عابرة.
    ومن حين البين والاجحاف...ان يستغنى المغرب برمته عن أي بلد من بلدانه قريبا كان أم بعيدا...كما أنه لا يستغنى عن أي فرد أو جماعة ساهمت وتساهم الآن في اذكاء جذوة النهضة الفكرية والحضارية طيلة العصور....اذن لماذا تضيق الدائرة ونحصرها في مدينة دون سواها...اذاك عن عمد وسبق اصرار أم جاء عفوا...وحينما نتخطى المبادئ ونبتعد عن الاصول التي كانت أساسا لها ونعوضها بشيء ما قد يغض من شأنها تكون قد شوهنا الحقيقة وأسانا للتاريخ...لآن الاقتصار على الاهم دون المهم تقصير كذلك....وعرض بسيط الاحداث، وذكر بعض المواقع والوقائع دون غيرها من الاحداث البعيدة والتي تركت بصماتها على شريط الاحداث وخلفت وراءها سلسلة متصلة الحلقات...حافلة بالبطولة والامجاد يعد مخلا بأصول التاريخ...ولا ينبغي لنا أن نهمل أو ننسى أصغر العلل أو أدقها...لما تتركه من خلفيات وما يتمخض عنها...أو يتركب من نتائج عظيمة كانت أو حقيرة، ومن أخطر ما في دواخل التاريخ من مصاعب ومزالق أهمال الماضي، لان الحاضر الذي يكتنفنا ونراه مليحا أو قبيحا هو جزء من الماضي البعيد الذي لا نكاد نراه والذي يشدنا بحباله الموثقة...
    ولا تتم ادراك الحوادث ومعرفة أسبابها ومسبباتها وعللها الا بالرجوع الى تلك السلسلة من القواعد والمعطيات والنتائج والعلل...وما تخلل تلك الفترات من تشابه وتجانس وتشابك.
    واذا تعلل كاتبنا المقتدر بأنه انما ذكر فاس في معرض حلول ابن الخطيب بها ولانها العاصمة وقتئذ،  وذكرها أو وصفها جاء بالمناسبة، فلم يستغل صاحبنا فرصة زيارة ابن الخطيب الى مراكش...فيصفها ويعطينا نظرة تاريخية ولو موجزة عنها وعن أهاليها...وينقل لنا صورا حية عن المناظر والمآثر ووقوفه على قبر المعتمد بن عباد في أغمات وما تركته تلك الرحلة من آثار...وان كان حديثه لا يقصد منه تنويها أو مبالغة فلماذا لا يحدثنا عن مكناس والرباط وسلا التي جلس فيها ابن الخطيب كثيرا...ألم يجد في هذه البلاد أو تلك ما يلفت نظره...أو يكون سكوته تقصيرا منه...أن لم تقل عزوفا عنه أو تقليلا من شأنه....
   علما بأن المؤرخ يجب عليه أن يصف كل شاردة وواردة وتعاقب العلل ودراسة المعطيات البعيدة والقريبة الاثر...واذا ما اقتصر، كما قلت على الاهم وترك المهم أو البحث في غيره...ومن يظن أنه ليس بمهم يكون بحثه غير متمم للحقيقة التاريخية المثلى ...وتغدو كتاباته عن التاريخ ضعيفة..ان لم تعكس لونا من ضيق الافق الذي حاشا الله أن يتصف به استاذ مثله ينشد الالتزام والموضوعية والنزاهة في معالجة القضايا التي تحفل بها الاحداث وتعج بها كتب التاريخ والتي تصدى لكتابتها.
