islamaumaroc

من وحي الرباب (لعبد الكريم الرايس).

  دعوة الحق

العدد 225 ذو الحجة 1402-محرم 1403/ أكتوبر-نونبر 1982

** يصدر قريبا للفنان المغربي الحاج عبد  الكريم الرايس كتاب جديد حول الموسيقى الأندلسية المغربية – يحمل عنوان (من وحي الرباب ) وقد كتب الأستاذ عبد اللطيف أحمد خالص مقدمة ممتازة لهذا الكتاب، نرى من المفيد أن ننقلها للقارئ شاكرين للمؤلف والمقدم فضلها**
     يسرني غاية السرور، ويسعدني أيما إسعاد أن أقوم اليوم بتقديم كتاب "من وحي الرباب" وهو عبارة عن مجموعة من الأشعار والأقوال والتواشيح والأزجال والكلام المنظوم الموزون، المعروف عندنا بالملحون، تلبية لرغبة ملحة عبر لي عنها مرارا أخونا الأستاذ الفنان الحاج عبد الكريم الرايس، رئيس مجموعة موسيقى "الآلة" بمدينة فاس المعروفة بمجموعة المرحوم البريهي وأحد كبار رجالات هذا الفن في بلادنا، والذي قام بهذا العمل الأدبي والفني الرائع.
    وعملية هذا الجمع ذات أهمية قصوى، فقد جاءت لتسد فراغا كبيرا في هذا المضمار، كما تمت في ظرف أخذ الإقبال يتزايد فيه بكثرة على هذا الطرب المغربي الأصيل، وأصبح عدد كبير من الهواة والعشاق، والمحترفين الحذاق، يتناولونه، حسبما هو معروف في المدينة التي يوجدون بها، وحسبما هو محفوظ عندهم في الكنانيش الفردية، والدفاتير الشخصية، وبعض الأوراق المتناثرة هنا وهناك، وتزداد أهمية عملية الجمع هذه إذا ما اعتبرنا ما يقوم به بعض المهتمين بموسيقى "الآلة" من مجهودات جبارة للحفاظ على هذا التراث المغربي الأصيل، الذي كاد الإهمال الذي لقيه عبر التاريخ يؤدي بالاشعار والأقوال المستعملة فيه إلى الإندثار والضياع، كما أدى ببعض الأنغام والألحان المستعملة فيه إلى الإنحلال والإنصداع.
        والحقيقة أن موسيقى "الآلة" من أهم الآثار التي يزخر بها التراث المغربي الحديث نظرا لما تشتمل عليه من أنغام توارثها الآباء عن الأجداد، ومن معان سامية يتشبث بها الأبناء والأحفاد، ومن آلات عتيقة ما زال العازفون في الوقت الحاضر يحافظون عليها، كما يحافظون على.
 الطريقة التقليدية التي كان يستعملها بها أسلافنا منذ قرون مضت.
    إن موسيقى "الآلة" لا تهم الجانب الغنائي فحسب، ولكنها تمس جوانب متعددة من الحضارة المغربية، ومناحي متنوعة من المدنية القومية تتجلى، أولا: في تعدد الألحان العذبة والأنغام الشجية، والإيقاعات التي غنيت بها موسيقى "الآلة" كما تتمثل، ثانيا، في التراث الأدبي الزاخر بالأشعار البديعة، والكلمات الرفيعة، والأقوال العجيبة، إلى غير ذلك من زجل وملحون جمع بين رشاقة المبنى، وجلالة المعنى، وعمق التفكير، وحسن التعبير، الأمر الذي جعل الخلف يطرب لها بقوة لا تقل عن الإهتزاز الذي كانت تحدثه هذه الألحان والأنغام والأقوال والكلام في نفوس السلف، أما الجانب الثالث الذي يضفي على "الآلة" هالة الإعجاب بها، والإكبار لها، فهو نوع الآلات العهيدة التي يعزف بها الهواة والمحترفين في هذا الفن، وطريفة العزف على هذه  الأدوات الموسيقية الوترية القديمة كالرباب الذي يرجع استعماله إلى القرون الوسطى، وكيفية أداء هذه الموسيقى، ذلك أن المعروف عن طريقة أداء هذه الموسيقى أنها تتميز بكونها طريقة موسيقى جماعية، تفرض في نفس الوقت العزف والغناء، والترديد والأداء، ويعني هذا أن أعضاء المجموعة