islamaumaroc

[كتاب] المقصد الشريف والمنزع اللطيف لعبد الحق بن إسماعيل البادسي.

  دعوة الحق

العدد 225 ذو الحجة 1402-محرم 1403/ أكتوبر-نونبر 1982

     اخترت في هذا العدد أن أقدم كتابا مغربيا مهما في بابه، ويعتبر من أهم المصادر بالنسبة للوحدة المغربية في هذا المجال، باعتبار أن مؤلفه الباديسي كان في مستوى الظرف الذي عاشه سواء بالنسبة إليه أحد الأعلام، أو بالنسبة للمهمة التي تحملها وهو المواطن الواعي بدوره، وبمركزه يومئذ، وباستقلاله المدرسة المغربية التي تطاول التاريخ المتسلسل في هذا المجال.
    وإذا كان مؤرخ المملكة الأستاذ السيد عبد الوهاب ابن منصور قد عودنا خدمة هذه المدرسة منذ بدايته وهو طالب لم يتجاوز العشرين من عمره عندما قدم لنا شخصية (بن الطيب العلمــــــي)(1) فإن إشرافه على إنجاز هذا العمل العلمي الهام لم يأت بجديد بالنسبة للمتتبع مادام قد التزم اختياره هذا...
    وفي هذا الحديث أتناول بالعرض والتقديم الكتاب الجديد الذي صدر عن (المطبعة الملكية) بالرباط، والذي يعتبر حلقة مهمة ضمن سلسلة (فهارس المغرب) التي حقق المغرب في مجالها لبنة إنسانية تكمل بعضها بل سبق بها كثيرا من الدول التي عملت في هذا المجال رغم قلتها يومئذ.
     وهذا الكتاب صدر بعنوان: (المقصد الشريف، والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف) من تأليف عبد الحق بن اسماعيل الباديسي وتحقيق العلامة السيد سعيد أحمد اعراب.
     والكتاب بصفة عامة يتناول بالبحث والدرس.
     أولا: " وثيقة تاريخية (تكميلية لمن سبقه في هذا المجال) لها أهميتها..وهو كذلك معجم جغرافي..جمع فيه المؤلف بين منهج أبي نعيم في (الحلية) ومنهج ابن الزيات في (التشوق).
    ثانيا: "...يعرض لأحداث بن وطاس، والعرب المتغلبين على بلاد الريف أواخر العصر الموحدي، والقرصنة التي كانت تمارسها الصليبية في البحر الأبيض المتوسط لهذا العهد وغير ذلك، مما لا نجده في كتاب سواء"(2).
   ثالثا:"...عرف في الكتاب بالمشايخ من صلحاء الريف أورد فيه ستة وأربعين ترجمة..(3)
   رابعا: في حين أضاف المحقق للكتاب عشر مارس تلقى أضواء كاشفة عن أهم محتويات الكتاب.
     وإذا كان المحقق قد اجتهد كعادته فيما قدمه لحد لأن ضمن المدرسة المغربية في إلقاء أضواء كاشفة مدققة من خلال مقدمته لهذا الكتاب، فإنني أرى من الضروري أن يبت ملخصا لها تعميما للفائدة، وتقريبا من إعطاء فكرة شمولية لمتتبعي الموضوع حيث يقول:
   "لعل أول من أرخ للتصوف ورجاله بالمغرب، هو يوسف بن يحيى التادلي المعروف ابن الزيات، في كتابه المرسوم بـ(التشوف إلى رجال التصوف)، وقد اهتم أكثر بصلحاء الجنوب، ووقف عند حدود سنة(517هـ-1123م) ثم جاء بعده عبد الحق البادسي، فأرخ لرجالات شمال المغرب، واسماه، (المقصد الشريف، والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف)، ويحدد الفترة التي أرخها بما بين زمن أبي مدين، والعصر الذي عاشه المؤلف- أي من حدود منتصف القرن السادس الهجري-الثاني عشر الميلادي، إلى أوائل الثامن الهجري- الرابع عشر الميلادي-وجعله كصلة لتشوف ابن الزيات، فرأيت تتميم صلته، وتنظيم فيصلته كما يشير المؤلف في المقدمة(4)
