islamaumaroc

الإسلام وقضية المعاصرة.

  دعوة الحق

العدد 225 ذو الحجة 1402-محرم 1403/ أكتوبر-نونبر 1982

   في كل قضية تسأل عن رأي الإسلام، إنه الميزان الدقيق الذي يحتكم إليه يهدينا في هذا الطريق الطويل المضبب بالسحب الكثيفة التي تحجب ضوء الحقيقة، إن الإسلام لا يقر الاستسلام لروح العصر ويري أن روح الأمة أعظم من روح العصر. فروح الأمة من الأصول الأصلية التي أقامها الدين الحق وبنى عليها الأمة منذ أربعة عشر قرنا لبعضها على طريق الحق، وعلى المحجة البيضاء، يحل حلالا ويحرم حراما، أنها هي الثوابت الراسخة التي تحرك الأمم في إطارها من خلال تغير العصر وتغير البنيات أما روح العصر فما هي إلا طائفة من التقاليد التي شكلها العصر وقامت بالحق حينا وبالباطل حينا وله مجموعة تجارب وظواهر وفروض قدمها أناس مصلحون أو مفسدون، فهي خليقة بأن تراجع وتغربل ويستصفى منها وجوه الخير، وينبذ منها كل فساد وضلال ومن أخطر الدعاوي المسمومة تلك الدعوى التي يطرحها الغربيون بقولهم أن يجعل الإنسان نفسه جزءا من عصره ومعنى هذا أن يضحي الإنسان بالقيم والضوابط والحدود التي أقرها الدين الحق، لتفسح الطريق أمام تجاوزات العصر وأهواء البشر وأخطاء الناس، تحت اسم التقدم المادي أو الاباحيات والحريات المنطلقة بعيدا عن الالتزام الخلقي الذي هو جزء أساسي من مسؤولية الإنسان في الحياة.
    وما أظن أن ميزانا للتقدير الصحيح تحت حكم العقل والفطرة والعلم يقبل منا أن نستسلم متابعين وعبيدا اذلاء لكل ما يفرطه عليها من أهواء البشرية وفسادها وانحرافها وتحللها أو أن نجعل من الشريعة الغراء وسيلة لتبرير هذا الواقع الفاسد أو تحسينه أو تأويله، ولو حتى تحت حكم الضرورة أو حكم الرخص أو حكم الظروف المبررة فإن هذه كلها لا تفرض أبدا  احتراج قاعدة من القواعد الثوابت في بناء العقيدة أو بناء المجتمع ولذلك فنحن لا نقبل كل ما يقدم العصر سواء في الأدب أو الفن أو مسرح أم العقيدة الاجتماعية أم الفلسفة المادية من تبريرات للواقع القائم في المجتمع تحت اسم التطور، وواجبنا أن نرد المجتمع إلى الأصالة وأن لا تقف مهمتنا عند حد مراقبة الأوضاع ووصفها وتقبلها ولكن يجب أن نصل إلى مرحلة التوجيه للمجتمع واصلاحه وتحريره من عوامل الفساد والانحراف وأن تلزمه بمثول حكم الله والتماسه منهجه وإلا حكمنا عليه بأنه مجتمع ضال وعلينا أن نكشف هذا الفريق الداعي إلى التثبيط والتبرير والمتابعة فإنه جزء من خطر التغريب والغزو الثقافي المفروض الآن على العالم الإسلامي ونحن مطالبون في رأيي بأن نحطم الدائرة المغلقة هذه الدائرة المظلمة من التبعية للغرب ولفكرة ولاسلوب عيشه ولمفاهيمه في الأخلاق والنفس والعلوم الاجتماعية علينا أن نكون ربانين أوسع افقا ننظر إلى الأبعاد المتعددة ولا نحصر أنفسنا في الفكر الغربي الجزئي الانشطاري المادي الوجهة ولا الاستسلام لروح العصر أو التبيعة للأوضاع المفروضة التي رسمتها الظروف والعادات وتراكمت عليها شتات الامم وأهواءها ونقول أن المجتمع هو المسؤول عن الأخطاء والانحراف، فهذا باطل والمسؤول الحقيقي في مفهوم الإسلام هو الفرد، مسؤول عن عمله وعن تقبله للواقع المعرض لحدود الله أو رفضه وتجاوزه.
    إن القول بأن هذا العصر هو عصر العلم قول فيه كثير من الخطأ والتجاوز، فأي علم هو ذلك أنه يخضع له العصر.
هل هو العلم التجريبي الذي يعرف بالمحسوس وتجارب المعامل، وهو لا يستطيع أن يحيط بما سوى ذلك، أم هو الفلسفة العلمية القائمة على مفهوم المادة وحدها، أم هو مفهوم البحث العلمي الخادع الذي يجزئ النصوص ويقبل منها ما يوافق هواه، ويستقبل البحث بآراء مسبقة ولا يحفظ نفسه من الأهواء والتعصب والأحقاد.