الموسيقية يستعملون، عند العزف، غالبية الآلات الموسيقية إن لم تكن جميعا، على وجه التحقيق والتدقيق، كما أنهم يقومون، جميعهم، بالتغني بألحان هذه الموسيقى، ولا يتوقفون عن العزف الجماعي ساعة الغناء، بخلاف ما هو عليه الأمر عند المجموعات الموسيقية الحديثة التي يتوقف فيها العزف ساعة الغناء، أو التي يوكل الغناء فيها إلى شخص واحد أو إلى مجموعة صوتية يطلق عليها اليوم إسم "كورال" وقد لا نفي موضوع هذه الطريقة التقليدية حقه إن لم نثر إلى الكيفية التي كانت تجلس فيها مجموعات موسيقى "الآلة" فقد كان يخصص لها ركن أو زاوية في البيت أو في فناء الدار، تبث فيه زراب أو فرشة وأرائك يعقد فيها أفراد المجموعة للشروع في عملهم الفني من عزف وغناء، إذ يجدون في هذه الجلسة جميع أسباب الراحة والهناء دون أن يفرضوا على صاحب الحفل مكانا مرموقا في البيت تقام فيه منصة خاصة وتوضع به كراس مرتفعة، كما هو عليه الأمر اليوم بالنسبة للمجموعات الموسيقية الحديثة المسماة بالأجواق العصرية، كل هذا يجعل غيرتنا كبيرة على هذا التراث المغربي رغبة في الحفاظ عليه، وعلى طابعه الأصيل حتى يظل كالمباني الأثرية الخالدة الموجودة في بلادنا بكثرة ثابتا راسخا كالطود الشامخ، يتحدث في تحد واعتزاز عن أمجادنا الوطنية، ويخلد حضارتنا القومية، ويعرف بأصالتنا الثقافية والفكرية والفنية على السواء، ويضمن لبلادنا استمرار الإشعاع الفكري والديني الوهاج، والإشراق الفني والروحي المجيد، الذي واكب حياتنا في القرون الماضية، والذي سيتواصل بحول الله، في الحال والإستقبال.  
     وقد دفعت الغيرة الأكيدة على هذا التراث الأصيل بعض المؤلفين من المواطنين المتمسكين بأصالتهم القومية، وإنسيتهم المغربية، من أدباء وعاة، وعلماء حماة، إلى بذل جهود جبارة لصيانة هذا التراث، وإحلاله المكان اللائق به ضمن مظاهر حضارتنا، فعملوا على التعريف به بين المواطنين، عموما، وشبابنا، خصوصا، والمثقفين منهم بصفة أخص، وإنشاء المعاهد الموسيقية الكفيلة بتلقين أصوله إلى الناشئة المغربية، وتأليف الكتب العديدة عنه، وننشر المؤلفات القديمة المتعلقة به، وطبع المخطوطات التي تشتمل على الأشعار، والأقوال، والتواشيح، والأزجال التي وجدت في بعض الخزانات العامة والخاصة، وتجديد ما طبع  منها في الماضي، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما قام به أخونا الفنان الحاج ادريس بنجلون التويمي رئيس جمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالمملكة المغربية، وأخونا الأستاذ الفنان السيد عبد اللطيف بنمنصور اللذان عملا على طبع مجموعة "الحايك" في حلل باهية وأشكال زاهية، وما سعى إليه بعض المتعلقين بهذا الفن الأصيل من إخراج بعض النوبات منفردة أو مشتركة إلى حيز الوجود حسب الرسم الموسيقى المعروف "بالنوطة" كعمل الأستاذين التازي لبزور والشامي، وهي وايم الحق، أعمال جليلة واهتمامات جميلة يستحق أن يجازى عليها كل الذين دفعهم حافز الغيرة الوطنية إلى الإعتناء بهذا الفن والقيام بحفظه، كليا أو جزئيا، من الضياع.
    وقد جاء عمل الأستاذ الحاج عبد الكريم الرايس ليكلل هذه الجهود المبذولة إذ لأول مرة يتصدى رئيس مجموعة موسيقية يشهد له الجميع بطول الباع في الميدان، ليضطلع عن معرفة وروية، بهذه المهمة الجليلة والتبعة النبيلة.