     أما مؤلف كتاب: (المقصد الشريف...) فهو عبد الحق بن اسماعيل بن أحمد بن محمد بن الخضر البادسى الغرناطي، ينتهي نسبه إلى قيس بن عبادة الخزرجى، استوطن أحد أجداده غرناطة، وانتقل جده الأعلى إلى بادس، وبها ولد عبد الحق في حدود منتصف المئة السابعة للهجرة (650هـ-1252م) حيث تتلمذ عن والده وجماعة من شيوخ بلده، وتردد على فاس، وسمع من مشايخها، ومن أخذ عنهم بها، وقد كان المترجم عالما، ومحدثا مسندا، ومؤرخا نسابة، يميل في كتاباته إلى السجع، ويتكلف الشعر، ورد على فاس، فسمع منه كتابه (المقصد الشريف) جماعة من شيوخها.
    أما آثاره فلا نعرف منها إلا كتابين اثنين هما:
    (طبقات الأولياء) و(المقصد الشريف) الذي ضمنه مقدمة وثلاثة أقسام، حيث ذكر في المقدمة الأسباب التي دعته إلى تأليف هذا الكتاب: وهي(..أن الأديب المتفنن يوسف ابن الزيات، أتى في كتابه (التشوف إلى رجال التصوف) بآيات، لكنه غفل أثره من الحسن والإحسان، عن الريف الكائن بين سبتة وتلمسان...فرأيت تتميم صلته).
      وفي حين تحدث في القسم الأول عن المقامات والكرامات، وضمنه أربعة فصول: (الولاية والولي) و(الفقر والفقير) و(بيان مفهوم التصوف) و(إثبات كرامات الأولياء).
   بينما نجده خص القسم الثاني للحديث عن حياة الخضر عليه السلام.
   أما القسم الثالث وهو المقصد بالذات-فعرف فيه بالمشايخ من صلحاء الريف، وقد استغرق وقت تأليفه نحو سنة، ابتدأه في صدرها، وأنجزه في آخرها على حد تعبيره.
على أننا نلمس في منهج المؤلف في الكتاب أنه كتبه بأسلوب مسجوع، ثم تخلص للحديث عن ذكر موطن المترجم، والقبيلة التي ينتمي إليها بأسلوب مرسل، ويذكر المدارس التي قرأ فيها، أو الزوايا التي تتلمذ بها، والشيوخ الذين أخذ عنهم، وما له من تلاميذ ومريدين، والكرامات التي شوهدت له، أو رويت عنه، وربما أشار إلى تاريخ مولده ووفاته.
    وقد التزم عقب كل ترجمة، انبات ضمنها ما للمترجم من مناقب وحلى، صنيع يوسف ابن الزيات، فهو قد جمع بين المنهجين، منهج أبي نعيم في الحلية، ومنهج ابن الزيات في التشوق كما أسلفت.
     ومن جانب آخر تبدو أهمية (المقصد الشريف) في كونه حلقة مفقودة في تاريخ التصوف بالمغرب، وهو تصوف نقي، لولا ما فيه من مبالغات في بعض الكرامات، فهو إلى تاريخ النساك والزهاد أقرب منه إلى التصوف.
     وقد قال فيه صاحب كتاب: (بيوتات فاس) أنه تأليف عجيب، حسن في بابه، صغير الحجم، كبير القدر، غريب الوضع، شهير الذكر.
     والكتاب كما أسلفت إلى جانب ذلك- وثيقة تاريخية لها أهميتها، فقد عرض لأحداث بني وطاس، والعرب المتغلبين على بلاد الريف أواخر العصر الموحدي، والقرصنة التي كانت تمارسها الصليبية في البحر الأبيض المتوسط لهذا العهد، وغير ذلك، مما لا نجده في كتاب سواه.
      وهو كذلك معجم جغرافي، حدد قبائل الريف بأسمائها، ومواطنها تحديدا دقيقا، مما يجعل القارئ يعيد النظر في كثير من الحقائق التي أوردها ابن خلدون في (التاريخ) أو (المقدمة) مما أوضحه المحقق في هوامش الكتاب.
