islamaumaroc

خواطر واقتناعات حول مقال "علي بيه الجاسوس الاسباني بالمغرب -1-

  دعوة الحق

العدد 225 ذو الحجة 1402-محرم 1403/ أكتوبر-نونبر 1982

   مهما كانت العلاقات بين المغرب واسبانيا في الوقت الحاضر، وكانت نوعيتها وأسبابها، فذلك لن يعفي من البحث في أسبابها ويوجب النظر في عمق الموضوع وسلك الطرق القويمة للفهم الصحيح بالابتعاد عن استعمال العواطف والشهوات.
    وإذا ما اهتممنا ببحث الجزيئات، فلاعتبارها تكون الكليات وتشكل وضعية عامة هي الأساس لما توجد عليه العلاقات القائمة إن إيجابا بالنسبة للنظرة المستقبلية أو سلبا بالنظر للماضي.
    وليس البحث في الجزيئات بالأمر الهين، إذا ما تجردنا عن النظر إليها بما تجيش النفس به من العواطف والمبتغيات، بمعنى أننا يلزم أن نتجرد للبحث عنها في خلفياتها وما تركته من آثار فعلية من الارتباطات، وأن لائمر بها مر الكرام وننظر إليها من خلال ظروف طارئة وإن كان التاريخ لا يتسامح في عدم ذكرها، وشرحها بما يتطلب حسب معطيات الزمن والظروف، ومجانية التأثيرات التي تحيد عن العمل المثمر النافع.
    هذه جزئية لا بد من ذكرها، أو بسطها، طبقا للدافع والإمتدادات المستقبلية لإدراك حقيقتها واستخلاص الواقع من شأنها على اعتبار كونها حوادث تاريخية بالنسبة للماضي.
    فقد وقفت في العدد الثالث والسبعين من مجلة "التاريخ 16" التي تصدر بمدريد على مقال بعنوان : "علي بيه، الجاسوس في البلاط المغربي" تعرض فيه كاتبه للموضوع وآثاره بنزعة لا تخلو من تعصب لا تساعد على ما ذكرته وتعرقل ما يوجد المغرب الآن بصدده من تقريب الفهم الصحيح وعدم زيادة شقة الخلاف بين بلدين كتب لهما أن يعيشا في تآخ ومودة متبادلة.
    نحن لا ننكر حق المجلة في البحث التاريخي والتعرض لحلقات الحوادث التي لها التأثير الكبير في العلاقات بين البلدين، لكننا نعتقد أن تلك العلاقات توجد في وضع يعفيها من استعمال العواطف التي تبعدها عن تناول البحث الموضوعي والإحاطة بظروفه وعدم مسايرة الاثارات التي تنزع إلى قصد معين حسب الميولات والأهداف السياسية.
    وبإثبات هذا الحق،  ننكر الأسلوب المبني على اللف والدوران الذي يبتعد عن الوصول للنتائج الحقيقية ويتقمص روح اللمز والتشويش.
    فالظروف قد تغيرت، وتغيرها يوجب ابدال النزعة القديمة والتعويض عنها بما يساير الظروف الحالية، وإلغاء النزعة الاستعمارية، فالمغرب الآن غير مغرب ما قبل اليوم وهو في الحاضر على أشده، وليس كما كان قبل محط نزاع شديد ومصدر ما كان يراد له من تطبيق سياسات توسعية كل يهدف إليها بوسائلها الخاصة وظروفه إذ ذاك.
   إن الحوادث الماضية، وظروف المغرب على ذلك العهد تستلزم نظرة  خاصة إليها، وتوجب من الأوضاع، والنزع إلى التسابق إليه كل وسائله ومؤهلاته وكل بعمله وإمكاناته، وقد أصبح جميع ذلك من الخلفيات التي هي في ذمة التاريخ أكثر مما هي تدعو لمصلحة الظروف الحاضرة.
   لست أقول هذا بغير دافع النظر إلى الواقع في الحاضر، وإن كان – كما اثبت- لا يعفى من البحث التاريخي الحق والموضوعي.
    فقد أقدمت اسبانيا على احتلال المغرب خلال القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر، وحققت جزءا من مطامحها أوائل القرن العشرين باحتلالها قسما من ترابه في الشمال، وما كان يدعى بالمنطقة الاسبانية مابين 1912 و 1956، وإن كان باختلاف عن الصورة التي كان البغي الاستعماري الأجنبي يريد لهذه البلاد.