   والفنان الحاج عبد الكريم الرايس جمع بين المعرفة والتطبيق، فهو حافظ كبير لموسيقى الآلة شعرها وكلامها، وألحانها وأنغامها، وهو في نفس الوقت عازف بارع يتقن استعمال مختلف الآلات، وفي طليعتها، الرباب الذي قل عدد الذين يحسنون استعماله، وهو إلى جانب ذلك، رئيس مجموعة موسيقية استطاعت بقدرة أعضائها الفنية الفائقة وجهودهم المتواصلة المتناسقة، وحافظة قائدهم العجيبة، وتمكنه من هذا الفن البديع أن تصبح من أحسن المجموعات الموسيقية في بلادنا، يتسابق المواطنون بصفة عامة،  وهواة الآلة بصفة خاصة إلى إحضارها في كل سهرة وإشراكها في كل حفل، إلى درجة أصبح فيها بعض المواطنين لا يعتبرون أفراحهم تامة، ومسراتهم كاملة، وندواتهم شاملة إلا إذا شاركت فيها مجموعة المرحوم البريهي ورئيسها المبدع السيد الحاج عبد الكريم الرايس.
     وفي لا أعدو  الحقيقة إذا قلت بأن أخلاق هذا الفنان الكبير، ولطف سلوكه مع الناس، ومع أفراد جوقه، وحسن معاملته مع الناس، وما يتمتع به من صفات حميدة، ومزايا مجيدة، كل هذه العوامل تذكي رغبة الناس في التعامل معه ومع مجموعته الفنية، وقد سنحت لي فرصة التعرف على فناننا الحاج عبد الكريم الرايس منذ مدة طويلة بحكم هواي لموسيقى "الآلة" واتصالاتي العديدة به، فوجدت فيه مثال الرجل العامل بحنكة نادرة، وقدرة باهرة وإتقان لا يشوهه افتراء أو ادعاء، وتمكن من الفن لا يشوبه اختلال أو التواء، وقد كانت مسؤولياتي على رأس دار الإذاعة والتلفزة المغربية خلال أزيد من أربع سنوات ونصف خير مناسبة لمعرفة رجالات الفن في بلادنا، والإحتكاك بغالبيتهم، فعرفت من هذه الإتصالات المباشرة، والمذكرات المتكررة، قدرتهم الفنية، ونفسيتهم الأخلاقية، وشره البعض منهم، وسوء تعاملهم فيما بينهم وبعضهم البعض، وقد وجدت الفنان الحاج عبد الكريم الرايس من خيرة المطربين علما وعملا، وخبرة وسلوكا، وتعلقا بمعالي الأمور، وإعراضا عن سفاسفها، وجدته مستعدا لإعطاء المزيد من علمه وفنه، ملبيا الرغبات التي يعرب عنها الهواة والمحترفون، دون تردد ولا تلكؤ، لا يقيد هذا العطاء بشرط مالي أو غيره، ولا يبخل بتزويد المستمعين ومشاهدي التلفزة بكل طريف وتليد، ولا يمنع المعجبين من التسجيل أو التحصيل، ومن أغرب ما أتذكره أنني كنت ألجأ إليه كثيرا عند تحقيق بعض المشروعات التي يرفضها غيره مسبقا، فأجده يتقبلها عن طواعية مثالية وبتجرد كامل، حتى إذا ما أنجز الأعمال الفنية المطلوبة منه، وشاهد زملاؤه رؤساء المجموعات الأخرى ما قام به، رجع هؤلاء الزملاء الذين قابلوا هذا العرض بالرفض في أول الأمر، إلى الأدلاء بدلوهم، والمشاركة في انجاز المشروعات المقترحة اقتداء بما فعله الحاج عبد الكريم الرايس ومجموعته الموسيقية، وقد كان حرصي عظيما-وأنا مدير عام لدار الإذاعة والتلفزة المغربية من 17 يونيو 1974 إلى 26 دجنبر 1978 – على تحقيق عدد من المشروعات الموسيقية عموما، وموسيقى الآلة خصوصا، بغية الحفاظ على هذا الفن الموسيقي المغربي من الضياع، وسعيا وراء تخليد هذا الفن الذي تعرض فيما يخص الكتابة والتسجيل إلى مزيد من الإهمال، خلال القرون الماضية، والتي عملت الأمية المتفشية بين المحترفين فيه، والمتعاطين له ، على تقليص مكانته ضمن التراث المغربي، لولا أن تداركته العناية الربانية في  العقود الأخيرة عندما تصدى بعض العلماء والمثقفين والنقاد والمؤرخين، للكتابة فيه والتعريف به وتأريخ الجوانب الفكرية والفنية منه، كالأساتذة السادة الشيخ أبي اسحق ابراهيم التادلي في كتابه  "السيقا في علم الموسيقى" والمكي امبيركو الذي ألف ست نوبات نالت من الجودة والإتقان ما يطرب له كل مؤرخ وكل فنان، والوزير محمد الفاسي والعلامة عبد الله بن العباس الجراري، والمؤرخ الثبت محمد المنوني.
