islamaumaroc

القراءات القرآنية واللهجات العربية -8-

  دعوة الحق

العدد 225 ذو الحجة 1402-محرم 1403/ أكتوبر-نونبر 1982

 القراءات القرآنية واللهجات العربية(1)  
 34- ذَخَرَ:
    وردت هذه اللفظة في قوله تعالى: " ويعلمه الكتاب والحكمة والتورية والإنجيل ورسولا إلى بين إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أنني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله وأبرئ لأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تاكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين"(2).
    ذكر أبو القاسم بن سلام (3) أن قوله تعالى."تدخرون" حين تقٍرأ مثقله تكون من لغة تميم(4).
    ومعلوم أن قراءة الإدغام هي قراءة الجمهور (5) أي القراءات المتواترة، وبمعنى آخر هي القراءات السبعة وكل قراءة غيرها وافقت المصحف.
      وهناك قراءتان أخريان غير قراءة الجمهور، لكنهما شاذتان(6).
   الأولى تَذخرون:
      بذال معجمة ساكنة، وخاء مفتوحة(7)، قرأ بها
  مجاهد (8) والزهري (9) وأيوب السختياني (10) وقعنب بن أبي قعنب البصري(11) أبو السمان(12).
     الثانية تذدخرون:
 بذال معجمة ساكنة ودال يابسة مفتوحة من غير إدغام، قرأ بهذا أبو شعيب السوسي في رواية عنه(13).
أما القراءة المتواترة التي تهمنا وهي "تدخرون" بالادغام، لأنها من لغة تميم فإنها موافقة للقاعدة الصرفية في اللغة العربية في وزن "افتعل".
    ومعلوم أن القاعدة التي أقصدها تتكون من ثلاثة مستويات:
أ‌- مستوى حرف الاطباق:
 فإذا كانت فاء افتعل حرفا من حروف الأطباق، وحروف الأطباق هي الصاد والضاد والظاء والطاء، فإن التاء الزائد في الوزن تقلب طاء ثم يقع الإدغام أو الفك حسب صفات ومخارج الحرفين المتجاورين، فإن تجانسا أو اقتربا ادغما وإلا فكا.
ب‌- مستوى الهمزة والواو:
حين يكون أحدهما فاء الفعل، فإن كل واحد منهما ينقلب في وزن "افتعل" تاء ثم يدغم في التاء المزيدة، وهكذا نقول "اتصل" في(اوتصل" و "اتخذ" في (أتخذ). 
  ج- مستوى الحروف الثلاثة: دال، ذال، زاي.
  ومعلوم أن تاء افتعل دالا مهملة حين تكون فاؤه إحدى هذه الحروف الثلاثة هذه هي القاعدة العامة التي تطبق يشكل مطرد.
  فماذا وقع في اللفظة "تذخرون" التي تهمنا؟
  كان أصلها "تذتخرون" وبما أن النطق بالتاء مع الذال ثقيل لتقاربهما في المخرج وبما أن العربي يسلك في نطقه أيسر السبل قلبوا التاء إلى مثيلها الأقوى، ومثيلها الأقوى هو الدال، فاجتمعت الذال المعجمة والدال المهملة وهما من المتقاربين صفة ومخرجا، بين هذا بوضوح العالم اللغوي الزجاج فقال: " وما تدخرون في بيوتكم" أصله "تذتخرون" إلا أن الدال حرف مجهور لا يمكن النفس أن يجري معه لشدة اعتماده في مكانه، والتاء مهموسة فأبدل من مخرج التاء حرف مجهور يشبه الذال في جهرها وهو الدال فصار "تددخرون" ثم ادغمت الذال في الدال، فصار "تدخرون"(14).
     كان أمام فعال الكلام Sujet parlant العربي سبيلين:
   السبيل الأول: أن يتأثر الصوت الأول وهو الذال المعجمة بالصوت الثاني وهو الدال المهملة، يسمى اللسانيون هذا بالتأثر الرجعي، (Régressive)، ومعلوم أن هذا هو الأصل في الادغام، سواء كان ذلك في لهجة تميم أو في غيرها، هنا تنقلب الذال المعجمة دالا مهملة وحينئذ يقع الادغام، يقول :1 تذتخرون، 2 تذدخرون،3 تددخرون 4 تدخرون، هذه هي قراءة الجمهور التي توافق النطق التميمي ويظهر أن هذا التأثير هو الذي ساد في القرآن الكريم، وفعلا فكلما جاءت التاء بعد الذال إلا وأبدلت الذال الأصلية دالا مهملة ليتسنى لها أن تدغم في الدال المنقلبة عن التاء، مثال ذلك " ادكر " في قوله تعالى:"وادكر بعد أمة..."(15) و "مدّكر" في قوله تعالى: "...فهل من مدكر" التي تكررت ست مرات في السورة الرابعة والخمسين (القمر)(16).
    وكلما كانت التاء قبل الذال إلا وأذغمت التاء في الذال دون تحويلها إلى ذال أو دال، لأن من عادة العرب أن تكسب الحرف الضعيف قوة بادغامه في الحرف الأقوى.
    والتاء أضعف من الذال، ولذلك أدغموها في الذال، وذلك في مثل قوله: " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولي الألباب" (17) أذغمت التاء في الذال في "يذكر"(18).
    السبيل الثاني: أن يتأثر الصوت الثاني وهو الدال المنقلب عن تاء افتعل بالصوت الأول، وهو الذال، يسمى هذا عند اللسانيين بالثأتر التقدمي (Progressive)، وعندئذ ينطق بها (تذخرون) بذال معجمة مشددة.
    ويجوز طبعا في هذه الحالة الفك، فيقرأ القارئ " تذدخرون"، وبهذا قرأ كما قلنا أبو شعيب السوسي في رواية عنه.