     وإذا كان (كتاب المقصد الشريف) كتاب علمي له أهميته الوحداوية الخاصة فيمكن أن نستخلص منهج المؤلف من الملاحظتين التاليتين:
       أما عن منهج التحقيق، فقد أوضح الأستاذ سعيد أعراب أنه، وقف بالخزانة العامة بالرباط على نسخة تعتبر الفرع الأول للنسخة الأم فقابلها معها وعارضها بباقي النسخ، والظاهرة التي تميز هذه النسخ جميعها كثرة التصحيف والتحريف، وقد حاولت – ما استطعت-(5) تقويم النص، وأرجعت بعض النصوص إلى أصلها، ولم أرد أن أثقل الكتاب بالشروح والحواشي، إلا أن طبيعة النصوص التي تضخم بها القسمان الأولان من الكتاب، اقتضت بعض التعاليق، لذا نجد القسم الثالث الذي اختلفت منه هذه النصوص أو كادت قد خفت فيه التعاليق إلا ما لا بد منه، وربما- يقول المحقق- ترجمت لبعض الإعلام تراجم مقتضبة مكتفيا بالإحالة على مصادرها، مختتما المقدمة بأنه ذل الكتاب بتراجم مفصلة، تلقى أضواء كاشفة عن موضوعاته وأهم محتوياته، وهي:
      (فهرس الموضوعات) و(فهرس الآيات) و(فهرس الأحاديث) و(فهرس المصطلحات الصوفية) و(فهرس الاعلام) و(فهرس القبائل والشعوب والطوائف) و(فهرس البلدان والأماكن) و(فهرس الأبيات الشعرية) و(فهرس الكتب الواردة في المتن) و(فهرس مصادر التحقيق).
1)أن الباديسي كان على اطلاع واسع سواء بالنسبة لمن سبقه من مؤلفي باقي أجزاء الوطن في هذا المجال.
2)وأنه كان أيضا على علم تام بما جد في غير المغرب من حيث التأليف المعجمي مما يشير إليه أسلوبه المختصر المركز تركيزا دقيقا – كشف عنه بدقة السيد المحقق- وجملته التعبيرية الجديدة، ولغته المبسطة، مما يجعل الحقبة التي تناولها بالبحث ذات أهمية في حين نشير أيضا إلى أن الرجل كان في مستوى المهمة المنوطة به، وصورة للمناخ الفكري الذي تم فيه إنجاز هذا الكتاب الهام.
      وبعد، فإنني أود قبل إنهاء هذا العرض أو أؤكد أن سلسلة مطبوعات (المطبعة الملكية) بالرباط ليست مجرد كتب كما قد يتخيل للبعض، ولكنها سلسلة تشير في وضوح إلى مخطط التزم خدمة المدرسة المغربية في إطار اختيار مدروس في صمت، في حين تشير من جانب أعم إلى مستقبل البحث العلمي الذي يتضافر من عدة جوانب بالمغرب الجديد، وآفاق رجال البحث فيه، مما يؤكد في جلاء أن المستقبل عريض وفسيح أمام الجامعات المغربية وأهدافها البعيدة والمتوسطة والقريبة.
     وكم أتمنى-بل وادعو-إلى أن يأخذ هذه السلسلة الذهبية التي تكشف عن أبعاده الوحدة في بلادنا من منظور الفكر العلمي والاتجاه الإنساني الذي سلكته، والجد والاتجاه الذي كان يطبع دائما الباحث المغربي من خلال مثلا (المقصد الشريف..) وأيضا من خلال من سبقه أو تبعه ممن كلفوا أنفسهم البحث في قطاع نجد اليوم الدول المتقدمة علميا تخصص له المؤسسات والقطاعات والميزانيات التي لا بد اليوم –ونحن في عصر التخطيط – من التفكير فيها بالفكر العلمي، وما أظن ذلك بعزيز على أحفاد هؤلاء والله الموفق.

(1)  مجموعة (البدائع ) صدرت بسلا سنة 1357 هـ-1938م.
(2)  المقدمة –صفحة 8.
(3)  المقدمة صفحة 7.
(4)  المقدمة صفحة5.
(5)  قول المحقق في المقدمة

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here