      وإن من حسن حظ هذا الفن الأصيل أن يقوم اليوم الحاج عبد الكريم الرايس بجمع آثاره حسب المستعملات الرائجة اليوم في فاس، ولو كانت مختصرة، اسوة بما فعله الجامعي في عهد السلطان الحسن الأول وإذا كان البعض من المهتمين بهذا الفن، يرى أنه كان من الأولى بالفنان السيد عبد الكريم الرايس أن ينشر مجموعة الأشعار والتواشيح الموجودة بكناش "الحايك" كاملة غير منقوصة، لما تتسم به هذه المجموعة من الشمول والكمال- وهو أعرف الناس بها وأكثرهم حفظا لها – فإني أحبذ، مع ذلك، نشر هذا المختصر لأنه جمع أهم الأشعار والتواشيح المستعملة، فضمن بذلك تيسير تداولها بين القراء والهواة والحفظة والرعاة أما إذا طلب هؤلاء المهتمون بهذا الفن مزيدا من المعلومات، ورغبوا في الحصول على الوافر من المحفوظات، ففي إمكانهم أن يرجعوا إلى المجموعات الكبرى-وقد أشرنا إلى أن الأستاذ السيد الحاج ادريس بنجلون التويمي، والأستاذ السيد عبد اللطيف بنمنصور، قد قاما بنشرها من قبل- وسيجدونها سهلة المنال، يسيرة الإستعمال، وسوف لا يتوقف الأمر آنذاك، بالنسبة إليهم، إلا على إشباع نهمهم في التطلع والبحث، وإرواء ظمإهم إلى الكمال والشمول، فيتحق لهم بذلك الفيض بعض الفيض والكثر بعد القل، ولهذا فإني لا أرى داعيا لأن يلح بعض الباحثين المولعين بموسيقى "الآلة" إلحاحا كبيرا على أنه كان من الأولى بالفنان الحاج عبد الكريم الرايس أن يقدم لجمهور عشاق هذه الموسيقى مجموعة "الحايك" وان لا يقتصر مجهوده على إخراج هذا المختصر، رغم أني أعتبر أن هذه الملاحظة وجيهة، لا يجادل فيها إلا مكابر، خصوصا وأن الفنان الحاج عبد الكريم الرايس المعروف بحافظته القوية، وإطلاعه الكبير على كل ما يستعمل في موسيقى الآلة من أشعار وإزجال وتواشيح وأقوال، كما أنه معروف بتمكنه الكبير من أسرار هذا الفن الموسيقي الأثيل، وحفظه لمختلف النوبات والأنغام التي يزخر بها هذا التراث الأصيل ولكن اعتبار هذه الملاحظة لا يعني أن هذا العمل الفني والأثر الأدبي، الذي يقدمه لنا الأستاذ الحاج عبد الكريم أهمية قصوى، ذلك أن مختصر الجامعي لم يكتب له أن عرف النور عن طريق الطبع والنشر، بل إنه ظل مخطوطا لا يقف عليه إلا الحذاق من أهل هذا الفن والعارفون بأسراره العجيبة، وهو مختصر بذل فيه صاحبه الوزير الجامعي مجهودا، جبارا إذ جمع حوله الحذاق، وأرباب الأذواق، ليقوموا باختيار أجود الكلام المستعمل المأخوذ من "الحايك"، أحسن المقطوعات التي كان الناس يتغنون بها في عهد السلطان الحسن الأول، وهذا المختصر ظل متداولا بين الناس، عامة، وبين سكان فاس، بصفة خاصة، ينقله السلف إلى الحلف ويتلقفه الأبناء من الآباء، والتلاميذ والطلبة من الأساتذة والشيوخ، أما كناش    "الحايك" فقد كتب له أن يعاد طبعه، وأن يتولاه بالدراسة عديد من المهتمين بهذا الفن كالأستاذ الفنان الحاج ادريس بنجلون وقبله الأستاذ الفنان عبد اللطيف بنمنصور وغيرهما.
     بينما ظل مختصر الجامعي منسيا مهملا لا يرجع إليه أحد، ولا يقبل على طبعه وإخراجه إلى حيز الوجود أي باحث أو دارس مولع بهذا الفن، رغم أن محتواه هو المستعمل أكثر من غيره، خصوصا بالنسبة للذين تلقوا هذا الفن من أفواه الرجال، كما هو الأمر، بالنسبة للفنان الحاج عبد الكريم الرايس الذي أخذ هذا الفن مباشرة من صهره وأستاذه الفنان المرحوم السيد محمد بن عبد السلام البريهي، وإني شخصيا لا أرى أي ضير في أن يقوم الفنان الحاج عبد الكريم الرايس بإخراج مختصر الجامعي، حتى يسهل تداوله بين عشاق هذا الفن والهواة المعجبين به والمتتبعين لنشاط "جوق" البريهي الذي يعتبر هذا المختصر أهم مرجع يعتمد عليه في أعماله الفنية.