 1 ) كنت حدثت قراءة مجلة "دعوة الحق" في سبعة أعداد سابقة من مجلتهم هذه عن "القراءات القرآنية واللهجات العربية"، ظهرت الحلقة الأولى من هذه السلسلة في العدد التاسع من السنة الرابعة عشرة، وظهرت الحلقة السابعة منها في العدد السابع من السنة السادسة عشرة، وأواسل اليوم، بحول الله وقوته، متابعة هذه الدراسة التي كنت أوقفتها في اللفظة 33 من لغة تميم.
 2 ) الآية 49 من السورة الثالثة ، آل عمران.
3 ) بينت في مقدمة الكتاب الذي حققته تحت عنوان "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب" من هو أبو القاسم بن سلام، انظر الصفحة 3 من مقدمة المهذب.
4 )انظر حاشية الجلالين، صفحة 55 من الجزء الأول أو بهامش "التيسير في  علوم التفسير الديرني.
5 ) البحر المحيط لأبي حيان الغرناطي، المجلد الثاني صفحة 467 السطر الخامس قبل الأخير.
6 ) المحرو الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لقاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، الجزء الثالث، صفحة 97 تحقيق المجلس العلمي بفاس طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب مطبعة فضالة بالمحمدية 1397 هـ(1977م).
7 ) البحر المحيط لأبي حين الغرناطي، المجلد الثاني،  صفحة 467.
 8) مجاهد هذا هو غير ابن مجاهد صاحب "كتاب السبعة في القراءات"، لذلك مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي الذي توفى رحمه الله وهو ساجد حوالي 103 هـ كانت له اختيارات في القراءات، وإذا أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس ابن مجاهد التميمي البغدادي، المولود ببغداد سنة 245هـ والمتوفي سنة 324هـ أقول هذا لأن بعض الإخوان يخلط بين الاثنين فيما يكتب وما يقول.
 9 ) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب أبو بكر الزهري يطوف بالكعبة المكرمة ومعه ألواح وصحف ولذا صار أعلم الناس في زمانه، عرض عليه أمامنا نافع رضي الله عنه وروي عنه أمامنا مالك رضي الله عنه، مات سنة 24هـ.
 10 ) لا أدري بالضبط من هو ولعله يكون، والله أعلم، أبو بكر أيوب بن أبي تميمة المذكور في الجزء الثاني من اللباب في تهذيب الأنساب لعز الدين من الأثير الجزري صفحة 108 من طبعة بغداد.
11) انظر ترجمته في غاية النهاية لابن الجزري، الجزء الثاني، صفحة 27. 
12 ) حاولت أن أجمع جل قراءاته الشاذة في العدد السابع من السنة السادسة عشرة من "دعوة الحق" ومع حرصي أن يكون الجمع شاملا، لأن الجمع الشامل للقراءات  والشاذة سيساعدنا كثيرا على تكوين فكرة علمية دقيقة عن اللهجات العربية، فإنني نسيت التعرض لـ "تذخرون" الموجودة في هذه الآية، انظر العدد المذكور أعلاه من مجلة "دعوة الحق" الحاشية 10 من الصفحة 66.
13 )  هو صالح بن زياد بن عبد الله بن اسماعيل بن ابراهيم  بن الجارود بن مسرح الرستبي أبو شعيب السوسي، قرأ على حفص بن عاصم. 
14 ) تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، الجزء السابع، صفحة 321.
15 ) الآية 45 من السورة 12 يوسف.
16 )  وردت مكررة في هذه السورة في الآيات 15،17،22،32.
17 ) الآية 269 من السورة الثانية البقرة، تكررت هذه اللفظة "يذكر" بادغام التاء في الذال المعجمة خمس مرات أخرى غير هذه في آل عمران الآية 7 )وفي سورة ابراهيم، الآية 52 وفي سورة الفرقان، الآية 62 وأخيرا في عبس، الآية 4.
18 ) كما سنجد في القرآن صيغا أخرى من هذه المادة ادغمت التاء في الذال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here