    ونظرة عجلى على قائمة الاعلام المغاربة تعطينا الحقيقة التي لا مراء فيها وهي ان جل الاساتذة أو العلماء الذين يتعاطون التدريس أو القضاء ليسوا من أهل فاس الحقيقيين، ولا يشغل أهل فاس في هذه المناصب الا حيزا قليلا بالنسبة لمجموعهم من مختلف الاقاليم... ولا نذهب بعيدا فعصرنا الحاضر وجدنا على سبيل المثل أساتذة جامعة القرويين لم يكونوا كلهم من فاس وإنما هم من أغلب أقاليم المغرب ولا يجهل أحد الاساتذة الآتية أسماءهم، ويحسن بنا أن نذكر من مدغرة السيد عبد الواحد بن محمد العلوي، ومن مكناس السيد عباس المصطاري... وأبو الشتاء الصنهاجي...والاستاذ محمد بن سعيد، ومولاي عبد الله الفضيلي أو بتفضيل، والحسن الزرهوني، وسيدي ادريس المراكشي، وغير هؤلاء من مختلف مدن المغرب كثيرون، ويعرفهم صديقنا العزيز، ولعله أخذ عنهم، فقد كانوا قدوة لنا ولغيرنا من الطلبة المخلصين، لكننا لا نريد أن نحيي هذه القبلية أو الاقليمية التي كانت هي سلاح الحماية والتي بدأت تستعير لهيبها، فالاستعمار من قبل كان يقصد محو انتماءتنا الشخصية والحضارية ويجعلنا فراغا بلا مقومات ولا أصل واحد ننتمي اليه، ولذلك كان يعمل على بث الشقاق بيننا.
    ومعذرة للاستاذ الجليل، فلم يدفعني للرد على هذه لمآخذ الا الغيرة على المغرب...والغيرة على المغرب هي في حد ذاتها غيرة على فاس وأهل فاس...فكلنا نحبهم ونعتز برجالهم، نحب فيهم اللطف والمرونة والكياسة والظرافة وما قدموه هم واخوانهم من جميع الآفاق يستحق منا التقدير والاعجاب، لا لانهم مغاربة فحسب بل لان منهم ناسا أفذاذا، خدموا المعرفة حتى تخلد في الصالحات ذكرهم...ولنا أن نقدر مجهودات اخواننا ونحترمهم قبل أن يكونوا من هذه البلاد أو تلك، لكن الذي يجز في النفس هو جنوح الكاتب الكبير الى التنويه بهذا البلاد والتغاضي عن تلك فحسر الطرف عما سواهم من مثقفي الجهات الاخرى يعد تقصيرا في حق الواجب...واذا صدر من المثقفين أمثال نابغتنا الفذ يكون أكثر تأثيرا في النفس...ولا يسعني الا أن أترحم على الشاعر العربي القديم:
             وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
                              على النفس من وقع الحسام المهند       
      وأخيرا لا يسعني الا أن أتوه بصديقنا المحترم وأهنئه على كتابه الشيق الممتع وعلى كتابته الآونة بعد الاخرى والحافلة بالمواضع الهامة والتي تشغل بال الفكر العالمي في عصرنا الحاضر... وما يجعل كتابه (وزير غرناطة) بالغ الاثر في نفوس التلاميذ... راسخا أشد الرسوخ كون مقدمته التي جاءت على لسان العواجز أو الجدات...وهذه الطريقة وان كانت قديمة فلا تشينه، بل على العكس...تثريه لما لها من الوقع في النفوس...وأيضا تكون عملية السرد بسيطة وطريقة مشوقة تضفي على العمل الادبي لذة ومتعة نادرة بما تغدقه عليه من خيالها وما تغنيه من تصوراتها الناتجة عن تجاربها... مثل قولها للاطفال في ص 16، ماذا يفيدنا اليوم أن نثير ذكر الماضي ونحن نشاهد كل مطلع الشمس أحداثا تمر شاهدة على اننا لم نتمعن الحاضر ولم نستفد أو نتعظ من الماضي، ولم تأخذ من عبر الحوادث درسا...