    وكيف ما كان الأمر، فقد أحسن رئيس مجموعة البريهي صنعا بإخراج هذه الوثيقة الزاهية إلى حيز الوجود، وتيسير تناولها، كما أحسن غيره فعلا بطبع "الحايك" أو بعض النوبات منفردة كما هو الشأن بالنسبة للعمل الفني الذي قام به الأستاذان السيدان الشامي والتازي لبزور، فكل هذه الأعمال الفنية جليلة في حد ذاتها، سواء كانت تكتسي صبغة الشمول والكمال، أو صفة الإختصار والاصطفاء، أو شكل الانفراد والتجزئة، فقد جاءت كلها ملبية لحاجات المولعين بهذا الفن المغربي الجميل، ميسرة لهم، جميعا، وسائل الإستمتاع به، والتعمق في دراسته، والاغتراف في هذه المنابع الجميلة، والروائع الجليلة التي أصبح الإقبال عليها كبيرا في الوقت الحاضر والحمد لله.
    وقد عمل الأستاذ الحاج عبد الكريم الرايس كل ما في وسعه لإخراج هذه الأشعار في حلة رائعة من حيث الطبع، وبذل مجهودا لتصحيح ما طرأ على بعض الأشعار والأزجال من تحريف أو أخطاء، وحاول في أول كل نوبة أن يعمل على تقديمها إلى جمهور عشاق موسيقى "الآلة" والتعريف بأصولها، وبيان ما تشتمل عليه من أنغام إلى غير ذلك من التوضيحات والتصويبات الضرورية، وقد عملت، من جهتي، على تصحيح بعض الأشعار التي عبثت بها ألسنة العوام فحرفتها عن وزنها الحقيقي وبحورها المعروفة، وأعترف أنني لم أستطع الاضطلاع بهذا الدور من أول المجموعة إلى آخرها بل اكتفيت بتصحيح ما في النوبات الأربع الأول، وكان بودي أن أواصل هذا العمل الذي قمت به، بكل فرح ومسرور، من بدايته إلى نهايته، ولكني لم أستطيع إتمام هذا العمل نظرا لضيق الوقت من جهة، وقلة المصادر التي يسهل تناولها، من جهة ثانية، وما يعتري هذه المصادر نفسها، وعلى قلتها، من تحريف، من جهة ثالثة.
    وخلاصة القول، فقد أدى الفنان الحاج عبد الكريم الرايس واجبه في الميدان، وقدم باكورة أعماله هدية لعشاق الفن الأندلسي، كما سمحت له بذلك الظروف والوسائل، ووضع بين أيدي الباحثين والدارسين مادة خام يتعين على من يهمهم، في الحاضر والمستقبل، أمر هذه الألوان الموسيقية، والقصائد الشعرية أن يرجعوا إلى ما شاهد النور منها حتى الآن، كما ينبغي لهم أن يرجعوا إلى المصادر الأولى، سواء منها المخطوطة أو المطبوعة في طبعات تعد اليوم بمثابة المخطوطات، نظرا لقلتها، كما يتحتم، على هؤلاء الدارسين والباحثين، التعمق في هذه الآثار، ومقارنة بعضها مع بعض، وتصحيح ما علق بها من أغلاط أو تحريف، وإصلاح ما اعتراها من نقص أو خلل حتى تسترجع هذه الآثار المكانة اللائقة بها ضمن الإنتاج الأدبي والفني في المغرب الحديث، ويغذو تناولها بين الناس، عامة والمثقفين والهواة، خاصة، أمرا عاديا لا يتطلب عناءا كبيرا، وجهدا مرهقا لا يقدر على تحملها الا أولوا، العزم والحزم، والراسخون في الفن والعلم الذين لا يلويهم عن شغفهم في البحث والتنقيب بأس ولا نصب، ولا يصدهم عن الدراسة والتحقيق ضنك ولا تعب، وإذا كان الحاج عبد الكريم الرايس قد أدى بعض الواجب بإخراج مختصر الفقيه الجامعي إلى حيز الوجود، ووضعه رهن إشارة عشاق الطرب الأندلسي، فاستحق بذلك الثناء الجميل على حسن صنعه، فإن هذا لا يمنعنا من القول بأن المسؤولية ما زالت ملقاة على عاتقه، والأمانة ما فتئت منوطة بجميع المطلعين على أسرار هذا الفن المتناهية ليعرفوا به، وبرجاله، وليعلموا أولا على تسجيل موسيقى "الآلة" تسجيلا كاملا لا يعتوره نقص، ولا يشوبه خلل، على الأشرطة الالكترونية التلفزية منها والإذاعية، التي عرفت في العقد الأخير تطورا تقنيا مذهلا، وتقدما فنيا مدهشا يسمحان بالحفاظ على مختلف الآثار الصوتية، وغيرها في أجمل الصور، وتخليدها في أبهى الحلل، وليبذلوا المساعي الإيجابية لتسجيلها بواسطة الرسوم الموسيقية المعروفة بـ"النوطة".