    لكن وضعية المغرب في الحاضر ليست كما كانت عليه إذ ذاك فهو كما جد في الحصول على استقلاله وتحقيق جزء من وحدته، فهو لا يزال جادا في اكتمال تلك الوحدة ويسعى لها طبق إمكاناته الجديدة.
    وهذه الإمكانات والأوضاع وإن لم يكن من شأنها أن تغير التاريخ وما وقع خلاله من حوادث، فإن التفسيرات لا يجب أن تطابق المصلحة الحاضرة برغم من تلك الحوادث التي كانت تفرض استعمال الروية ومراعاة كل الظروف.
    وهذا ما أغفله – على ما نعتقد – البحث الذي نحن بصدد التعرض لتفسيره ونقده.
    فالجدير بمؤرخ موضوعي أن يجعل هذا نصب عينيه فيما يكتب، إذ كما يحق له أن يتناول موضوعا معينا، كان يجب أن يكتب فيه بروح أكثر تجردا وعدم مسايرة الهوى والعواطف التي تجيش بخاطره.
    أقول هذا، لا اعتماد على وجوب عدم اكتفاء الكاتب بوجهة نظر خاصة من زاوية ما كانت اسبانيا تريده إذ ذاك، بل أيضا لما كان يلزمه من ذكر جميع ظروف الإقدام على ذلك العمل سواء بالنسبة لبلاده أو المغرب نفسه.
    ثم إن الحادث نفسه، وهو في حد ذاته أمر واقعي، كان يلزم للإحاطة به كبحث تاريخي أن يتوفر على جميع عناصر الحكم سواء بالنسبة لاسبانيا أو بالنسبة للمغرب.
    فالجنرال كَودوي بالنسبة لنفس المؤرخين الإسبان شخصية متنازع فيها، له ما يؤيد مراميه وسياسته، كما له معارضون من نفس المؤرخون الاسبانيين في تلك المرامي والغايات.
    وهذا شأن التاريخ، مع اعتبار التجردات العاطفية والبحث في عمق الأسباب والدوافع لها، فالحكومة الاسبانية كما كانت لها أيام عهده ظروف خاصة، فإن تلك الظروف كانت توجب في حقه وهو المسؤول الأول عن تسيير دفة الحكم والسياسة رعي كل الأسباب وإمكانات الخطو إليها، والتي منها وجوب العلم والإحاطة بكثير من الظروف التي منها تشبت المغرب بالذود عن حياض وحدته وتمسكه بالوقوف في وجه كل معتد عليه.
   وليست الظروف المغربية هي التي كانت وحدها تبرر وجوب التدبير، بل كانت هناك ظروف أخرى كان واجبا اعتبارها سواء من وجهة النظر الداخلية أو بالنسبة للمطامع الأجنبية.
    فحادث ما وقع لعلي بيه كان بتدبير منه ونصح من الجنرال كَودوي وهو رئيس الحكومة الاسبانية إذ ذاك، ولا يخرج عن كونه كان مجرد اجتهاد شخصي، إلا أنه اجتهاد كانت تنقصه كثرة الخبرة والاطلاع.
   فلم يكن يكفي أن ينظر للمغرب من زاوية المواقع الخاطئة وزوايا المتمنيات الأنانية، إنما كان يلزم لاكتمال الحكمة الحكومية أن تقدر العواقب كلها سواء بالنسبة لشخص المولى سليمان وتأثيراته الشخصية، أو من كون المغرب برغم ما كان يعمه من اختلافات ومطامع شخصية، فهو أمة يمكن أن تصبح واحدة أمام الخصم الأجنبي، وذلك ما وقع بالفعل.
   على أن هذه النظرة في حالة المغرب وأوضاعه، لم تكن كافية لحد ذاتها، وإنما كانت هناك دول غير المغرب لها مواقف معلومة من محاولات قلب السياسة الاسبانية وتحويلها من الغرب إلى الشرق، وتغيير الاتجاهات العكسية باستبدال تحاولات التوسع في أمريكا بالشرق الذي كان  هو المطمع الأصيل في نهج السياسة الاسبانية.