    ولما أخبرت العجوز من طرف الاطفال بأن السلطان استدعى كبراء الدولة للمذاكرة في أمر ذي بال – 17-التفتت يمنة ويسرة وحملقت بعينيها حتى إذا تأكدت أن المكان خال الا من الاطفال قالت:
(مساكين ملوك بني الاحمر...يوهمون الناس أنهم سيحررون الارض من قبضة العدو ويردون إليها عزتها وصولتها...أين هم من طارق بن زياد وموسى ابن نصير...؟ وأين ايمان رعيتهم من رعية طارق ؟ حرق السفن ونادى في الناس: البحر من ورائكم والعدو أمامكم...أين هم من صلاح الدين الأيوبي ؟ أو الظاهر بيبرس ؟ فهؤلاء متشبتون بألقاب المملكة كأنما جلبوا لهذه البلد غنما أو ردوا عنها غائلة...اختلفوا في كل شيء الا الالقاب فانه اعترف كل لصاحبه ليضمن اعترافه هو الآخر....
   آه يا أبنائي لو أدركنا أيام عبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر والمنصور بن أبي عامر يوم كانت ملوك الفرنجة تسعى اليهم وتخطب ودهم ومودتهم ومع ذلك لم يستمرءوا طعم الراحة...بلغت غزوات ابن أبي عامر اثنين وخمسين غزوة لم ينكسر جيشه ولا هزمت رأيته، كان شمل العرب على عهدهم مجتمعنا والصفوف متراصة لم يجد العدو فيها ثغرة ينفذ منها – 19- حتى استولت عليها المطامع ووزعت الاهواء كبراءنا...فتصلبت أشداق العدو واستغل هذه المنازعات وما بيننا من خصومات وأحقاد فجعل يذكيها وينميها ويعين بعضها على بعض ليضرب بعضنا بالبعض حتى أصبح الامراء ذوي التيجان والعروش عبيدا خاضعين ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر الذي يتشبه بالاسد في الانتفاخ....وتسنى للعدو أن يفترس الضحية وأن يبتلع اللقمة الصغيرة السائغة...ولولا يوسف بن تاشفين ملك المرابطين بالمغرب الذي أوقف العدو عند حده وكانت وقعة الزلاقة الحد الفاصل...لولا ذلك لابتلعت النصارى الاندلس من ذلك الوقت، وقد سجل المغاربة كعادتهم صفحات مشرقة من البطولة والعزة كآبائهم في المشرقين الادنى والاوسط.      
      ولم يعتبر الامراء بل عادوا الى ما كانوا عليه فاستخف بهم الافرنج وكادوا يطيقون عليهم لولا أن يعقوب المنصور الموحدي- ص 22 –اخترق مرة أخرى الجزيرة بجيوش المغاربة الاشاوس، وكانت موقعة الارك الظافرة فتحا مبينا تفتحت له السماء، بلغ عدد الاسرى أربعة وعشرين ألفا...ولولا هزيمة وقعة العقاب من بعد والتي كان من أسبابها الغدر والدسية من طرف رجالنا الذين انساقوا مع الشيطان....ولكن الدائرة كانت عليهم حيث تخلص منهم العدو بعد قضاء مآربه- ص 26- لازلت اذكر سنة سبعة وعشرين وسبعمائة حيث سقط السلطان بن الوليد بن الاحمر وسط وزرائه يتخبط في دمائه أثر طعنة تلقاها من أحد أقاربه على مرأى ومسمع  من كبار دولته، ولم يمض على ذلك غير ست سنوات حتى تكررت الفاجعة في شخص محمد ابن اسماعيل...ويا ليت ملوك بني الاحمر تخلصوا من استبداد وزرائهم ....الم يضرب محمد اللخمي على يد السلطان محمد بن الاحمر حتى تركه على عرشه أشبه بدمية يتلهى بها الاطفال...الم يكن محمد بن المحروق ملكا على عرش غرناطة لا ينقصه سوى التاج والكرسي.
   وها نحن نسمع أن أبا الحجاج يوسف لا يبرم أمرا الا بموافقة مولاه وحاجبه رضوان... مساكين ملوك بني الاحمر ومسكين شعب غرناطة، سيبقى خاضعا تحت سفح عرشهم الذي تكاد قوائمه تسيح وتشيخ....ولم ينتبه أهل غرناطة الا عند ما تنتهي هذه المأساة التي ستشهدون يا أبنائي آخر فصل من فصولها، واذذاك فقط تستيقظ غرناطة ويستيقظ العرب على النبأ الجديد....    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here