     وأعتقد أن الأمر هين على الأستاذ الفنان الحاج عبد الكريم الرايس إذا شمر عن ساق الجد، وواصل ليله بنهاره، ليعرف بهذا التراث المجيد، ويلقنه للأجيال الصاعدة، ويبعث في روح أبناء هذا الوطن الاعتزاز بهذا الفن، والإقبال والارتواء من منابعه الفياضة، ذلك أن الأستاذ الحاج عبد الكريم أستاذ بالمعهد الموسيقي بفاس، ورئيس مجموعة موسيقية تتمتع بسمعة فائقة اكتسبتها بفضل طاقة أعضائها الفنية، ومساهمتهم المتواصلة في مختلف المهرجانات الوطنية والدولية التي يناط بهم في كثير من الأحيان، مهمة تمثيل الموسيقى المغربية فيها، والتي يضطلعون لأعبائها على أكمل وجه وأحسن حال، ولعل هذا ما يجعل مسؤولية الأستاذ الحاج عبد الكريم، وأعضاء مجموعته كبيرة وثقيلة، إذ الأمر لا يتعلق بتوعية المواطنين والأجانب بموسيقى "الآلة" فحسب، ولكنه يتعلق، أيضا، بتقديم هذه الموسيقى حسب أصولها الأثيلة، و طرقها التقليدية الأصيلة، ومعنى هذا أن الواجب الفني والتاريخي يفرض على هذه المجموعة-ورئيسها في المقدمة- أن يكون تقديم هذه الموسيقى في قالبها العتيق، وشكلها التاريخي، وإطارها الحقيقي، وإذا كان جمهور هواة الموسيقى الأندلسية يطربون ويمرحون بإعجاب كبير، خلال عزف وأداء مجموعة المرحوم البريهي، فإن هذا الطرب والإعجاب يرجعان إلى كون هذه المجموعة تعمل، جهد المستطاع، على الحفاظ على التقاليد السليمة، والطرق القديمة التي كانت تؤدي بها وموسيقى "الآلة" ذلك أن الأستاذ الحاج عبد الكريم يتعمد استعمال الآلات الموسيقية التقليدية، ويبذل ما في وسعه، وللامتناع عن إدخال الآلات والأدوات الموسيقية الحديثة التي تشوه، بحق، وجه موسيقى "الآلة" وتبعث في روح المستمعين والمشاهدين لها عدم الانشراح والارتياح وسوف لا أبالغ إذا قلت بأن محاولات التجديد التي يقوم بها بعض المسؤولين عن بعض المجموعات الموسيقية الأندلسية، وبعض الهواة تبعث الضجر والاشمئزاز لأنها- وإن كانت تنم عن نوايا صادقة – لن تؤدي – وللأسف الشديد- في نهاية الأمر إلا إلى اضمحلال هذه الألوان الموسيقية التي ستصبح بمثابة ذلك  الطائر الذي حاول تقليد غيره من الطيور مشيتها ففقد بذلك مشيته، ولم يتوفق في اكتساب طريقة ما قلده في مشيته، فحذار حذار من عدوى التقليد التي تكتسي –خداعا- صبغة التجديد، إن موسيقى "الآلة" في حاجة إلى إصلاح ما في ذلك شك، ولكن الإصلاح الذي نريد يجب أن يهدف إلى رأب ما عرا موسيقانا العزيزة من انصداع، وترميم ما تفكك أو تلاشى من أنغامها وألحانها، والتنقيب على ما ضاع أو تداعى من موازينها وألوانها، وصيانة ما تبقى لنا منها من الآثار، واحاطتها بكل ما يقيها من الانحلال والاندثار.