    وإن المعاناة التي كانت اسبانيا تعانيها بالقارة الاميريكة، والانتفاضات الإقليمية في تلك القارة ضدا على السياسة الاستعمارية الاسبانية، قد جعلت كَودوي يتجه بنظره من جديد إلى الاستيلاء على الشرق كله.
    فالعقبات التي لاقتها خطة كَودوي اصطدمت بذلك، وباءت بالفشل لأول وهلة عند المحاولات الأولى بالمغرب فاضطر كَودوي لتحويل الخطة من محاولات الابتلاع وسلك السبيل الجديد إليه، إلى محاولات التجسس.
   
 وكلا الخطتين كان باديا العباسي أو ما كان يطلق عليه إذ ذاك إسم (علي بيه) كان رجلها الأوحد والشخص الذي سعى للتمكن من نزعته الجديدة واستمرار الخطة التوسعية فخسر معركة بعد أخرى برغم الحيل التي تحايل بها، والصفات التي اتخذها لتدبير عمله.
      وإلى جانب ذلك كله، كانت هناك حالة داخلية بالنسبة لاسبانيا كان يلزم مراعاتها قبل الإقدام على كل تدبير جديد، فكل نزع استعماري واستبدال خطة بأخرى كانت تتطلب درسا عميقا لجميع الحيثيات، وفي  مقدمتها ما ذكرناه من الاعتبارات.
    كانت الحرب التي تريد اسبانيا شنها لا تشمل المغرب وحده، بل ترمي لاحتلاله والسير منه إلى مصر في معركة صليبية ضد الإسلام والمسلمين، وقد تفطن المغرب لهذا وأدرك أن الذي تريد اسبانيا القيام به كان يعني أولا احتلال أرضه، ثم جعلها قاعدة الانطلاق التوسعي الصليبي الجديد بتعويض التفكير في أميركا بالاتجاه نحو الشرق الإسلامي وقد تصور كَودوى أن ذلك كان أمرا ممكنا يضرب به عصفورين بحجر واحد كما يقال، فهو كان يسعى لأشغال الرأي العام الاسباني في الداخل، ويريد بسط الوجود الجديد لبلاده بكسب المعركة الأولى في المغرب، نغفل أولا عما أصاب اسبانيا من الانحدار عند شنها الحرب ضد شمال إفريقيا في الجزائر وتونس وطرابلس، أيام شارل الخامس وعلى يد الكردنال تسنيروس ونسى المقاومة التي تعرضت لها اسبانيا من طرف الدول الإسلامية والتي آلت للانحدار والتراجع.
   ثم إن ذلك الاقدام منه على يد باديا قد كان كشفا لسوء النية المبيتة للوقيعة بالمغرب فاتبع وسائل المغريات وابتعد عن الحقيقة من أمر المغرب وشأن الدول الإسلامية كلها.
   وهذا ما نجعله موضوع هذا البحث محاولين وضع الأمور في نصابها دون استعمال العواطف وطرق اللمز والتشويش.
     لاشك أن من الدوافع إلى ما قام بها باديا العباسي باتفاق مع كَودوي كانت حالة المغرب الداخلية وما كان يعمه من الثورات والحالات، إلا أنها ثورات وحالات كان لها من الاعتبار ما يجعلها شؤونا داخلية لا يحق استغلالها من طرف أية دولة أجنبية مهما بلغت سطوتها وكانت تدبيراتها ثم أنها في الوقت نفسه كشفت  عن أمر ما كان يلزم أن يكون ونعني به سوء النية الاسبانية وما كانت تنزع إليه.
     فمحاولات كَودوى، واستغلاله للميولات الشخصية لباديا الذي أصبح يعرف في المغرب بعد ذلك بالأمير العباسي، كانت أيام المولى سليمان، ولا يخفى عن كل مغربي مدرك لتاريخ العهد السليماني أن المغرب على تلك الأيام كان يعاني تفككا كان يهدد لانقسامه، وتمردات داخلية أغرت كل أجنبي بالتفكير في احتلاله والتوسع ضد الإسلام والمسلمين، إلا أنه بجانب هذا الواقع كان لازما إدراك حقيقتين اثنتين، أولاهما سعي المولى سليمان لتوحيد البلاد تحت ملكه وعرشه، وثانيهما شعور التماسك الديني والنزع لرفض كل احتلال أجنبي، وهو شعور وطني حقيقي.