    هل هذا هو عصر العلم الذي يريد أن يخضع البشرية كلها له.  وكيف به ازاء الابحاث النفسية وما يتعلق بالمعنويات وخصائص الروح وكيف به ازاء الأمم والشعوب هل تبقى سيطرة العلوم والتكنولوجيا في أيدي الأقوياء وحدهم وتظل الأمم المستضعفة متخلفة وعاجزة عن امتلاك إرادتها، وهل تظل الأسلحة الفتاكة بين طرفي النزاع مهددة للبشرية كلها وفارضة مفاهيم في الأخلاق والاجتماع والسياسة قوامها الاذلال والسيطرة، وهل تظل الأمم التي تدعي أنها تعيش في عصر العلم تستعمل أدوات العلم في العبث والإباحية  وتدمير الأخلاق وتظل قائمة على مجموعة من الأساطير القديمة والوثنيات والماديات ولا تتعرف إلى طريق بالحق فتعرف مسؤولية الإنسان الحقيقة في هذه الدنيا وأمانته وتؤمن بأن الإنسان روح الجسد وأن الماديات لا تستطيع أن تسيطر فتفزع جانب الروحيات والمعنويات وتحجبه وتترك في النفس الإنسانية تلك الهزائم والأزمات والأحاسيس بالغربة والغثيان والحقيقة أن كلمة عصر العلم هي كلمة متناقضة لأنها تحاول أن تحتمي بالعقل بينما هي تفر من الفطرة، وتحاول أن تقف عند المحسوس فإذا هي ضباب في أعماق الأساطير، وإذا هي عقلانية في نفس الوقت فاسدة التصور ذاهبة مع الأهواء والأوهام إلى أبعد مدى إن هذا العطاء المادي وحده لم يحقق للنفس الإنسانية أشواقها، بل لعله زاد من أزماتها، لأنها انفصلت عن فطرتها الجامعة بين المادة والروح، فإذا كانت الحضارة المادية تعطيها في الجانب المادي فإنها قد حرمتها الإطار المعنوي الذي يجب أن يتحرك في الماديات رحمة وخلقا وإخاءا إنسانيا وعطاء وغيرية، أما هذا التكالب المادي والاندفاع الإباحي فإنه مضاد لفطرة الإنسان الحقيقية.
    ومن هنا يأتي فساد الفلسفات الاجتماعية المعاصرة التي تحاول أن تقول بأن الإنسان خاضع للعصر والزمن والتيه، وليست هذه النظرية الجبرية صحيحة مع الروح على أي وجه من الوجوه، فإن الإنسان هو الذي يصنع عمله وهو مالك الإرادة الفردية هذه الإرادة  الفردية التي هي أساس المسؤولية والجزاء أما استسلام الإنسان لعصره فتلك هي انتكاسة البشرية عن دعوة الدين الحق.
    وإلقاء المسؤولية على العصر هي مؤامرة المدرسة الاجتماعية التهورية، المصدر التي تريد أن تدمر حقيقة أمانة الإنسان في الحياة ومسؤوليته والتزامه الأخلاقي.
    إن دعوى الاستسلام للعصر أو مسايرة الزمن هي قضية خطرة مسمومة ولو فعل المسلمون ذلك لأصبحوا منذ وقت بعيد غير مسلمين، ان المسلم مطالب بأن يغير الوضع الاجتماعي في بيته ليتفق مع أمر الله وأحكامه وحدوده وهو يستطيع أن يستعمل وسائل العصر في تحقيق هذه الغاية.
    وعلى المسلم أن يغير العرف العام إذا مضى نحو المادية أو الوثنية أو الاباحة وأن يرده إلى الحق لا أن يبرر هذا الانحراف بتأويل نصوص الإسلام إن استجابة المسلم هي لله ولشريعته وليس للعصر (استجيبوا لربكم) والإسلام لا يحول دون استجابة للعصر وللمتغيرات وللبيئة شريطة أن يكون ذلك من داخل دائرة قيم الإسلام الأساسية الثابتة التي لا يمكن تجاوزها ونحن نستطيع أن نستعمل وسائل العصر ولكننا لا ننسى عقيدتنا وقيمنا وأدابنا إذا كنا نحن أصحاب حضارة مؤهلة فإننا نستطيع أن نحملها إلى سائر الأمم.
     وقد شهد من علماء الغرب أنفسهم فكرة الغرب وانشطارها وأنها كانت المصدر لانحرافه وأزمته بقولة أرنولد توينبي في كتابه الحضارة والغرب إن الحضارة الغربية لا بد أن تمر في طور من التدهور والانحلال الذي مرت به الحضارات من قبل من أجل هذا كانت فنون الصناعة والاقتصاد وغيرها من المعارف غير كافية لتوفير الاستقرار والسعادة للمجتمع الإنساني ذلك أن الروابط الروحية هي العمد التي يقوم عليها صرح المجتمع ويتماسك بناءه، ويقول الدكتور حسين نصر الذي نقلنا عنه ما يؤكد فساد نظرية روح العصر قبلا، إذا عرفنا الغرب لأدركنا ما يواجهه من مشاكل معنوية وتدهور خلقي وأخلاقي وان ما يتحدث به عن ضرورة تقليد الغرب بحجة مسايرة الزمن ليس إلا ضعفا في المعنوية وأحساسا لعقيدة الحضارة التي تواجهها الأكثرية قبال الغرب، ويدرك هذه المسألة الشباب الغربي أنفسهم حين راحوا يتوسلون ب؟؟؟
كاذب ليصبحوا "هبيين" ولو أدركنا نحن هذا الضعف والفقر الذي يعانيه الغرب لما تلقينا فكره وكأنه وحي منزل ينبغي أن يسود ويفرض علينا بحجة مسايرة الزمن؟ لقد قال المسيح لأمته "إذا صفعك الإنسان على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر" ولكن المدنية المسيحية نفسها هي التي سجلت أعظم الأرقام في القتل والتدمير....

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here