      ومن البديهي أن الحفاظ على هذه الموسيقى، وما تحتوي عليه من فنون القول والنغم، صنوف  اللحن والكلم لا يقتضي نشر هذا التراث فحسب، ولكنه يقتضي الاستمساك بالطرق الفنية والمادية التي كان يؤدي بها، والتشبث بالإطار والشكل الذي وصل به إلينا، وعدم محاولة إرضاء رغبات الجماهير والعوام بالتضحية بالنوبة والإنشاد والمقام.
     وإني أغتنم هذه المناسبة لأطلب من أخينا الحاج عبد الكريم، وبكل إلحاح، بذل مزيد من الجهد لاحترام تقاليد أداء هذه الموسيقى، والعض بالنواجد على طرق العزف والغناء الجماعيين، والإكثار من الإنشادات المشهورة الباهرة في مختلف صنعات "الآلة" المعروفة الزاهرة حتى لاتنقرض وتضيع، كما انقرضت عدة أنغام وألحان من هذه الموسيقى، والإعراض بكل قوة وإصرار، وبحزم واستمرار، عن المواويل المتداولة هنا وهناك، خصوصا في الحفلات الوطنية الكبرى والمهرجانات الدولية العظمى، وإني أقدر موقف الحرج الذي أضع فيه أخانا الحاج عبد الكريم، الذي تضطره رغبة بعض إنصاف المثقفين والهواة، وكثير من الرعاع والعوام إلى توقيف السير الطبيعي، والأداء العادي لكل ميزان من موازين نوبات هذه الموسيقى، وقضاء أوقات طويلة في سماع مواويل لأصلة لها بموسيقى "الآلة" سوى إطلاق العنان، والسماح في اطمئنان وأمان، دون وعي ولا إمعان للزج بهذا الفن الأصيل في هرج ومرج، وصيحات لا تخلو من ضوضاء لم يحك لنا تاريخ طرب "الآلة" لها من مثيل، والتي لا نعدو الحقيقة العلمية إذا قلنا بأنها من باب الغزو الموسيقي، والتيار الفني الشرقي والغربي والتي لا نرى مانعا في اعتبارها من باب الفن الدخيل.
    وسوف لا تكمل مهمة الأستاذ الحاج عبد الكريم، إلا إذا أضاف إلى هذه الأعمال الرامية إلى التعريف بموسيقى "الآلة"، وتعميمها بين المواطنين وتوعية الأجيال الصاعدة بها، نشاطا ثقافيا موازيا يخص التعريف برجالات هذا الفن الذي أسدوا خدمات مثلى في هذا الميدان أذكر في طليعتهم الأساتذة الذين أخذ عنهم هو بنفسه، "والمعلمين" المعروفين في هذا الميدان كالسادة البريهي، والحاج أحمد تحيفة، ومحمد واشاواش العلمي العارف بإيقاع الدربكة، ومنصور، والمعلم سعيد وتلميذه الفقيه المطيري، وعثمان التازي، والخصاصي، وعيوش والعبي، والساوري، وكريش وعزوز مناني، ودادي بفاس، والحاج الطيب بلكاهية، والحاج عبد السلام بنيوسف، والحاج عبد السلام ملين، والحاج مصطفى المعروفي، وحبيبي أمبيركو، والحاج محمد البيضاوي، والفقيه الروندة، وابنه الحاج محمد الروندة، وعمر الجعيدي وابنه محمد، وأحمد بناني وولده أبي بكر، وأحمد بن المحجوب زنيبر، وأفراد كثيرين من عائلة كَديرة بالرباط والبارودي بسلا والصبان بمراكش، وأفراد أسرة الحراق وبنونة بتطوان، والعربي السيار بطنجة، والشرفاء الوزانيين في مختلف مدن المغرب وقراه، وكثير غيرهم من الذين لم أستحضر الآن أسماءهم والذين يعدون، بحق، من أعلام هذا الفن في جميع أنحاء المملكة.
   المغربية، والذين استطاعوا، بعملهم الدؤوب، إن يبلغوا هذه الرسالة الفنية، حسب طاقاتهم المبدعة، وإمكاناتهم وقدراتهم الممتعة، وينقلوها بأمانة وإخلاص إلى الأجيال التي لحقت بهم، دون تبديل أو تغيير، ولا تلاعب أو تقصير.
   إن تعلق الأجيال الصاعدة بهذا الفن الجميل، وإقبالها على هذا التراث البديع بكثير من الحماس والحمية، والتروي من معينه الزاخر المعطاء بمزيد من الفرح والحبور- أقول- أن هذا التعلق لا يمكن أن يتم إلا إذا عرف الأحفاد ما قام به الأجداد، ووقف الخلف على ما تركه السلف، وتشبع الأبناء بالروح الخلاقة الأمينة التي هيمنت على الآباء.