    وإلى جانب هذا وذاك كان احتلال سبتة ومليلية من طرف اسبانيا مما يعكر صفو كل تفاهم معها مما جعل المولى سليمان يقوم بإلغاء جميع المعاهدات الترابطية بين المغرب واسبانيا وما كان قد أبرم من الاتفاقات بين البلدين على عهد والده المولى محمد بن عبد الله.
   وبرغم هذه العوامل كلها، بالإضافة إلى النزاع الدولي أقدمت اسبانيا على ما سبب لها في الكوارث وجعل العلاقات المغربية الإسبانية تسير من توتر لآخر أشد منه.
   فالتمردات الداخلية بالمغرب ومحاولات الانقلابات ومحاولات استغلال تلك الأوضاع والعودة إلى نظرتها التوسعية الاستعمارية الدينية قد جعلها تمارس ما أقدمت عليه، والموافقة على ما كان ينصح به باديا العباسي.
    فقد كان بالجنوب المغربي تمرد ضد العرش، وفي شماله ثورة عارمة عليه، وقد استطاع المولى سليمان أن يفتك بالأولى ويقضي على محاولات المولى هشام، كما قضى بعد ذلك على الفتنة في الشمال وصرف أيامه كلها باستثناء  الأربع سنوات الأخيرة من حياته في التنقل بين ربوع البلاد من الجنوب إلى الشمال حتى تمكن من إعادة المياه في المغرب لمجاريها، ساعده على ذلك حسن عزمه وصرامة الشعب في الوقوف معه ضد المكايد التي كانت تدبر ضده وحدة البلاد.
    هذه مقدمة توضيحية لا بد من ذكرها قبل التعرض للتفاصيل الجزئية التي نحن بصدد ذكرها.
    فالتاريخ يروي أن كَودوي قد اقنع شارل الرابع بأهمية رحلة باديا للمغرب وقام بتهيئ مقابلة بين شارل الرابع وباديا لشرح وجهة نظره وأصغى إليه وإلى رفيقه في الرحلة روخاس كلمينت واستمع لشروحاتهما فأصدر أوامره بمنحهما جوازات السفر واعتبار عائلة باديا تحت حماية الدولة بمنحها ما تتوقف عليه من مال أثناء غياب باديا في مهمته، فسافر باديا وبمعيته رفيقه إلى باريس ومنها إلى لندن متقمصين صفة البحث العلمي حيث تمكنا في العاصمتين من الاتصال برجال البحث هناك، بينما الحقيقة أن باديا كان يخفي الغاية الواقعية من رحلته.
    ويحدثنا عن ذلك كَودوي في مذكراته فيقول: "لقد ادركت منذ الوهلة الأولى غرابة كون باديا ينتحل صفة اجتيازه إلى الإمبراطورية بوصفه عربيا لا إسبانيا وادعاءه الحج إلى الأماكن المقدسة كسليل للنبي وكونه يسعى بذلك للحصول على ثقة سلطان المغرب أو مساعدة التعاون ضد الثوار وجعل السلطان يقوم بنفسه بطلب التأييد الواسع من البلاط، وهو إن لم يحقق ما كان يتوق إليه يكتفي بطمع الإحاطة وتقدير قوته والسعي للتفاهم مع خصوم الملك حتى يتمكن من خوض غمار الحرب وتنفيذ ما كان مبرما من اتفاق معهم، وبذلك يمكننا الحصول على ما نريد".
   وقد انتقل باديا بعد لندن إلى قالص ومنها للجزيرة الخضراء حيث سافر إلى طنجة بعدما خلف بالأرض الإسبانية صديقه روخاص الذي انتحل اسم محمد بن علي، بينما الأول اتخذ في لندن اسم علي بيه.
   كان وصوله لطنجة يوم التاسع والعشرين من شهر يونيو سنة 1803، ومنها قام بتحرير رسالة لصديقه محاولا اقناعه للالتحاق به، كما حرر رسائل أخرى لذويه تاركا للحكومة اختيار وقت الإعلان عن مهمته والظروف والغاية التي سافر من أجلها.
    وقضى باديا بالمغرب سنتين ستكونان محور الحديث المقبل عن تفاصيل هذه المهمة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here