   في هذا يفرض علينا، جميعا، وفي مختلف مستويات المسؤوليات التي نتحملها، مواصلة البحث والتنقيب عن المصادر الخاصة بهؤلاء الأعلام، والوثائق المتعلقة بعملهم الفني حتى تسهل عملية التعريف بهم وبآثارهم، وتخليد ذكرهم وأخبارهم، والتذكير بأمجادهم وأسرارهم، ومما لا ريب فيه، أن هذا الأمر لا يهم رجال الموسيقى وحدهم- وإن كان القسط الأوفر من هذه التبعة يقع على كاهلهم عموما والأساتذة منهم خصوصا- ولكنه يهم المثقفين والمؤسسات الفنية، خاصة، والوزارات والإدارات المعنية كالثقافة، والتربية الوطنية، والشبيبة والرياضة، وأكاديمية المملكة المغربية، ومسرح محمد الخامس، وغيره من المسارح الأخرى، وجمعية هواة الموسيقى الأندلسية، بصفة أخص فليشرع أخونا الحاج عبد الكريم في هذا العمل الجليل، وفي المؤلفات المقبلة التي وعدنا بها، والتي ستكون أشمل من هذا المؤلف الذي كان لي شرف تقديمه إلى عشاق هذا الفن، وشغف الاشتغال بتصحيح بعض فصوله فإن الفضل كل الفضل للأسبق، وعسى أن يكون عمله هذا وما سيليه – بحول الله- بداية لانطلاقة حركة تعريف بهذا الفن ورجالاته.
     وحبذا لو أضيف إلى هذه الأعمال الفردية المحمودة العواقب والنشاط الحكومي والإداري المأمول عمل أدبي وفني جماعي يشترك في إنجازه الأساتذة المعروفون بطول الباع في هذا المضمار والإدارات والمصالح والمؤسسات المهتمة بالفن ورجاله الأبرار للخروج ببرنامج محدد المعالم ينهض بهذا الفن البديع من جهة ويضع حدا للفوضى السائدة في هذا الميدان نظرا لتناوله من طرف أفراد لا تتوفر فيهم شروط الكفاءة المطلوبة رغم صدق رغبتهم وحسن نيتهم من جهة ثانية.
   لقد سمحت لنفسي، وأنا أقدم كتاب "من وحي الربا" بإبداء بعض الملاحظات التي سنحت لي، والتي أراها ضرورية للحفاظ على هذا الجانب الغالي من حضارتنا الوطنية، وشخصيتنا المغربية، وقد يرى البعض من القراء والهواة أن المقام غير موافق لذلك، ولكني أومن بأن المناسبة شرط وأن الضرورة تدعو إلى الجهر بهذه الأفكار حتى تتجند كل النوايا الحسنة، والطاقات البارة للمساهمة في هذا العمل، خصوصا وقد أصبحنا نرى عددا من المتهافتين على الفن يطلقون العنان لألسنتهم وأيديهم للخوض في ميدان موسيقي "الآلة" هذرا وهذايانا، وقسرا وبهتانا إذ يعتقدون أنهم يتكلمون فيها بينما هم يهرفون، ويبطشون في حلبتها ولا يعرفون إن الأبحاث المطلوبة في هذا الميدان أبحاث علمية صرفة والأعمال المنتظرة أعمال فنية محضة، والحقائق العلمية والأبحاث الدراسية تقتضي أن يندب لكل أمر مهم أهل بلواه، وأن يسند إلى من يعلم حدوده ومداه، أما غير هؤلاء وأولئك من الذين يخوضون في هذه الحلبة بغير علم ولا دراية ولا هوية ولا رواية فإنما، هم ، في واقع الأمر، في الظلام يعمهون، وفي البهتان يتسكعون.
      فكيف يمكن لي – والحالة هذه –أن أعرض عن هذه المناسبة وأنأى عنها بجانبها في وقت:
تكاثرت الظباء على خداش....
    إني أعتقد أن مقدمة كتاب " من وحي الرباب" خير فرصة لتوضيح المواقف، وتبيان الحقائق، سواء بالنسبة لنا نحن الهواة المولعين بهذا الفن البديع، أو بالنسبة لصاحب الكتاب الذي يعمل كل ما في وسعه لرفع مستوى موسيقى "الآلة" عمليا وعلميا، وتطبيقا ونظريا.
   أحسن الله للأستاذ الفنان الحاج عبد الكريم الرايس وقوى أعوانه، وجازاه وجميع المواطنين الغير على هذا الفن وأعانه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here